مخاوف أوروبية من أزمة السكن واستمرار ارتفاع تكاليف المعيشة

الأجور لم تواكب الزيادات في الأسعار

امرأة تتسوق في إحدى الأسواق المحلية بمدينة نيس (رويترز)
امرأة تتسوق في إحدى الأسواق المحلية بمدينة نيس (رويترز)
TT

مخاوف أوروبية من أزمة السكن واستمرار ارتفاع تكاليف المعيشة

امرأة تتسوق في إحدى الأسواق المحلية بمدينة نيس (رويترز)
امرأة تتسوق في إحدى الأسواق المحلية بمدينة نيس (رويترز)

حذّر رئيس اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية، المنتهية ولايته، أوليفر روبكه، من عواقب وخيمة على المجتمع حال الإخفاق في معالجة نقص المساكن، وارتفاع تكاليف المعيشة.

وقال روبكه في مقابلة مع غرفة الأخبار الأوروبية (إي إن آر)، بمناسبة انتهاء ولايته التي استمرت عامين ونصف العام، وتنتهي هذا الشهر: «تمثل أزمة تكاليف المعيشة تهديداً واسعاً للثقة في الديمقراطية، وللثقة كذلك في قدرة أوروبا على التحرك».

وأضاف: «يتعين علينا مواجهة هذه الأزمة، وإلا فإننا نشهد بالفعل تآكلاً في المعايير الأساسية، ومعايير الحقوق الأساسية، وسيادة القانون».

واللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية هي عبارة عن هيئة استشارية تضم 329 عضواً، ولا تتمتع بأي سلطات تشريعية رسمية. وتعد بمثابة منتدى للتشاور والحوار والتوافق بين ممثلين عن جميع قطاعات المجتمع المدني المنظم. ومن خلال آرائها، تمنح اللجنة المجتمع المدني وأصحاب الأعمال والعمال صوتاً رسمياً في صياغة تشريعات وسياسات الاتحاد الأوروبي.

ودعت اللجنة منذ سنوات إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات على مستوى الاتحاد الأوروبي لمعالجة أزمة السكن.

وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) الصادرة في يوليو (تموز) الماضي، ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 57.9 في المائة في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2010، وزادت الإيجارات بنسبة 27.8 في المائة، ولكن لم تواكب الأجور الزيادة في التكاليف خلال الفترة نفسها.

ومع ارتفاع تكاليف البناء وتباطؤ وتيرة الإنشاءات، انخفض عدد المساكن الجديدة المعروضة في السوق الأوروبية. وفي الوقت نفسه، يزداد عدد المنازل المعروضة للإيجار قصير الأجل، أو التي تشترى بهدف الاستثمار، مما يفاقم أزمة ارتفاع الأسعار، بصفة خاصة في المدن.

رافعة في موقع بناء بالقرب من مبانٍ سكنية بجزيرة إيل دو لا سيتي بباريس (رويترز)

وأوضح روبكه: «ندرك أنه ليست هناك حلول موحدة تناسب الجميع»، غير أنه أعرب، مع اقتراب انتهاء ولايته البالغة عامين ونصف العام هذا الشهر، عن أمله في أن تضع المفوضية الأوروبية مقترحات ملموسة وإطار عمل وخطة عمل للدول الأعضاء، في هذا الشأن.

وطرحت اللجنة توصيات بشأن سياسات الإسكان على مستوى الاتحاد الأوروبي، وسلّطت الضوء على عجز بقيمة 270 مليار يورو (318 مليار دولار) حدّده بنك الاستثمار الأوروبي.

وتقول اللجنة إنه يجب أن تتضمن سياسة التماسك الخاصة بالاتحاد الأوروبي - الجهود المبذولة لتقليص الفوارق الاقتصادية بين الدول الأعضاء - أدوات لمعالجة مشكلة الإسكان بأسعار معقولة، كما يتعين على قواعد ميزانية الاتحاد الأوروبي أن تمنح هامشاً أوسع للمناورة.

