خطر الإغلاق الحكومي يمنح إدارة ترمب سلطة واسعة على الإنفاق

الرئيس الأميركي يلغي اجتماعه مع الديمقراطيين وسط خلاف على التمويل

مبنى الكابيتول ونُصب واشنطن التذكاري في واشنطن (أ.ب)
مبنى الكابيتول ونُصب واشنطن التذكاري في واشنطن (أ.ب)
TT

خطر الإغلاق الحكومي يمنح إدارة ترمب سلطة واسعة على الإنفاق

مبنى الكابيتول ونُصب واشنطن التذكاري في واشنطن (أ.ب)
مبنى الكابيتول ونُصب واشنطن التذكاري في واشنطن (أ.ب)

ستتمتع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسلطة واسعة لاتخاذ قرارات بشأن الإنفاق في حال إغلاق الحكومة الأسبوع المقبل. كما ستمتلك السلطة نفسها، في حال استمرار عمل الحكومة بموجب تمديد طويل الأجل للتمويل.

تصاعد خطر الإغلاق

ألغى ترمب، يوم الثلاثاء، اجتماعه مع كبار القادة الديمقراطيين في الكونغرس لمناقشة تمويل الحكومة، مما زاد من احتمال حدوث إغلاق جزئي الأسبوع المقبل. وتبادل كل من الديمقراطيين والرئيس الجمهوري الاتهامات بشأن المسؤولية عن الإغلاق المحتمل الذي قد يؤثر على مجموعة واسعة من الخدمات الفيدرالية، ومن المرجح أن يؤدي إلى تسريح مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين مؤقتاً.

وكتب ترمب، في منشور على منصة «تروث سوشيال»: «لقد قررتُ أنه لا يمكن لأي اجتماع مع قادتهم (الديمقراطيين) في الكونغرس أن يكون مثمراً». وكان الزعيمان الديمقراطيان، تشاك شومر في مجلس الشيوخ، وحكيم جيفريز في مجلس النواب، قد صرحا بأن ترمب وافق على الاجتماع قبل انتهاء التمويل الحكومي في 30 سبتمبر (أيلول). وتظل مسألة التمويل التقديري الذي يمثّل نحو ربع الموازنة الفيدرالية البالغة نحو 7 تريليونات دولار، محل خلاف بين المشرعين، وفق «رويترز».

موقف الديمقراطيين من الإعفاء الضريبي

قال شومر: «الديمقراطيون مستعدون للعمل لتجنب الإغلاق الحكومي. ترمب والجمهوريون يحتجزون أميركا رهينة». وأضاف أن الكونغرس يحتاج أيضاً إلى تمديد الإعفاء الضريبي المؤقت عن أقساط التأمين الصحي المدعومة اتحادياً، المقرر أن ينتهي في 31 ديسمبر (كانون الأول). وتشير تقديرات منظمة «كيه إف إف» غير الربحية إلى أن مدفوعات الأقساط من جيوب المواطنين قد ترتفع أكثر من 75 في المائة خلال السنة المالية المقبلة. وقال شومر: «إنه الفرق بين أن تتمكّن الأسرة من سداد قسط الرهن العقاري أو الحصول على الرعاية الصحية».

موقف الجمهوريين من مشروع القانون المؤقت

يقول قادة الجمهوريين إنهم لم يغلقوا الباب نهائياً أمام تمديد الإعفاء الضريبي، لكنهم يرون أن مشروع القانون المؤقت للتمويل ليس الحل الأمثل. وقد أقر مجلس النواب الذي يقوده الجمهوريون مشروع القانون الأسبوع الماضي لتمديد التمويل الحكومي حتى 21 نوفمبر (تشرين الثاني)، لكنه فشل في مجلس الشيوخ، حيث يمتلك الجمهوريون 53 مقعداً من أصل 100. وأكد رئيس مجلس النواب الجمهوري، مايك جونسون، أنه لن يستدعي الأعضاء إلى واشنطن قبل الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، حيث ستكون الحكومة قد أغلقت أبوابها في حال عدم تحرّك مجلس الشيوخ.

تمديد التمويل والسلطة التنفيذية

يعمل الكونغرس حالياً بموجب هذا التمديد منذ أشهر، ويحاول تمرير تمديد آخر قصير الأجل يُعرف باسم «القرار المستمر» (CR) قبل انتهاء صلاحية قوانين التمويل الفيدرالي. ودون اتخاذ أي إجراء، سيبدأ الإغلاق في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) بعد منتصف الليل بقليل، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

وفي حال تمديد التمويل، ستحصل الإدارة على مساحة أوسع لتحديد كيفية إنفاق الأموال الفيدرالية مقارنة بالعمليات الاعتيادية. أما إذا أُغلقت الحكومة فسيكون لترمب ومكتب الإدارة والموازنة في البيت الأبيض سلطة تحديد الوكالات والمكاتب التي ستبقى مفتوحة وتلك التي ستتوقف عن العمل حتى تُحل الأزمة.

