مخاوف اقتصادية من استعادة تقييم «عدم اليقين» في لبنان

مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

مخاوف اقتصادية من استعادة تقييم «عدم اليقين» في لبنان

مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)

يرتفع منسوب القلق، بشكل واضح، في الأوساط الاقتصادية والمالية، على المستويين العام والخاص، من استعادة مشهد المراوحة السلبية في حال «عدم اليقين»، ما لم يتم احتواء الخلافات الداخلية المستجدة على خلفية حدث «صخرة الروشة»، وعزل انعكاساتها التلقائية الآيلة إلى تعظيم التعقيدات القائمة أساساً بشأن ملف «حصرية السلاح».

وبرزت على هوامش البعد السياسي للأزمة المستجدة، المخاوف من تداعيات اقتصادية فورية ولاحقة، تؤدي إلى بدء استنزاف رصيد الزخم الإيجابي الذي رافق انطلاقة العهد الرئاسي وتشكيل الحكومة أوائل العام الحالي، والذي لامس تباعاً مرحلة «التعافي» المنشود والنمو الإيجابي المفقود للناتج المحلي، نتيجة التقدم المشهود نحو محطات مفصلية في مقاربة ملفات الانهيارات النقدية والمالية، وتعويم المفاوضات البينيّة مع صندوق النقد الدولي.

وتشكل عودة مؤشرات الاقتصاد اللبناني إلى النمو علامة فارقة، وفق مسؤول مالي معنيّ، للخروج من رحلة الانكماش القاسية التي تمدّدت على مدار 5 سنوات متتالية، فقد معها الناتج المحلي نحو نصف قيمته البالغة سابقاً نحو 53 مليار دولار، وانكشف فيها البلد واقتصاده على «فجوة» خسائر تعدّت 73 مليار دولار، وتعمّدت حكومته السابقة إخراج قطاعه المالي من الأسواق الدولية عبر تعليق دفع حقوق السندات الدولية؛ ما أنتج سلسلة انهيارات نقدية ومالية ومعيشية كارثية.

ورغم محدودية ترقبات النمو للعام الحالي بين 2 و3 في المائة، حسب رصد مؤسسات مالية دولية ومحلية، فإن الترجيحات اللاحقة، وأحدثها الصادر عن بنك «غولدمان ساكس» العالمي، تشير إلى نسب أعلى تناهز 4 في المائة للعام المقبل، ضمن مسار تصاعدي. في حين تنضج فرصة مواتية لاستدامة النمو وتعظيم نسبه السنوية وحشد المساعدات الموجهة للإعمار ودعم الاقتصاد مع كل تقدم إضافي في ملفَّي السلاح والإصلاح.

وبالتوازي، فقد بادر البنك المركزي، بالتنسيق مع هيئة التحقيق الخاصّة، إلى إصدار سلسلة من الإجراءات لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك عقب إدراج لبنان على القائمة الرماديّة من قبل مجموعة العمل المالي في خريف العام الماضي. وتهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز الالتزام بالمعايير الدولية واستعادة الثقة في النظام المالي والاقتصاد.

كما أشار مصرف لبنان، في تقرير محدّث، إلى أنّ السلطات اللبنانيّة قد اتّخذت خطوات مهمّة في مجال التشريعات المتعلّقة بالقطاع المالي خلال النصف الأول من عام 2025، كتعديل قانون السريّة المصرفيّة وإقرار القوانين ومشاريع القوانين المتعلقة بإعادة هيكلة المصارف ومعالجة خسائر القطاع المالي.

ومن الثابت، وفق المسؤول المالي الذي تواصلت معه «الشرق الأوسط»، أن «التضحية السياسية» بهذه الفرصة، ستفضي إلى زعزعة الاستقرار الهشّ، واستهلاك الإيجابيات المحققة في قطاعات حيوية، والتقدم المتواصل في حزمة الإصلاحات التنفيذية والتشريعية. في حين أنّ الحاجة لاستعادة الثقة تفرض استعادة هيبة الدولة والجيش وحصر السلاح بيد الدولة، كشرط مسبق من أجل تأمين الحاجات التمويلية لإعادة البناء.

