من «كوفيد» إلى أوكرانيا: كيف أثّرت الأزمات على مالية فرنسا؟

تصويت حاسم الاثنين على خطة بايرو لخفض الديون

يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)
يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)
TT

من «كوفيد» إلى أوكرانيا: كيف أثّرت الأزمات على مالية فرنسا؟

يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)
يرتفع عَلم فرنسا فوق مبنى الجمعية الوطنية بباريس استعداداً لجلسة التصويت على الثقة (رويترز)

يواجه رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو تصويتاً على الثقة بحكومته، يوم الاثنين، والذي يُتوقع أن يخسره، مما سيؤدي إلى تفاقم الأزمة السياسية في ثاني أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو.

لقد أصبح المشهد السياسي في فرنسا أكثر تعقيداً منذ أن خاض الرئيس إيمانويل ماكرون رهانه السياسي باستدعاء انتخابات نيابية مبكرة في عام 2024، ما أسفر عن برلمان منقسم بشدة. وانخفض عدد أعضاء تحالفه الحاكم، الذي فقَدَ أغلبية مقاعده منذ إعادة انتخاب ماكرون في عام 2022، بينما برز حزب «الرابطة الوطنية» اليميني المتطرف بصفته أكبر حزب في البرلمان. وضعف نفوذ ماكرون في البرلمان مع تضخم الدين العام الفرنسي، جزئياً بسبب سياساته الإنفاقية خلال أزمتيْ «كوفيد-19» وارتفاع تكاليف المعيشة.

كما يواجه الاقتصاد الفرنسي ضغوطاً كبيرة لإصلاح أوضاعه المالية، إذ ارتفع الدين العام إلى 113.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وكان عجز الموازنة، العام الماضي، ضِعف الحد المسموح به من الاتحاد الأوروبي (3 في المائة).

وعَدَّ أن هناك حاجة لاتخاذ قرارات صعبة، فسعى بايرو، السياسي المخضرم من «اليمين الوسط» ورئيس الوزراء الرابع لماكرون منذ إعادة انتخابه، إلى إقرار موازنة عام 2026 تتطلب توفير 44 مليار يورو (51.51 مليار دولار)، من خلال إجراءات تقشفية تشمل تجميد المعاشات التقاعدية، وخفض الإنفاق على الرعاية الصحية، وإلغاء يوميْ عطلة رسميين.

فرنسوا بايرو يلتقط صورة له في حديقة قصر ماتينيون المقر الرسمي لرئيس الوزراء الفرنسي (أ.ف.ب)

أثار هذا ردود فعل غاضبة من المعارضة. وبملاحظة صعوبة إقرار الموازنة، دعا بايرو إلى تصويت ثقة في مجلس النواب بشأن استراتيجيته المالية، في خطوةٍ عَدّتها المعارضة بمثابة «انتحار سياسي». وأكدت أحزاب المعارضة أنها ستصوّت ضد بايرو، ولديها عدد كافٍ من النواب لإسقاطه.

ويحتاج بايرو إلى دعم برلماني لفرض إجراءات تقشف مِن شأنها خفض الدين العام لفرنسا، لكن أحزاب المعارضة الرئيسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أعلنت رفضها خطة رئيس الوزراء.

ماكرون والدين العام

كثيراً ما تتهم أحزاب المعارضة ماكرون بزيادة الدين العام بأكثر من تريليون يورو، منذ وصوله إلى السلطة في ربيع 2017، وغالباً ما يُعزى هذا الارتفاع إلى «تخفيضاته الضريبية» لصالح الأثرياء. لكنْ هل هذا الرقم دقيق؟

عندما تولّى ماكرون منصبه في يونيو (حزيران) 2017، كان الدين العام يبلغ 2.281 تريليون يورو. وبحلول مارس (آذار) 2025، وصل إلى 3.345 تريليون يورو. هذه الزيادة البالغة 1.064 تريليون يورو تتوافق مع الرقم الذي كثيراً ما يجري تداوله، وفق صحيفة «لوموند» الفرنسية.

لكن الخبراء الاقتصاديين يَعدّون مقارنة الأرقام المطلقة ليست الطريقة الأكثر دقة لقياس الوضع المالي للبلاد. ففي الفترة نفسها، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي، الذي يمثل ثروة البلاد، بنسبة 30 في المائة. وكما يوضح الخبير الاقتصادي كزافييه راغو، رئيس المرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية: «البلد الذي يمتلك ناتجاً محلياً إجمالياً أعلى يمكنه تحمُّل ديون أكبر؛ لأنه كلما زادت الثروة، زادت إمكانيات فرض الضرائب لسداد الدين».