سياسة للإسكان

لا يملك الاتحاد الأوروبي سلطة مباشرة على سياسات الإسكان في الدول الأعضاء - مثل تحديد أسعار المنازل أو قوانين البناء أو السياسات السكنية - ولكن تعود هذه الأمور إلى كل دولة على حدة.

ورغم ذلك، من المقرر أن تطرح «خطة الإسكان الميسر» الخاصة بالتكتل مطلع عام 2026.

وقال دان يورغنسن، أول مفوض أوروبي للإسكان، يوم الثلاثاء الماضي: «سوف توضح هذه الخطة كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يحدث تأثيراً، وكيف يمكننا العمل معاً من أجل توفير مساكن ميسورة التكلفة، مستدامة وتليق بالجميع».

ودعا يورغنسن الأوروبيين إلى المشاركة في المشاورات العامة بشأن الخطة، عبر استبانة إلكترونية.

وصعد ملف الإسكان إلى صدارة جدول الأعمال السياسي للاتحاد الأوروبي عقب انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت العام الماضي، حيث شكلت قضايا ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة والوضع الاقتصادي أبرز الدوافع لدى الناخبين، بحسب المسح الانتخابي الأوروبي لعام 2024.

وقال روبكه إن أحد الأسئلة المهمة يتعلق بكيفية وجود آليات تمويل واضحة للإسكان، وأقر بأن الأمر سيكون مكلفاً، ولكنه شدّد على أن تكلفة عدم التحرك ستكون «أعلى بكثير».

وأضاف: «كلي أمل في أن نشهد أدوات جديدة، حيث إن هناك استعداداً كبيراً لدى بنك الاستثمار الأوروبي للمضي قدماً، ولقد أكدت دائماً أن سياسة التماسك الأوروبية يجب أن تركز بدرجة أكبر على الإسكان الميسر».

وتطرق روبكه خلال المقابلة إلى توسيع الاتحاد الأوروبي، حيث دعا إلى إظهار «إرادة سياسية قوية» للمضي قدماً في هذه العملية، كي يضم التكتل دولاً جديدة «خلال السنوات المقبلة».

وقال النقابي النمساوي إن اللجنة كانت «رائدة بشكل مطلق في إطار هذه الفكرة»، وأشاد بمبادرة «أعضاء الدول المرشحة للتوسع» التي أنشئت تحت قيادته، وعدّها من أكبر النجاحات التي تحققت خلال فترة رئاسته.

وأطلقت المبادرة في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2023 بهدف إشراك ممثلي منظمات المجتمع المدني من الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، في العمل الاستشاري الذي تقدمه اللجنة للمفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي.

وحالياً، هناك تسع دول تحمل صفة مرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي، وهي ألبانيا، والبوسنة والهرسك، وجورجيا، ومولدوفا، والجبل الأسود، ومقدونيا الشمالية، وصربيا، وتركيا وأوكرانيا.

وقال روبكه: «نحن أول مؤسسة (في الاتحاد الأوروبي) تشرك أعضاء مرشحين من جميع الدول المرشحة. في عملنا اليومي... أعتقد أن هذا كان بمثابة خطوة كبيرة إلى الأمام».

كان روبكه انتخب رئيساً للجنة في أبريل (نيسان) عام 2023 لمدة عامين ونصف العام، وسوف ينضم إلى منظمة العمل الدولية، بجنيف في سويسرا، خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ومن المقرر اختيار الآيرلندي شيموس بولاند رئيساً للجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية في أكتوبر (تشرين الأول) للفترة من 2028 - 2025.


مقالات ذات صلة

التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

خاص منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز) p-circle

التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

أكدت النتائج المالية لشركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) متانة الأسس التشغيلية للسوق خلال الرُّبع الأول.