وتكتسب هذه المسائل أهمية مضافة لجهة ضرورة التصريح بأجوبة صريحة عن أسئلة مشروعة مرتقبة، عشية توجه وفد لبناني رسمي إلى واشنطن قبيل منتصف الشهر المقبل، للمشاركة في الاجتماعات الخريفية الدورية لصندوق النقد والبنك الدوليين، وعقد اجتماعات عمل تشمل مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية وبنوك مراسلة للقطاع المالي المحلي، علماً بأن الوفد يضم وزيرَي المال ياسين جابر، والاقتصاد عامر البساط، وحاكم البنك المركزي كريم سعيد، ومجموعة من المديرين والمستشارين.

وفي الأثناء، كشف مصرف لبنان المركزي، في رصده الدوري المستعاد، أنّ الاقتصاد اللبناني بدأ يُظهر بعض علامات التعافي الهشّ خلال النصف الأول من العام الحالي، مدعوماً باستقرار الساحة السياسيّة، ومجموعة من التطوّرات الإيجابيّة التي أدّت إلى تحسين مستويات الثقة في السوق وتقليص حال عدم اليقين السياسي، كما مهّدت الطريق لعودة الانتظام إلى عمل المؤسّسات العامة.

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون في منطقة الروشة على الكورنيش البحري لبيروت إحياءً لذكرى اغتيال نصر الله وصفي الدين (أ.ب)

ويتوقّع البنك المركزي في تقريره الصادر قبل أيام، والذي يفحص المؤشرات المحققة، أن يحقّق لبنان نموّاً اقتصاديّاً حقيقيّاً متواضعاً في عام 2025، مدعوماً بالتحسّن على الصعيد السياسي وفي قطاع السياحة ومستوى الاستهلاك المحلي، وهو الأمر الذي بدأ يتّضح من خلال المؤشّرات المسجّلة خلال النصف الأول من العام الحالي، بعد انكماش بنسبة 6.4 في المائة خلال العام الماضي، بسبب التأثير السلبي للحرب على السياحة والاستهلاك الخاصّ.

وفي إشارة لافتة بمضمونها، يشير التقرير إلى أنه «بالرغم من المستويات المرتفعة للمخاطر السياسيّة والاقتصاديّة، فإنّه يمكن للبنان في حال استكمال التقدّم الذي تمّ تحقيقه مؤخّراً على الصعيدين التشريعي والمؤسسي عبر تنفيذ الإصلاحات المتبقية، أن يرسل إشارة قويّة مفادها أنّه يجري وضع ركائز لتعافٍ أكثر استدامة وشمولاً».

وعلى صعيد القطاع المالي، يسلط التقرير الضوء على دور البنك المركزي الأساسي في إدارة الأزمة في ظل غياب خطة انتعاش حكوميّة وانكماش نشاط القطاع المصرفي؛ إذ يوضح أنّ إجراءاته تمحورت حول إعطاء الأولويّة لحقوق المودعين، والحفاظ على استقرار القطاع المصرفي، والحدّ من تقلبات سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي، مشيراً في هذا الصدد إلى أنّ مجموعة التعاميم التي أصدرها للتسديد التدريجي للودائع بالعملات الأجنبيّة قد نتج عنها عودة نحو 4.2 مليار دولار للمودعين، إلا أنه أكّد أنّ هذه السحوبات لا تُعدّ بأي حال من الأحوال بديلاً عن استراتيجيّة شاملة لإعادة الهيكلة.

وقد ارتفعت احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبيّة إلى 11.3 مليار دولار مع نهاية النصف الأوّل من العام الحالي، مدفوعةً بتوقّف التمويل المباشر للحكومة والتدخّلات في سوق القطع ورفع الدعم. وبالمثل، ارتفعت قيمة احتياطات الذهب بنسبة 41 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 30.28 مليار دولار مع نهاية النصف الأوّل من العام، على خلفيّة تحسّن أسعار الذهب عالميّاً.


مقالات ذات صلة

لبنان يسحب الاعتماد من السفير الإيراني ويمنحه حتى الأحد للمغادرة

المشرق العربي  وزارة الخارجية والمغتربين تسحب الاعتماد من السفير الإيراني (الوكالة الوطنية)

لبنان يسحب الاعتماد من السفير الإيراني ويمنحه حتى الأحد للمغادرة

سحب لبنان الاعتماد من السفير الإيراني المعيَّن محمد رضا شيباني وطالبه بمغادرة الأراضي اللبنانية حتى الأحد لمغادرة البلاد، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي صورة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مساء الاثنين وقال إنها للأسلحة التي صادرها بعد استسلام عناصر «فرقة الرضوان»

