إرث الحمائية... رسوم ترمب ترسم ملامح الاقتصاد الأميركي في 2026

هل يشعل «يوم التحرير» شرارة عصر النمو المنتظر هذا العام؟

ترمب في اجتماع مجلس الوزراء بالبيت الأبيض يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب في اجتماع مجلس الوزراء بالبيت الأبيض يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

إرث الحمائية... رسوم ترمب ترسم ملامح الاقتصاد الأميركي في 2026

ترمب في اجتماع مجلس الوزراء بالبيت الأبيض يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب في اجتماع مجلس الوزراء بالبيت الأبيض يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

في عامٍ تداخلت فيه السياسة بالاقتصاد على نحو غير مسبوق، شكَّلت الرسوم الجمركية -أو ما يُعرف بـ«يوم التحرير»- محور الاضطراب الاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم؛ إذ بدت البلاد وكأنها تسير على حافة عدم اليقين؛ حيث لم تعد المؤشرات الكلية وحدها كافية لفهم ما يجري، ولم يعد الخطاب السياسي قادراً على طمأنة الأميركيين والأسواق معاً. وبين قرارات حاسمة اتُّخذت بسرعة، وتداعيات لم تتضح آثارها بالكامل، تشكَّل مشهد اقتصادي معقَّد اتسم بتناقضات لافتة: تفاؤل رسمي صاخب يقابله حذر عميق لدى الشركات والمستهلكين، واستثمارات ضخمة في المستقبل التكنولوجي تتزامن مع ضغوط معيشية يومية متزايدة.

ومع بدء 2026، يبرز سؤال جوهري: هل ما تشهده أميركا هو مخاض تحوُّل اقتصادي جديد؟ أم مجرد مرحلة اضطراب ستترك آثاراً طويلة الأمد على النمو والاستقرار؟

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم 2 أبريل (أ.ب)

اضطرابات عام 2025

يمكن تلخيص الاضطرابات السياسية والاقتصادية المباشرة في أميركا العام الماضي، بالنقاط التالية:

1- الرسوم الجمركية والتضخم: شكَّلت الرسوم الجمركية محور الاضطراب الاقتصادي في عام 2025، ليس داخل الولايات المتحدة فحسب؛ بل عالمياً؛ إذ مثَّلت سياسات الإدارة الأميركية قطيعة مع عقود من تحرير التجارة. ومع فرض «الرسوم المتبادلة» ورسوم إضافية مرتبطة بقضية «الفنتانيل» على واردات من كندا والصين والمكسيك وغيرها؛ بلغت مستويات الحماية التجارية أعلى مستوياتها منذ عقود.

ووفقاً لبيانات البنك الدولي، قفز متوسط الرسوم الجمركية إلى 15.8 في المائة مقارنة بـ1.5 في المائة في 2022، بينما قدَّر مختبر موازنة جامعة ييل وصوله إلى نحو 17 في المائة بنهاية 2025، ما وفَّر إيرادات شهرية تقارب 30 مليار دولار.

غير أن التكلفة الاقتصادية كانت واضحة؛ إذ أدت الرسوم، منذ بدء تطبيقها في أبريل (نيسان)، إلى ارتفاع تكاليف سلاسل التوريد، وانتقال 40– 50 في المائة من أعبائها إلى المستهلكين، ما رفع التضخم الأساسي بنحو 0.4– 0.5 نقطة مئوية، وزاد تكلفة المعيشة على الأسر بنحو 1100 دولار سنوياً.

ورغم تحصيل 235 مليار دولار من الرسوم منذ بداية العام، بقيت الإيرادات دون التوقعات (300 مليار دولار). ومع ذلك، ترى الإدارة أن الأثر قد يكون أقل حدة مما خُشي سابقاً.

في المقابل، ظل التضخم أحد أبرز التحديات في 2025، رغم تسجيل مؤشر أسعار المستهلكين في نوفمبر (تشرين الثاني) ارتفاعاً أقل من المتوقع عند 2.7 في المائة سنوياً؛ إذ اعتُبر هذا التباطؤ مؤقتاً وعائداً لعوامل فنية، وسط استمرار الضغوط الأساسية الناتجة عن الرسوم الجمركية.

وحذَّر رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول من تأثير إغلاق الحكومة على دقة البيانات، بينما بقيت القدرة الشرائية للأسر الأميركية تحت الضغط، نتيجة ارتفاع تكلفة السلع المستوردة والخدمات، ما عزَّز شعوراً بأن التضخم لم يعد ظاهرة عابرة.

ويظل معدل التضخم أعلى من المستهدف لدى البنك المركزي؛ حيث ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي المفضل لدى «الفيدرالي» إلى 2.8 في المائة في الربع الثالث، مقابل 2.1 في المائة في الربع الثاني.

