انتخابات العراق: صناديق الاقتراع ترسم مستقبل الاقتصاد لا البرلمان فقط

الحكومة المقبلة أمام ضغط تنفيذ «جراحة إصلاحية» عاجلة وإنقاذ البلد من عبء النفط

ناخبة عراقية تحمل طفلها حاملاً علم البلاد في مركز اقتراع بمدينة البصرة الجنوبية (أ.ف.ب)
ناخبة عراقية تحمل طفلها حاملاً علم البلاد في مركز اقتراع بمدينة البصرة الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

انتخابات العراق: صناديق الاقتراع ترسم مستقبل الاقتصاد لا البرلمان فقط

ناخبة عراقية تحمل طفلها حاملاً علم البلاد في مركز اقتراع بمدينة البصرة الجنوبية (أ.ف.ب)
ناخبة عراقية تحمل طفلها حاملاً علم البلاد في مركز اقتراع بمدينة البصرة الجنوبية (أ.ف.ب)

توجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمانهم السادس، يوم الثلاثاء، في انتخابات تتجاوز أهميتها الإطار السياسي لترسم مصير الاقتصاد الوطني العالق عند مفترق طرق حرج.

ففي الوقت الذي يسود فيه استقرار داخلي نسبي، تُظهر تقارير المؤسسات المالية الدولية أن العراق يواجه تحديات هيكلية عميقة. وتجد الحكومة المقبلة التي ستنبثق عن هذا الاستحقاق، نفسها أمام مهمة عاجلة وحاسمة: إطلاق إصلاحات مالية شاملة للحد من تزايد خطر الدين العام وتباطؤ النمو غير النفطي، في مواجهة مؤشرات متصاعدة للهشاشة الاقتصادية.

قبيل الانتخابات، تعهد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بإجراء إصلاحات كبرى في حال فوزه بولاية ثانية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب «عمليات جراحية» لخفض عجز الموازنة وزيادة الإيرادات غير النفطية.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يصل للإدلاء بصوته في الانتخابات البرلمانية في مركز اقتراع في بغداد (إ.ب.أ)

واعترف السوداني بأنه أضاف نحو 700 ألف وظيفة إلى الجدول العام خلال السنوات الثلاث الماضية، وذلك في محاولة «لكسب بعض الوقت» وتجنب تكرار الاضطرابات الشعبية التي حدثت في 2019. وقد أدى هذا التوسع إلى تضخم عدد موظفي الدولة إلى 4 ملايين شخص، مع اعتماد ما يقرب من 90 في المائة من الإنفاق العام على الرواتب والمعاشات والمساعدات الاجتماعية، وفق «بلومبرغ».

وأكد رئيس الوزراء عزمه على تغيير هذا المسار من خلال إعادة توجيه الشباب، الذين يمثلون نحو 60 في المائة من السكان، نحو القطاع الخاص عبر تبسيط اللوائح لجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات حيوية مثل الصناعة والسياحة والزراعة، كما تحدث عن منح شركات النفط والغاز الأميركية شروطاً «تفضيلية» لتطوير قطاع الهيدروكربونات.

عبء النفط والإنفاق

تُعدّ الاستدامة المالية هي التحدي الأبرز الذي يواجه العراق، وهو نتاج الاعتماد المفرط على النفط وسياسات الإنفاق غير المستدامة:

