الانتعاش القوي للسندات السيادية يُعيد لبنان إلى «شاشات» الاستثمارات الدولية

احتياطات الذهب والعملات لدى البنك المركزي قفزت إلى 45 مليار دولار

صورة عامة من وسط مدينة بيروت (رويترز)
صورة عامة من وسط مدينة بيروت (رويترز)
TT

الانتعاش القوي للسندات السيادية يُعيد لبنان إلى «شاشات» الاستثمارات الدولية

صورة عامة من وسط مدينة بيروت (رويترز)
صورة عامة من وسط مدينة بيروت (رويترز)

يشهد لبنان مؤشرات مالية محدثة وغير عادية وذات قابلية لزخم متواصل، تشمل خصوصاً قيمة احتياطات البنك المركزي من الذهب، وتسجيل انتعاش استثنائي في أسعار السندات الحكومية (اليوروبوندز)، ما يكفل فتح كوة كبيرة لعودة القطاع المالي إلى الأسواق الدولية، تزامناً مع الدعم الخارجي الواسع لإنضاج حلول سياسية تفضي إلى حل معضلة «حصرية السلاح».

ودفعت المحفزات السوقية الخارجية وحدها بتقديرات مخزون الذهب لتحطيم أرقام قياسية متتالية، وبأرقام إجمالية تعدَّت 33 مليار دولار، مقابل 24.1 مليار دولار مطلع العام الحالي، أي بربحية دفترية تُناهز 9 مليارات دولار، حسب أحدث الأسعار الرائجة للمعدن الثمين. علماً بأن احتياطات الذهب متنوعة الماهية والأشكال والأوزان توازي في المجمل نحو 9.22 مليون أونصة، يتم تخزين ثلثيها في طوابق أسفل مبنى البنك المركزي، بشكل محصّن، ويلتزم بأقصى آليات الحماية والسلامة، والثلث الباقي مودع في قلعة محمية وحصينة للغاية في أميركا.

وبذلك، تدل العملية الحسابية على ارتفاع مثير في القيمة الإجمالية للاحتياطات لدى البنك المركزي، لتصل إلى نحو 45 مليار دولار، بالنظر إلى الزيادات المتتالية التي أعادت مستوى احتياطات العملات السائلة لديه إلى نحو 11.7 مليار دولار، بعد موجات انحدار كارثية جرّاء أزمة النقد وسوء المعالجات أوصلتها إلى نحو 8.7 مليار دولار، مع انتهاء ولاية الحاكم السابق رياض سلامة بنهاية شهر يوليو (تموز) من عام 2023.

الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة وسط سبائك الذهب المحفوظة في خزائن المصرف في صورة من نوفمبر 2022 (رويترز)

أما الإقبال الاستثماري، ومعه الخارجي أيضاً، على طلب السندات السيادية في غالبيته، فيعكس تحولاً نوعياً في تقييم الأوراق المالية اللبنانية، مدعوماً بتوصيات صادرة عن بنوك عالمية تتوقع تسجيل أسعار أعلى، وبمبادرة وزارة المال إلى فتح باب التفاوض مع الدائنين منتصف العام المقبل. إذ تعدّت متوسطات أسعار السندات السيادية مستوى 22 في المائة من قيمتها الاسمية بنهاية الأسبوع الحالي، بعدما انحدرت إلى أدنى مستوياتها، البالغ 6 في المائة فقط، بُعيد اندلاع المواجهات العسكرية، قبل نحو السنة، على الحدود الجنوبية.

وفي تحليل خاص لمسؤول مالي كبير، تواصلت معه «الشرق الأوسط»، فإن لبنان يتقدم صوب فرصة «ثمينة» للغاية لإطلاق مرحلة الخروج من أزماته المستعصية في غضون أشهر قليلة، وينبغي مقاربتها بمنهجية حكيمة تطمئن الداخل والخارج، وتعزيزها بمبادرات تُجيد الاستثمار في المستجدات الإيجابية، عبر الانخراط الفعلي في عملية الإصلاحات المُلحة في الإدارة العامة، وإعادة هيكلة المالية العامة والدين العام، وتسريع إعداد وتشريع قانون استعادة التوازن المالي (الفجوة)، بما يُحدّد نهائياً مصير الودائع العالقة في الجهاز المصرفي، ويُمهّد لعقد اتفاق تمويلي «مجدّد» مع صندوق النقد الدولي.

رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إرنستو راميريز ريغو خلال لقائه مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في مارس الماضي (الرئاسة اللبنانية)

أفضل المناخات

ومن شأن التلازم بين هذه المؤشرات المحققة والواعدة بالمزيد والتقدم الذي التزمته الحكومة على المسار السياسي، تشكيل أفضل المناخات، حسب المسؤول المالي، لتدفق الدعم المالي من الدول المانحة والمؤسسات المالية الإقليمية والدولية، والمؤثرة حكماً بتسهيل طريق العودة إلى الأسواق المالية الدولية، بعد افتراق غير مدروس يُشرف على ختام عامه السادس، بفعل انفجار الأزمة النقدية والمصرفية والقرار الحكومي في ربيع عام 2020 بتعليق دفع كامل مستحقات السندات الدولية من أصول وفوائد.