2- الإغلاق الحكومي وتقلبات النمو: زاد الإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في 2025، من تعقيد المشهد الاقتصادي. فعلى المدى القصير، أدى تعليق عمل نحو 700 ألف موظف إلى تراجع إنفاق المستهلكين، وانخفاض معنوياتهم إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياتها خلال الجائحة، إضافة إلى انخفاض النشاط السياحي والفنادق بسبب إغلاق الحدائق وتقليص الرحلات الجوية. أما على المدى الطويل، فقدَّرت الجهات غير الحزبية -مثل مكتب الموازنة في الكونغرس- خسارة الناتج المحلي الإجمالي بين 7 و14 مليار دولار بسبب الإنتاجية المفقودة، إضافة إلى تآكل الثقة الدولية في الولايات المتحدة، وتأثير ذلك على مكانتها الاقتصادية العالمية، مع تفاقم الأثر على أصحاب الدخل المنخفض والفئات والولايات التي تضم نسباً عالية من الموظفين الفيدراليين، مثل كاليفورنيا وهاواي وواشنطن.

على صعيد النمو، تميز عام 2025 بتقلبات بارزة. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6 في المائة في الربع الأول، نتيجة زيادة الواردات، مع قيام الشركات بتخزين السلع قبيل فرض الرسوم. ومع ذلك، عاد الاقتصاد بقوة في الربع الثاني، مسجّلاً نمواً سنوياً معدَّلاً بلغ 3.8 في المائة، وهو أقوى أداء منذ الربع الثالث من 2023، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الاستهلاكي الذي فاق التوقعات. وفي الربع الثالث، واصل الاقتصاد الأميركي زخمه، محققاً نمواً سنوياً قوياً ومفاجئاً بلغ 4.3 في المائة، بدعم من زيادة الإنفاق الاستهلاكي والصادرات والإنفاق الحكومي.

مبنى «الكابيتول» قبل غروب الشمس (أ.ب)

3- سوق عمل هش: رغم أن سوق العمل بدا متماسكاً ظاهرياً، كشف عام 2025 عن هشاشة متزايدة في بنيته. فقد أضاف الاقتصاد 64 ألف وظيفة جديدة في نوفمبر، متجاوزاً التوقعات، ولكنه سجل صافي خسارة 105 ألف وظيفة في أكتوبر (تشرين الأول)، وهي المرة الثالثة خلال 6 أشهر التي يواجه فيها الاقتصاد تراجعاً في الوظائف. وبلغ متوسط نمو الوظائف الشهري خلال العام نحو 50 ألف وظيفة، مع انخفاضه إلى 29 ألف وظيفة بين يونيو (حزيران) وأغسطس (آب)، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.6 في المائة في نوفمبر، وهو الأعلى منذ منتصف 2021، وسط قلق المستهلكين من استمرار ارتفاع البطالة خلال 2026 وفق بيانات جامعة ميشيغان.

وعلى المستوى الهيكلي، أدت سياسات الهجرة المشددة وتسارع التقاعد إلى خروج نحو 3 ملايين عامل من قوة العمل منذ 2024، ما خلق نقصاً مصطنعاً في العمالة. وتركَّزت فرص النمو في قطاعات محدودة مثل الرعاية الصحية والقطاع الحكومي، بينما تكبَّدت القطاعات المعتمدة على التجارة، كالقطاع الصناعي والنقل، خسائر واضحة في الوظائف.

أشخاص يعملون بأحد المطاعم في مانهاتن (أ.ف.ب)

4- السياسات النقدية والمالية: بعد عام من تثبيت أسعار الفائدة، شرع «الاحتياطي الفيدرالي» في خفضها خلال سبتمبر (أيلول)، وأكتوبر، وديسمبر (كانون الأول)، في خطوة تهدف إلى التكيف مع حالة عدم اليقين المتزايدة في الأسواق. وخلال هذه الفترة، اتسمت علاقة الرئيس دونالد ترمب برئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول بالتوتر والصراعات العلنية التي ركزت على استقلالية البنك المركزي والسياسات النقدية. فقد ضغط ترمب باستمرار لخفض أسعار الفائدة بشكل كبير لتحفيز النمو، واصفاً باول بـ«الأحمق العنيد» لتردده في التحرك السريع، بينما تمسك باول بقرارات قائمة على البيانات الاقتصادية لمواجهة التضخم المرتفع.

في الوقت نفسه، انخفض مؤشر الدولار بنحو 10 في المائة منذ بداية العام مقابل سلة من العملات، مسجلاً أقوى تراجع سنوي منذ 2017، نتيجة توقعات خفض الفائدة، وتقلص الفارق مع أسعار الفائدة في العملات الكبرى، والمخاوف المرتبطة بالعجز المالي، وحالة عدم اليقين السياسي.

