بين الديون والترشيد... مبارزة اقتصادية بين المرشحين لرئاسة وزراء اليابان

صراع مبادئ داخل الحزب الحاكم وسط أنواء الديون والانكماش والتضخم

المرشحان الأبرز في انتخابات الحزب الياباني الحاكم... ساناي تاكايتشي وإلى يسارها شينجيرو كويزومي (أ.ف.ب)
المرشحان الأبرز في انتخابات الحزب الياباني الحاكم... ساناي تاكايتشي وإلى يسارها شينجيرو كويزومي (أ.ف.ب)
TT

بين الديون والترشيد... مبارزة اقتصادية بين المرشحين لرئاسة وزراء اليابان

المرشحان الأبرز في انتخابات الحزب الياباني الحاكم... ساناي تاكايتشي وإلى يسارها شينجيرو كويزومي (أ.ف.ب)
المرشحان الأبرز في انتخابات الحزب الياباني الحاكم... ساناي تاكايتشي وإلى يسارها شينجيرو كويزومي (أ.ف.ب)

اشتد السباق على قيادة الحزب «الليبرالي الديمقراطي» الحاكم في اليابان، الذي سيختار رئيس الوزراء الجديد في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وازدادت السخونة مع تصاعد السجال بين المرشحين حول كيفية معالجة الضغوط الاقتصادية المتزايدة؛ حيث طغت القضايا المالية والخيارات المتعلقة بالإنفاق العام وإدارة الدين العام على النقاشات، في وقت تواجه فيه البلاد مزيجاً معقداً من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتباطؤ النمو، وتحديات ديموغرافية عميقة.

سندات حكومية لمواجهة الغلاء

وفي مؤتمر صحافي، الثلاثاء، أكدت النائبة المخضرمة ساناي تاكايتشي، المعروفة بمواقفها المؤيدة للتحفيز المالي والنقدي، أنه ينبغي للحكومة أن تكون جاهزة لإصدار سندات حكومية إضافية «عند الضرورة»، لتمويل إجراءات مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. وقالت: «علينا أولاً استخدام أي عائدات ضريبية إضافية لتمويل هذه الإجراءات... ولكن إذا لم يكن ذلك كافياً، فيجب أن نلجأ إلى إصدار السندات».

ويأتي موقف تاكايتشي في انسجام مع رؤيتها التي تدعو إلى تعزيز الإنفاق الحكومي لمواجهة التضخم الذي يضغط على الأسر والشركات على حد سواء، معتبرة أن مواجهة التباطؤ الاقتصادي تتطلب ضخ السيولة وتحفيز الطلب، بدلاً من التركيز المفرط على قيود العجز.

الترشيد والانضباط المالي

في المقابل، اختار المرشح المنافس ووزير الزراعة والغابات ومصايد الأسماك شينجيرو كويزومي، وهو نجل رئيس الوزراء الأسبق غونيشيرو كويزومي، خطاباً يقوم على التشديد المالي وترشيد النفقات. وقال كويزومي: «السياسة المالية السليمة تعتمد على نمو اقتصادي قوي، ولكن يجب أن نموِّل أي حزم إنفاق من خلال الإيرادات الضريبية المتوقعة وخفض النفقات المهدورة، بدلاً من إصدار سندات جديدة».

ويعكس هذا التباين بين المرشحين انقساماً أوسع داخل الحزب الحاكم، بين جناح يرى أن الوقت مناسب لتوسيع الإنفاق، تحسباً لتباطؤ عالمي وانكماش داخلي محتمل، وجناح آخر يخشى تفاقم الدين العام الياباني الذي يُعدُّ الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة؛ إذ يتجاوز 250 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

المرشحون الخمسة لرئاسة الحزب الحاكم في مؤتمر صحافي بالعاصمة اليابانية طوكيو (د.ب.أ)

خلفية اقتصادية ضاغطة

وتشهد اليابان حالياً ضغوطاً متعددة على اقتصادها. فبعد فترة طويلة من الانكماش، ارتفعت أسعار المواد الغذائية والطاقة والخدمات، بفعل التوترات الجيوسياسية العالمية وتراجع قيمة الين أمام الدولار.