  • الاعتماد المفرط: حتى عام 2025، لا تزال إيرادات الحكومة العراقية تأتي بشكل ساحق من النفط، حيث تشكل أكثر من 90 في المائة من إجمالي الدخل. هذا الواقع يجعل البلاد عرضة للغاية لصدمات الأسعار العالمية وقرارات مجموعة «أوبك بلس».
  • فاتورة الأجور «المقدسة»: بدلاً من التنويع، وسعت الحكومة فاتورة الأجور والمعاشات العامة، التي شكلت أكثر من 60 في المائة من الموازنة الفيدرالية لعام 2024. وتُعد هذه النفقات «مقدسة» في العراق، ما يجعل خفضها صعباً للغاية سياسياً. وأدت ضخامة فاتورة الأجور الحكومية وتراجع إيرادات النفط إلى خلق عجز مالي كبير في عامي 2024 و 2025.
  • تآكل الاحتياطيات وإهمال الاستثمار: تعتمد الحكومة تاريخياً على السحب من الاحتياطيات الأجنبية لإدارة النقص المالي، ما يضعف الاستقرار على المدى الطويل... كما يتم خفض الإنفاق الرأسمالي والتنموي، الضروري للتنويع الاقتصادي، لإعطاء الأولوية للرواتب.

ناخب عراقي يُتحقق من بصمات أصابعه في مركز اقتراع بالناصرية محافظة ذي قار جنوب العراق (أ.ف.ب)

ونتيجة لذلك، ارتفع سعر النفط اللازم لتوازن الموازنة بشكل مقلق، ليصل إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في عام 2024، مقارنة بـ54 دولاراً في 2020، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. ومع انخفاض سعر خام برنت إلى أقل من 70 دولاراً للبرميل في 2025، يواجه العراق ضائقة مالية قد تهدد دفع أجور الموظفين والمتقاعدين، كما حدث في 2020.

ومع توقعات الصندوق بتراجع متوسط سعر برميل النفط إلى ما دون 66 دولاراً في 2025، فإن التوقعات تشير إلى اتساع العجز المالي وارتفاع الدين الحكومي الإجمالي إلى 62.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2026 ما لم يتم اتخاذ إجراءات فورية.

تباطؤ القطاع غير النفطي وتحديات النمو

عانى القطاع غير النفطي، وهو مفتاح تنويع الاقتصاد، من تباطؤ حاد، حيث انخفض نموه من 13.8 في المائة في 2023 إلى 2.5 في المائة في 2024، متأثراً بتقلص الاستثمار العام والقيود التمويلية. ويُتوقع أن تستمر هذه القيود في الضغط على النشاط الاقتصادي.

وتتفاقم المشكلة بسبب الهشاشات الهيكلية المتأصلة، مثل الفساد المستشري، وضعف الحوكمة، وأزمة الكهرباء المزمنة، التي تشكل عائقاً كبيراً أمام الإنتاجية وتطور القطاع الخاص. كما أن القطاع المصرفي لا يزال يعاني من ضعف، حيث يتطلب خطة شاملة لإعادة هيكلة البنوك الحكومية ومعالجة القروض المتعثرة.

أجندة الإصلاحات الضرورية على المدى القصير والمتوسط

من الواضح أن الحكومة المقبلة أمامها أجندة إصلاحات لا يمكن تأجيلها. على المدى القصير جداً، يجب على السلطات مراجعة خطط الإنفاق لعام 2025 وتجميد أو تأجيل جميع النفقات غير الضرورية لاحتواء مخاطر السيولة. وعلى المدى المتوسط، فإن تحقيق الاستقرار في الدين يتطلب تعديلاً مالياً إضافياً يتراوح بين 1 و 1.5 في المائة من الناتج المحلي غير النفطي سنوياً.

تتركز الإصلاحات المقترحة حول مسارين:

  • الإيرادات: تعزيز إدارة الضرائب والرسوم الجمركية، وإصلاح ضريبة الدخل (مثل الحد من الإعفاءات)، وإمكانية إدخال ضريبة مبيعات عامة.
  • الإنفاق: إصلاح شامل لفاتورة الأجور عبر الحد من التوظيف الحكومي الإلزامي، وإصلاح نظام التقاعد (مثل رفع سن التقاعد)، وتحسين استهداف شبكات الأمان الاجتماعي.

