«بلاك فرايدي» يختبر قوة الإنفاق الاستهلاكي الأميركي وسط تحديات الاقتصاد

لافتة تشير إلى أسعار خاصة على الألعاب مع انطلاق عروض «بلاك فرايدي» في متجر «تارغت» جنوب شرق دنفر (أ ف ب)
لافتة تشير إلى أسعار خاصة على الألعاب مع انطلاق عروض «بلاك فرايدي» في متجر «تارغت» جنوب شرق دنفر (أ ف ب)
TT

«بلاك فرايدي» يختبر قوة الإنفاق الاستهلاكي الأميركي وسط تحديات الاقتصاد

لافتة تشير إلى أسعار خاصة على الألعاب مع انطلاق عروض «بلاك فرايدي» في متجر «تارغت» جنوب شرق دنفر (أ ف ب)
لافتة تشير إلى أسعار خاصة على الألعاب مع انطلاق عروض «بلاك فرايدي» في متجر «تارغت» جنوب شرق دنفر (أ ف ب)

يشهد قطاع التجزئة الأميركي كل عام تحولاً موسمياً حيوياً مع اقتراب موسم الأعياد، حيث تُعدّ أيام، مثل: «بلاك فرايدي» و«الاثنين السيبراني» مؤشراً مبكراً على اتجاهات الإنفاق الاستهلاكي وقدرة الأسر على مواجهة التحديات الاقتصادية. ورغم الانكماش النسبي في ثقة المستهلك نتيجة الإغلاق الحكومي الأخير، وضعف التوظيف وارتفاع التضخم، يظل الإنفاق الاستهلاكي محورياً لدفع عجلة الاقتصاد الأميركي خلال الربع الأخير من العام.

كما تؤثر العوامل الخارجية، مثل الرسوم الجمركية على السلع المستوردة وأسعار المنتجات الأساسية على استراتيجيات التسعير لدى شركات التجزئة؛ ما يجعل مراقبة تحركات المستهلكين عبر المتاجر التقليدية والمنصات الإلكترونية أمراً بالغ الأهمية لفهم ديناميكيات السوق وتحليل اتجاهات النمو الاقتصادي في قطاع التجزئة.

وفي هذا الإطار، لم تعد عروض «بلاك فرايدي» تغري الناس بمغادرة طاولات عيد الشكر والتوجه إلى مراكز التسوق في منتصف الليل؛ إذ تُعتبر الشجارات في ممرات المتاجر على الألعاب وأجهزة التلفزيون ذات الخصومات المحدودة من مظاهر الأعياد الماضية.

وقد خفَّف التسوق عبر الإنترنت وإطلاق خصومات قبل أسابيع من وليمة الديك الرومي من هذا النوع من الحماسة، ومع ذلك، لا تزال فعالية التخفيضات تحظى باهتمام كافٍ لجعل اليوم التالي لعيد الشكر اليومَ الذي تستقبل فيه المتاجر الأميركية أكبر عدد من المتسوقين، ما يجعل «بلاك فرايدي» البداية غير الرسمية لموسم تسوق الأعياد،

تحديات اقتصادية وتأثيرها على المستهلك

يأتي انطلاق هذا العام في وقت انخفضت فيه ثقة المستهلكين في الاقتصاد الأميركي بعد الإغلاق الحكومي الأخير، وضعف التوظيف، وارتفاع التضخم، وفقاً لتقرير صادر عن مجلس المؤتمرات يوم الثلاثاء.

وأفاد العديد من المسؤولين التنفيذيين في قطاع التجزئة بأن العملاء أصبحوا أكثر تمييزاً وتركيزاً على الصفقات، مع بقائهم على استعداد للإنفاق في المناسبات المهمة، مثل بدء العام الدراسي وعطلة الشتاء، مما خلق حالة من التفاؤل.

وصرح بيل آدامز، كبير الاقتصاديين في «بنك كوميريكا»، عن مزاج المستهلكين مع اقتراب الجمعة السوداء: «لطالما اعتبر المستهلكون أن الاقتصاد في وضع سيئ، لكنهم يواصلون الإنفاق لسنوات؛ لذا فإن التوقعات أفضل على الأرجح مما يخبروننا به». وأضاف: «تشير استطلاعات الرأي أيضاً إلى أن المستهلكين أصبحوا أكثر حساسية للأسعار وانتقائية في الإنفاق».

تأثير الرسوم الجمركية على الأسعار

أثناء التخطيط لعطلات الربيع والصيف، تكافح شركات التجزئة تقلُّبات الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على السلع المستوردة. وقد سارعت العديد من الشركات لشحن بعض البضائع قبل سريان الرسوم الجمركية، أو قررت تحمل بعض تكاليف ضريبة الاستيراد بدلاً من رفع الأسعار على العملاء.