تشاك شومر خلال مؤتمر صحافي حول مشروع قانون ترمب للضرائب والإنفاق يونيو 2025 (رويترز)

مواقف المشرعين

هذا الوضع يجعل المشرعين، خصوصاً الديمقراطيين، يشعرون بأنهم عالقون مع اقتراب الموعد النهائي للإغلاق. وحتى لو وافق الكونغرس على قوانين تمويل جديدة للعام بأكمله -وهو أمر غير ممكن قبل الموعد النهائي- يقول البيت الأبيض إنه يمتلك سلطة منع التمويل أو إلغاء البرامج.

وقالت عضوة لجنة المخصصات في مجلس النواب (ديمقراطية - بنسلفانيا)، النائبة مادلين دين: «لقد استولوا بالفعل على هذه السلطة». وأضافت: «لقد انتزعت سلطة المادة الأولى الدستورية من لجنتنا بسبب موافقة الأغلبية الجمهورية. لذا، فإن الرئيس وإدارته يدّعون بالفعل السلطة والصلاحيات بشكل غير قانوني».

تجارب سابقة للديمقراطيين

واجه الديمقراطيون معضلة مماثلة في وقت سابق من هذا العام. ففي مارس (آذار)، انضمت مجموعة من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ إلى الجمهوريين للسماح بإقرار طلب تغيير مستمر يُغّطي ستة أشهر من التمويل الحكومي، خوفاً من أن يمكّن الإغلاق الحكومي مدير مكتب الإدارة والموازنة راسل فوت، وإيلون ماسك الذي كان، آنذاك، رئيساً لخدمة خفض التكاليف في الولايات المتحدة، من إلغاء أعداد كبيرة من الوكالات الفيدرالية.

لكن هذا التمديد لستة أشهر كان له تأثير غير مقصود؛ إذ سهّل توجيه الأموال بعيداً عن الأولويات التي حدّدها الكونغرس نحو أولويات الإدارة الخاصة. تأتي قوانين التخصيصات أو الإنفاق عادة مصحوبة بتقارير مفصلة متفق عليها من كلا الحزبين، توضح مقدار الأموال المخصص لكل برنامج. وغالباً ما تتجاهل تمديدات التمويل الطويلة هذه التقارير، تاركة تمويلاً غير محدد في كل وكالة يمكن توجيهه حسب رغبة الإدارة.

وقد مكّن تمديد التمويل الطويل الأجل الإدارة من تحويل الأموال من برامج سبق أن حددها الكونغرس إلى مجالات أخرى، بما في ذلك توجيه تمويل إضافي لسلاح المهندسين بالجيش إلى الولايات الجمهورية، وإعادة توجيه تمويل وزارة التعليم من منح المعلمين وتعليم الطفولة المبكرة والكليات التي تُعلّم طلاب الأقليات إلى المدارس المستقلة، ودعم برامج التربية المدنية والكليات القبلية والكليات والجامعات المخصصة للسود تاريخياً.

ويقول خبراء الموازنة إن رؤساء كلا الحزبين أنفقوا في الماضي الأموال، وفقاً للتوجيهات الواردة في التقارير، حتى لو لم تكن ملزمة قانونياً في القرار المستمر، لتجنّب تعطيل المفاوضات المستقبلية. وقال تشارلز كيفر، الذي عمل سابقاً في مكتب الإدارة والموازنة خلال إدارات جمهورية وديمقراطية: «هذا ليس قانوناً، بل ممارسة راسخة منذ زمن طويل. هذه الإدارة في وضع مختلف».

التحديات المستقبلية

يقترح بعض الجمهوريين أن يواصل الكونغرس تمويل الحكومة بتمديد التمويل الحالي إلى ما بعد نوفمبر لفترة طويلة، متجاوزين بذلك عملية تخصيص هذا العام بالكامل. ويخشى بعض الديمقراطيين أن تؤدي هذه التمديدات الطويلة إلى تقويض موقفهم في المستقبل.

وقال رئيس كتلة الحرية في مجلس النواب (جمهوري عن ولاية ماريلاند)، النائب آندي هاريس: «أعتقد أنه قد يتضح بحلول نوفمبر أن الديمقراطيين لن يتفاوضوا بحسن نية، وعندها لا يمكننا تحمل تكرار التهديدات بإغلاق الحكومة». وأضاف: «أعتقد أننا سنؤجل الأمر إلى الأول من ديسمبر المقبل».