ووفق رصد «الشرق الأوسط»، فإن الطلب الخارجي على السندات اللبنانية، رغم تعليق الحكومة دفع المستحقات، يُسجل اندفاعات سوقية حقيقية وليست مضاربات مؤقتة، بتحفيز من تقييمات صادرة عن بنوك استثمارية عالمية، تنصح ضمناً بالشراء، مع توقّع مبادرة وزارة المال لفتح باب التفاوض في العام المقبل، بشأن مقترحات السداد وآلياتها. وتُشير المعطيات إلى أن عملية إعادة هيكلة هذه الشريحة من الديون العامة ستفضي إلى شطب نحو 65 في المائة من قيمتها الاسمية، أي بنسبة استرداد تبلغ 35 في المائة، وربما ترتقي إلى نسبة 40 في المائة، حسب سيناريو أكثر تفاؤلاً بتقدم الإصلاحات.

مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)

وقد تلقفت سوق سندات «اليوروبوندز» اللبنانية، حسب التحليل الأسبوعي الصادر عن بنك «عوده»، دفعاً إيجابياً إثر إصدار المصرف الاستثماري العالمي «جيه بي مورغان» تقريراً محدثاً رأى فيه أنّ التقييم الحالي للسندات يجعلها جاذبة للتداول خلال الفصل الرابع من العام الحالي، متوقعاً ارتفاع أسعارها إلى حدود 23 أو 24 سنتاً لكل دولار اسمي، مع نهاية السنة.

وبالمثل، توقّع المصرف الاستثماري العالمي «مورغان ستانلي» في أحدث تقرير له، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة من استخلاصاته، أن تُطلق الحكومة اللبنانية محادثات إعادة هيكلة سندات «اليوروبوندز» منتصف العام المقبل، وأن ترتفع الأسعار إلى مستويات بين 30 و35 سنتاً للدولار الواحد في نهاية العام المقبل.

وتبلغ القيمة الاسمية للسندات السيادية نحو 31.7 مليار دولار، يُضاف إليها أكثر من 13 مليار دولار فوائد تراكمية بعد تعليق دفع الأصول والعوائد في ربيع عام 2020. وتمتلك صناديق ومؤسسات استثمارية دولية حصة كبيرة من هذه السندات، تتقدمها شركات «بلاك روك»، و«آليانز»، إلى جانب محفظتي البنك المركزي والمصارف المحلية، والعديد من الأفراد والمستثمرين، اللبنانيين والأجانب.

ورغم تنويه بنك «مورغان ستانلي» (لندن)، بأن تقريره ليس «بحثياً»، فقد أكَّد أن استخلاصه جاء عقب زيارة قريبة لمسؤولين فيه إلى بيروت، والاجتماع مع مجموعة واسعة من أصحاب المصارف والجهات المعنية بالسياسة، بمن في ذلك مسؤولون من وزارتي المال والاقتصاد، والبنك المركزي، وممثلو صندوق النقد الدولي.

اجتماع بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في قصر بعبدا (د.ب.أ)

تقدم في الإصلاحات

ولاحظ في السياق، أنه منذ تشكيل الحكومة الجديدة في فبراير (شباط) من العام الحالي، حصل تقدم كبير في الإصلاحات، لا سيما في القطاع النقدي، مع استقرار سعر الصرف. كما أظهرت الجهات المعنية بالسياسة إرادة سياسية قوية لتنفيذ الإصلاحات. مع التنويه بأن الفريق المُكلف بالإصلاحات من تكنوقراط وإصلاحيين يحوزون خلفية مالية دولية، ما يدل على الاستعداد للتعامل بجدية مع التحديات التي تواجه البلاد.

ومن المتوقع، حسب التقرير، أن تلعب الانتخابات النيابية المقبلة دوراً حاسماً في تحديد الديناميات البرلمانية المقبلة، مع وجود علامات مبكرة تُشير إلى أن المعسكر الموالي للإصلاحات قد يحصل على أغلبية. ورغم أن هذا الاحتمال لا يزال بعيداً، فإنه قد يحل مأزق «حزب الله». ويستمر الالتزام الحكومي بالخطة المحددة لنهاية العام، كما أن المقاومة المستمرة من بعض الأطراف تجعل لبنان أكثر عرضة لعدم قدرته على تسوية ديونه السيادية.

ويسعى صندوق النقد الدولي، وفق الخلاصة عينها، إلى الحصول على بيانات لبنان المتعلقة بالقدرة على سداد الديون، ضمن هدف وضع خطة عمل مفصلة، مع مراعاة البيانات المتاحة. ولن يكون أي برنامج للصندوق ممكناً إلا بعد تقديم لبنان البيانات اللازمة عن خطة إعادة الهيكلة الخاصة بالدين السيادي.