ويتوقع المستثمرون استمرار ضعف الدولار؛ خصوصاً مع تثبيت السياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى أو تشديدها، ومع تولي رئيس جديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي» قد يوجه السياسة النقدية نحو نهج أكثر مرونة واستجابة للتحديات الاقتصادية الراهنة.

باول يُطلع ترمب على أرقام تكاليف إعادة تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» يوم 24 يوليو (أ.ب)

5- الذكاء الاصطناعي: في خضم الاضطراب الاقتصادي، برز قطاع الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز محركات النمو وأكثرها تحصناً من حالة عدم اليقين. فقد شهدت الاستثمارات في بنيته التحتية طفرة كبيرة، مدفوعة جزئياً بقانون «CHIPS Act»؛ حيث تضاعفت استثمارات مراكز البيانات منذ 2021 لتشكل نحو 25 في المائة من إجمالي الاستثمارات في الهياكل عام 2024. وخلال النصف الأول من 2025، كانت النفقات الرأسمالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المساهم الأكبر في النمو، مضيفة 1.1 في المائة إلى الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة إنفاق المستهلكين. ومع ذلك، يبقى التحدي قائماً في جانب الإنتاجية؛ إذ تشير الأدلة إلى أن 95 في المائة من الشركات الأميركية لم تحقق بعد عوائد ملموسة من هذه الاستثمارات، ما يثير تساؤلات حول توقيت تحوُّلها إلى مكاسب إنتاجية واسعة النطاق.

سيناريو «الركود التضخمي الخفيف»

مع اقتراب 2026، يتوقع الخبراء أن يواجه الاقتصاد الأميركي «ركوداً تضخمياً خفيفاً»، مع تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 2 في المائة، بسبب ضعف التوظيف وتراجع الهجرة وتصاعد ضغوط الرسوم الجمركية. وتتراوح توقعات النمو بين 2.2 -حسب «رويال بنك أوف كندا»- و2.6 في المائة -وفق «غولدمان ساكس»- مدعومة بخفض الضرائب وتيسير الظروف المالية.

أما التضخم، فمن المتوقع أن يتحول إلى ظاهرة هيكلية، مع بقاء التضخم الأساسي أعلى من 3 في المائة طوال معظم العام. ومن المتوقع أن يبلغ معدل البطالة ذروته عند نحو 4.5 في المائة مع استمرار نمو الأجور، وسط تحسن محتمل في سوق العمل خلال النصف الثاني من العام، بفضل خفض الضرائب وأسعار الفائدة الفيدرالية.

أوراق من الدولار الأميركي على طاولة بمكتب الطباعة والنقش في واشنطن (رويترز)

هل أميركا فعلاً على أعتاب «عصر ذهبي»؟

مع إسدال الستار على عام 2025، يبدو أن الرهان الأكبر للإدارة الأميركية يتجاوز لغة الأرقام التقليدية إلى ما يشبه «الإيمان المطلق» بقدرة الاقتصاد على تغيير ترس السرعة، وتحقيق قفزة نوعية مع مطلع العام الجديد. وحسب تقارير «أكسيوس»، يسود ردهات البيت الأبيض تفاؤل مفرط يستند إلى مفعول «قانون الواحد الكبير والجميل» ذلك التشريع الضخم الذي يُنظَر إليه بوصفه «المحفز الأكبر» القادر على ترميم الميزانيات العائلية، وضخ دماء جديدة في عروق الاستثمارات الرأسمالية للشركات.

هذا التفاؤل الحكومي يصطدم بجدار من التشكيك في أوساط الدوائر الاقتصادية المستقلة، التي ترى في التداخل بين الرسوم الجمركية المرتفعة وهشاشة سوق العمل عوائق قد لا تذللها المحفزات الضريبية وحدها. وبينما ينقسم الخبراء بين متوجس ومتفائل، يظل الرئيس ترمب متمسكاً برؤيته الواعدة، مؤكداً للأمة بلهجته الواثقة: «نحن على أعتاب طفرة اقتصادية لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل».


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

الاقتصاد يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كاشكاري وإلى جانبه رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستن د. غولسبي (الاحتياطي)

رئيس «فيدرالي» مينيابوليس: التضخم لا يزال مرتفعاً... والاقتصاد متماسك

قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، إن التضخم في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعاً أكثر مما ينبغي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بيسنت وهي يتصافحان خلال محادثات تجارية بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس في مارس (رويترز)

بيسنت وهي يبحثان الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قبل قمة ترمب - شي في واشنطن

يلتقي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، في نيويورك، الأحد، في محادثات تسبق بأيام القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر نزوح أسبوعي في 2026

تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسهم العالمية مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك، لندن)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.