وإذا عرقل الديمقراطيون في مجلس الشيوخ إقرار تمديد قصير الأجل للتمويل وفرضوا إغلاقاً الأسبوع المقبل، فسيكون لترمب ومكتب الموازنة سلطة تحديد الوظائف والموظفين الفيدراليين اللازمين لحماية الأرواح والممتلكات الحكومية. على سبيل المثال، عادةً ما يظل موظفو التفتيش في المطارات التابعون لإدارة أمن النقل في وظائفهم -دون أجر- في حين يُرسل موظفو وكالة حماية البيئة إلى منازلهم في إجازة مؤقتة.

ولا يزال من غير الواضح ما القطاعات الحكومية التي ستُغلق في حال الإغلاق، خصوصاً أن إدارة ترمب لم تنشر خطط التوظيف كما كان معتاداً في السنوات السابقة.

الخلافات حول تمديد الإنفاق

يقول الديمقراطيون إنهم لن يدعموا تمديد إنفاق الحزب الجمهوري إذا لم يُطلب رأيهم. ويصر الجمهوريون على أن يُمدّد الكونغرس أيضاً دعم خطط التأمين الصحي بموجب قانون الرعاية الصحية الميسرة الذي يعود إلى فترة الجائحة، ويعيد الإنفاق الذي جمّدته إدارة ترمب، ويعكس تخفيضات برنامج «ميديكيد» في قانون الضرائب الجمهوري الصادر هذا الصيف، المعروف باسم «مشروع القانون الكبير الجميل».

ومع ذلك، يقول الجمهوريون إنهم يقدمون بالضبط ما طالب به الديمقراطيون في معارك الإغلاق السابقة: قرار إصلاحي «نظيف» يُمدّد التمويل الحالي فقط دون أي سياسات أخرى مرفقة. كما سيضيف مشروع قانون الحزب الجمهوري عشرات الملايين من الدولارات لتأمين المشرعين وقضاة المحكمة العليا ومسؤولي السلطة التنفيذية بعد حادثة إطلاق النار على تشارلي كيرك.

الموقف الجديد لشومر والديمقراطيين

استشاط قادة الحزب الديمقراطي من اليسار غضباً عندما أيّد شومر وآخرون قرار مجلس الشيوخ بشأن الإصلاحات الضريبية في مارس، قائلين إنهم تهربوا من مواجهة ترمب بشأن الإنفاق الفيدرالي وسلطة المشرعين على الموازنة.

والآن، يقول شومر إنه لن يكرر هذه الخطوة. وقال يوم الجمعة: «لقد تغيّر العالم تماماً منذ مارس. لقد رأى الناس الضرر الذي ألحقه الجمهوريون. لقد دمّر مشروع قانون المصالحة الرعاية الصحية بشكل كبير. والآن، دخلت الرسوم الجمركية حيز التنفيذ، مما زاد من تكاليف المواطنين بشكل كبير». وأضاف: «لقد شهدنا عدم قانونية إدارة ترمب بعد مارس، مع عمليات الإلغاء والحجز وإلغاءات الجيب. لذا أصبح العالم مكاناً مختلفاً الآن».


مقالات ذات صلة

«وول ستريت»: أرباح الشركات الأميركية في اختبار «صدمة النفط»

الاقتصاد امرأة تسير تحت المطر في شارع «وول ستريت» بنيويورك (رويترز)

«وول ستريت»: أرباح الشركات الأميركية في اختبار «صدمة النفط»

تتأهب أسواق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع الجاري لاختبار حقيقي مع انطلاق موسم أرباح الربع الأول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

«ميثوس»... «ثقب أسود» يهدد بنوك العالم

خلف الأبواب المغلقة في واشنطن، لم يكن التضخم هو ما استدعى الاجتماع الطارئ بين وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» ورؤساء «وول ستريت»، في نهاية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

«كلود ميثوس»... سلاح رقمي فتاك قد يُطفئ أنوار البنوك العالمية في ساعات

أثار نموذج ذكاء اصطناعي جديد وقوي من شركة «أنثروبيك» اجتماعات طارئة بين كبار المنظمين الماليين ولا سيما في أميركا لمناقشة مخاوف الأمن السيبراني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يترجل من طائرة الرئاسة في مطار شارلوتسفيل-ألبيمارل، بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

ترمب يروج لـ«طفرة» الطاقة: نحن بانتظار العالم في موانئنا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن موجة جديدة من الزخم في صادرات الطاقة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفين وورش مشاركاً في أحد المؤتمرات (أرشيفية - رويترز)

خطر التأجيل يلاحق تعيين كيفن وورش رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»

يواجه تعيين كيفن وورش رئيساً لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» خطر التأجيل إلى ما بعد انتهاء ولاية جيروم باول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.