السعودية تعيد رسم خريطة الأسماك... من الاستيراد إلى التصدير

نمو متسارع للاستزراع و600 ألف طن في الأفق

إحدى مناطق الاستزراع السمكي في المنطقة الشرقية (واس)
إحدى مناطق الاستزراع السمكي في المنطقة الشرقية (واس)
TT

السعودية تعيد رسم خريطة الأسماك... من الاستيراد إلى التصدير

إحدى مناطق الاستزراع السمكي في المنطقة الشرقية (واس)
إحدى مناطق الاستزراع السمكي في المنطقة الشرقية (واس)

يشهد قطاع الاستزراع السمكي في السعودية منذ سنوات طفرة متسارعة جعلته اليوم أحد أعمدة تحقيق الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الواردات. فبحسب بيانات القطاع، بلغت واردات المملكة من الأسماك في عام 2024 نحو 179 ألف طن، بينما ارتفع الإنتاج المحلي إلى 246 ألف طن، مقارنة بـ177 ألف طن في عام 2021، أي بنسبة نمو قاربت 39 في المائة. هذا النمو اللافت مكّن الإنتاج المحلي من تلبية جزء متزايد من الطلب، وفتح الباب أمام تعزيز الصادرات نحو الأسواق الخارجية.

وأكدت دراسة حديثة حول تطور قطاع الاستزراع السمكي هذه القفزة الإنتاجية، باعتبارها نتيجة مباشرة لبرامج التوسع، والاستثمار في المزارع البحرية، والداخلية.

الصادرات: حضور متنامٍ في الأسواق العالمية

تشير البيانات إلى أن الصادرات السعودية من الأسماك لعبت في عام 2024 دوراً محورياً في موازنة الميزان التجاري، إذ بلغ إجمالي الصادرات نحو 46 ألف طن، استحوذت الصين وحدها على 35 في المائة منها، بينما توجهت الكميات الأخرى إلى الأسواق الأوروبية، مستفيدة من جودة المنتج السعودي، وموقع المملكة الجغرافي الاستراتيجي القريب من أوروبا.

هذا الحضور في الأسواق العالمية لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة مسار طويل من تطوير الإنتاج بدأ مع الاستثمار في الاستزراع السمكي منذ منتصف التسعينات.

من إنتاج المزارع السمكية (واس)

مسار النمو: من 1995 إلى 2021

الدراسة الاقتصادية التي حللت الفترة الممتدة بين 1995 و2021 تظهر أن الإنتاج السمكي السعودي نما بمعدل سنوي بلغ 4.6 في المائة، وكان الاستزراع السمكي المحرك الرئيس لهذا النمو. فقد ارتفع الإنتاج في المياه المالحة بمعدل 12.3 في المائة سنوياً، وفي المياه العذبة بنسبة 8.4 في المائة.

وبحلول عام 2021، وصل الإنتاج المحلي إلى 177 ألف طن، شكّل الاستزراع منها 64 في المائة. وتمثل هذه الأرقام تحولاً جوهرياً في القطاع، إذ أصبح البحر ومزارع الأسماك خياراً استراتيجياً لتعزيز الأمن الغذائي.

وأكدت الدراسة أن الاستزراع السمكي بات المحرك الأبرز للنمو، وأن مؤشراته خلال العقود الماضية كانت كفيلة بوضع القطاع في موقع تنافسي متقدم داخل المنطقة.

الفجوة بين الإنتاج والواردات: تحدٍ يتحول إلى فرصة

رغم النمو الملحوظ، أظهرت الدراسة أن الإنتاج المحلي عام 2021 لم يكن كافياً لتغطية كامل الاستهلاك، إذ وفر ما يعادل 176 يوماً من الطلب المحلي، بينما غطت الواردات نحو 227 يوماً. واستمرت الواردات في النمو بمعدل سنوي 5.1 في المائة خلال فترة الدراسة، ما انعكس على عجز تجاري ارتفع هو الآخر بمعدل 4.2 في المائة.