وعلى الرغم من أن معدل التضخم في اليابان لا يزال أقل من المستويات التي شهدتها الولايات المتحدة وأوروبا، فإن تجاوز الأسعار لمستويات الدخل قد أثار استياءً واسعاً بين الأُسَر اليابانية. وفي الوقت نفسه، يواجه بنك اليابان المركزي معضلة حقيقية. فعلى مدى عقود، اتبع سياسة نقدية فائقة التيسير، شملت أسعار فائدة سلبية وعمليات شراء واسعة للسندات الحكومية. ولكن مع اقتراب التضخم من هدف البنك البالغ 2 في المائة، وازدياد الضغوط العالمية لرفع أسعار الفائدة، يجد صانعو السياسة النقدية أنفسهم أمام خيارات محدودة، مما يجعل دور السياسات المالية للحكومة أكثر أهمية في المرحلة المقبلة.

السباق على خلافة إيشيبا

وإلى جانب تاكايتشي وكويزومي، هناك 3 مرشحين يتنافسون على زعامة الحزب «الليبرالي الديمقراطي»، ومن ثَم على منصب رئيس الوزراء، خلفاً لشيغيرو إيشيبا الذي أعلن استقالته لأسباب سياسية. ومع أن التوقعات تشير إلى منافسة حامية بين التيارين «التحفيزي» و«الانضباطي»، فإن شخصية رئيس الوزراء الجديد ستحدد إلى حد بعيد اتجاه السياسات الاقتصادية في السنوات المقبلة.

ويرى مراقبون أن تاكايتشي تراهن على دعم شرائح داخل الحزب ترى أن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يتغلب على الهواجس المتعلقة بالديون، مستشهدين بالتجربة السابقة لرئيس الوزراء الراحل شينزو آبي الذي اعتمد سياسة «آبينوميكس» القائمة على التوسع المالي والنقدي.

أما كويزومي فيعتمد على قاعدة شعبية داخل الحزب ترى أن الحفاظ على الثقة في الأسواق المالية العالمية، ومنع تفاقم العجز، يجب أن يكونا أولوية قصوى.

بين الديون والترشيد

تختزل هذه المبارزة الاقتصادية أعمق التحديات التي تواجه اليابان: هل تستمر في سياسة إصدار السندات لتعويض فجوات التمويل وتحفيز النمو؟ أم تعتمد على الترشيد وخفض النفقات للحفاظ على استقرار مالي طويل الأمد؟

ويبدو أن الاختيار لن يكون محلياً فقط؛ بل له انعكاسات على موقع اليابان بين الاقتصادات الكبرى، في وقت يمر فيه العالم بمرحلة اضطراب في سلاسل الإمداد، وتغيُّر في موازين القوى الاقتصادية العالمية، وازدياد حدة المنافسة التكنولوجية.

وفي النهاية، فإن الانتخابات الداخلية للحزب الحاكم في 4 أكتوبر المقبل لن تحدد فقط من سيقود اليابان سياسياً؛ بل ستكشف أيضاً أي رؤية اقتصادية ستسود في السنوات القادمة: رؤية تاكايتشي القائمة على التحفيز عبر السندات، أم نهج كويزومي الذي يرفع لواء الانضباط المالي والترشيد.


مقالات ذات صلة

«نيكي» يتراجع تحت ضغط التكنولوجيا ومخاوف التقييمات

الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«نيكي» يتراجع تحت ضغط التكنولوجيا ومخاوف التقييمات

انخفض مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم يوم الخميس، متأثراً بتراجع أسهم التكنولوجيا وسط مخاوف مستمرة بشأن التقييمات

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

توقعات بتثبيت فائدة بنك إنجلترا عند 3.75 % مع مؤشرات نمو إيجابية

من المقرر أن يُبقي بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 3.75 في المائة يوم الخميس، مع استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف وظهور مؤشرات على تحسن النمو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حاويات شحن تابعة لشركة ميرسك مخزنة على متن سفينة «ألبرت ميرسك» في نافِي مومباي بالهند (رويترز)

