بين التضامن والحرب: كيف تموّل أوروبا الاقتصاد الروسي؟

رغم دعمها لأوكرانيا

الرئيسان إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي يصلان لقمة «تحالف الراغبين» في قصر الإليزيه... 4 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيسان إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي يصلان لقمة «تحالف الراغبين» في قصر الإليزيه... 4 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

بين التضامن والحرب: كيف تموّل أوروبا الاقتصاد الروسي؟

الرئيسان إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي يصلان لقمة «تحالف الراغبين» في قصر الإليزيه... 4 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيسان إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي يصلان لقمة «تحالف الراغبين» في قصر الإليزيه... 4 سبتمبر 2025 (رويترز)

على الرغم من أن دولاً أوروبية، من بينها فرنسا، تُعدُّ من أبرز الداعمين لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، فإنها في الوقت نفسه عزَّزت وارداتها من الطاقة الروسية، ما يضخ مليارات اليوروات في الاقتصاد الحربي لموسكو.

ومع دخول الصراع عامه الرابع، يظل الاتحاد الأوروبي في موقف صعب يتمثَّل في تمويل طرفَي النزاع. فبينما يواصل إرسال شحنات كبيرة من المساعدات العسكرية والإنسانية إلى كييف، يستمر في دفع أموال مقابل النفط والغاز الروسيَّين.

ورغم أن الاتحاد قلّص اعتماده على روسيا، التي كانت المُورِّد المهيمن سابقاً، بنحو 90 في المائة منذ عام 2022، فقد استورد أكثر من 11 مليار يورو من الطاقة الروسية خلال الأشهر الـ8 الأولى من 2025، وفق تحليل أجرته «رويترز» استناداً إلى بيانات «مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA)» في هلسنكي.

سبع دول من بين الأعضاء الـ27 في الاتحاد زادت قيمة وارداتها مقارنة بالعام الماضي، من بينها 5 دول تُعدُّ من أبرز الداعمين لأوكرانيا. فقد ارتفعت واردات فرنسا من الطاقة الروسية بنسبة 40 في المائة لتصل إلى 2.2 مليار يورو، بينما قفزت واردات هولندا بنسبة 72 في المائة إلى 498 مليون يورو، بحسب التحليل.

ورغم استخدام مواني الغاز الطبيعي المسال (LNG) في دول مثل فرنسا وإسبانيا بوصفها نقاط دخول للإمدادات الروسية إلى أوروبا، فإن الغاز لا يُستهلَك بالضرورة في تلك الدول، بل يُعاد توجيهه إلى مشترين في بقية أنحاء القارة.

يلتقط الزوار صوراً لنموذج لناقلة غاز طبيعي مسال تحمل شعار شركة «غازبروم» (رويترز)

ووصف فايبهاف راغوناندان، المتخصص بشؤون الاتحاد الأوروبي وروسيا لدى المركز، زيادة هذه التدفقات بأنها «شكل من أشكال الإضرار الذاتي»، مشيراً إلى أن مبيعات الطاقة تُعدُّ أكبر مصدر دخل لروسيا في خضم الحرب. وقال: «الكرملين يتلقى فعلياً تمويلاً لمواصلة نشر قواته في أوكرانيا».

ترمب يوجه الانتقادات لأوروبا

عادت المدفوعات الأوروبية لموسكو إلى دائرة الاهتمام بعد أن وجَّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات لاذعة لزعماء أوروبا في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، مطالباً بوقف هذه المشتريات فوراً.

وقال ترمب: «على أوروبا أن ترفع وتيرتها. لا يمكنها الاستمرار في شراء النفط والغاز من روسيا بينما تقاتلونها. هذا أمر مخزٍ للغاية، وكان محرجاً حين اكتشفت ذلك».

من جهتها، قالت وزارة الطاقة الفرنسية لـ«رويترز» إن ارتفاع قيمة وارداتها من الطاقة الروسية هذا العام يعود إلى إعادة تزويد عملاء في دول أخرى، دون الإفصاح عن هذه الدول أو الشركات المعنية. وتشير بيانات سوق الغاز إلى أن جزءاً من واردات فرنسا يُعاد توجيهه إلى ألمانيا، وفق محللين في شركة «كيبلر».