محمد المطيري (الرياض)
شمال افريقيا الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)

تشديد مصري على المطوّرين العقاريين بعد أزمات تأخّر التسليم

تتجه الحكومة المصرية لضبط سوق العقارات عبر تشريع يحكم العلاقة بين المطورين العقاريين من جهة ومشتري الوحدات من جهة أخرى في ظل شكاوى متزايدة من تعثر بعض المطورين.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد لافتة «للبيع» معلقة أمام عقار في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

شلل يهدد أسواق العقارات الغربية... وفوضى «الرهن» تضرب بريطانيا

امتدت الهزات الارتدادية العنيفة للصراع في الشرق الأوسط لتضرب أسواق العقارات السكنية في أوروبا وأميركا الشمالية؛ حيث قفزت تكاليف القروض العقارية بشكل حاد...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة يونس (جوناس) لاوِينر من موقعه الإلكتروني

عرش من ورق... قصة سويسري من أصل مغربي نصّب نفسه ملكاً

سويسري من أصل مغربي يُنصّب نفسه إمبراطوراً ويطالب بعرش كانتون بيرن، في خطوة غير مسبوقة تخلط بين الملكية العقارية الافتراضية والسيادة السياسية.

كوثر وكيل (لندن)
خاص إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)

خاص السعودية تكسر موجة التضخم العالمي بـ«مظلة» العقارات

في وقت يُصارع الاقتصاد العالمي أمواجاً عاتية من الضغوط السعرية المرتفعة بفعل حرب إيران، وتعطل مضيق هرمز، نجحت السعودية في رسم مسارٍ مغاير.

بندر مسلم (الرياض)

تراجع واردات النفط لكوريا الجنوبية من الشرق الأوسط بأكثر من 37 % خلال أبريل

ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)
ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)
TT

تراجع واردات النفط لكوريا الجنوبية من الشرق الأوسط بأكثر من 37 % خلال أبريل

ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)
ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)

تراجعت واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام من الشرق الأوسط بأكثر من 37 في المائة، على أساس سنوي، خلال أبريل (نيسان) الماضي، وذلك في ظلِّ تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

ووفقاً للبيانات الإحصائية الصادرة عن رابطة التجارة الدولية الكورية، بلغ حجم واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام نحو 8.46 مليون طن خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ10.96 مليون طن الفترة نفسها من العام الماضي، حسبما ذكرت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء.

وبشكل خاص، تراجعت واردات النفط الخام من الشرق الأوسط بنسبة 37.3 في المائة إلى نحو 4.49 مليون طن.

ورغم أنَّ النفط الخام المستورَد من الشرق الأوسط لا يزال يُشكِّل الحصة الأكبر من إجمالي واردات كوريا من النفط الخام، فإنَّ نسبته تراجعت بمقدار 12.1 نقطة مئوية من 65.2 في المائة خلال أبريل من العام الماضي لتصل إلى 53.1 في المائة الشهر الماضي.

كما انخفضت واردات النفط الخام من المملكة العربية السعودية، أكبر مورد للنفط الخام إلى كوريا الجنوبية، بنسبة 37.6 في المائة، لتبلغ نحو 2.146 مليون طن.

كما تراجعت الواردات من العراق والكويت بشكل حاد بنسبتَي 42.4 في المائة و98.2 في المائة على التوالي لتصلا إلى نحو 800 ألف طن ونحو 10 آلاف طن على التوالي. وتوقَّفت واردات النفط من دولة قطر.

ومن ناحية أخرى، زادت واردات النفط الخام من الولايات المتحدة بنسبة 13.4 في المائة لتصل إلى نحو 2.145 مليون طن.

وبذلك تقلَّص الفارق في حجم الواردات بين السعودية والولايات المتحدة إلى نحو ألف طن فقط. وكان الفارق قد بلغ نحو 1.45 مليون طن في مارس (آذار) الماضي.


