وسط ضغوط اقتصادية... ترمب يستضيف عمالقة «وول ستريت» في عشاء بالبيت الأبيض

 عمال يعملون على قاعدة تمثال أندرو جاكسون في ساحة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض (رويترز)
عمال يعملون على قاعدة تمثال أندرو جاكسون في ساحة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض (رويترز)
TT

وسط ضغوط اقتصادية... ترمب يستضيف عمالقة «وول ستريت» في عشاء بالبيت الأبيض

 عمال يعملون على قاعدة تمثال أندرو جاكسون في ساحة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض (رويترز)
عمال يعملون على قاعدة تمثال أندرو جاكسون في ساحة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض (رويترز)

استدعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجموعة من أبرز قادة «وول ستريت»، بمن فيهم الرؤساء التنفيذيون لكبرى المؤسسات المالية مثل «جي بي مورغان» و«بلاك روك» و«غولدمان ساكس»، إلى عشاء خاص في البيت الأبيض يوم الأربعاء.

تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه الإدارة ضغوطاً متزايدة بشأن أدائها الاقتصادي، لا سيما فيما يتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة التي برزت كقضية محورية في الانتخابات الأخيرة على مستوى الولايات والمحليات، وفق ما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث داخل المكتب البيضاوي (رويترز)

حضور رفيع المستوى وتوقيت حساس

ضم العشاء أكثر من 12 من كبار المديرين التنفيذيين والماليين، وفقاً لمصادر مطلعة، بمَن فيهم: الرئيس التنفيذي لـ«جي بي مورغان» جيمي ديمون، ورئيس «بلاك روك» لاري فينك، ورئيس «غولدمان ساكس» ديفيد سولون، وستيفن شوارزمان من «بلاكستون»، والمؤسس المشارك لـ«كي كي آر» هنري كرافيس، والملياردير بيل أكمان من «بيرشينغ سكوير»، والرئيس التنفيذي لـ«ناسداك» أدينا فريدمان، والرئيس التنفيذي لبورصة «إنتركونتيننتال إكستشينج» جيفري سبريتشر، ورئيسة بورصة نيويورك لين مارتن.

رئيس «بلاك روك» لاري فينك يحضر قمة الاستثمار لقادة المال العالميين في هونغ كونغ (رويترز)

ويؤكد هذا التجمع على سعي ترمب لتعميق العلاقات مع قادة الشركات بينما تمضي إدارته قدماً في مبادرات تهدف إلى تعزيز أسواق رأس المال الأميركية وإعادة بناء سلاسل الإمداد المحلية الحيوية للأمن القومي، مع التركيز على التوسع في الإنتاج المحلي وإعادة توطين الصناعات الرئيسية.

وكان «جي بي مورغان»، وهو أكبر بنك في البلاد، قد أعلن عن برنامج استثماري يمتد لعقد من الزمن بقيمة 1.5 تريليون دولار، يستهدف القطاعات المحورية للأمن القومي الأميركي والمرونة الاقتصادية، بما في ذلك سلسلة التوريد والتصنيع، والدفاع والفضاء، واستقلال الطاقة، والتقنيات الرائدة. وبموجب هذه الخطة، سيستثمر البنك ما يصل إلى 10 مليارات دولار من خلال استثمارات مباشرة في الأسهم ورأس المال الاستثماري، وتحديداً في الشركات الأميركية ذات الأهمية الحاسمة للأمن القومي والمرونة الاقتصادية.

رئيس «جي بي مورغان» جيمي ديمون يتحدث خلال منتدى الأعمال الأميركي في مركز كاسيا في ميامي (رويترز)

وأكد مسؤول في البيت الأبيض أن ترمب كان يجتمع مع قادة ماليين، لكنه لم يؤكد قائمة المدعوين، وفق «رويترز».

علاقة متقلبة بين «وول ستريت» والإدارة

اتسمت علاقة «وول ستريت» بإدارة ترمب بالاضطراب منذ فوزه في نوفمبر (تشرين الثاني). ففي حين توقع التنفيذيون في البداية تبني موقف مؤيد للأعمال التجارية بشكل أكبر، لا سيما بشأن المنافسة والمسائل التنظيمية، تضاءل هذا التفاؤل المبكر في أعقاب إعلانات عن تخفيضات في التكاليف وإجراءات «رسوم يوم التحرير» التي أثارت قلق الأسواق المالية. كما أثارت انتقادات ترمب لرئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، شكوكاً حول التزامه باستقلالية البنك المركزي.