وبيّنت الهيئة العامة للإحصاء، في تقريرها الخاص بإحصاءات الصيد البحري وتربية المائيات لعام 2024، أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك بدأت بالانحسار بفعل الزيادة في الإنتاج المحلي مقارنة بالسنوات السابقة، رغم بقاء الواردات عند مستويات مرتفعة بلغت نحو 180 ألف طن.

أثر مباشر على فاتورة الاستيراد

تتضح مساهمة الاستزراع السمكي في معالجة تحديات الميزان التجاري عبر مسارين متوازيين: زيادة الإنتاج المحلي لتلبية الاحتياج السكاني، وتقليل الاعتماد على الواردات، ونمو الصادرات لتوليد عوائد إضافية تُسهم في تخفيف الضغط على الميزان التجاري.

ففي الوقت الذي بلغت فيه الصادرات 46 ألف طن عام 2024، أسهمت هذه الكميات في تقليل الأثر المالي لفاتورة الاستيراد، وأكدت أن المملكة لا تسعى فقط إلى سد احتياجاتها المحلية، بل إلى المنافسة في الأسواق الإقليمية، والعالمية.

طموحات مستقبلية: 600 ألف طن في الأفق

تؤكد التوجهات الحالية أن المملكة تستهدف رفع الإنتاج المحلي إلى 600 ألف طن خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو هدف يعكس طموحاً استراتيجياً بمضاعفة الإنتاج، وتوسيع قاعدة التصدير. وتشير المؤشرات المستخلصة من مسار 1995–2021، ومن قفزة 2021–2024، إلى أن معدل النمو السنوي يتزايد باستمرار، ما يجعل الوصول إلى الأهداف المعلنة أمراً ممكناً إذا استمرت وتيرة التوسع الحالية.

من الاستيراد إلى الريادة الإقليمية

بين أرقام الماضي ومعطيات الحاضر، يرسم قطاع الثروة السمكية السعودي مساراً صاعداً يوازن بين الأمن الغذائي المحلي، والطموح التصديري. فمن إنتاج يلبي احتياجات نحو 59 في المائة من السكان عام 2021، إلى نمو صادرات تجاوز 46 ألف طن في 2024، تتضح ملامح تحول استراتيجي يجعل المملكة مرشحة لتكون أحد أبرز موردي الأسماك في المنطقة، وفاعلاً أكثر تأثيراً في التجارة الغذائية العالمية.

وقال الباحث في مجال الاستزراع السمكي منصور العبيد لـ«الشرق الأوسط» إن البيانات الحالية تشير إلى أن السعودية تدخل مرحلة «إعادة تشكيل للخريطة الإنتاجية في قطاع الثروة السمكية»، مضيفاً أن الوصول إلى 246 ألف طن في 2024 يعكس جاهزية القطاع للانتقال إلى مستويات أعلى من الإنتاج، والتصدير خلال سنوات قصيرة.


مقالات ذات صلة

خبز العالم في «مرمى النيران»... أزمة الأسمدة تخنق مزارع الكوكب

الاقتصاد مزارعات تونسيات يحصدن الفراولة في حقل بقربة في نابل بتونس (إ.ب.أ)

خبز العالم في «مرمى النيران»... أزمة الأسمدة تخنق مزارع الكوكب

مع دخول النزاع الأميركي الإسرائيلي الإيراني أسبوعه الثالث، يواجه العالم أزمة أسمدة غير مسبوقة تضع الأمن الغذائي، خاصة في الدول النامية، على حافة الهاوية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفينة الحاويات «سورس بليسنغ» التي أصيبت بمقذوفات أصابتها بالقرب من مضيق هرمز راسية في هامبورغ (رويترز)

سلاسل الإمداد في مهب الريح: «حرب هرمز» التهديد الأكبر منذ الجائحة

لم تعد تداعيات الحرب الإيرانية تقتصر على أسواق الطاقة فحسب، بل امتدت لتضرب عصب التجارة العالمية (سلاسل الإمداد) في مقتل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يمد اللوز الجسم بكمية جيدة من فيتامين «هـ» الذي يعمل كمضاد للأكسدة (بكسباي)