«المركزي» الأوروبي: نواجه ضغوطاً لرفع الفائدة مع تفاقم أزمة حرب إيران

متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)
متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)
TT

«المركزي» الأوروبي: نواجه ضغوطاً لرفع الفائدة مع تفاقم أزمة حرب إيران

متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)
متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)

أفاد عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، مارتن كوشر، بأن البنك يتجه نحو رفع أسعار الفائدة الشهر المقبل، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام مستدام بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة «بلومبرغ»، الأحد، عن كوشر قوله، على هامش انعقاد اجتماع وزراء المالية الأوروبيين خلال يومي 22 و23 من مايو (أيار) الحالي في نيقوسيا بقبرص، أن التضخم من المرجح أن يكون هذا العام أعلى مما كان متوقعاً من قبل، مما سيؤدي إلى إثارة المخاوف لدى المستهلكين الذين ما زالوا يعانون من صدمة الأسعار السابقة. وفي الوقت نفسه، يظل الاقتصاد مرناً بشكل معقول.

وأوضح كوشر أن «هناك دائماً سيناريوهات ذات احتمالات ضئيلة جدا تؤدي إلى تقييمات مختلفة للوضع، ولكن في الوقت الحالي، تشير جميع الدلائل إلى أننا سنختار بين الإبقاء على أسعار الفائدة أو رفعها».

وأضاف: «من الواضح بالنسبة لي أنه في حال لم يتحسن الوضع، فسيتعين علينا تركيز مناقشاتنا على اتخاذ إجراءات».

وتسببت حرب إيران في صعود أسعار النفط والغاز بشكل حاد، ما انعكس بدوره على باقي السلع، ليرتفع التضخم في معظم منطقة اليورو وحول العالم.

غير أن محاولات جديدة للتوصل لصيغة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، قد تفضي على توقيع مذكرة بالفعل، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عنها مساء السبت، وأكد عليها وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في تصريحات الأحد.


التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
TT

التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)

أكدت النتائج المالية لشركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) متانة الأسس التشغيلية للسوق خلال الرُّبع الأول من عام 2026، رغم تسجيلها إعادة تموضع واضحة في دورة ربحيتها؛ إذ نجحت الشركات في تحقيق مبيعات مليارية تجاوزت 1.75 مليار دولار، وصافي أرباح بلغ 378.42 مليون دولار (1.42 مليار ريال)، وسط تراجع إجمالي للأرباح بنسبة 30.56 في المائة؛ نتيجة تباطؤ وتيرة المضاربات، وتغيُّر دورة الاعتراف المحاسبي بالإيرادات.

ويرى خبراء أنَّ هذه الحركة التصحيحية تعود بشكل رئيسي إلى الإجراءات التنظيمية التي استهدفت رفع كفاءة السوق وتحقيق التوازن؛ مثل تنظيم الإيجارات، وتفعيل رسوم الأراضي البيضاء، وزيادة المعروض، بالتزامن مع تحول واعٍ في سلوك المستهلك الذي أصبح أكثر حذراً وانتقائية، ويركز على جودة المنتَج والقيمة الفعلية.

ورغم هذا الانخفاض، فإنَّ أداء الشركات أظهر تبايناً حاداً يعكس دخول السوق مرحلة «فرز» غربلت النماذج التشغيلية، حيث برهنت المشروعات النوعية على قدرتها في قيادة السوق بنجاح، مدفوعةً بالنمو القوي لشركات قيادية مثل «العقارية» التي قفزت أرباحها بنسبة 251.8 في المائة، و«دار الأركان» بنمو وصل إلى 24.3 في المائة، ما يؤكد انتقال القطاع رسمياً من مرحلة النمو السريع المدفوع بالزخم السعري إلى مرحلة النضج والاستدامة التشغيلية، تماشياً مع مستهدفات «رؤية 2030»، والإنفاق الحكومي المستمر على البنية التحتية.

سيارات تسير في أحد شوارع الرياض (رويترز)

ووفق إعلانات نتائجها المالية في السوق المالية السعودية، سجَّلت 15 شركة من بين 17 عاملة في القطاع، أرباحاً صافية، في حين واصلت شركتا «مدينة المعرفة» و«إعمار» تسجيل خسائر ربعية.