«ميرسك» تحقق توقعات الربع الرابع… وتراجع الشحن يُثقل أرباح 2026

أعلنت شركة ميرسك، عملاق الشحن الدنماركي، يوم الخميس، تحقيق أرباح تشغيلية للربع الرابع جاءت متوافقة إلى حدٍّ كبير مع التوقعات.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
خاص أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)

خاص المعادن الحرجة «عصب سيادي» جديد... والسعودية تقتحم «المربع الذهبي» عالمياً

لم تعد المعادن الحرجة مجرد سلع تجارية عابرة للحدود بل تحولت إلى «عصب سيادي» يعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية العالمية.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد محافظ بنك اليابان المركزي كازو أويدا في مؤتمر صحافي بمقر البنك بالعاصمة طوكيو الشهر الماضي (رويترز)

ترجيحات بعدم تدخل «بنك اليابان» لإنقاذ سوق السندات من «انهيار تاكايتشي»

أفادت مصادر لـ«رويترز» بأن رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي يجب ألا تعوِّل على مساعدة بنك اليابان في كبح جماح الارتفاعات الحادة في عائدات السندات.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«نيكي» يتراجع تحت ضغط التكنولوجيا ومخاوف التقييمات

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

«نيكي» يتراجع تحت ضغط التكنولوجيا ومخاوف التقييمات

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

انخفض مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم يوم الخميس، متأثراً بتراجع أسهم التكنولوجيا وسط مخاوف مستمرة بشأن التقييمات، لينضم بذلك إلى تراجع أوسع في الأسواق الآسيوية نتيجة المخاوف من التكاليف المتزايدة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «نيكي» القياسي بنسبة 0.9 في المائة ليغلق عند 53,818.04 نقطة، في حين تراجع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً، والذي لا يضم أسهم التكنولوجيا بشكل كبير، بنسبة طفيفة بلغت 0.1 في المائة إلى 3,652.41 نقطة.

وهبطت أسهم مجموعة «سوفت بنك» بنسبة 7 في المائة بعد أن جاءت إيرادات ترخيص شركة «آرم هولدينغز»، التابعة لها والمتخصصة في تصميم الرقائق الإلكترونية، دون توقعات المحللين.

وقال تاكايوكي مياجيما، كبير الاقتصاديين في مجموعة سوني المالية: «من المتوقع أن تشهد أسهم الشركات العاملة في مجال الرقائق الإلكترونية تراجعاً مع تزايد المخاوف في الولايات المتحدة بشأن التقييمات المرتفعة والاستثمار في الذكاء الاصطناعي... لكن في اليابان، من المرجح أن يستمر الشراء الانتقائي المرتبط بالأرباح».

وانخفضت أسهم الشركات العاملة في مجال أشباه الموصلات في بداية تداولات طوكيو، حيث تراجع سهم شركة روهم لصناعة الرقائق بنسبة 9.1 في المائة ليصبح الخاسر الأكبر على مؤشر نيكاي، بينما انخفض سهم شركة أدفانتست، الموردة للقطاع، بنسبة 4.8 في المائة، وتراجع سهم شركة ديسكو، المتخصصة في تصنيع أجهزة الرقائق، بنسبة 4.4 في المائة.

وشهد مؤشر نيكي ارتفاعاً في أسهم 137 شركة مقابل انخفاض 88 شركة، مما يدل على التأثير الكبير لعدد محدود من شركات التكنولوجيا الكبرى.

وكان قطاع الأدوية الأفضل أداءً بين قطاعات بورصة طوكيو البالغ عددها 33 قطاعاً، بقيادة شركة أستيلاس فارما التي حققت ارتفاعاً بنسبة 10 في المائة بعد أن رفعت الشركة توقعاتها للأرباح الصافية لهذا العام المالي بنحو خمسة أضعاف.

مزاد قوي

ومن جانبها، ارتفعت أسعار السندات الحكومية اليابانية طويلة الأجل يوم الخميس، مدفوعةً بالإقبال القوي على مزاد السندات لأجل 30 عاماً الذي حظي بمتابعة دقيقة، وذلك على الرغم من اقتراب موعد الانتخابات الحاسمة يوم الأحد، والتي ستحدد ملامح خطط التحفيز المالي الضخمة للحكومة.

وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 30 عاماً بمقدار 6.5 نقطة أساس ليصل إلى 3.57 في المائة بحلول الساعة 06:11 بتوقيت غرينتش، بينما تراجعت عوائد السندات لأجل 40 عاماً بمقدار 9 نقاط أساس لتصل إلى 3.85 في المائة، بينما انخفض عائد السندات لأجل 20 عاماً بمقدار 4.5 نقطة أساسية ليصل إلى 3.135 في المائة، وتراجع عائد السندات لأجل 10 أعوام بمقدار نقطتين أساسيتين ليصل إلى 2.225 في المائة.

وتنخفض عوائد السندات مع ارتفاع أسعارها. وذكر محللو استراتيجيات شركة ميزوهو للأوراق المالية في مذكرة قبل المزاد أن ارتفاع العوائد «بشكل ملحوظ» مقارنةً بالمزاد السابق الذي عُقد قبل شهر من شأنه أن يجذب المشترين على الأرجح.

وكان عائد السندات لأجل 30 عاماً أقرب إلى 3.5 في المائة وقت بيع السندات في 8 يناير (كانون الثاني). وقد تأثرت السندات طويلة الأجل بشكل خاص بأي تخفيف محتمل للقيود المالية من جانب رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، وهي من أنصار سياسات «أبينوميكس» التي انتهجها رئيس الوزراء السابق شينزو آبي، في ظل كون اليابان بالفعل الدولة الأكثر مديونية في العالم المتقدم.

وتُعدّ اليابان بالفعل الدولة الأكثر مديونية في العالم المتقدم. وارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى مستوى قياسي بلغ 3.88 في المائة في 20 يناير، في انهيارٍ حادٍّ للسندات، مدفوعاً بتعهد تاكايتشي بإلغاء ضريبة المبيعات على المواد الغذائية لمدة عامين، بالتزامن مع دعوتها إلى انتخابات مبكرة.

وأظهرت استطلاعات رأي صحافية حديثة أن الحزب الليبرالي الديمقراطي الذي تنتمي إليه تاكايتشي قد يحصد ما يصل إلى 300 مقعد من أصل 465 مقعداً في مجلس النواب.

وقال محللو ميزوهو للأوراق المالية: «مع توقع استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة المالية حتى الكشف عن تفاصيلها بعد إعلان نتائج الانتخابات بفترة طويلة، فمن غير المرجح حدوث انخفاض حاد في أسعار الفائدة على المدى القريب».

واتجهت عوائد السندات قصيرة الأجل في الاتجاه المعاكس يوم الخميس، نظراً لارتباطها الوثيق بتوقعات السياسة النقدية أكثر من ارتباطها بالمخاوف المالية، في ظل ميل مسؤولي بنك اليابان مؤخراً إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشدداً.

وارتفع عائد السندات لأجل عامين بمقدار نقطة أساس واحدة ليصل إلى 1.28 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل خمس سنوات بمقدار 0.5 نقطة أساس ليصل إلى 1.68 في المائة.

تدفقات قياسية

وفي غضون ذلك، ضخَّ المستثمرون الأجانب أموالاً طائلة في السندات اليابانية طويلة الأجل خلال الأسبوع المنتهي في 31 يناير، قبيل انتخابات مجلس النواب المقررة في 8 فبراير (شباط)، حيث عزز الطلب القوي على مزاد السندات الحكومية لأجل 40 عاماً معنويات السوق.

وأظهرت بيانات صادرة عن وزارة المالية اليابانية يوم الخميس أن المستثمرين الأجانب اشتروا سندات يابانية طويلة الأجل بقيمة صافية بلغت 2.08 تريليون ين (13.26 مليار دولار)، وهي أعلى قيمة منذ 12 أبريل (نيسان) الماضي.

وشهد مزاد سندات الحكومة اليابانية لأجل 40 عاماً الأسبوع الماضي نسبة تغطية بلغت 2.76، وهي أعلى نسبة منذ مزاد مارس (آذار) 2025. كما اشترى المستثمرون الأجانب سندات قصيرة الأجل بقيمة صافية بلغت 1.13 تريليون ين، مسجلين بذلك أول صافي شراء أسبوعي منذ ثلاثة أسابيع.