الجيش الإسرائيلي يعتقل مسلحين من «قوة الرضوان» في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه اعتقل مسلحين من «قوة الرضوان» التابعة ﻟ«حزب الله» في جنوب لبنان بعد استسلامهم.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جنود لبنانيون في محيط المبنى الذي استهدف في منطقة الحازمية شرق بيروت حيث قتل شخص (أ.ف.ب)

اغتيال شرق بيروت وتصعيد إسرائيلي لفصل جنوب الليطاني عن شماله

طال القصف الإسرائيلي مرة جديدة شرق بيروت عبر غارة استهدفت شقة سكنية في منطقة الحازمية السكنية، فيما تشهد الجبهة الجنوبية تصعيداً متسارعاً.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الجيش الإسرائيلي يحشد قواته عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

التوغل البري في جنوب لبنان يصطدم بحسابات التكلفة والجبهات المفتوحة

رغم الحشود العسكرية الإسرائيلية الكبيرة على الحدود مع لبنان؛ فإن القراءة العسكرية تكشف عن أن ما يجري حتى الآن محكوم بسقف المعركة...

صبحي أمهز (بيروت)

«سانتوس» الأسترالية تغلق محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال

محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا (إكس)
محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا (إكس)
TT

«سانتوس» الأسترالية تغلق محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال

محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا (إكس)
محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال في الإقليم الشمالي بأستراليا (إكس)

أعلنت شركة «سانتوس» الأسترالية، الثلاثاء، أنها أغلقت مؤقتاً محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال، ما أدى إلى توقف الصادرات من سلسلة التوريد التي تم استئنافها مؤخراً، في وقت تشهد فيه الأسواق ضغوطاً بسبب الصراع في الشرق الأوسط.

يأتي هذا التوقف في وقت تتعرض فيه صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا وآسيا لضغوط، في أعقاب اضطرابات الشحنات من قطر، بعد إعلانها «القوة القاهرة»، نتيجة استمرار حرب إيران.

وتعد أستراليا واحدة من أكبر مصدِّري الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومورِّداً رئيسياً للمشترين الآسيويين.

وانخفضت أسهم ثاني أكبر منتج للنفط والغاز في البلاد بنسبة 2.6 في المائة، لتصل إلى 7.84 دولار أسترالي، مسجلة أضعف إغلاق لها منذ 18 مارس (آذار)، متخلفة عن مؤشر الطاقة الفرعي الأوسع نطاقاً الذي انخفض بنسبة 0.4 في المائة.

وأعلنت شركة «سانتوس» أن التوقف مرتبط بأعمال استبدال المعدات في سفينة الإنتاج العائمة «بي دبليو أوبال» في مشروع «باروسا» للغاز والمكثفات البحرية، والذي يغذي محطة «داروين».

وقال متحدث باسم الشركة، إن التوقف كان مخططاً له ومرتبطاً بأنشطة التشغيل التجريبي، ولكنه لم يحدد مدة توقف المحطة.

ومع ذلك، أشارت الشركة إلى أن استئناف عمليات محطة «داروين» للغاز الطبيعي المسال قد يستغرق «عدة أسابيع»، وفقاً لما ذكرته صحيفة «أستراليان فاينانشال ريفيو».

وقال المتحدث الرسمي: «نحن في المراحل النهائية من تشغيل مشروع (باروسا) للغاز الطبيعي المسال لتنظيف النظام قبل استئناف التشغيل بكامل طاقته».

وكانت شركة «داروين» للغاز الطبيعي المسال قد استأنفت صادراتها في وقت سابق من هذا العام، بعد تأخر بدء تشغيل «باروسا» الذي واجه مشكلات فنية، من بينها مشكلات في مانع تسرب الضاغط أثرت على استقرار الإنتاج.

وفي تقريرها الإنتاجي الفصلي، ذكرت شركة «سانتوس» أنها تتوقع أن يتراوح إجمالي الإنتاج بين 101 و111 مليون برميل من المكافئ النفطي لعام 2026، ومن المتوقع أن يساهم مشروع «باروسا» بنحو 19 مليون برميل من المكافئ النفطي.

وتدير سانتوس مشروع «باروسا» بحصة 50 في المائة، إلى جانب شركة «إس كي إي آند إس» الكورية الجنوبية التي تمتلك 37.5 في المائة، وشركة «جيرا» اليابانية التي تمتلك 12.5 في المائة.


إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

مدينة جدة (واس)
مدينة جدة (واس)
TT

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

مدينة جدة (واس)
مدينة جدة (واس)

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط، عن إعادة جدولة الاجتماع الدولي حول التعاون والنمو الذي كان من المقرر عقده خلال 22 و23 أبريل (نيسان) 2026 في مدينة جدة بالسعودية.

وأوضحت الوزارة أنّ هذا القرار يأتي بناءً على رغبة المنتدى في ضوء التطورات الإقليمية الراهنة، وبما يضمن انعقاد الاجتماع في توقيت يحقق الأثر المنشود، مشيرة إلى أنّ المملكة كانت وما زالت على أتم الاستعداد لاستضافة الاجتماع الدولي في مدينة جدة، مستندة إلى ما تمتلكه من خبرة وكفاءة تنظيمية عالية في استضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وما رسخته خلال السنوات الأخيرة من مكانة متقدمة كونها منصة عالمية للحوار، بما في ذلك النجاح الذي تحقق في استضافة الاجتماع الخاص للمنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة الرياض عام 2024. وتتطلع الوزارة إلى عقد الاجتماع الدولي في موعد سيُعلن عنه لاحقاً.

وصرح المنتدى الاقتصادي العالمي بأنّ الاجتماع الدولي حول التعاون والنمو يمثّل منصة رئيسة لتعزيز الحوار العالمي البنّاء، وأنّه بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط، قرر المنتدى إعادة جدولة الاجتماع، وذلك بهدف تحقيق أقصى استفادة ممكنة منه، وتعزيز أثره العالمي.


كيف نجت الأسهم الأميركية من صدمة النفط التي ضربت أوروبا واليابان؟

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

كيف نجت الأسهم الأميركية من صدمة النفط التي ضربت أوروبا واليابان؟

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

في أعقاب تداعيات الحرب الإيرانية، واصلت الأسهم الأميركية الحفاظ على أدائها بشكل أفضل مقارنة بنظيراتها في الأسواق العالمية الأخرى، غير أن هذه القوة النسبية قد لا تكفي لحمايتها من تراجعات أكثر حدة إذا استمر النزاع في منطقة الشرق الأوسط.

ومنذ بدء الضربات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير (شباط)، انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» القياسي بنسبة 4 في المائة، في حين تراجع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 9 في المائة، وانخفض مؤشر «نيكي» الياباني بأكثر من 12 في المائة، في حين هبط صندوق «آي شيرز» للأسهم خارج الولايات المتحدة بأكثر من 8 في المائة، وفق «رويترز».

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار في مجموعة «بي إن سي» للخدمات المالية، يونغ-يو ما: «يمكن للولايات المتحدة امتصاص آثار اقتصادية أكثر مما يمكن أن تتحمله أجزاء أخرى من العالم، لذلك أتوقع أن تتفوق على الآخرين». لكنه حذّر من أن «التفوق حتى الآن يعني أنها ما زالت متراجعة، لذا فإن الأمر لا يزال مؤلماً».

وعادت الأسهم عموماً إلى الارتفاع يوم الاثنين، بعد أن أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى وجود محادثات منتجة مع إيران، مما يبرز الحساسية القصوى للأسواق تجاه التطورات في الشرق الأوسط.

ويشير المستثمرون إلى عدة عوامل تدعم الأسهم الأميركية، أهمها أن المناطق الأخرى تُعدّ أكثر عرضة لصدمات أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب.

وأدى التحول نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على الخدمات بعيداً عن التصنيع، إلى جانب تنوع مصادر الطاقة، إلى جعل الاقتصاد الأميركي أقل اعتماداً على النفط، الذي ارتفع سعره بأكثر من 30 في المائة منذ بداية الأزمة. وقالت رئيسة قسم السياسات والاستراتيجية الجيوسياسية في «مورغان ستانلي» لإدارة الثروات، مونيكا غيرا: «مقارنة بعام 1980، يحتاج الإنتاج الآن إلى 70 في المائة أقل من النفط لإنتاج الناتج المحلي الإجمالي نفسه».

شاشات تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بعد إعلان قرار الفائدة في بورصة نيويورك (رويترز)

وعلى صعيد الإمدادات، تُعدّ الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم وصافي مصدر له. وفي حين يمر نحو خُمس إنتاج النفط العالمي عبر مضيق هرمز، حيث توقفت حركة السفن فيه، فإن 4 إلى 8 في المائة فقط من النفط الأميركي يمر عبر المضيق، وفق تقرير معهد «بلاك روك» للاستثمار.