ويهدف تنفيذ هذه الإصلاحات إلى توفير حيز مالي لحماية الإنفاق الرأسمالي الحيوي، خاصة في قطاعات البنية التحتية للنقل والطاقة، التي تعد ضرورية لتنويع الاقتصاد.

أشخاص يدلون بأصواتهم في مركز اقتراع خلال الانتخابات البرلمانية بكركوك (رويترز)

موازنة 2026

كذلك، فإن تشكيل الحكومة الجديدة سيواجه اختباراً فورياً يتمثل في ضرورة تمرير موازنة 2026 في ظل توقعات بأسعار نفط أقل من سعر التعادل. وفيما بدأت بعض الشركات الدولية الكبرى مثل «إكسون موبيل» بالعودة، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر لا يزال يراوح مكانه، حيث تُحجم دول الخليج والمستثمرون الأجانب عن التوسع الكامل بسبب النفوذ الإقليمي والشكاوى المتكررة من تدخل المقاولين المرتبطين بجهات مسلحة في المشاريع.

ويؤكد الخبراء أن الاستقرار الحقيقي يتطلب أكثر من «واجهة استقرار مؤقتة»، بل يتطلب إصلاحات حقيقية في الحوكمة ومكافحة الفساد لتوفير بيئة جاذبة للاستثمار الخاص الذي يحتاج إليه العراق بشدة.

خلاصة القول أن التحدي الذي يواجه الحكومة العراقية الجديدة يتجاوز التوافق السياسي إلى مهمة اقتصادية وجودية: فإما أن يبدأ العراق فوراً مسار «الجراحة الإصلاحية» الصعبة لتقليل اعتماده الخطير على النفط، وتخفيف عبء فاتورة الأجور الضخمة، أو أن يبقى عرضة لصدمات السوق العالمية التي تهدد قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه مواطنيه. وفي ظل توقعات بارتفاع الدين وضرورة تمرير موازنة 2026 في بيئة نفطية غير مستقرة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة سياسية غير مسبوقة لتحويل تعهدات الإصلاح إلى واقع يضمن الاستقرار الاقتصادي الطويل الأمد للعراقيين.


مقالات ذات صلة

«صلاحيات حرب» لحكومة بغداد

المشرق العربي 
فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)

«صلاحيات حرب» لحكومة بغداد

في ظل استمرار القصف الأميركي على مواقع «الحشد الشعبي» في العراق، حصلت الحكومة على صلاحيات واسعة وُصفت بـ«صلاحيات حرب» بغطاء سياسي من التحالف الحاكم، وقضائي.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)

«صلاحيات حرب» في بغداد... وتصعيد أميركي متسارع

كثفت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما الجوية خلال الأيام الـ5 الماضية على مواقع «الحشد الشعبي» التي طالت أيضاً الجيش العراقي؛ ما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد منظر عام لحقل غرب القرنة - 2 النفطي في جنوب البصرة (رويترز)

تراجع حاد في إنتاج النفط العراقي مع امتلاء الخزانات وسط استمرار حرب إيران

تراجع إنتاج النفط ‌العراقي ‌بشكل حاد ​مع ‌استمرار ⁠حرب ​إيران، إذ ⁠وصلت خزانات النفط لمستويات عالية وحرجة، في ⁠حين تعجز ‌البلاد ‌عن ​تصدير ‌النفط ‌عبر مضيق هرمز

«الشرق الأوسط» (بغداد)
العالم العربي يتفقد السكان الأضرار التي لحقت بمبنى تحطمت نوافذه إثر اعتراض الدفاعات الجوية لصاروخ أو طائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

كردستان العراق: إيران أقرّت بأن القصف على البشمركة كان «عن طريق الخطأ»

أعلن رئيس إقليم كردستان العراق أن إيران «أقرت» بأن الهجومَين بصواريخ باليستية على قوات البشمركة كان «عن طريق الخطأ».

«الشرق الأوسط» (أربيل (العراق))
المشرق العربي عناصر من الحشد الشعبي في العراق يحملون نعشاً خلال تشييع لقائد عمليات الأنبار في بغداد في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

احتجاج عراقي ضد واشنطن وطهران

كلّف رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أمس، وزير الخارجية فؤاد حسين، استدعاء السفير الإيراني والقائم بالأعمال الأميركي، لتسليمهما مذكرة احتجاج رسمية.

فاضل النشمي (بغداد)

الدولار يستجمع قواه مع تعافي الثقة وتراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يستجمع قواه مع تعافي الثقة وتراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

حافظ الدولار الأميركي على مكاسبه مع انطلاق التداولات الآسيوية، يوم الخميس، مدعوماً باستعادة المستثمرين لثقتهم تدريجياً في الأسواق، بالتزامن مع قيام المتعاملين بتقليص مراهناتهم على أن الخطوة القادمة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي ستكون رفعاً لأسعار الفائدة.

ويأتي هذا الاستقرار في وقت يترقب فيه الجميع وضوح الرؤية بشأن إمكانية خفض التصعيد في النزاع الأميركي - الإسرائيلي مع إيران، مما جعل العملة الخضراء خياراً مفضلاً وسط هذه الضبابية.

وفي أسواق العملات، استقر الدولار أمام الين الياباني عند مستوى 159.41 ين، محافظاً على مستوياته القوية التي لم يشهدها منذ بداية العام الجاري. وفي المقابل، سجل الدولار الأسترالي تراجعاً بنسبة 0.1 في المائة ليصل إلى 0.6943 دولار، بينما ثبت الدولار النيوزيلندي عند 0.5806 دولار. وتعكس هذه التحركات حالة الترقب لما ستسفر عنه مراجعة طهران للمقترح الأميركي لإنهاء الحرب، رغم التصريحات الإيرانية التي لا تزال تبدي تحفظاً بشأن إجراء محادثات مباشرة لإنهاء الصراع المتوسع في المنطقة.

ويرى المحللون في بنك «ويستباك» أن الأسواق لا تزال محكومة بالعناوين الإخبارية، حيث يركز المستثمرون بشكل كامل على تقييم ما إذا كانت الأنباء الأخيرة تشكل محاولة حقيقية للتهدئة أم مجرد تمهيد لتوازن عسكري جديد.

ومع تسبب إغلاق مضيق هرمز في قفزة بأسعار الطاقة، بدأ المتداولون في مراجعة توقعات التضخم السابقة، مما عزز القناعة بأن الاحتياطي الفيدرالي سيبقي على سياساته النقدية دون تغيير، حيث تظهر أداة «فيد ووتش» أن احتمالية تثبيت الفائدة في اجتماع ديسمبر (كانون الأول) ارتفعت لتتجاوز 70 في المائة.

وعلى صعيد العملات الأخرى، استقر اليورو عند 1.1560 دولار محاولاً التماسك بعد يومين من التراجع، وذلك عقب تصريحات رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، التي تركت الباب مفتوحاً لرفع الفائدة إذا تسببت الحرب في ضغوط تضخمية مستمرة.

وفي الوقت نفسه، حافظ الجنيه الإسترليني على مستواه عند 1.3365 دولار، متأثراً ببيانات أظهرت بقاء التضخم في بريطانيا عند 3.0 في المائة، وهو مستوى لا يزال يتجاوز مستهدفات البنك المركزي، مما يضع العملة البريطانية في موقف دفاعي لتجنب تسجيل خسائر متتالية.

وفي سياق العلاقات الدولية، استقر الدولار أمام اليوان الصيني عند 6.9026 في التعاملات الخارجية، وسط ترقب للزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين في منتصف مايو (أيار) للقاء الرئيس شي جينبينغ، وهي الزيارة الأولى له منذ سنوات.

