«أوبئة» العقوبات تفتح أبواب الصين لسندات «الدب الروسي»

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ وقائد كوريا الشمالية كيم جونغ أون في بكين الأسبوع الماضي (د.ب.أ)
الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ وقائد كوريا الشمالية كيم جونغ أون في بكين الأسبوع الماضي (د.ب.أ)
TT

«أوبئة» العقوبات تفتح أبواب الصين لسندات «الدب الروسي»

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ وقائد كوريا الشمالية كيم جونغ أون في بكين الأسبوع الماضي (د.ب.أ)
الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ وقائد كوريا الشمالية كيم جونغ أون في بكين الأسبوع الماضي (د.ب.أ)

تستعد الصين لفتح سوق السندات المحلية أمام شركات الطاقة الروسية الكبرى، في تحول سياسي يعكس تعميق الروابط الدبلوماسية والاقتصادية بين بكين وموسكو.

وقال مصدران مطلعان على المسألة لصحيفة «فاينانشال تايمز» إن مسؤولين صينيين كباراً في مجال التنظيم المالي أبلغوا كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الطاقة الروسي، خلال اجتماع عقد في أواخر أغسطس (آب) الماضي في مدينة غوانزو جنوب الصين، أنهم سيدعمون خطط شركاتهم لبيع «سندات باندا» المقوّمة باليوان.

وستكون هذه أول عملية تمويل لشركات روسية في البر الرئيسي للصين منذ الغزو الشامل لموسكو لأوكرانيا في عام 2022، وأول عملية بيع ديون روسية في السوق المحلية الصينية منذ أن جمعت شركة «روسال» الحكومية للألمنيوم 1.5 مليار يوان (210 ملايين دولار) من إصدار سندات باندا في عام 2017.

تعزيز العلاقات الاستراتيجية

عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات مع نظيره الصيني شي جينبينغ في بكين يوم الثلاثاء، مشيراً إلى أن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين بلغت «مستوى مرتفعاً غير مسبوق».

وبعد المحادثات، أعلنت موسكو أنها توصلت إلى اتفاق مع بكين بشأن بناء خط أنابيب «قوة سيبيريا 2» الذي طال انتظاره، وهو مشروع تقوده شركة «غازبروم» الروسية الحكومية، ويقول محللون إنه يمكن أن يعيد تشكيل تدفقات الطاقة العالمية.

تجاوز العقوبات الغربية

أدت العقوبات الأميركية والأوروبية الشاملة إلى إغلاق وصول المقترضين الروس إلى الأسواق المالية العالمية منذ عام 2022. وقد تجنبت البنوك الصينية صفقات التمويل العامة التي تشمل شركات روسية خوفاً من التعرض لعقوبات ثانوية.

ومع ذلك، فإن تعزيز العلاقات بين بكين وموسكو جعل البنوك أقل حذراً. وفي الوقت نفسه، أصبح اليوان عملة أجنبية ذات أهمية متزايدة للاقتصاد الروسي الذي تضربه العقوبات.

وفي عام 2022، بدأت الشركات الروسية بيع سندات مقوّمة باليوان في سوقها المحلية. ويتم إصدار معظم هذه السندات من قبل مجموعة صغيرة من الشركات تشمل «روسال» و«غازبروم».

تحديات وعقبات

من المرجح أن يقتصر إحياء سندات «الباندا» الروسية في البداية على شركتين أو ثلاث شركات، وفقاً لأشخاص مطلعين على الخطط. ومن المتوقع أن تكون شركة «روساتوم» النووية الحكومية الروسية والشركات التابعة لها، والتي لا تخضع لعقوبات واسعة النطاق من قبل الدول الغربية الكبرى، من بين أول المقترضين الذين سيستفيدون من ثاني أكبر سوق سندات في العالم.

وحذر محامون من أن أي عملية بيع سندات ناجحة ستتطلب من الشركات الروسية معالجة المخاوف المستمرة بشأن العقوبات بين البنوك الصينية، التي تعد المشترين والوسطاء الرئيسيين لسندات الباندا.