وتصدَّرت شركة «العقارية» أعلى شركات القطاع ربحيةً، خلال الرُّبع الأول، محققة 475.7 مليون ريال (126.7 مليون دولار)، بنسبة نمو وصلت إلى 251.8 في المائة عن الرُّبع المماثل من العام السابق.

وحلّت «دار الأركان» ثانيةً في أعلى شركات القطاع ربحيةً بعد تحقيقها أرباحاً بنحو 260.2 مليون ريال (69.3 مليون دولار) خلال الرُّبع الأول، لتسجل نمواً عن الرُّبع المماثل من العام السابق بنسبة 24.3 في المائة. في حين حلَّت شركة «سينومي سنترز» في المرتبة الثالثة، رغم انخفاض نمو أرباحها بنسبة 8 في المائة، محققةً نحو 202.5 مليون ريال (53.9 مليون دولار).

وانخفضت مبيعات شركات قطاع إدارة وتطوير العقارات المدرجة في السوق المالية السعودية، خلال الرُّبع الأول من 2026 بنسبة 4.45 في المائة، حيث بلغ إجمالي مبيعاتها نحو 1.57 مليار دولار (5.89 مليار ريال) مقارنةً بمبيعات تجاوزت 1.64 مليار دولار (6.16 مليار ريال) خلال الرُّبع ذاته من العام الماضي.

أحد مشروعات «دار الأركان» (موقع الشركة)

وحقَّقت «دار الأركان» أعلى مبيعات بين شركات القطاع بإيرادات بلغت 1.16 مليار ريال (309 ملايين دولار)، وبنسبة نمو وصلت إلى 24.8 في المائة. وجاءت «جبل عمر» ثانيةً بمبيعات وصلت إلى 739.17 مليون ريال (197 مليون دولار) رغم تراجعها بشكل طفيف بنحو 1.1 في المائة عن مبيعات الرُّبع الأول من العام الماضي. في حين حلت «البحر الأحمر» ثالثةً في أعلى المبيعات بين شركات القطاع العقاري بتحقيقها إيرادات تجاوزت 631 مليون ريال (168 مليون دولار)، وبانخفاض عن الرُّبع المماثل من العام السابق بنحو 9.9 في المائة.

إعادة تموضع محاسبي

وفي تعليق على نتائج شركات القطاع، يرى الخبير والمهتم بالشأن العقاري، عبد الله الموسى خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط» أنَّ تراجع أرباح شركات العقار المدرجة في السوق المالية السعودية لا يعدُّ سلبياً بقدر ما هو إعادة تموضع في دورة الربحية داخل القطاع، مرجعاً هذا التراجع في الأرباح إلى 5 أسباب، تتمثل في تغيُّر دورة الإيرادات والاعتراف المحاسبي، حيث إن النتائج المالية لقطاع التطوير العقاري لا تُقرأ دائماً بمنطق القطاعات التشغيلية المستقرة نفسه؛ كون توقيت تسليم المشروعات والاعتراف بالإيرادات قد يصنع فروقات حادة بين رُبع وآخر، لذلك فإنَّ جزءاً من التراجع قد يكون فنياً أكثر من كونه ضعفاً تشغيلياً.

وأرجع السبب الثاني إلى تباطؤ المضاربة في السوق العقارية وتحولها للواقعية، خصوصاً في مدينة الرياض، والتي تمرُّ السوق فيها بمرحلة انتقال من التسعير المدفوع بالمضاربة إلى التسعير المرتبط بالقيمة الحقيقية والطلب الفعلي، وهذا بطبيعته يضغط على الهوامش الربحية لبعض الشركات التي استفادت سابقاً من بيئة أكثر سخونة.

وعزا السبب الثالث إلى ارتفاع تكلفة التمويل والتشغيل، مضيفاً أنَّ أثر تكلفة التمويل المرتفعة السابقة ما زال حاضراً على المشروعات العقارية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والبناء والتنفيذ، وهو ما يضغط مباشرة على الربحية.