أما في سوق العملات المشفرة، فقد شهدت «بتكوين» ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.4 في المائة لتتجاوز 71 ألف دولار، بينما سجلت «إيثريوم» صعوداً طفيفاً بنسبة 0.2 في المائة، مما يشير إلى حالة من الاستقرار النسبي في شهية المخاطرة لدى المستثمرين رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.


الأسواق الآسيوية في «منطقة انتظار» قلقة وسط ترقب لمفاوضات التهدئة

متداولو العملات يراقبون عبر الشاشات مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب «كوسبي» (أ.ب)
متداولو العملات يراقبون عبر الشاشات مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب «كوسبي» (أ.ب)
TT

الأسواق الآسيوية في «منطقة انتظار» قلقة وسط ترقب لمفاوضات التهدئة

متداولو العملات يراقبون عبر الشاشات مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب «كوسبي» (أ.ب)
متداولو العملات يراقبون عبر الشاشات مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب «كوسبي» (أ.ب)

سيطرت حالة من الترقب والحذر على تعاملات الأسهم الآسيوية، يوم الخميس، بينما تمسك الدولار بمكاسبه، حيث فضّل المستثمرون مراقبة التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، خاصة بعد إعلان طهران مراجعة مقترح أميركي لإنهاء الصراع.

وشهدت الأسواق الآسيوية تبايناً ملحوظاً في مستهل التعاملات؛ حيث ارتفع مؤشر «نيكي» الياباني بنسبة 0.6 في المائة، في حين تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية بنسبة 1.2 في المائة.

وبشكل عام، انخفض مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 0.23 في المائة، ليتجه نحو تسجيل انخفاض شهري قدره 8.7 في المائة، وهو الأسوأ منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

الدولار «الملاذ الآمن»

في غضون ذلك، حافظ الدولار على قوته قرب مستوياته العليا الأخيرة، متجهاً لتحقيق مكاسب شهرية بنسبة 2 في المائة، مما يعزز مكانته كخيار أول للمستثمرين للتحوط من المخاطر.

وعلى النقيض، سجل الذهب تراجعاً حاداً خلال الشهر الجاري بنسبة وصلت إلى 14 في المائة، وهي أكبر سقطة شهرية له منذ عام 2008، رغم تداوله، يوم الخميس، عند مستويات 4537 دولاراً للأونصة.

رهانات الهدنة ومضيق هرمز

تترقب الأسواق نتائج المقترح الأميركي المكون من 15 بنداً لوقف إطلاق النار، والذي أرسلته واشنطن إلى طهران. ويرى المحللون أن الأسواق لا تزال غير متأكدة من مصداقية الإشارات القادمة من أطراف النزاع.

وقال رئيس الأبحاث في «بيبرستون»، كريس ويستون: «تشير حركة الأسعار إلى أن المشاركين في السوق يتوقعون مزيداً من التقلبات، حتى مع ارتفاع احتمالات التوصل إلى نتيجة تفاوضية».

يذكر أن النزاع الذي بدأ في أواخر فبراير (شباط) الماضي أدى فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، الممر الحيوي لخُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية، مما دفع أسعار خام برنت للقفز فوق حاجز 100 دولار للبرميل.

وقد أدت صدمة أسعار الطاقة إلى إعادة رسم خارطة التوقعات المالية عالمياً:

  • مجلس الاحتياطي الفيدرالي: تلاشت مراهنات المتداولين على أي خفض لأسعار الفائدة هذا العام بسبب المخاوف من موجة تضخمية ثانية.
  • البنك المركزي الأوروبي: لم تستبعد رئيسته، كريستين لاغارد، إمكانية رفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو إذا استمر النزاع في دفع التضخم للارتفاع لفترة طويلة.

العملات الكبرى

على صعيد العملات، استقر اليورو عند 1.1562 دولار، بينما سجل الجنيه الإسترليني 1.3358 دولار. أما الين الياباني، فقد ظل يحوم حول مستوى 159.43 للدولار، وهو المستوى الذي يراقبه المتداولون عن كثب تحسباً لأي تدخل حكومي محتمل لدعم العملة اليابانية.