وقال ألين وونغ، الشريك في مكتب بكين «جينتشنغ تونغدا آند نيل للمحاماة»: «سيظل الوسيط يواجه خطر العقوبات الثانوية من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي»، مضيفاً أن البنوك ستكافح لإخفاء مشاركتها في سوق عامة.

تقييمات ائتمانية إيجابية

في يوم الجمعة الماضي، حصلت شركة «غازبروم» على تصنيف ائتماني «إيه إيه إيه» مع نظرة مستقبلية «مستقرة» من وكالة «CSCI Pengyuan» الصينية للتصنيف الائتماني، ومقرها شنتشن. ويعتبر التصنيف الائتماني القوي شرطاً مسبقاً للشركات الأجنبية للاستفادة من سوق السندات المحلية.

وقالت «CSCI Pengyuan» إن التصنيف استند إلى الأهمية الاستراتيجية لـ«غازبروم» لقطاع النفط الروسي ووضعها المالي القوي رغم المخاطر الجيوسياسية المرتفعة وتقلبات أسعار النفط. وكانت «غازبروم» تخضع لعقوبات أميركية منذ عام 2022.


مقالات ذات صلة

كيم يلتقي لوكاشينكو... استقبال حار لحليف بوتين في بيونغ يانغ

آسيا استقبل كيم لوكاشينكو بالعناق وأقام له مراسم استقبال فخمة بصفوف من الجنود والفرسان وإطلاق المدفعية (إ.ب.أ)

كيم يلتقي لوكاشينكو... استقبال حار لحليف بوتين في بيونغ يانغ

التقى كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، اليوم الأربعاء، برئيس روسيا البيضاء ألكسندر لوكاشينكو في بيونغ يانغ، واستقبله باستعراض عسكري وإطلاق 21 طلقة.

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

بوتين: روسيا شريك موثوق ومخلص لإيران

بعث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم السبت، برسالة تهنئة إلى القيادة والشعب الإيراني بمناسبة عيد النوروز، مؤكداً متانة العلاقات بين موسكو وطهران.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا جانب من المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الأوروبية ببروكسل... يوم 20 مارس الحالي (إ.ب.أ) p-circle

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا، وزيلينسكي يؤكد استئناف المحادثات مع واشنطن لإنهاء الحرب الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق دونالد ترمب، كيم جونغ أون، فلاديمير بوتين والملك تشارلز مع أمهاتهم (يوتيوب/ الكرملين/ أ.ف.ب)

أمّهات القادة... كيف رسمن ملامح شخصيات ترمب وبوتين وكيم وتشارلز؟

أمّهات غير اعتياديات أنجبن أولاداً غير عاديين. علاقات غير مثالية إنما مؤثّرة جمعت بين ترمب، تشارلز، كيم، بوتين وأمهاتهم.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا مسؤولو أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس أمس (أ.ف.ب)

أوربان لن يدعم أي قرار يصب في مصلحة أوكرانيا... ويستبعد إقراضها 100 مليار دولار

قال رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، لدى وصوله إلى بروكسل الخميس لحضور قمة الاتحاد الأوروبي، إنه لن يدعم أوكرانيا، ولن يوافق على فرض عقوبات جديدة على روسيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)
أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)
TT

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)
أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)

وافق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس، بشروط، على اتفاقية الرسوم الجمركية التي أبرمها الاتحاد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في خطوة تأمل أوروبا من خلالها حماية علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تسعى فيه لتنويع شراكاتها التجارية حول العالم.

وكانت بروكسل وواشنطن قد أبرمتا، الصيف الماضي، اتفاقية تحدِّد الرسوم الجمركية بنسبة 15 في المائة على معظم سلع الاتحاد الأوروبي، وفق «وكالة الأنباء الفرنسية».

إلا أن حملة ترمب الجمركية لعام 2025، التي شملت فرض رسوم باهظة على الصلب والألمنيوم وقطع غيار السيارات، دفعت الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، إلى تعزيز علاقاته التجارية مع بقية أنحاء العالم، ومنذ ذلك الحين وقّع اتفاقات مع دول من أميركا الجنوبية إلى أستراليا، ولا يزال يسعى لإبرام المزيد.

ومع ذلك، لم يتخلَّ الاتحاد الأوروبي عن علاقته مع أكبر شركائه التجاريين، الولايات المتحدة، حيث تبلغ قيمة تبادلاتهما التجارية 1.6 تريليون يورو (1.9 تريليون دولار).

ووافقت أغلبية كبيرة من المُشرِّعين الأوروبيين على خفض الرسوم الجمركية الأوروبية على بعض الواردات الأميركية، في خطوة أولى نحو تنفيذ اتفاقية عام 2025، مع إدراج ضمانات إضافية.

وقال فالديس دومبروفسكيس، كبير المسؤولين الاقتصاديين في الاتحاد الأوروبي، خلال جلسة برلمانية قبل التصويت: «يمثل تصويت اليوم خطوةً إجرائيةً مهمة، وإشارةً سياسيةً على التزام الاتحاد الأوروبي بوعوده».

وأضاف أن الاتفاقية لا تزال بحاجة لمزيد من التفاوض مع دول الاتحاد قبل التنفيذ النهائي، على الرغم من أمل بروكسل في أن تسير المحادثات بسرعة.

ورحَّب ماروش سيفكوفيتش، مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، بالتصويت ووصفه بأنه «خطوة حاسمة»، مشيراً إلى أنه سيلتقي الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، على هامش اجتماع منظمة التجارة العالمية في الكاميرون يوم الجمعة.

ضمانات إضافية

جاء الضوء الأخضر بعد أشهر من التأخير، إذ قاوم المُشرِّعون الموافقة على الاتفاقية؛ بسبب التوترات عبر الأطلسي بشأن غرينلاند، ثم أُرجئت مرة أخرى بعد قرار المحكمة العليا الأميركية إلغاء كثير من الرسوم التي فرضها ترمب.

وتحسَّنت الأمور بعد أن أعلنت المفوضية الأوروبية التزامها بالاتفاقية رغم قرارات الولايات المتحدة، ودعت المُشرِّعين إلى أن يحذوا حذوها، بعد تلقيهم تطمينات من واشنطن.

ومع ذلك، ردَّ ترمب بنظام تعريفات جمركية جديد؛ ما دفع المُشرِّعين الأوروبيين إلى تشديد الاتفاقية القائمة عبر إدراج ضمانات متعددة، منها انتهاء تخفيضات الرسوم الجمركية للاتحاد الأوروبي تلقائياً في مارس (آذار) 2028، وربط تخفيضات التعريفات على الصلب والألمنيوم بتخفيضات مماثلة من الجانب الأميركي.

وقالت النائبة في البرلمان الأوروبي، كاثلين فان بريمبت، خلال المناقشة: «دعونا لا نكون ساذجين. سيأتي المزيد من إكراه ترمب والفوضى، ولهذا السبب نقول اليوم: لا إعفاء، ولا شيك على بياض».

وأضافت فان بريمبت أن ضعف الاتحاد الأوروبي أمام تداعيات الحروب والصدمات الأخرى دفع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى جعل تنويع الشركاء التجاريين أولويةً قصوى؛ بهدف تقليل الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة والصين.

وبدأت هذه الجهود بتوقيع اتفاقية طال انتظارها مع تجمع «ميركوسور» في أميركا الجنوبية في يناير (كانون الثاني)، ثم أبرمت بروكسل اتفاقيةً أخرى مع الهند، وفي هذا الأسبوع فقط تم توقيع اتفاقية متعثرة مع أستراليا.

وقال الخبير الاقتصادي أندريه سابير: «لقد عجَّل عامل ترمب بإتمام هذه الاتفاقات، سواء بالنسبة لنا أو لشركائنا». وأضاف أن الاتحاد الأوروبي، مدفوعاً بسياسات ترمب، يسعى لإنشاء أكبر شبكة عالمية لمناطق التجارة الحرة، وهي استراتيجية ذات «بعد دفاعي» تمكِّنه من مواجهة الضغوط التجارية.

وأكد سابير من «مركز بروجيل للأبحاث» أن هذه الاتفاقات تُشكِّل جزءاً من ترسانة الاتحاد الأوروبي، وتُعدّ أدواته الاستراتيجية في النظام التجاري الدولي، مضيفاً: «تحظى شبكة التجارة الحرة هذه بثقل كبير في مناقشاتنا مع العملاقين: الولايات المتحدة، والصين».


«طوكيو المحبطة» تبحث دعم الين من باب النفط

مخازن نفطية في مدينة إيماباري غرب اليابان (رويترز)
مخازن نفطية في مدينة إيماباري غرب اليابان (رويترز)
TT

«طوكيو المحبطة» تبحث دعم الين من باب النفط

مخازن نفطية في مدينة إيماباري غرب اليابان (رويترز)
مخازن نفطية في مدينة إيماباري غرب اليابان (رويترز)

تُفكّر اليابان في خطة مثيرة للجدل لوقف تراجع الين، وذلك عبر الدخول في أسواق عقود النفط الآجلة، وفقاً لمصادر، في ظلّ فقدان أدوات السياسة النقدية التقليدية فاعليتها في مواجهة ضغوط التضخم المُستمرة. ولا تزال تفاصيل الاقتراح شحيحة، بعد أن أفادت «رويترز» يوم الاثنين بأنه قيد المناقشة، لكن الفكرة تُؤكّد على تزايد إحباط طوكيو. يرى صانعو السياسات بشكل متزايد أن الارتفاعات المضاربية في أسعار الطاقة هي المُحرّك الرئيسي لضعف الين مقابل الدولار؛ وهي مُشكلة لم يعد التيسير النقدي والتدخل اللفظي قادرين على احتوائها. ومع ذلك، يشكك المحللون، حتى بعض المسؤولين الحكوميين، في جدوى هذه الاستراتيجية في كبح جماح ضعف الين الحالي، الذي يعزونه في الغالب إلى قوة الدولار، وليس إلى عمليات البيع على المكشوف للين لأغراض المضاربة. ويقول شوتا ريو، استراتيجي العملات الأجنبية في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية: «لا بد أن الحكومة تدرك أن هذا التأثير سيكون مؤقتاً لا محالة. ومن المرجح أن تستخدمه بشكل أساسي لكسب الوقت ريثما يتحسن الوضع في الشرق الأوسط».

تحول غير تقليدي

وأفادت مصادر في السوق لوكالة «رويترز» أن الحكومة اليابانية تدرس التدخل في سوق العقود الآجلة للنفط الخام، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حادّ نتيجة أزمة الشرق الأوسط. وبموجب هذه الخطة، ستستغل اليابان احتياطياتها من النقد الأجنبي، البالغة 1.4 تريليون دولار، وستبني مراكز بيع على المكشوف في سوق العقود الآجلة للنفط عن طريق بيع العقود الآجلة بهدف خفض الأسعار. ومن خلال كبح الطلب على الدولار لشراء النفط، تستطيع طوكيو تخفيف ضغوط البيع على الين. وقد تحركت أسواق العقود الآجلة للنفط وأسواق العملات مؤخراً بشكل متزامن، حيث دفع الصراع في الشرق الأوسط أسعار النفط إلى الارتفاع، بينما زاد الطلب على الدولار كملاذ آمن. ويسمح القانون الياباني باستخدام احتياطيات النقد الأجنبي، المحفوظة كاحتياطي، للتدخل المباشر في سوق العملات، لاتخاذ مراكز في أسواق العقود الآجلة إذا كان الهدف هو استقرار الين. وأفادت 3 مصادر حكومية مطلعة على المداولات أن الفكرة قيد الدراسة داخل الحكومة، على الرغم من عدم وجود إجماع على جدواها. وقال أحد المصادر: «أتساءل شخصياً عما إذا كان ذلك سيُحدث فرقاً يُذكر إذا قامت اليابان بذلك بمفردها»، مُشككاً في قدرة طوكيو على تحقيق نتائج ملموسة دون عمل مشترك مع دول أخرى.

خطوة غير تقليدية

وبرزت هذه الخطوة غير التقليدية في ظل مخاوف صانعي السياسات، التي تتزايد في السر، من أن التدخل التقليدي بشراء الين قد يكون غير مجدٍ في ظل الظروف الراهنة، إذ قد يُضعف أي إجراء من هذا القبيل بفعل ارتفاع الطلب على الدولار، الذي قد يتفاقم إذا ما طال أمد الصراع في الشرق الأوسط. وقد أشارت تصريحات مسؤولين حكوميين حديثة إلى هذا التحول في تكتيكات الحكومة. فبدلاً من التحذير من المضاربة في سوق الصرف الأجنبي، ألقت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، يوم الثلاثاء، باللوم على المضاربات في أسواق العقود الآجلة للنفط الخام في التأثير على سوق الصرف الأجنبي. وقالت: «إن الحكومة اليابانية عازمة على اتخاذ إجراءات شاملة في جميع الأوقات وعلى جميع الجبهات»، مشيرةً إلى إمكانية ابتكار أساليب أكثر فاعلية لدعم الين مع اقتراب العملة من مستوى 160، المهم نفسياً.

غموض في التفاصيل

ولم تتضح بعدُ المنصة الدولية التي قد تتدخل فيها اليابان، وما إذا كانت بورصة نيويورك التجارية (NYMEX)، حيث تُتداول العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط، أو بورصة إنتركونتيننتال (ICE)، حيث يُتداول خام برنت، أو بورصة دبي للعقود الآجلة، التي تُعدّ معياراً لأسعار النفط في آسيا. وكما الحال مع التدخل في سوق العملات، يمكن تنفيذ مثل هذه العملية على أي منصة، وفقاً لمصدر ثانٍ. وتأتي أي خطوة من هذا القبيل في أعقاب قرار اليابان الإفراج جزئياً عن مخزوناتها النفطية، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية وبشكل مستقل، لتخفيف اضطرابات الإمداد التي بدأت تؤثر على المستهلكين النهائيين... لكن المحللين يشككون في جدوى هذه الخطوة. وقال يوري همبر، الرئيس التنفيذي لشركة «يوري غروب» الاستشارية في طوكيو: «من المرجح أن تكون استراتيجية الحكومة تهدف إلى الحدّ من التقلبات قصيرة الأجل أكثر من أي شيء آخر. فليس من الممكن إيجاد مخرج مالي من صدمة نفطية حقيقية... وإذا أراد المسؤولون أن يكون للتدخل أثرٌ ملموس، فلا بد أن يتزامن مع تدفق كميات حقيقية من النفط، ومن الأفضل أن يكون جهداً دولياً». وقال مسؤول رفيع في البيت الأبيض في 5 مارس (آذار) إن الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لليابان في مجالات تتراوح بين الدفاع وأمن العملة والطاقة، كانت تدرس اتخاذ إجراءات محتملة تتعلق بسوق العقود الآجلة للنفط. ومع ذلك، لم يُتخذ أي قرار نهائي في ذلك الوقت. كما أن الاحتفاظ بمراكز بيع كبيرة قد يتسبب في خسائر إذا استمر السوق في الارتفاع. وقد استنزفت اليابان أكثر من 10 مليارات دولار من احتياطياتها من العملات الأجنبية. وفي كل جولة من التدخلات الأخيرة في سوق العملات خلال عام 2024، أشارت اليابان إلى أنها ستحتاج إلى إنفاق ما لا يقل عن 10 إلى 20 مليار دولار أميركي حتى تظهر آثار هذه التدخلات. وقال توني سيكامور، محلل الأسواق في شركة «آي جي» بسيدني، إن اليابان ستحتاج إلى إنفاق ما لا يقل عن 10 إلى 20 مليار دولار أميركي حتى تظهر آثارها بشكل ملحوظ. وأضاف سيكامور: «لا أعتقد أن الأمر منطقي على الإطلاق، سواء أقامت اليابان بذلك بمفردها أم بالتعاون مع دول أخرى. يكمن مفتاح كل هذا في فتح مضيق هرمز».


ألمانيا تحدّ من ارتفاع أسعار الوقود مع تصاعد الصراع الإيراني

وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)
وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)
TT

ألمانيا تحدّ من ارتفاع أسعار الوقود مع تصاعد الصراع الإيراني

وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)
وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)

أقرّ مجلس النواب الألماني، يوم الخميس، إجراءات أولية لاحتواء ارتفاع أسعار الوقود في أكبر اقتصاد أوروبي، بعد أن دفعت التطورات الأخيرة في الصراع الإيراني الأسعار إلى مستويات قياسية.