إلا أن المخاوف هدأت مؤخراً، وشعر كبار المصرفيين بالارتياح تجاه التعليقات الداعمة من قبل المنظمين المعينين من قبل ترمب بخصوص تخفيف القواعد التنظيمية على الصناعة، ما أسهم في وصول أسعار أسهم «جي بي مورغان» و«غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي» إلى مستويات قياسية جديدة يوم الأربعاء.

رئيس «غولدمان ساكس» ديفيد سولومون يتحدث في قمة الاستثمار لقادة المال العالميين في هونغ كونغ (رويترز)

غياب ملحوظ وخلفيات متوترة

لم يحضر العشاء كل قادة القطاع المالي:

- الرئيسة التنفيذية لـ«سيتي غروب» جين فريزر اعتذرت بسبب تعارض في المواعيد مع رحلة كانت مقررة مسبقاً إلى آسيا. ويُشار إلى أنها كانت قد التقت الرئيس في السابق لمناقشة خطط خصخصة عملاقي الرهن العقاري «فريدي ماك» و«فاني ماي».

- رئيس «بنك أوف أميركا» بريان موينيهان لم يُدعَ إلى العشاء. وكان موينيهان من بين القادة الذين أثاروا غضب ترمب في وقت سابق من هذا العام بسبب مزاعم حول رفضهم تقديم خدمات مصرفية للرئيس في الماضي.

ويشعر التنفيذيون في «وول ستريت» بالقلق من توجيه انتقادات علنية للرئيس، خاصة بعد استهداف البيت الأبيض لمجموعات مثل شركة المحاماة «بول ويس» والجامعات الكبرى، بالإضافة إلى التهديد بفرض رسوم جمركية على بعض مجموعات التكنولوجيا الكبرى.

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

وسيراقب المستثمرون من كثب أي تحولات في السياسات أو تعديلات تنظيمية قد تنجم عن هذا الاجتماع رفيع المستوى. فعلى سبيل المثال، قد تؤثر التغييرات في السياسات الضريبية أو اللوائح المالية أو اتفاقيات التجارة بشكل كبير على أداء قطاعات محددة أو السوق كلها. ومن خلال فهم النتائج المحتملة لهذه المناقشات، يمكن للمستثمرين تحسين وضعهم للاستفادة من الفرص الناشئة أو الحد من المخاطر المحتملة.

توازياً، يرى مراقبون أن عشاء البيت الأبيض رفيع المستوى يعدّ دليلاً على النفوذ المستمر للقطاع المالي في أروقة السلطة. وبينما يُواجه الاقتصاد الأميركي توازناً دقيقاً، تسعى الإدارة بوضوح إلى الاستفادة من خبرة ورؤى قادة هذه الشركات لصياغة أجندتها الاقتصادية.

وكان ترمب قد عقد اجتماعات خاصة مع قادة أعمال في الأشهر الأخيرة، في إطار سعي إدارته إلى تعزيز النمو الاقتصادي، مع التعامل مع التوترات مع الشركاء التجاريين العالميين. تركز أجندته الاقتصادية الأوسع على توسيع الإنتاج المحلي، وإعادة توطين الصناعات الرئيسية، والاستفادة من استثمارات القطاع الخاص لتعزيز مكانة الولايات المتحدة في قطاع التصنيع التكنولوجي المتقدم وسلاسل توريد الطاقة.


مقالات ذات صلة

تراجع معظم أسواق الخليج بسبب تعثُّر جهود السلام الأميركية الإيرانية

الاقتصاد أحد المتداولين يعمل في سوق دبي المالي في دبي (د.ب.إ)

تراجع معظم أسواق الخليج بسبب تعثُّر جهود السلام الأميركية الإيرانية

تراجعت معظم أسواق الأسهم في الخليج في بداية تداولات يوم الخميس، في أعقاب تعثُّر محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الاقتصاد ركاب ينشغلون بهواتفهم الذكية في حافلة عامة في جاكرتا (أ.ف.ب)

الروبية الإندونيسية تهوي لمستوى قياسي وسط اضطرابات الشرق الأوسط

هبطت الروبية الإندونيسية بشكل حاد يوم الخميس لتسجل أدنى مستوى لها على الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتربع على قمة 10 أيام مع اشتعال أزمة «هرمز»

استقر الدولار الأميركي بالقرب من أعلى مستوياته في أسبوع ونصف يوم الخميس، مدفوعاً بزيادة الطلب عليه كملاذ آمن.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد لافتة في المقر الرئيسي لبنك «جي بي مورغان» في مانهاتن (رويترز)

«جي بي مورغان» يضم السعودية والفلبين لمؤشره للأسواق الناشئة

أعلن بنك «جي بي مورغان» عن قرار ضم السعودية والفلبين إلى مؤشره لسندات الأسواق الناشئة بالعملة المحلية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يقف أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

تراجع الأسهم الآسيوية عن مستوياتها القياسية وسط مخاوف ارتفاع النفط

شهدت الأسهم الآسيوية تراجعاً ملحوظاً عن مستوياتها القياسية يوم الخميس، حيث اتجه المستثمرون لجني الأرباح.

«الشرق الأوسط» (سيول)

سوريا تعلن إنشاء سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب لتعزيز الاستقرار المالي

صورة جوية تُظهر مصرف سوريا المركزي (رويترز)
صورة جوية تُظهر مصرف سوريا المركزي (رويترز)
TT

سوريا تعلن إنشاء سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب لتعزيز الاستقرار المالي

صورة جوية تُظهر مصرف سوريا المركزي (رويترز)
صورة جوية تُظهر مصرف سوريا المركزي (رويترز)

أعلن محافظ مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، يوم الخميس، إنشاء سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، في خطوة وُصفت بأنها «محورية» في إطار تطوير السياسة النقدية، وتعزيز الاستقرار المالي.

وقال الحصرية، في منشور على صفحته على «فيسبوك»، إن هذه الخطوة تأتي في إطار تنفيذ استراتيجية البنك، لا سيما الركيزة الثانية المتعلقة بتحقيق سوق صرف متوازنة وشفافة، استناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم 189 لسنة 2025.

وأضاف أن السوق الإلكترونية، التي سيتم إطلاقها لأول مرة في سوريا وفق المعايير الدولية، تهدف إلى تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يحد من التشوهات في السوق، ويعكس قوى العرض والطلب بدقة وفي الوقت الفعلي.

وأشار إلى أن السوق ستسهم في تعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، ما يعزز ثقة المتعاملين ويحد من المضاربات غير المنظمة، وصولاً إلى تقليص السوق السوداء والأسواق الموازية، للمرة الأولى منذ أكثر من 70 عاماً.

ولفت الحصرية إلى أنَّ «السوق ستدار عبر منصة إلكترونية وفق المعايير الدولية وبمشاركة أطراف ملتزمة بهذه الأطر، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويرفع كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب، بما يخدم أهداف الاستقرار النقدي».

وعدَّ أن هذا القرار يأتي ضمن حزمة من القرارات التي تم اتخاذها لإعادة هيكلة سوق الصرف والمهن المالية المرتبطة بها، مؤكداً التزام المصرف بمواصلة تنفيذ استراتيجيته الشاملة، بما يحقق التوازن في سوق الصرف، ويدعم مسيرة التعافي الاقتصادي.


سوق المنظفات السعودية في مواجهة تقلبات مضيق هرمز

مختبر شركة «سابك» البحثي في هولندا (المركز الإعلامي للشركة)
مختبر شركة «سابك» البحثي في هولندا (المركز الإعلامي للشركة)
TT

سوق المنظفات السعودية في مواجهة تقلبات مضيق هرمز

مختبر شركة «سابك» البحثي في هولندا (المركز الإعلامي للشركة)
مختبر شركة «سابك» البحثي في هولندا (المركز الإعلامي للشركة)

في وقت تتجه الأنظار نحو قطاع البتروكيميائيات بوصفه الشريان الأكثر حساسية لتقلبات مضيق هرمز، تبرز صناعة المنظفات كأحد أهم الامتدادات الاستراتيجية لهذا القطاع ضمن منظومة الصناعات التحويلية. ورغم ما يشي به هذا القطاع من استقرار ظاهري في مستويات الطلب، فإنه يرتكز في جوهره على هندسة كيميائية معقدة مرتبطة بتدفقات تجارية عالمية بالغة الحساسية. ومحلياً، تُقدر القيمة التشغيلية لهذه السوق في السعودية بين 15 و20 مليار ريال سنوياً (4 إلى 5.33 مليار دولار).