لذلك يفضّل الخبراء استخدام نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. في عام 2017، كانت نسبة الدين تمثل 101 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصلت، اليوم، إلى 113.9 في المائة. وهذا يعني أن الدين زاد بمقدار 13 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. إذا كان الدين قد استقر عند مستوى 2017، لكان، اليوم، أقل بنحو 400 مليار يورو. هذا الرقم الأخير هو ما يمنح إحساساً أدق بحجم الدين الإضافي الذي تراكم في عهد ماكرون.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء فرنسوا بايرو في حفل وداع لتييري بوركارد رئيس الأركان السابق للقوات المسلحة (رويترز)

العجوزات: هل كانت حتمية أم اختيارية؟

يعود نمو الدين، على مدى السنوات الثماني الماضية، إلى العجز المستمر في الموازنة، حيث تجاوزت النفقات الإيرادات بشكل سنوي. هناك سببان رئيسيان يفسران «عجوزات ماكرون»: الأزمات الاقتصادية وتخفيضات الضرائب.

 

1- نفقات الأزمات:

  • جزء كبير من زيادة الدين يرجع إلى النفقات الاستثنائية التي أنفقتها حكومات ماكرون لمواجهة أزمتين رئيسيتين:
  • جائحة «كوفيد-19» (2020-2021): شملت نفقات الرعاية الصحية، واستراتيجية «مهما كلّف الأمر» لإبقاء الشركات على قيد الحياة، بالإضافة إلى خطة التحفيز الاقتصادي.
  • أزمة الطاقة في 2022: تسببت فيها الحرب بأوكرانيا والتضخم، وشملت سياسات احتواء تكاليف الطاقة المتصاعدة.

وفقاً لدراسة رئيسية للمرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية، نُشرت في ربيع 2024، فإن هذه النفقات المرتبطة بالأزمات وحدها مسؤولة عن ما بين نصف وثلاثة أرباع الزيادة في الدين بين عاميْ 2017 و2023. وعلى الرغم من أن هذه النفقات تبدو حتمية، لكن هناك خيارات سياسية كانت متاحة، على سبيل المثال «كان تعامل فرنسا مع أزمة الطاقة أكثر تكلفة من ألمانيا». وهذا يعني أن ماكرون لا يمكن إعفاؤه تماماً من مسؤولية هذه الزيادة في الدين، حتى لو كان من المرجَّح أن قادة آخرين كانوا سيتخذون خيارات مماثلة، وفق الصحيفة الفرنسية.

 

2- تخفيضات الضرائب:

الجزء المتبقي من زيادة الدين، منذ عام 2017؛ أي ما بين الربع والنصف، يمكن إرجاعه إلى خيارات سياسية «تقديرية» أكثر. وفقاً لحسابات المرصد الفرنسي، فإن التخفيضات الضريبية التي نُفّذت في عهد ماكرون تمثل «ربع إلى نصف» الزيادة في الدين.

من ناحية، لم ترفع حكومات ماكرون الإنفاق العام بشكل هيكلي، والذي ظل مستقراً إلى حد كبير (باستثناء فترات الأزمات). ومن ناحية أخرى، انخفضت إيرادات الدولة من الضرائب بشكل كبير: حيث أصبحت تمثل، الآن، 2.2 نقطة مئوية أقل من الناتج المحلي الإجمالي مما كانت عليه في عام 2017؛ أي ما يعادل 65 مليار يورو أقل كل عام.

إذن، هل كانت سياسات ماكرون السبب الرئيسي في زيادة الدين؟ الإجابة ليست بالبساطة التي تطرحها المعارضة، فالواقع أكثر تعقيداً ويشمل مزيجاً من الأزمات العالمية والخيارات السياسية المحلية، وفق «لوموند».


مقالات ذات صلة

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أعضاء البرلمان يرفعون أيديهم خلال جلسة مناقشة مشروع قانون الموازنة لعام 2026 في الجمعية الوطنية (أ.ف.ب)

المشرّعون الفرنسيون يرفضون الجزء المتعلق بالإيرادات من مشروع الموازنة

رفض مجلس النواب الفرنسي، يوم السبت، أجزاءً من مشروع قانون موازنة 2026، تاركاً الباب مفتوحاً أمام إمكانية توصل البرلمان لاتفاق.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ليكورنو يتفاعل خلال المناقشة قبل التصويت على اقتراحين لسحب الثقة من الحكومة (رويترز)

«ستاندرد آند بورز» تفاجئ فرنسا بخفض تصنيفها بسبب «الاضطراب السياسي»

خفّضت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني للديون السيادية الفرنسية، محذرة من حالة الاضطراب السياسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو يلقي خطاباً خلال مناقشة قبل التصويت على اقتراحين لسحب الثقة من الحكومة الفرنسية خلال جلسة عامة في الجمعية الوطنية في باريس 16 أكتوبر 2025 (رويترز)

رئيس الحكومة الفرنسية ينجو من تصويتين لحجب الثقة

نجا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو من تصويتين لحجب الثقة في البرلمان، اليوم (الخميس)، بعدما تلقى دعما حاسما من الحزب الاشتراكي بعد تقديمه تنازلات.

«الشرق الأوسط» (باريس)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.