وينص التشريع على أن يُسمح لمحطات الوقود برفع الأسعار مرة واحدة يومياً في تمام الساعة 12:00 ظهراً بالتوقيت المحلي (11:00 بتوقيت غرينتش)، بينما يمكن خفضها في أي وقت. كما ينص القانون على فرض غرامات تصل إلى 100 ألف يورو (108 آلاف دولار) على المخالفين، وفق «رويترز».

ويعزز مشروع القانون أيضاً قواعد مكافحة الاحتكار، في محاولة لزيادة الشفافية في تسعير الوقود. ويجري حالياً بحث خطوات إضافية داخل الائتلاف الحاكم، الذي يضم حزب المحافظين بقيادة المستشار فريدريش ميرتس والحزب الاشتراكي الديمقراطي.

وأصبحت أسعار الوقود التي تتجاوز 2 يورو للتر الواحد أكثر شيوعاً في ألمانيا منذ أواخر فبراير (شباط)، عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وردود إيران الانتقامية على دول الخليج. ويتوقع الاقتصاديون الآن أن يقترب معدل التضخم في ألمانيا هذا العام من 3 في المائة، بدلاً من 2 في المائة المتوقعة سابقاً.

وكان مجلس الوزراء الألماني قد أقرّ الحزمة التشريعية في منتصف مارس (آذار)، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ بحلول أوائل أبريل (نيسان) بعد مصادقة البرلمان، مع مراجعة هذه الإجراءات بعد عام.

الحرب تُضعف ثقة المستهلك الألماني

في سياق متصل، أظهر استطلاع رأي نُشر يوم الخميس تراجع ثقة المستهلك الألماني مع بداية شهر أبريل، نتيجة الحرب المستمرة في الشرق الأوسط، مما يزيد الضغوط على الاقتصاد الألماني، الأكبر في أوروبا.

وتراجع المؤشر الاستشرافي، الذي أصدرته مؤسسة «جي إف كيه» بالتعاون مع معهد «نورمبرغ لقرارات السوق»، بمقدار 3.2 نقطة ليصل إلى - 28. ولم يشهد الاستطلاع تغيّراً ملحوظاً في القدرة الشرائية الحالية للألمان أو في ميلهم للادخار، إلا أن توقعاتهم لمستقبل دخلهم انخفضت بمقدار 12.6 نقطة مع تصاعد التشاؤم.

وقال رولف بوركل، رئيس قسم مناخ المستهلك في معهد «نورمبرغ لقرارات السوق»: «تشير قراءة الاستطلاع الدوري، الذي شمل نحو 2000 شخص، إلى تدهور ملحوظ في ثقة المستهلك». وأضاف: «يتوقع المستهلكون ارتفاع التضخم مجدداً، وتأخر الانتعاش الاقتصادي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة».

وتزامن هذا الانخفاض في ثقة المستهلك مع انخفاض معنويات الشركات والمستثمرين في استطلاعات الرأي الدورية التي صدرت هذا الأسبوع. فقد ارتفعت أسعار النفط والغاز الطبيعي بشكل كبير منذ نهاية الشهر الماضي، بعد بدء الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، ما أدخل الشرق الأوسط في دوامة من الاضطرابات.

ورغم تصريح البنك المركزي الأوروبي بأن التضخم من غير المرجح أن يصل إلى مستويات ما بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، أكد بوركل أن الأعمال العدائية لا تزال تؤثر سلباً على المستهلكين. وقال: «أظهرت دراسة حديثة للمعهد أن 60 في المائة من الألمان يتوقعون استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز والبنزين على المدى الطويل، وهذا يضعف ثقتهم».

ويشهد الاقتصاد الألماني ركوداً نسبياً منذ عام 2022، متأثراً بضعف الطلب العالمي وازدياد المنافسة الصينية في القطاعات التصديرية الرئيسية مثل السيارات والكيماويات. وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن إنعاش الاقتصاد يمثل إحدى أولوياته القصوى، لكن الاقتصاديين يحذرون من أن الحرب الإيرانية قد تعرقل الانتعاش الاقتصادي مرة أخرى.