فوائد تناول اللوز بشكل يومي

تناول اللوز يومياً يقدم العديد من الفوائد الصحية للجسم، إذ يُعد من المكسرات الغنية بالعناصر الغذائية المهمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة إذا ما امتدّت حرب إيران (أ.ف.ب)

تحذير: حرب إيران قد تهدد الإمدادات الغذائية العالمية

حذّر رئيس إحدى كبرى شركات الأسمدة في العالم بأن الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة هذا العام إذا ما امتدّت حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (طهران)
صحتك الكركم من أبرز التوابل المستخدمة في الطبخ والطبّ التقليدي منذ قرون (جامعة أريزونا)

7 وصفات يومية تجعل الكركم جزءاً من نظامك الغذائي

كشفت دراسة أنّ تناول 90 ملليغراماً من مستخلص الكركمين لمدة 18 شهراً قد حسَّن نتائج المشاركين في اختبارات الانتباه والذاكرة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وزير الطاقة الأميركي: النفط الإيراني يتدفق للأسواق خلال 45 يوماً

وزير الطاقة الأميركي كريس رايت (إ.ب.أ)
وزير الطاقة الأميركي كريس رايت (إ.ب.أ)
TT

وزير الطاقة الأميركي: النفط الإيراني يتدفق للأسواق خلال 45 يوماً

وزير الطاقة الأميركي كريس رايت (إ.ب.أ)
وزير الطاقة الأميركي كريس رايت (إ.ب.أ)

أعلن وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، أن النفط الإيراني «غير الخاضع للعقوبات» قد يتدفق ويُستوعب بالكامل في الأسواق العالمية خلال فترة زمنية وجيزة تتراوح بين 30 و45 يوماً.

وأكد رايت في مقابلة مع «فوكس نيوز» أن هذه الكميات الإضافية ستوجه بشكل أساسي لسد الاحتياجات المتزايدة للمستهلكين في آسيا، الذين يواجهون نقصاً حاداً بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد.

ويأتي هذا الإعلان تزامناً مع بدء واشنطن عملية سحب منسقة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي ستستمر لعدة أشهر.

وأكد رايت أن عمليات السحب من الاحتياطي الاستراتيجي لن تكون عشوائية، بل ستتم بجدول زمني يمتد للأشهر القادمة، لضمان استقرار الأسعار التي بدأت تقترب من مستويات حرجة، مما يعطي إشارة واضحة للمتداولين بأن واشنطن مستعدة لاستخدام أسلحتها النفطية لمواجهة أي نقص ناتج عن إغلاق مضيق هرمز.

وشدد على أن واشنطن تؤدي دورها القيادي ضمن خطة «الإطلاق المنسق» لضمان وصول الخام إلى الأسواق الأكثر تضرراً من اضطرابات سلاسل الإمداد.


الصين تشدد الرقابة المالية وتفتح التمويل الخارجي

معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين (أ.ف.ب)
معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تشدد الرقابة المالية وتفتح التمويل الخارجي

معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين (أ.ف.ب)
معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين (أ.ف.ب)

تسعى الصين إلى إعادة ضبط سياستها الاقتصادية عبر مزيج من تشديد الرقابة على القطاع المالي وتوسيع الانفتاح الخارجي، في وقت تواجه فيه تباطؤاً في تدفقات الاستثمار الأجنبي. وتعكس هذه التحركات، التي شملت طرح مشروع قانون مالي جديد وتخفيف قيود الإقراض الخارجي، محاولة بكين تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار المالي وتحفيز النمو في بيئة عالمية متقلبة.

وفي خطوة تعكس تشدد السلطات الصينية تجاه المخاطر المالية، كشفت بكين عن مشروع قانون جديد يهدف إلى تعزيز الإشراف على القطاع المالي وفرض عقوبات أشد على الأنشطة غير القانونية.

يأتي هذا التوجه في سياق جهود مستمرة منذ سنوات للحد من المخاطر النظامية، خصوصاً في ظل التوسع الكبير بالأنشطة المالية غير المنظمة وتراكم الديون في بعض القطاعات.