الذهب يستقر فوق 4500 دولار مع ترقب الأسواق لمصير مضيق هرمز

أحد الموظفين يقوم بتحديث أسعار الذهب بينما يصطف الزبائن داخل متجر للذهب في الحي الصيني ببانكوك (أ.ف.ب)
أحد الموظفين يقوم بتحديث أسعار الذهب بينما يصطف الزبائن داخل متجر للذهب في الحي الصيني ببانكوك (أ.ف.ب)
TT

الذهب يستقر فوق 4500 دولار مع ترقب الأسواق لمصير مضيق هرمز

أحد الموظفين يقوم بتحديث أسعار الذهب بينما يصطف الزبائن داخل متجر للذهب في الحي الصيني ببانكوك (أ.ف.ب)
أحد الموظفين يقوم بتحديث أسعار الذهب بينما يصطف الزبائن داخل متجر للذهب في الحي الصيني ببانكوك (أ.ف.ب)

استقرت أسعار الذهب، يوم الخميس، في انتظار المستثمرين لمؤشرات أوضح على إحراز تقدم في جهود خفض التصعيد في الشرق الأوسط، مع توخي الحذر إزاء التطورات الجيوسياسية الجديدة التي قد تؤثر على الطلب على الملاذات الآمنة.

واستقر سعر الذهب الفوري عند 4503.29 دولار للأونصة بحلول الساعة 03:00 بتوقيت غرينتش. وانخفضت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 1.2 في المائة لتصل إلى 4500 دولار.

والأربعاء، أعلنت إيران أنها تراجع مقترحاً أميركياً لإنهاء الحرب، لكنها أضافت أنها لا تنوي إجراء محادثات لإنهاء الصراع المتصاعد، حسبما صرّح وزير الخارجية الإيراني.

وأرسلت الولايات المتحدة مقترحاً لوقف إطلاق النار من 15 بنداً إلى طهران في وقت سابق من هذا الأسبوع، عبر باكستان.

وقال كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية في «كابيتال.كوم»: «خلال الـساعات الـ24 إلى 48 القادمة، ستتأثر أسعار الذهب بشكل مباشر بالعناوين الرئيسية المتعلقة بالمفاوضات».

ورجّح أن تحدث التحركات الكبيرة في بداية الأسبوع المقبل، «عندما تتضح الأمور بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن غزواً برياً على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع».

وصرّحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، الأربعاء، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعهد بضرب إيران بقوة أكبر إذا لم تعترف طهران بهزيمتها العسكرية.

ومع الضغط على أسعار الذهب، ارتفع سعر النفط الخام إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، حيث أعاد المستثمرون تقييم احتمالات خفض التصعيد في الشرق الأوسط.

ومنذ بدء الهجمات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، شنت طهران هجمات على الدول التي تستضيف قواعد أميركية، وأغلقت فعلياً مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.

وتميل أسعار النفط الخام المرتفعة إلى تأجيج التضخم من خلال رفع تكاليف النقل والتصنيع. ورغم أن ارتفاع التضخم يعزز عادةً جاذبية الذهب كأداة تحوط، إلا أن أسعار الفائدة المرتفعة تُؤثر سلباً على الطلب على هذا الأصل الذي لا يُدرّ عائداً.

ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، لم تعد الأسواق تتوقع أي تخفيف للسياسة النقدية من جانب الاحتياطي الفيدرالي هذا العام. وقبل بدء النزاع، أشارت توقعات السوق إلى خفضين على الأقل في أسعار الفائدة هذا العام.

وانخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 0.1 في المائة إلى 71.19 دولار للأونصة. وخسر البلاتين الفوري 0.7 في المائة إلى 1906.90 دولار، بينما انخفض البلاديوم بنسبة 1.4 في المائة إلى 1404 دولارات.