وشهدت الأسهم اليابانية تدفقات أجنبية للأسبوع السادس على التوالي، بإجمالي 494.6 مليار ين. بينما اشترى المستثمرون اليابانيون سندات دين أجنبية طويلة الأجل بقيمة صافية بلغت 713.7 مليار ين خلال الأسبوع الماضي، مسجلين بذلك أكبر صافي شراء أسبوعي لهم منذ 20 سبتمبر (أيلول) 2025. كما استثمروا 454.6 مليار ين في الأسهم الأجنبية، مسجلين بذلك رابع صافي شراء أسبوعي لهم خلال خمسة أسابيع.


«ألفابت» تكشف عن إنفاق رأسمالي قياسي في 2026 يتجاوز التوقعات

يظهر شعار شركة «ألفابت» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
يظهر شعار شركة «ألفابت» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
TT

«ألفابت» تكشف عن إنفاق رأسمالي قياسي في 2026 يتجاوز التوقعات

يظهر شعار شركة «ألفابت» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
يظهر شعار شركة «ألفابت» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

أعلنت شركة «ألفابت»، الشركة الأم لـ«غوغل»، يوم الأربعاء، نيتها مضاعفة الإنفاق الرأسمالي هذا العام، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تعزيز استثماراتها في الذكاء الاصطناعي وتوسيع قدرات الحوسبة لديها.

ومن المتوقع أن تتجاوز الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي 500 مليار دولار هذا العام، إذا ما جُمعت نفقات «ألفابت» مع منافسيها من أكبر شركات التكنولوجيا. وفي هذا السياق، رفعت شركة «ميتا» الأسبوع الماضي استثماراتها الرأسمالية في الذكاء الاصطناعي بنسبة 73 في المائة، بينما سجَّلت «مايكروسوفت» أيضاً أعلى مستوى قياسي للإنفاق الرأسمالي على أساس فصلي.

ويأتي هذا التوسُّع الكبير في الإنفاق في وقت يزداد فيه قلق المستثمرين حول عوائد الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تمكَّنت «غوغل» من تحقيق تقدم ملموس في جهودها لتطوير الذكاء الاصطناعي، بينما ارتفع سهمها بنسبة 76 في المائة منذ بداية عام 2025، مُسجِّلاً أداءً بارزاً وسط المنافسة الشديدة في القطاع.

وصرَّح الرئيس التنفيذي، سوندار بيتشاي، بأن استثمارات الشركة في الذكاء الاصطناعي وبنيته التحتية تسهم في دفع الإيرادات والنمو عبر جميع القطاعات. وأضاف مسؤولون تنفيذيون أن الاستثمارات في القدرة الحاسوبية، بما يشمل الخوادم ومراكز البيانات ومعدات الشبكات، أساسية للوصول إلى هدف الإنفاق الرأسمالي البالغ بين 175 و185 مليار دولار مقارنة بـ91.45 مليار دولار في 2025، بينما كان محللو بورصة لندن يتوقعون متوسط إنفاق 115.26 مليار دولار.

وشهدت أسهم «ألفابت» تقلبات في التداولات المسائية، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة قبل أن تستعيد معظم خسائرها، لتغلق متراجعة نحو 1 في المائة، مع موازنة المستثمرين بين ارتفاع الإنفاق والنمو السريع في الإيرادات والأرباح، التي تجاوزت التوقعات في الرُّبع الأخير.

وارتفع قطاع الحوسبة السحابية في الرُّبع الرابع بنسبة 48 في المائة ليصل إلى 17.7 مليار دولار، متجاوزاً توقعات المحللين، وسجَّل أسرع معدل نمو منذ أكثر من 4 سنوات، ما عزَّز مكانة «غوغل» إلى جانب «أمازون» و«مايكروسوفت». وأعاد إطلاق نموذج «جيميني 3» للذكاء الاصطناعي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تعزيز صورة «غوغل» في هذا المجال، حيث بلغ عدد تراخيص النموذج المؤسسية المدفوعة 8 ملايين لدى 2800 شركة، في حين شملت شراكة كبرى مع «أبل» لتزويد خدمات الذكاء الاصطناعي.