يشير الخبير اللوجستي حسن آل هليل، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن النظرة التقليدية للسوق السعودية، التي تحصرها في حدود 1.3 مليار دولار كقيمة لمنتج نهائي، هي نظرة قاصرة لا تستوعب الحجم الحقيقي للمنظومة؛ فالتكلفة الكلية تتشكل من المواد الخام التي تمثل ما بين 40 في المائة و60 في المائة من قيمة التصنيع، يضاف إليها العمليات اللوجستية المعقدة وشبكات التوزيع. هذا الربط يضع القطاع كجزء لا يتجزأ من الصناعة الثقيلة للبتروكيميائيات، مما يجعله عرضة مباشرة لأي اهتزاز في سلاسل الإمداد العالمية.

عالمياً، تشير التوقعات إلى قفزة حجم السوق العالمية للمنظفات من 145 مليار دولار في 2026 ليصل إلى 178 مليار دولار بحلول عام 2031، مدفوعةً بزيادة الوعي الصحي والتحول نحو المنتجات السائلة والمستدامة.

موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)

هشاشة الإمداد

تكمن خطورة الاعتماد على مضيق هرمز في أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ تستحوذ وحدها على أكثر من 50 في المائة من حصة السوق العالمية للمنظفات في عام 2025، وهي المصدر الرئيسي للمواد الخام الكيميائية.

يوضح آل هليل أن الطلب على منتجات المنظفات يتسم بالاستقرار، باعتبارها من السلع الأساسية، مع تسجيل نمو سنوي يتراوح بين 4 و6 في المائة. إلا أن هذا الاستقرار يخفي، بحسب تعبيره، تحدياً هيكلياً يتمثل في الاعتماد الكبير على استيراد المواد الخام، خصوصاً من الأسواق الآسيوية، وهذا يجعل سلاسل التوريد العامل الأكثر تأثيراً في استمرارية الإنتاج.

وأشار إلى أن حساسية القطاع تتزايد تجاه أي اضطرابات في مضيق هرمز، موضحاً أن مستوى الاعتماد يختلف بين الصادرات والواردات. إذ تمتلك السعودية بدائل استراتيجية تقلل اعتمادها على المضيق في تصدير النفط إلى ما بين 30 و50 في المائة، في حين ترتفع نسبة الاعتماد في الواردات الصناعية إلى ما بين 60 في المائة و70 في المائة، وهو ما يجعل المواد الخام، الحلقة الأضعف في المنظومة التشغيلية.

من التكاليف اللوجستية إلى صدمة الأسعار

وفقاً لآل هليل، يمر التأثير عبر ثلاث مراحل؛ تبدأ باضطراب توفر المواد الخام نتيجة تأخر الشحنات أو إعادة توجيهها، تليها قفزة في التكاليف قد تصل فيها أسعار بعض المواد إلى زيادات تتراوح بين 30 في المائة و70 في المائة، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

أمّا المرحلة الثالثة، فتتمثل في انعكاس هذه الضغوط على السوق، عبر تذبذب توفر المنتجات وارتفاع الأسعار، دون أن يصل الأمر إلى انقطاع كامل.

وأشار إلى أن التأثير يختلف بين القطاعات، حيث يُعد قطاع الضيافة الأكثر تأثراً من الناحية التشغيلية بسبب كثافة الاستهلاك، في حين يظهر الأثر في قطاع التجزئة من خلال الأسعار وتوفر المنتجات، بينما يتحمل القطاع الصناعي ضغوطاً أكبر على مستوى التكاليف في حال استمرار الأزمة.

ولفت إلى أن الاستهلاك المنزلي وقطاع التجزئة يستحوذان على نحو 70 إلى 75 في المائة من السوق، مقابل 15 إلى 20 في المائة للقطاع المؤسسي، و10 إلى 15 في المائة للقطاع الصناعي.