وذكرت شركة أبحاث السوق «سيركانا» أن 40 في المائة من جميع البضائع العامة المبيعة في سبتمبر (أيلول) شهدت زيادة في الأسعار بنسبة 5 في المائة على الأقل مقارنة بالأشهر الأربعة الأولى من العام. وكانت الألعاب ومنتجات الأطفال والأدوات المنزلية ومعدات الرياضات الجماعية من بين الفئات الأكثر تأثراً، حيث شهدت 83 في المائة من الألعاب المباعة في سبتمبر زيادة بنسبة 5 في المائة على الأقل. وأشارت «رابطة الألعاب» إلى أن ما يقرب من 80 في المائة من الألعاب المبيعة في الولايات المتحدة مصنوعة في الصين، وهي الدولة التي فرضت عليها إدارة ترمب رسوماً جمركية مرتفعة خلال مراحل مختلفة من العام.

إقبال المستهلكين وحركة المراكز التجارية

رغم ذلك، أشار المحللون والمديرون التنفيذيون للمراكز التجارية إلى زخم قوي مع اقتراب أسبوع «بلاك فرايدي». ففي «مول أميركا» في بلومنغتون بولاية مينيسوتا، تجاوزت حركة المشاة في الأسابيع الأخيرة أرقام ما قبل جائحة 2019، وفقاً لجيل رينسلو، كبير مسؤولي تطوير الأعمال والتسويق في المركز التجاري. وقالت رينسلو: «نشهد بداية إيجابية للغاية لموسم العطلات. لقد كانت أيام السبت القليلة الماضية من شهر نوفمبر قوية جداً».

نمو المبيعات عبر الإنترنت

شهدت المبيعات عبر الإنترنت نمواً ملحوظاً حتى الآن؛ ففي الفترة من 1 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى 23 نوفمبر، أنفق المستهلكون 79.7 مليار دولار، وفقاً لمنصة «أدوبي أناليتيكس»، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 7.5 في المائة عن العام السابق، متجاوزاً توقعات «أدوبي» بنمو قدره 5.3 في المائة لهذا الموسم.

وتوقعت «ماستركارد سبندينغ بولس»، التي تتتبع الإنفاق عبر جميع طرق الدفع، زيادة بنسبة 3.6 في المائة في مبيعات العطلات من 1 نوفمبر إلى 24 ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بزيادة 4.1 في المائة في العام الماضي. وقالت ميشيل ماير، كبيرة الاقتصاديين في «ماستركارد»: «من الواضح أن هناك حالة من عدم اليقين، والمستهلكون يشعرون بالقلق، لكن في الوقت الحالي لا يبدو أن هناك أي تغيير في طريقة تسوقهم لهذا الموسم».

أفضل أوقات الشراء والخصومات

وفقاً لـ «أدوبي أناليتيكس»، كان عيد الشكر أفضل وقت للتسوُّق عبر الإنترنت للحصول على أكبر خصم على السلع الرياضية، بينما ستكون «بلاك فرايدي» الأفضل لشراء أجهزة التلفزيون والألعاب والأجهزة الإلكترونية. أما يوم «الاثنين السيبراني»، فسيكون الوقت الأمثل لشراء الملابس وأجهزة الكمبيوتر.

وبلغت خصومات الملابس ذروتها عند 12.2 في المائة من السعر المقترح من الشركة المصنِّعة بين 1 و23 نوفمبر، ومن المتوقَّع أن تصل إلى 25 في المائة في يوم الاثنين الإلكتروني، وفقاً لشركة «أدوبي».


مقالات ذات صلة

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

الاقتصاد ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد عامل يدهن الجدران الخارجية لمبنى يعرض وظائف لدى فريق «لوس أنجليس دودجرز» وسط مدينة لوس أنجليس (رويترز)

القطاع الخاص الأميركي يضيف وظائف أكثر من المتوقع في مارس

أظهرت بيانات صادرة عن شركة «إيه دي بي»، المختصة في إدارة الرواتب، الأربعاء، أن نمو التوظيف في القطاع الخاص الأميركي تجاوز التوقعات في مارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة من خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا 26 فبراير 2026 (رويترز)

واشنطن: العقوبات الأوروبية على شركات التقنية الأميركية أكبر عائق للتعاون الاقتصادي

قال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية إن الغرامات الأوروبية على الشركات الأميركية باتت تمثل «أكبر مصدر للاحتكاك» في العلاقات.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
الاقتصاد لافتة «نحن نوظف» معروضة خارج متجر «تارغت» في إنسنيتاس بكاليفورنيا (رويترز)

أدنى مستوى منذ شهور... تراجع فرص العمل في أميركا بـ300 ألف وظيفة

تراجع عدد فرص العمل في الولايات المتحدة إلى 6.9 مليون خلال فبراير (شباط)، في مؤشر إضافي على تباطؤ سوق العمل الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.