أما الحكومة الهولندية، فأكدت دعمها لخطط الاتحاد الأوروبي للتخلص التدريجي من الطاقة الروسية، لكنها شدَّدت على أنه ما دامت هذه المقترحات لم تُقرّ رسمياً ضمن قوانين الاتحاد، فهي عاجزة عن منع العقود القائمة بين الشركات الأوروبية والمُورِّدين الروس.

وكان الاتحاد قد حظر بالفعل معظم واردات النفط الخام الروسي والوقود المكرر، وأعلن خططاً لتسريع الحظر الكامل على الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى عام 2027 بدلاً من 2028. ويُشكِّل الغاز المسال الآن أكبر مكوّن في واردات الاتحاد من الطاقة الروسية، نحو نصف قيمتها الإجمالية.

ورفضت المفوضية الأوروبية التعليق على بيانات واردات 2025، بينما قالت المفوضة المسؤولة عن شؤون الطاقة، الشهر الماضي، إن الانسحاب التدريجي من الوقود الأحفوري الروسي صُمِّم لتفادي ارتفاعات حادة في الأسعار أو نقص الإمدادات.

وتعني هذه المقترحات أن الأموال الأوروبية قد تستمر في دعم الاقتصاد الحربي الروسي لعام أو أكثر مقبل.

ويشير ترمب إلى أن النفط والغاز الأميركيَّين يمكن أن يحلّا محل الإمدادات الروسية، ويقول كثير من المحللين إن ذلك ممكن، لكنه سيزيد اعتماد أوروبا على الطاقة الأميركية في وقت تستخدم فيه واشنطن الرسوم الجمركية أداةً سياسيةً.

وقالت آن صوفي كوربو، الباحثة في «مركز سياسات الطاقة العالمية» بجامعة كولومبيا: «الاتحاد الأوروبي اتفق على شراء مزيد من الطاقة الأميركية؛ استجابةً للضغوط من واشنطن لوقف الواردات الروسية، لكن من الوهم الاعتقاد بأن الغاز الأميركي سيحل محل الغاز الروسي بشكل متكافئ، فالغاز الأميركي في أيدي شركات خاصة لا تطيع أوامر البيت الأبيض أو المفوضية الأوروبية، بل تسعى إلى تعظيم أرباحها».

ارتفاع الفواتير في بعض الدول الأوروبية

قطع الاتحاد الأوروبي شوطاً طويلاً منذ عام 2021، حين استورد أكثر من 133 مليار يورو من الطاقة الروسية قبل غزو روسيا لأوكرانيا. أما في الفترة بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2025، فقد بلغت الفاتورة 11.4 مليار يورو، أي أقل بنسبة 21 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

وتظل المجر وسلوفاكيا، اللتان تحتفظان بعلاقات وثيقة مع الكرملين وترفضان التخلي عن الغاز الروسي، من كبار المستوردين، إذ شكَّلتا معاً نحو 5 مليارات يورو من الإجمالي. ولن تتأثرا بالعقوبات الأوروبية المقترحة على الغاز المسال، ما يعني إمكانية استمرار تلقيهما الغاز عبر الأنابيب حتى عام 2028.

كما كانت المجر ضمن الدول السبع التي زادت وارداتها من الطاقة الروسية هذا العام بنسبة 11 في المائة، إلى جانب فرنسا وهولندا وبلجيكا (3 في المائة)، وكرواتيا (55 في المائة)، ورومانيا (57 في المائة)، والبرتغال (167 في المائة).

وقالت وزارة الطاقة البلجيكية إن الزيادة تعود إلى حظر عمليات «إعادة الشحن» في مارس (آذار)، مما اضطر لتفريغ الغاز في بلجيكا بدلاً من نقله مباشرة من سفينة إلى أخرى. وأوضحت وزارة الطاقة البرتغالية أن البلاد تستورد كميات محدودة فقط من الغاز الروسي، وستكون تدفقات 2025 أقل من مستويات 2024.

وتظهر بيانات «مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف» أن إجمالي واردات الاتحاد من الطاقة الروسية منذ 2022 تجاوز 213 مليار يورو، متفوقاً على ما أنفقه الاتحاد على المساعدات لأوكرانيا في الفترة نفسها (167 مليار يورو «وفق معهد كيل الألماني للاقتصاد»).