وأشار بيتشاي إلى أن قيود الطاقة الإنتاجية ستستمر طوال العام، مؤكّداً أن الإنفاق الرأسمالي يهدف إلى الاستعداد للمستقبل. وأضاف أن تطبيق مساعد «غوغل» الذكي «جيميني» يضم الآن أكثر من 750 مليون مستخدم شهرياً، بزيادة 100 مليون مستخدم منذ نوفمبر، مع تضاعف عمليات البحث اليومية في وضع الذكاء الاصطناعي منذ إطلاقه.

وحقَّقت الشركة إيرادات إجمالية بلغت 113.83 مليار دولار في الرُّبع الرابع، متجاوزة توقعات المحللين البالغة 111.43 مليار دولار، كما تجاوز الربح المعدل للسهم الواحد عند 2.82 دولار، مستوى التوقعات البالغة 2.63 دولار.


أوروبا تتجه نحو السيادة الرقمية لمواجهة الهيمنة التكنولوجية الأميركية

يظهر علما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
يظهر علما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

أوروبا تتجه نحو السيادة الرقمية لمواجهة الهيمنة التكنولوجية الأميركية

يظهر علما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
يظهر علما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

قبل عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى المشهد قبل عام، كان حديث الاتحاد الأوروبي عن خفض الاعتماد الاقتصادي على القوى الأجنبية يُفهَم على أنه موجَّه أساساً نحو الصين. غير أن بروكسل باتت اليوم تركّز بصورة متزايدة على التكنولوجيا الأميركية.

الحاجة إلى الاستقلال الاستراتيجي

ومع تصعيد ترمب تهديداته، بدءاً من الضغوط التجارية على أوروبا وصولاً إلى مساعيه لضم غرينلاند، تصاعدت المخاوف من أن سياساته غير المتوقعة قد تُعرِّض التكتل الأوروبي لمخاطر رقمية كبيرة إذا ما اختار استخدام نفوذه في هذا المجال، وفق «وكالة الأنباء الفرنسية».

ومنذ تراجعه عن موقفه بشأن غرينلاند، كثّف كبار المسؤولين الأوروبيين تحذيراتهم من أن الاتحاد مُعرَّض بشكل خطير للصدمات الجيوسياسية، مؤكدين ضرورة المضي قدماً نحو تحقيق الاستقلال الاستراتيجي، سواء في مجالات الدفاع أو الطاقة أو التكنولوجيا.

ويعتمد الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، على دول أجنبية في أكثر من 80 في المائة من المنتجات والخدمات والبنية التحتية الرقمية والملكية الفكرية، وفقاً لتقرير صادر عام 2023، وهو ما دفع أوروبا إلى تسريع جهودها لتقليص هذا الاعتماد، لا سيما على التكنولوجيا الأميركية.

خطوات أولى نحو بدائل محلية

وجاءت أحدث الخطوات في هذا الاتجاه الأسبوع الماضي، عندما أبلغت فرنسا موظفيها الحكوميين بقرب اعتماد بدائل محلية لأدوات مثل «زووم» و«مايكروسوفت تيمز». كما شكّلت العقوبات التي فرضتها واشنطن العام الماضي على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، والتي حدّت من وصولهم إلى خدمات تكنولوجية أميركية مثل «أمازون» و«غوغل»، جرس إنذار لبروكسل، إذ كشفت حجم الهيمنة الأميركية على أدوات أساسية في الحياة الرقمية الأوروبية.

وقالت هينا فيركونين، مسؤولة التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي، إن العام الماضي عزّز إدراك الأوروبيين لأهمية عدم الاعتماد على دولة واحدة أو شركة واحدة في التقنيات الحيوية، محذّرة من أن هذا الاعتماد قد يُستغَل ضد الاتحاد.

حزمة لتعزيز السيادة التكنولوجية

ومن المقرر أن تكشف فيركونين في مارس (آذار) المقبل عن حزمة شاملة لتعزيز «السيادة التكنولوجية» تشمل الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وصناعة الرقائق الإلكترونية، وهي مجالات يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق استقلالية أكبر فيها.