وزاد بأن «هناك اختلافاً في نماذج الأعمال داخل القطاع ما بين شركات التطوير، وشركات المراكز التجارية، وشركات الضيافة العقارية، حيث إن لكل منها محركات مختلفة، ولذلك نشاهد شركات تنمو بقوة مثل (العقارية) و(دار الأركان)، بينما تتراجع أخرى بشكل حاد».

وأرجع السبب الخامس إلى ارتفاع قاعدة المقارنة في 2025، حيث إنَّ بعض الشركات كانت قد حقَّقت نتائج استثنائية في فترات سابقة؛ نتيجة تخارجات أو مبيعات نوعية، وبالتالي المقارنة السنوية تبدو قاسية.

العاصمة السعودية (رويترز)

ويتوقَّع الموسى أن تشهد المرحلة المقبلة 3 فئات واضحة بين شركات القطاع، وهي شركات مرنة وقوية مالياً ستستفيد من إعادة ترتيب السوق، خصوصاً التي تملك مخزوناً جيداً، وتدفقات نقدية مستقرة، ونموذج بيع واضحاً. وشركات تعتمد على الزخم السعري أكثر من التشغيل الحقيقي وهذه قد تواجه ضغوطاً أكبر. وشركات الدخل التشغيلي المتكرِّر مثل الأصول المدرة والمراكز التجارية، وستكون أكثر استقراراً نسبياً، مضيفاً أنَّ القطاع بشكل عام يمرُّ بمرحلة فرز ونضج، وانتقال من سوق تكافئ السرعة إلى سوق تكافئ الكفاءة والانضباط التشغيلي، وهي مرحلة صحية للقطاع على المديين المتوسط والطويل.

استدامة على المدى الطويل

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنَّ نتائج شركات القطاع العقاري خلال الرُّبع الأول تؤكد أنَّ السوق تمر بمرحلة إعادة توازن طبيعية بعد سنوات من النمو السريع والارتفاعات الكبيرة في الأسعار، أكثر من كونها مرحلة تراجع مقلقة.

ورأى أنَّ انخفاض أرباح شركات القطاع بنسبة 30 في المائة، يعود لعوامل متداخلة عدة؛ أبرزها ارتفاع المعروض العقاري، وتراجع وتيرة المضاربات، وارتفاع تكلفة التمويل، إضافة إلى الإجراءات التنظيمية التي استهدفت رفع كفاءة السوق وتحقيق التوازن، مثل تنظيم الإيجارات، وتفعيل رسوم الأراضي البيضاء، وزيادة المعروض في بعض المناطق الرئيسية. كما أنَّ سلوك المستهلك تغيَّر بشكل واضح، حيث أصبح المشتري أكثر حذراً وانتقائية، ويركز على جودة المنتَج والموقع والخدمات والقيمة الفعلية، وهو ما فرض ضغوطاً على الشركات التي كانت تعتمد على التسعير المرتفع أو المبيعات السريعة.

وأضاف الزهراني أنَّ النتائج المالية لبعض الشركات الكبرى مثل «العقارية» و«دار الأركان» أظهرت أنَّ المشروعات النوعية والدخل المتنوع والحوكمة الجيدة ما زالت قادرةً على تحقيق نمو وربحية حتى في ظلِّ ظروف السوق الحالية.

ويتوقَّع الزهراني أن تستمر ربحية شركات القطاع العقاري خلال الفترة المقبلة وسط حالة من التوازن والهدوء النسبي على المدى القصير، مع بقاء الضغط على بعض هوامش الأرباح، لكن النظرة المتوسطة والطويلة للقطاع لا تزال إيجابيةً جداً بدعم المشروعات الكبرى، وبرامج «رؤية 2030»، والنمو السكاني، وفتح السوق أمام الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب استمرار الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والتطوير العمراني، مضيفاً أن السوق العقارية السعودية تنتقل تدريجياً من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة النضج والاستدامة، وهي مرحلة صحية ستعزِّز جودة المشروعات، وترفع كفاءة السوق على المدى البعيد.