ويرى صناع القرار في الصين أن تعزيز الإطار القانوني والرقابي أصبح ضرورة ملحة لضمان استقرار النظام المالي، خصوصاً مع التحديات التي تواجه الاقتصاد، من تباطؤ النمو إلى أزمة القطاع العقاري. ومن شأن تشديد العقوبات على المخالفات المالية أن يعزز الانضباط في السوق ويحد من الممارسات عالية المخاطر؛ مما يدعم ثقة المستثمرين على المدى الطويل.

وفي المقابل، لم تقتصر التحركات على التشديد، بل شملت أيضاً خطوات لتوسيع الانفتاح المالي. فقد أعلن «البنك المركزي الصيني» و«هيئة تنظيم النقد الأجنبي» عن رفع سقف الإقراض الخارجي للشركات المحلية، في خطوة تهدف إلى دعم أنشطتها العابرة للحدود وتسهيل حصولها على التمويل. ومن المقرر أن تدخل هذه القواعد حيز التنفيذ في 20 أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يعكس رغبة بكين في تمكين شركاتها من التوسع عالمياً وتعزيز تنافسيتها.

ويعكس هذا التوجه ازدواجية واضحة في السياسة الاقتصادية الصينية، بين تشديد داخلي لضبط المخاطر، وانفتاح خارجي لدعم النمو. فمن جهة، تسعى الحكومة إلى منع تراكم الاختلالات المالية، ومن جهة أخرى، تحاول تحفيز النشاط الاقتصادي عبر تسهيل تدفقات رأس المال وتعزيز قدرة الشركات على الاستثمار خارجياً.

لكن هذه الإصلاحات تأتي في وقت تظهر فيه مؤشرات على تراجع جاذبية السوق الصينية للاستثمار الأجنبي. فقد أظهرت بيانات وزارة التجارة أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر انخفضت بنسبة 5.7 في المائة على أساس سنوي خلال أول شهرين من العام، لتصل إلى 161.5 مليار يوان (23.46 مليار دولار)؛ مما يعكس استمرار التحديات التي تواجه بيئة الاستثمار في البلاد.

ويُعزى هذا التراجع إلى عوامل عدة، من بينها التباطؤ الاقتصادي العالمي، والتوترات الجيوسياسية، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بالإطار التنظيمي داخل الصين. كما أن ضعف الطلب المحلي، خصوصاً في قطاع العقارات، يلعب دوراً في تقليل جاذبية السوق للمستثمرين الأجانب.

وفي محاولة لمعالجة هذه التحديات، تكثف بكين جهودها لتعزيز الثقة لدى المستثمرين الدوليين. وفي هذا السياق، جاء لقاء وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، مع الرئيس التنفيذي لشركة «أبل»، تيم كوك، في بكين، حيث أكد الأخير أهمية السوق الصينية للشركة، مشيراً إلى تقدير «أبل» الحوافز الحكومية التي تهدف إلى تحفيز الاستهلاك.

ويحمل هذا اللقاء دلالات مهمة؛ إذ يعكس سعي الصين إلى الحفاظ على علاقاتها مع الشركات الكبرى متعددة الجنسية، التي تعد عنصراً أساسياً في جذب الاستثمار ونقل التكنولوجيا. كما يشير إلى أن بكين تراهن على تحفيز الاستهلاك المحلي بوصفه أحد محركات النمو في المرحلة المقبلة.

واقتصادياً، تعكس هذه التطورات مرحلة انتقالية تمر بها الصين، حيث تحاول إعادة توجيه نموذجها الاقتصادي من الاعتماد على الاستثمار والصادرات إلى التركيز بشكل أكبر على الاستهلاك المحلي والتكنولوجيا المتقدمة. وفي هذا الإطار، تلعب السياسات المالية والتنظيمية دوراً محورياً في تحقيق هذا التحول.


«إكسون» الأميركية تواجه انتكاسة بعد استهداف استثماراتها الحيوية في الغاز القطري

شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

«إكسون» الأميركية تواجه انتكاسة بعد استهداف استثماراتها الحيوية في الغاز القطري

شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تعرَّضت الاستثمارات الحيوية لعملاق الطاقة الأميركي «إكسون موبيل» في قطاع الغاز القطري لانتكاسة استراتيجية غير مسبوقة، إثر هجمات إيرانية طالت «الجيل العملاق» من وحدات التسييل التي تشكل عصب الإمدادات العالمية. فالاستهداف الإيراني لم يطل الغاز القطري فحسب، بل أصاب استثمارات أميركية حيوية عابرة للقارات.