وقال كبير استراتيجيي الأسواق العالمية في معهد «ويلز فارغو للاستثمار»، سكوت رين: «من ناحية الإمدادات، نحن أكثر عزلاً مما قد تكون عليه الدول المتقدمة الأخرى. هناك مخاوف من أن الإمدادات لن تكون متاحة لبعض هذه الدول الأخرى لأن معظمها يأتي من الخليج العربي».

الوزن الكبير لقطاع التكنولوجيا وقوة الدولار

عامل آخر هو التركيز الأكبر لأسهم التكنولوجيا في مؤشرات الأسهم الأميركية، التي تُعدّ أقل تأثراً بالصدمات الاقتصادية؛ فقد انخفض قطاع التكنولوجيا في «ستاندرد آند بورز 500» بأقل من 2 في المائة منذ بدء الحرب، وهو ما يمثل نحو ثلث المؤشر، مقارنةً بـ16.5 في المائة فقط في صندوق «آي شيرز إيه سي دبليو إكس» للأسهم خارج الولايات المتحدة.

وقال يونغ-يو ما: «نموذج أعمال قطاع التكنولوجيا ككل لن يتأثر بشكل كبير بتقلبات أسعار النفط».

كما تدعم قوة الدولار الأميركي الأسهم المحلية؛ إذ ارتفع بنحو 1.5 في المائة مقابل سلة من العملات منذ بدء الأزمة. وقال الرئيس التنفيذي للاستثمار في «مانوليف إنفستمنت مانجمنت»، نيت ثوف: «تم التعرف على الدولار الأميركي مبكراً بوصفه أحد الرابحين في هذا الصراع، وقد قلّلنا التعرض للأسهم غير المقوّمة بالدولار لحماية أنفسنا من سيناريوهات التراجع».

على الأقل مؤقتاً، عكس الأداء الأفضل للأسهم الأميركية الاتجاه السابق الذي شهد تفوق الأسهم الدولية منذ بداية 2025.

امرأة تمشي تحت المطر في وول ستريت بنيويورك (أرشيفية - رويترز)

وقال كبير استراتيجيي المحافظ في «ناتيكس إنفستمنت» لإدارة الحلول، جاك جاناسيويتش: «هناك الكثير من الأموال التي تراكمت في تداولات أوروبا، مما يجعلها معرضة لإعادة التقييم. بالنسبة لي، الولايات المتحدة تعد نوعاً من الملاذ الآمن، ولهذا ربما تتفوق».

نهاية الحرب قد تعيد بريق الأسهم الدولية

يخشى المستثمرون أن البيئة السوقية السابقة قد تعود إذا انتهت الحرب بسرعة، ما قد يعيد قوة الأسهم الدولية.

قبل النزاع، كان كبير استراتيجيي الأسواق في «شبكة الكومنولث المالية»، كريس فاسيانو، يرى أن أسهم بعض الدول الأوروبية جذابة بسبب تقييماتها المغرية وتحسن توقعات الأرباح. ويُتداول مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنحو 15 مرة لأرباح الاثني عشر شهراً المقبلة، مقابل نحو 21 مرة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

وقال فاسيانو: «إذا حصلنا على حل خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فإنني أرغب في الاحتفاظ بالأسهم الدولية، وأعتقد أن ذلك سيعود لتكون فئة أصول جيدة للملكية. لكنها حالة متغيرة جداً».

وأضاف كبير الاستراتيجيين العالميين في «نيد ديفيس ريسيرش»، تيم هايز، أن التقييمات الأعلى قد تجعل السوق الأميركية أكثر عرضة للخطر إذا استمرت الحرب لفترة أطول وارتفعت مخاطر الركود التضخمي؛ مزيج من التضخم العالي وتباطؤ النمو الاقتصادي الذي قد يكون ساماً للأسعار.

ووفقاً لمراجعة التعليقات الأخيرة للشركات من قِبل استراتيجيي «آر بي سي كابيتال ماركتس»: «قدمت الشركات إلى المستثمرين أسباباً إضافية لرؤية الولايات المتحدة بصفتها دولة معزولة نسبياً، ونعتقد أن هذه الطمأنة أسهمت أيضاً في مرونة سوق الأسهم الأميركية».

وأضافت «آر بي سي»، في مذكرة بحثية: «تميل الشركات إلى الاعتقاد أن النزاع قصير الأمد يمكن التعامل معه، لكن هناك العديد من الأسئلة المفتوحة إذا استمر لفترة طويلة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended