الصين تتخلى عن «مزايا الدولة النامية» في منظمة التجارة العالمية

خطوة من بكين للتقارب مع واشنطن... والاحتفاظ بتصنيفها

رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ يصافح المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو إيويالا في لقاء سابق على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة تيانجين الصينية (أ.ب)
رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ يصافح المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو إيويالا في لقاء سابق على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة تيانجين الصينية (أ.ب)
TT

الصين تتخلى عن «مزايا الدولة النامية» في منظمة التجارة العالمية

رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ يصافح المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو إيويالا في لقاء سابق على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة تيانجين الصينية (أ.ب)
رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ يصافح المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو إيويالا في لقاء سابق على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة تيانجين الصينية (أ.ب)

أعلنت الصين، مساء يوم الثلاثاء، أنها ستتخلى عن المطالبة بالمزايا التي تجنيها من وضعها بوصفها دولة نامية في منظمة التجارة العالمية، وفقاً لما ذكرته وكالة أنباء «شينخوا» الرسمية، والمديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، مما يُنهي نقطة الخلاف مع الولايات المتحدة التي كانت عائقاً أمام اتفاقهما بشأن إصلاح منظمة التجارة العالمية.

وأفادت «شينخوا» بأن رئيس الوزراء الصيني، لي تشيانغ، أعلن أن بلاده التي يبلغ حجم اقتصادها 19 تريليون دولار، لن تسعى بعد الآن للحصول على المعاملة الخاصة والتفضيلية في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية الحالية والجديدة، وذلك خلال اجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وقالت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، نغوزي أوكونجو إيويالا، في بيان نُشر على موقع «إكس»: «هذا تتويج لسنوات عديدة من العمل الجاد، وأود أن أشيد بقيادة الصين في هذه القضية».

وكانت واشنطن قد جادلت سابقاً بأنه لا يمكن إجراء إصلاح ذي معنى لمنظمة التجارة العالمية حتى تتخلى الصين والاقتصادات الكبرى الأخرى عن المعاملة الخاصة والتفضيلية الممنوحة للدول النامية التي تقول الولايات المتحدة إنها تمنحها ميزة غير عادلة.

وتُعرّف بعض الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك الصين، نفسها دولاً نامية، مما يمنحها إمكانية الاستفادة من مزايا المعاملة الخاصة والتفضيلية، مثل فرض تعريفات جمركية أعلى واستخدام الدعم. وتعارض الولايات المتحدة انتقاء الدول مزايا المعاملة الخاصة والتفضيلية، وكانت ترغب في أن تتخلى الصين عنها تماماً.

ويأتي إعلان الصين بعد أشهر من التوتر التجاري بين أكبر اقتصادَيْن في العالم، بسبب التعريفات الجمركية الشاملة التي فرضتها الولايات المتحدة والإجراءات الانتقامية التي اتخذتها الصين.

وأثار إعلان القرار الصيني بعضاً من الارتباك، وفسّره البعض على أنه تخلٍ عن تصنيفها دولة نامية، لكن كبير المفاوضين التجاريين لي تشنغ قانغ، صرح في إفادة صحافية يوم الأربعاء، بأن الصين لا تزال تعدّ نفسها دولة نامية في منظمة التجارة العالمية، لكنها ستتخلى عن المطالبة بالمزايا التي تجنيها من هذا التصنيف.

وأكدت الصين لـ«رويترز» سابقاً، أن وضعها بوصفها دولة نامية غير قابل للتفاوض، لكنها منفتحة على مناقشة المعاملة الخاصة والتفضيلية والدعم والسياسة الصناعية، في إطار مناقشات أوسع نطاقاً حول إصلاح منظمة التجارة العالمية، قبل الاجتماع الوزاري المقرر عقده في الكاميرون عام 2026.

وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن هذا القرار يأتي في وقت مهم؛ إذ تضطر الصين، بسبب فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية أعلى، إلى توجيه المزيد من صادراتها إلى الاقتصادات الصاعدة في أميركا اللاتينية وأفريقيا وجنوب شرقي آسيا، وهو ما بدأ يواجه مقاومة في مختلف أنحاء العالم. ومع رغبة بكين في التفاوض على اتفاقية تجارة أكثر استقراراً مع الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يكون هذا القرار أيضاً محاولة لكسب ود الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي اعترض بشدة على تصنيف الصين دولة نامية في منظمة التجارة العالمية، رغم أنها تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، لافتاً إلى أن هذا التصنيف «غير عادل».

وشكّل تصنيف الصين دولة نامية في منظمة التجارة العالمية أحد العوامل التي عرقلت مفاوضات إصلاح المنظمة. ففي وقت سابق من هذا العام، أقر وزراء التجارة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بمن فيهم وزراء الولايات المتحدة والصين، بأهمية المنظمة في تعزيز قضايا التجارة العالمية، وضرورة الالتزام بقواعدها، داعين في الوقت نفسه إلى «إصلاح شامل وفعّال يهدف إلى تحسين جميع وظائف المنظمة».

يُذكر أن تصنيف أي دولة على أنها دول نامية يتم وفقاً لتقديرها الذاتي، ويمنحها العديد من المزايا، من بينها منحها مزيداً من الوقت لتنفيذ الاتفاقيات. ولطالما وصفت الصين نفسها بأنها أكبر دولة نامية في العالم، مستغلة هذا التصنيف لتولي دور قيادي في تمثيل الدول النامية الأخرى.

وعلى الرغم من التحول الهائل الذي شهدته الصين على مدار أربعة عقود الذي جعلها أكبر اقتصاد عالمي في مجال التجارة والصناعة، لا تزال الأمم المتحدة تصنفها دولة نامية. وتأتي الصين في المرتبة 70 عالمياً من حيث نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، وفقاً لصندوق النقد الدولي، متقدمة قليلاً على الجبل الأسود وتركمانستان، في حين تأتي خلف صربيا.


مقالات ذات صلة

السعودية تبرم 62 اتفاقية نفاذ إلى الأسواق منذ دخولها «التجارة العالمية»

الاقتصاد «مركز الملك عبد الله المالي» في الرياض (الشرق الأوسط)

السعودية تبرم 62 اتفاقية نفاذ إلى الأسواق منذ دخولها «التجارة العالمية»

تمكنت السعودية، منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، من توقيع 62 اتفاقية نفاذ إلى الأسواق في السلع والخدمات، بجانب إجراء 379 جولة تفاوضية؛ حضورية وافتراضية.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية تتحدث في إحدى جلسات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» (الشرق الأوسط)

مديرة «التجارة العالمية» تدعو لوضع قواعد لمواكبة الذكاء الاصطناعي

قالت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، نجوزي أوكونجو-إيويالا، إن الولايات المتحدة اتخذت إجراءات أحادية الجانب لأنها ترى أن النظام التجاري العالمي لم يتطور

الاقتصاد شعار منظمة التجارة العالمية يظهر على مقرها في جنيف (رويترز)

الصين تُقيل ممثلها في «منظمة التجارة» بعد انتقادات أميركية

ذكرت وكالة «شينخوا» يوم الاثنين، أن الصين أقالت رسمياً كبير المفاوضين التجاريين لي تشينغ قانغ، من منصب الممثل الدائم لدى منظمة التجارة العالمية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مديرة منظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو-إيويالا في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن (أ.ف.ب)

الصين تتهم أميركا بـ«انتهاكات تجارية»... والبيت الأبيض: لسنا في حرب مع بكين

اتهمت بعثة الصين لدى منظمة التجارة العالمية الولايات المتحدة يوم الجمعة، بانتهاك القواعد التجارية الدولية وفرض سياسات تمييزية تهدد النظام الاقتصادي العالمي

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد شعار منظمة التجارة العالمية يظهر على مقرها في جنيف (رويترز)

توقعات «التجارة العالمية» لعام 2026 تتراجع بشكل حاد بفعل الرسوم

خفّضت منظمة التجارة العالمية الثلاثاء توقعاتها لنمو حجم التجارة العالمية للبضائع لعام 2026 بشكل حاد إلى 0.5 %

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الذهب يهبط بأكثر من 1 % مع تقييم الأسواق لفرص وقف إطلاق النار

سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة بشركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)
سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة بشركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)
TT

الذهب يهبط بأكثر من 1 % مع تقييم الأسواق لفرص وقف إطلاق النار

سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة بشركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)
سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة بشركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)

هبطت أسعار الذهب، يوم الخميس، متأثرةً بازدياد التوقعات برفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة هذا العام، في وقت أدت فيه أسعار النفط المرتفعة إلى تعزيز المخاوف من التضخم، في ظلِّ ترقب المستثمرين لتطور جهود خفض التصعيد في الشرق الأوسط.

وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 1.2 في المائة إلى 4451.47 دولار للأونصة بحلول الساعة 08:11 بتوقيت غرينتش، بينما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 2.3 في المائة إلى 4448 دولاراً، وفق «رويترز».

وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «تايستي لايف»: «نشهد تسارعاً في ترسيخ فكرة أن هذه الحرب ستؤدي إلى التضخم، والتضخم سيستدعي رداً من البنوك المركزية، ما يعني رفع أسعار الفائدة».

وعادت العقود الآجلة لخام برنت للارتفاع فوق 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من أنَّ استمرار القتال في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى مزيد من اضطراب تدفقات الطاقة.

وعادةً ما يعزِّز ارتفاع أسعار النفط التضخم، مما يجعل الذهب أداة تحوط جذابة، بينما تعمل أسعار الفائدة المرتفعة على تقليل الطلب على هذا الأصل الذي لا يُدرّ عائداً.

وتتوقَّع الأسواق احتمالاً بنسبة 37 في المائة لرفع أسعار الفائدة الأميركية بحلول ديسمبر (كانون الأول) من هذا العام، مع شبه استبعاد أي خفض لها في الوقت الراهن، وفقاً لأداة «فيد ووتش» بعد أن كانت التوقعات قبل اندلاع النزاع تشير إلى احتمال خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل.

وأشار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى أنَّ إيران تسعى للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء نحو 4 أسابيع من القتال، في مقابل تصريح وزير الخارجية الإيراني بأن بلاده تدرس مقترحاً أميركياً لكنها لا تعتزم إجراء محادثات لإنهاء النزاع.

وقال كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية في «كابيتال دوت كوم»: «خلال الـ24 إلى 48 ساعة المقبلة، ستتأثر أسعار الذهب فقط بالعناوين الرئيسية المتعلقة بالمفاوضات. ومن المرجح أن تحدث التحركات الكبرى في بداية الأسبوع المقبل، حين يتضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن غزواً برياً على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع».

وأضافت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، يوم الأربعاء، أن ترمب تعهد بضرب إيران بقوة أكبر إذا لم تعترف طهران بهزيمتها العسكرية.

كما هبط سعر الفضة الفوري بنسبة 2.7 في المائة إلى 69.36 دولار للأونصة، وسجَّل البلاتين الفوري تراجعاً بنسبة 2.3 في المائة إلى 1874.90 دولار، في حين انخفض البلاديوم بنسبة 2.5 في المائة إلى 1387.53 دولار.


«البنك الأوروبي لإعادة الإعمار» يحذر من تباطؤ نمو الأسواق النامية بسبب أسعار الطاقة

مقر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في لندن (رويترز)
مقر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في لندن (رويترز)
TT

«البنك الأوروبي لإعادة الإعمار» يحذر من تباطؤ نمو الأسواق النامية بسبب أسعار الطاقة

مقر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في لندن (رويترز)
مقر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في لندن (رويترز)

حذَّر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية»، يوم الخميس، من أنَّ توقعات النمو لبعض الأسواق النامية قد تُراجع بالخفض بنسبة تصل إلى 0.4 نقطة مئوية في التوقعات الاقتصادية الإقليمية المقبلة في يونيو (حزيران)، إذا استمرَّت أسعار الطاقة مرتفعة. ويأتي هذا بعد أن ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، التي ردَّت بإغلاق مضيق هرمز الحيوي فعلياً.

وفي الشهر الماضي، توقَّع البنك نمواً بنسبة 3.6 في المائة هذا العام و3.7 في المائة في 2027 لنحو 40 دولة يغطيها البنك. وأشار إلى أن تأثير الحرب على الاقتصاد سيعتمد على مدتها، ومدى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة، وفق «رويترز».

وأوضح البنك أن «الآثار السلبية المباشرة على نمو الناتج المحلي الإجمالي ستتفاقم عبر ارتفاع تكاليف الطاقة، وأسعار الأسمدة والمواد الغذائية الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد، وتراجع السياحة، والتحويلات المالية من دول مجلس التعاون الخليجي، ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم وزيادة الضغوط على الموازنات الحكومية، وتشديد شروط التمويل استجابةً لتفاقم التضخم».

وحذر البنك من أن استمرار أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، إلى جانب اضطراب سلاسل التوريد، قد يزيدان التضخم العالمي بأكثر من 1.5 نقطة مئوية.

وأشار البنك إلى أن لبنان والأردن والعراق ومصر وأوكرانيا ومنغوليا والسنغال وتونس ومولدوفا وكينيا وتركيا ومقدونيا الشمالية هي أكثر الاقتصادات تأثراً، نظراً لاعتمادها على الطاقة والغذاء، والقدرة المحدودة على امتصاص الصدمات الاقتصادية. كما تعاني مصر والمغرب والسنغال من عجز تجاري كبير في الطاقة واعتماد ملحوظ على واردات النفط.

على الجانب الآخر، تُظهر أذربيجان والعراق وكازاخستان ومنغوليا ونيجيريا فوائض في تجارة النفط والغاز تتراوح بين 11 في المائة و39 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن البنك لفت إلى انخفاض الإنتاج أو توقفه في أكبر حقول النفط العراقية.

وفي المقابل، قد تحقِّق روسيا «مكاسب غير متوقعة» من صادرات النفط والغاز والأسمدة، تُقدَّر بنحو 1.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025 مقابل كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط، وفقاً لتقديرات البنك.

كما أشار البنك إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 180 دولاراً للبرميل إذا استمرت محدودية الإمدادات من دول الخليج، نظراً لانخفاض مرونة الطلب على المدى القصير.


الحرب الإيرانية تعطل سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي وتضعف الطلب الآسيوي

خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)
خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)
TT

الحرب الإيرانية تعطل سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي وتضعف الطلب الآسيوي

خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)
خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)

تُحدث الحرب مع إيران اضطراباً واسعاً في آفاق الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إذ أدَّت الأسعار المرتفعة، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للتصدير لدى قطر، واحتمالات تأخر الإمدادات الجديدة، إلى إثارة الشكوك حول الطلب المتوقع سابقاً من المشترين الآسيويين الحساسين للأسعار.

قبل الحرب، كان المحللون يتوقعون أن يرتفع المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنسبة تصل إلى 10 في المائة هذا العام ليصل إلى ما بين 460 مليون و484 مليون طن متري، مع توقع نمو الطلب بوتيرة مماثلة، وفق «رويترز».

لكن الآن، ومع قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز - الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية - إلى جانب الأضرار التي لحقت بوحدات التسييل في قطر، والتي أدَّت إلى خروج طاقة إنتاجية تبلغ 12.8 مليون طن سنوياً من الخدمة لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، قامت شركات الاستشارات «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي» و«آي سي آي إس» و«كبلر» و«رايستاد إنرجي» بخفض توقعاتها للإمدادات العالمية بما يصل إلى 35 مليون طن.

ويعادل هذا الحجم نحو 500 شحنة من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يكفي لتلبية أكثر من نصف واردات اليابان السنوية أو كامل واردات بنغلاديش لمدة خمس سنوات.

تمرّ سيارة بالقرب من منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المُسال التابعة لشركة قطر للطاقة في مدينة رأس لفان الصناعية (رويترز)

وقال لوسيان مولبرغ، المحلل في «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي»: «نتوقع أن تؤدي أزمة أسعار الغاز هذه إلى إعادة نظر بعض الدول في وتيرة نمو الطلب على الغاز مقارنة بتوقعاتنا السابقة، وبالتالي سيكون نمو الطلب على الغاز الطبيعي المسال أقل مما كنا نتوقع قبل الحرب».

وتتوقع «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي» انخفاض صادرات قطر والإمارات العربية المتحدة بمقدار 33 مليون طن هذا العام، كما خفّضت توقعاتها للإمدادات بنحو 19 مليون طن سنوياً خلال الفترة من 2027 إلى 2029، بسبب التأخيرات المتوقعة في توسعة حقل الشمال في قطر ومشروعات الرويس للغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «أدنوك»، والتي لا تزال قيد الإنشاء.

الأسعار تتجاوز نطاق الراحة للمشترين الآسيويين

في ظل صدمة الإمدادات، قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا بنسبة 143 في المائة منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير (شباط)، في ثاني موجة ارتفاع كبيرة خلال أربع سنوات بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

وعند مستوى يفوق 25.30 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، أصبحت الأسعار أعلى بكثير من عتبة 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وهي النقطة التي يبدأ عندها الطلب في الأسواق الناشئة بالانتعاش. ويتوقع المحللون أن تبقى الأسعار فوق هذا المستوى حتى عام 2027.

ويتوقع بنك «رابوبانك» أن يبلغ متوسط الأسعار في آسيا 16.62 دولار هذا العام و13.60 دولار في 2027، في حين رفع بنك «يو بي إس» توقعاته إلى 23.60 دولار هذا العام و14.50 دولار للعام المقبل.

وقالت لورا بيج، مديرة «إل إن جي إنسايت» في شركة «كبلر»: «على المدى القريب، يعاد توازن السوق بشكل أساسي من خلال ارتفاع الأسعار وتدمير الطلب في جنوب آسيا».

تراجع الطلب الصناعي

يذهب نحو 80 في المائة من إمدادات قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا. ويبحث المشترون الحساسون للأسعار مثل بنغلادش والهند عن بدائل، مع التحول إلى الفحم والغاز المحلي.

أما باكستان، التي تعتمد بشكل كبير على قطر في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، فقد بدأت في ترشيد الطاقة عبر اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام. كما يتراجع الطلب في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والمنسوجات.

وقال إقبال أحمد، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «باكستان غاز بورت»، التي تمتلك محطة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال: «هناك عملية تدمير للطلب جارية».

وفي الهند، تأثرت أيضاً صناعات البتروكيماويات والسيراميك، بحسب مصادر صناعية.

ومن غير المرجح أن تتمكن الولايات المتحدة، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، من سد فجوة الإمدادات، إذ تعمل محطات التصدير الأميركية بالقرب من طاقتها القصوى، كما أن معظم الكميات مرتبطة بعقود طويلة الأجل.

وقال سيب كينيدي، المحلل المستقل في «إنرجي فلوكس نيوز»: «لا توجد طريقة سهلة لتعويض الكميات المفقودة، ولا يمكن لأي تحسين في إدارة المحافظ أو تبادل الشحنات أن يسد الفجوة بين العرض المفقود والطلب الحالي... وهو ما يمثل ضربة كبيرة لأمن الطاقة للدول التي تعتمد على هذه الإمدادات».

وقد تدفع الأزمة إلى تسريع التوجُّه نحو بدائل الطاقة المحلية في آسيا، مما قد يؤدي إلى تدمير دائم للطلب على الغاز الطبيعي المسال، بحسب سام رينولدز، رئيس أبحاث الغاز الطبيعي المسال في معهد «اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي» الداعم للطاقة المتجددة.

مشترو الغاز في شمال آسيا غير متأثرين بشكل كبير

وكانت الصين، أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال، قد بدأت بالفعل في تقليل اعتمادها عليه. فقد شهدت وارداتها نمواً سريعاً على مدى عقد، قبل أن تتحول بكين إلى زيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز واردات الغاز عبر الأنابيب من روسيا، والاستثمار في الطاقة المتجددة.

وقال متداول غاز حكومي صيني إن النمو المستمر في الإنتاج المحلي، وزيادة الإمدادات عبر خط أنابيب «قوة سيبيريا»، واستمرار تدفقات «مشروع القطب الشمالي للغاز الطبيعي المُسال 2» الروسي، كفيلة بتعويض فقدان الإمدادات القطرية، التي تمثل نحو 6 في المائة فقط من استهلاك الصين السنوي من الغاز البالغ نحو 400 مليار متر مكعب.

خزانات ومرافق تخزين النفط في منشأة تابعة لشركة سينوبك في شنغهاي - الصين (رويترز)

أما في الأسواق الأقل حساسية للأسعار، مثل اليابان وكوريا الجنوبية - ثاني وثالث أكبر مستوردين - فمن غير المرجح أن تغيّر الحرب بشكل جوهري خطط شراء الغاز، نظراً لغياب إنتاج محلي كبير أو إمدادات عبر الأنابيب.

وأكدت شركة «جيرا»، أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال في اليابان، أن قطر لا تزال مورداً موثوقاً، وأن نهجها التعاقدي لن يتغير.

وقال المسؤول التنفيذي ريوسكي تسوغارو: «لا أعتقد أن الحقيقة الأساسية، وهي أن الشرق الأوسط - وقطر بشكل خاص - يلعب دوراً مهماً، ستتغير».