جانب من المنتدى الدولي الـ14 للغاز في سانت بطرسبرغ... 8 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

التزامات الشركات بعقود طويلة الأجل

تُعدُّ شركة «توتال إنرجي» الفرنسية من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى أوروبا، إلى جانب شركات كبرى أخرى مثل «شل» البريطانية، و«ناتورجي» الإسبانية، و«سيفي» الألمانية، وشركة التجارة «غنفور». وتعمل هذه الشركات وفق عقود طويلة الأجل تمتد إلى ثلاثينات وأربعينات القرن الحالي.

وقالت «توتال إنرجي» لـ«رويترز» إنها تستمر في تسلم شحنات من مصنع «يامال» الروسي بموجب عقود لا يمكن تعليقها دون صدور عقوبات رسمية من الاتحاد الأوروبي، مضيفة أنها ستواصل الإمدادات ما دامت الحكومات الأوروبية ترى أن الغاز الروسي ضروري لأمن الطاقة.

وتتجنَّب الشركات الأخرى التعليق على وارداتها الروسية، بينما يشير محللون إلى أن الشركات ملتزمة بعقود طويلة الأمد، والإخلال بها قد يفرض غرامات، ما يعني استمرار تدفق الأموال إلى روسيا.

وأوضح رونالد بينتو، محلل أبحاث الغاز في شركة «كيبلر»، أن جزءاً كبيراً من الغاز الروسي الوارد إلى فرنسا يمر عبر بلجيكا قبل الوصول إلى ألمانيا، حيث الطلب الصناعي مرتفع، لكنه حذَّر من صعوبة تتبع حركة الغاز بدقة داخل شبكة أوروبا.

وأكد متحدث باسم «سيفي» أنها تستورد الغاز الروسي عبر فرنسا وبلجيكا، بينما أوضحت وزارة الاقتصاد الألمانية أن الشركة ملتزمة بعقد طويل الأمد مع مصنع «يامال» وفق شروط «خذ أو ادفع»، ما يعني دفع ثمن الكميات المتفق عليها حتى لو لم يتم تسلُّمها فعلياً، وهو دعم مزدوج للاقتصاد الروسي.


مقالات ذات صلة

موسكو تعلن «سيطرة كاملة» في لوغانسك وتؤكد تقدم قواتها «على كل الجبهات»

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصربي ألكسندر فوتشيتش خلال لقاء بينهما في بكين 2 سبتمبر 2025 (رويترز) p-circle

موسكو تعلن «سيطرة كاملة» في لوغانسك وتؤكد تقدم قواتها «على كل الجبهات»

مع انشغال العالم بتطورات الحرب في إيران بدا أن موسكو نجحت عبر الهجوم على طول خطوط التماس في تعزيز مواقعها بشكل ملموس

رائد جبر (موسكو)
أوروبا سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)

اختراق طائرات مسيّرة أوكرانية أجواء إستونيا في طريقها إلى روسيا

قالت القوات المسلحة في إستونيا إنها رصدت طائرات مسيّرة دخلت المجال الجوي للبلاد، يبدو أنها جاءت من أوكرانيا وكانت موجهة إلى روسيا.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جندي روسي يقف أمام منظومة صواريخ بانتسير المضادة للطائرات بمنطقة لوغانسك (رويترز)

روسيا تسيطر بالكامل على منطقة لوغانسك بشرق أوكرانيا

نقلت وكالة الإعلام الروسية عن وزارة الدفاع في البلاد قولها، اليوم الأربعاء، إن قواتها سيطرت، بشكل كامل، على منطقة لوغانسك بشرق أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد خطوط أنابيب الغاز بمحطة ضغط أتامانسكايا التابعة لمشروع «قوة سيبيريا» التابع لـ«غازبروم» بمنطقة أمور الروسية (رويترز)

صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب لأوروبا تقفز 22 % في مارس

ارتفع متوسط إمدادات الغاز الطبيعي اليومية التي تصدرها شركة «غازبروم» الروسية العملاقة للطاقة إلى أوروبا عبر خط أنابيب «ترك ستريم» 22 في المائة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

الكرملين يعلن عدم تلقي «مبادرة واضحة» بشأن «هدنة الفصح»

علَّق ‌الكرملين اليوم الثلاثاء بشكل فاتر على مقترح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن ​تعليق الهجمات على منشآت الطاقة خلال عيد القيامة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.