ففي تصريحات أدلى بها لـ«رويترز»، كشف الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، أن اثنين من أصل 14 وحدة لتسييل الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى منشأة لتحويل الغاز إلى سوائل، قد تضررت جرَّاء الهجمات. وقد تم استهداف وحدتي الإنتاج «إس 4» و«إس 6» اللتين تمثلان الركائز الأساسية لمحفظة الغاز المسال العالمية لشركة «إكسون موبيل»، حيث تمتلك فيهما حصصاً بنسبة 34 في المائة و30 في المائة على التوالي.

وتُصنف هذه الوحدات ضمن «الجيل العملاق» لخطوط الإنتاج؛ فتعطُّل الوحدة «إس 4» يقطع شريان الإمداد عن شركة «إديسون» الإيطالية و«إي دي إف تي» في بلجيكا، بينما يؤدي توقف «إس 6» إلى ارتباك حاد في إمدادات شركة «كوغاس» الكورية الجنوبية، وشركتي «شل» و«إي دي إف تي» في السوق الصينية.

وبكلمات تعكس حجم الذهول، وصف الكعبي، المشهد قائلاً: «لم يخطر ببالي قط أن تتعرض قطر والمنطقة لمثل هذا الهجوم، لا سيما من دولة شقيقة مسلمة في شهر رمضان المبارك». هذا الذهول السياسي ترجمته أرقام؛ إذ أعلن عن تعطيل 17 في المائة من طاقة قطر التصديرية، وخسارة سنوية ضخمة تقدر بنحو 20 مليار دولار من الإيرادات، مع توقف إنتاج 12.8 مليون طن من الغاز المسال سنوياً لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

يقول محللون إن أثر استهداف وحدات الإنتاج لا يتوقف عند حد خسارة كميات الغاز فقط، بل يمتد ليصيب سمعة التوريد التي بنتها «إكسون موبيل» على مدار عقود. فإعلان الشركاء الاستراتيجيين مثل «شل» و«توتال إنرجيز» حالة «القوة القاهرة» هو اعتراف قانوني صريح بالعجز عن الوفاء بالالتزامات تجاه العملاء الكبار في آسيا وأوروبا. ورغم أن هذا الإجراء يحمي الشركات - نظرياً - من غرامات التعويض المباشرة، فإنه يضعها في مواجهة تبعات قاسية؛ تبدأ من استحقاقات قانونية معقدة لإثبات مشروعية الإعلان، وصولاً إلى نزيف في التدفقات النقدية المليارية، وتآكل ميزة المورد الموثوق التي كانت تمنح هذه الشركات أفضلية تنافسية في الأسواق العالمية.

وبالنسبة لهؤلاء المحللين، فإن هذه الأزمة تتجاوز حدود الخسائر التقنية لتلامس مفهوم «الأمن القومي الاقتصادي» للولايات المتحدة؛ فاستهداف وحدات إنتاج تديرها وتستثمر فيها «إكسون موبيل» بهذا الثقل هو في جوهره ضربة لأحد أهم الاستثمارات الطاقي الأميركي في المنطقة.

قوة «إكسون» المالية

تواجه «إكسون موبيل» تحديات تشغيلية نتيجة التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على استثماراتها في الغاز الطبيعي المسال في قطر. ولكن، رغم الاضطرابات الأخيرة، فإن المؤشرات المالية للشركة تشير إلى ربحية قوية ومتانة في ميزانيتها العمومية. إذ تُظهر الميزانية العمومية للشركة متانة واضحة مدعومة بهوامش تشغيلية قوية، مما يمنحها «مصدات مالية» كافية لمواجهة الاضطرابات المؤقتة في سلاسل التوريد، ويحافظ على ثقة المستثمرين في قدرتها على إدارة الأزمات الكبرى دون المساس باستقرارها المالي طويل الأمد.