وفي هذا السياق، أكد سيباستيانو توفاليتي، الأمين العام لـ«التحالف الأوروبي للشركات الصغيرة والمتوسطة الرقمية»، أن التقنيات الرقمية لم تعد أدوات محايدة، مشيراً إلى أن سيطرة جهات خارجية على البنى التحتية الأساسية، مثل الحوسبة السحابية والمنصات الرقمية، تمنحها نفوذاً واسعاً على القواعد والبيانات.

فرنسا وألمانيا في طليعة جهود السيادة الرقمية

تتصدر فرنسا وألمانيا الجهود الأوروبية في هذا المجال، حيث تحوَّلت ولاية شليسفيغ هولشتاين شمال ألمانيا إلى نموذج يُحتذى به في السيادة الرقمية، بعدما استبدلت حلولاً مفتوحة المصدر ببرمجيات «مايكروسوفت». وأوضح وزير الرقمنة في الولاية، ديرك شرودتر، أن الخطوة انطلقت بدوافع اقتصادية قبل أن تتعزَّز بفعل التوترات السياسية.

وأشار شرودتر إلى أن هيمنة عدد محدود من شركات التكنولوجيا على البنية التحتية العامة تقيد مرونة الحكومات، وتهدد أمنها، وترفع تكاليف البرمجيات. وخلال 6 أشهر فقط، نجحت الولاية في نقل أكثر من 40 ألف صندوق بريد إلكتروني من «مايكروسوفت إكستشينغ» و«أوتلوك» إلى حلول مفتوحة المصدر مثل «أوبن إكستشينغ» و«ثندربيرد». ورغم التحديات المرتبطة بتبادل المستندات مع الحكومات الأخرى، فإن شرودتر أكد أن التجربة أثبتت إمكانية تحقيق الاستقلال الرقمي.

وفي الوقت نفسه، يراجع البرلمان الأوروبي اعتماده على أدوات «مايكروسوفت» وغيرها، بعد دعوات من مُشرِّعين من مختلف الأحزاب لاعتماد بدائل أوروبية.

مشروعات التعاون الرقمي بين الدول الأوروبية

وتتواصل التحركات على مستوى الاتحاد الأوروبي، حيث اتفقت شركة «ميسترال» الفرنسية مع العملاق الألماني «ساب» على تطوير حل سحابي أوروبي مدعوم بالذكاء الاصطناعي خلال «قمة السيادة الرقمية الفرنسية - الألمانية» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. كما تعاونت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا لإطلاق مبادرة لإنشاء بنية تحتية رقمية أوروبية مشتركة بقيادة المفوضية الأوروبية.

وباتت كثير من سياسات الاتحاد الأوروبي تُصاغ اليوم من منظور السيادة التكنولوجية، بما في ذلك مشروع «اليورو الرقمي»، الذي وصفه عشرات الاقتصاديين، بينهم توماس بيكيتي، بأنه يمثل ضمانةً أساسيةً للسيادة الأوروبية. ويأتي ذلك بعد إطلاق نظام «ويرو» عام 2024، بديلاً أوروبياً لأنظمة الدفع مثل «ماستركارد» و«فيزا» و«باي بال»، بدعم من عدد من البنوك الكبرى.

مع ذلك، يحذر زاك مايرز، من مركز الأبحاث «CERRE» في بروكسل، من ضرورة تحديد الهدف بدقة من مفهوم السيادة التكنولوجية. ويرى أن الهدف إذا كان يتمثل في مواجهة الضغوط السياسية، فقد يكون من الأجدى للاتحاد الأوروبي تعزيز نفوذه التكنولوجي في مواجهة الولايات المتحدة.

ويؤكد مايرز أن الاستراتيجية الأكثر فاعلية قد لا تكمن في تقليص استخدام التكنولوجيا الأميركية داخل أوروبا، بل في زيادة الاستثمار في حلقات سلسلة القيمة التكنولوجية التي تعتمد فيها الولايات المتحدة على أوروبا، مثل معدات تصنيع الرقائق الإلكترونية، وبرمجيات الشركات، وأنظمة الاتصالات.