أحد مصانع شركة «سابك» السعودية (المركز الإعلامي للشركة)

تحول استراتيجي

وأكد آل هليل أن تداعيات أي اضطراب في مضيق هرمز لا تقتصر على المستوى المحلي، بل تمتد عالمياً، حيث تتصدر دول الخليج قائمة المتأثرين، تليها الاقتصادات الآسيوية الكبرى، بينما تصل التأثيرات بشكل غير مباشر إلى أوروبا والولايات المتحدة عبر ارتفاع أسعار الطاقة.

واختتم بأن أي تعطّل طويل الأمد لا يمثل أزمة مؤقتة، بل نقطة تحول في نموذج عمل القطاع، حيث تتحول الأولويات من الكفاءة التشغيلية إلى تأمين الإمدادات، ما يدفع الشركات إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد وتنويع مصادر المواد الخام وزيادة المخزون الاستراتيجي وتقليل الاعتماد على مسارات جغرافية محددة.


ارتفاع قياسي لتكاليف الإنتاج في بريطانيا وسط ضغوط تضخمية وتداعيات الحرب

عمال يسيرون عبر ساحة كابوت في منطقة كاناري وارف المالية (لندن)
عمال يسيرون عبر ساحة كابوت في منطقة كاناري وارف المالية (لندن)
TT

ارتفاع قياسي لتكاليف الإنتاج في بريطانيا وسط ضغوط تضخمية وتداعيات الحرب

عمال يسيرون عبر ساحة كابوت في منطقة كاناري وارف المالية (لندن)
عمال يسيرون عبر ساحة كابوت في منطقة كاناري وارف المالية (لندن)

أظهر مسح اقتصادي، نُشر يوم الخميس، تسجيل الشركات البريطانية ارتفاعاً قياسياً في تكاليف الإنتاج خلال الشهر الحالي، في إشارة إلى ضغوط تضخمية متزايدة قد تنعكس على مستويات الأسعار في الفترة المقبلة، في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وتأثيرها على الاقتصاد العالمي.

وأفادت شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن مؤشر أسعار المدخلات في مؤشر مديري المشتريات المركب البريطاني الأولي سجل أكبر زيادة شهرية منذ بدء جمع البيانات قبل 28 عاماً، ليبلغ أعلى مستوياته منذ موجة التضخم ذات الرقمين في أواخر عام 2022.

ويثير هذا الارتفاع مخاوف لدى بنك إنجلترا من احتمال انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى توقعات تضخمية أوسع نطاقاً، في وقت يبقى فيه أداء سوق العمل المتراجع عاملاً قد يحد من وتيرة هذه الضغوط.

كما ارتفع المؤشر الرئيسي لمؤشر مديري المشتريات المركب ـ الذي يقيس نشاط قطاعي التصنيع والخدمات ـ إلى 52 نقطة في أبريل (نيسان)، مقارنة بـ50.3 نقطة في مارس (آذار)، متجاوزاً توقعات استطلاع «رويترز» التي رجّحت تسجيل 49.9 نقطة، أي دون مستوى النمو البالغة 50 نقطة.

وتُظهر البيانات أن الاقتصاد البريطاني لا يزال أكثر عرضة لتقلبات أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، رغم مؤشرات سابقة على نمو قوي قبل اندلاع التوترات الجيوسياسية.

وفي تعليق على النتائج، قال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إن البيانات تشير إلى احتمال تجاوز التضخم للتوقعات الحالية، موضحاً أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بتكاليف الطاقة، بل أيضاً بزيادات واسعة في رسوم السلع والخدمات نتيجة مخاوف مرتبطة بالإمدادات.

وأضاف أن وتيرة النمو الحالية، المقدرة بنحو 0.2 في المائة على أساس ربع سنوي، تبدو غير مستدامة ما لم يتم احتواء تداعيات الأزمة في الشرق الأوسط.

وسجل مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات 52 نقطة مقابل 50.5 في مارس، مع ارتفاع ملحوظ في تكاليف المدخلات، بينما صعد مؤشر التصنيع إلى 53.6 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ مايو (أيار) 2022، مدفوعاً جزئياً باضطرابات في سلاسل التوريد نتيجة التوترات الجيوسياسية.

كما ارتفع مؤشر أسعار مدخلات المصانع إلى أعلى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2022، مسجلاً أكبر قفزة شهرية منذ بدء السجلات في عام 1992، ما يعكس تسارعاً واضحاً في ضغوط التكلفة داخل القطاع الصناعي البريطاني.