وحتى الآن، لم تنشر الحكومة بعد الخطة التفصيلية لإعادة هيكلة الديون أو التقديرات المتعلقة بها، إلا أننا نفترض، حسب استنتاج التقرير، أن الخطوات الأساسية لإعادة الهيكلة قد يتم تسريعها، ما يُقلّل من تبعات التأخيرات في برنامج صندوق النقد، والمفاوضات، والتزامات الأمن.


مقالات ذات صلة

بيسنت: عمليات إعادة شراء السندات قد تتجاوز 4 مليارات دولار

الاقتصاد وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت يتحدث للصحافيين خارج البيت الأبيض 30 يوليو 2026 (أ.ب)

بيسنت: عمليات إعادة شراء السندات قد تتجاوز 4 مليارات دولار

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الخميس، إن عمليات إعادة شراء الدَّين الحكومي الأميركي طويلة الأجل قد تتجاوز 4 مليارات دولار للعملية الواحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

عوائد السندات الأميركية تستأنف الصعود رغم دعم الخزانة للسيولة

استأنفت عوائد سندات الخزانة الأميركية صعودها الخميس، متخلية عن جزء كبير من تراجعات الجلسة السابقة، رغم إعلان وزارة الخزانة عن إجراءات لدعم السيولة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس (أ.ف.ب)

خاص دَين أميركي عند 40 تريليون دولار... ارتفاع العوائد يفتح فرصاً جديدة للخليج

تفتح عوائد السندات المرتفعة فرصاً جديدة أمام الصناديق السيادية الخليجية لإعادة توزيع استثماراتها وتحقيق عوائد أعلى على الأموال الجديدة.

عبير حمدي (الرياض)
تقرير إخباري 40 تريليون دولار... الدين الأميركي يدخل منطقة الخطر p-circle 03:58

تقرير إخباري 40 تريليون دولار... الدين الأميركي يدخل منطقة الخطر

لم يعد تجاوزُ الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار مجردَ رقم قياسي جديد في دفاتر «الخزانة»، بل بات علامة على تحول أعمق في علاقة الولايات المتحدة بالاقتراض...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)

بيسنت يعزّز دوره بوصفه «متداول السندات الأول» لأميركا

أبدى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت استعداداً متزايداً للتدخل في أسواق السندات، في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية ارتفاعاً غير مريح في تكاليف الاقتراض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسهم الصين تترقب التحفيز... واليوان قرب قمة 3.5 سنة

شاشة تعرض حركة الأسواق المالية على جسر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسواق المالية على جسر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

أسهم الصين تترقب التحفيز... واليوان قرب قمة 3.5 سنة

شاشة تعرض حركة الأسواق المالية على جسر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسواق المالية على جسر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

أنهت الأسهم الصينية تعاملات الجمعة بأداء متباين، إذ استقرَّ مؤشر شنغهاي تقريباً، بينما حقَّقت الأسهم القيادية مكاسب محدودة، في وقت ارتفعت فيه سوق هونغ كونغ بدعم من آمال اتخاذ بكين إجراءات مالية إضافية لدعم ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وفي سوق العملات، واصل اليوان إظهار قوة لافتة قرب أعلى مستوياته في 3 أعوام ونصف العام، مستفيداً من ضعف الدولار، لكن البنك المركزي الصيني يواصل إرسال إشارات بأنَّه يفضِّل ارتفاعاً تدريجياً للعملة بدلاً من صعود سريع أحادي الاتجاه.

وأغلق مؤشر شنغهاي المركب مستقراً عند 3905.20 نقطة، بينما ارتفع مؤشر CSI300 للأسهم القيادية 0.6 في المائة. وعلى مدار الأسبوع، خسر شنغهاي 0.6 في المائة، بينما تراجع CSI300 بنسبة 1 في المائة.

وكان من أبرز مؤشرات الحذر انخفاض قيمة تداولات الأسهم الصينية من الفئة «أ» إلى 1.88 تريليون يوان، أي نحو 279.75 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ 7 أبريل (نيسان).

وفي المقابل، ارتفع مؤشر «تشاينكست» للشركات الناشئة 1.4 في المائة، بينما أغلق مؤشر «ستار 50» الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا دون تغير يذكر.

وتشير هذه التَّحرُّكات إلى أنَّ المستثمرين لا يزالون مترددين في بناء مراكز كبيرة في الأسهم الصينية، رغم الحديث الرسمي المتزايد عن إمكانية تقديم دعم اقتصادي إضافي.

وقال نائب وزير المالية الصيني، لياو مين، إن الصين ستطبق إجراءات إضافية للسياسة المالية وفقاً لتطور الأوضاع الاقتصادية، في إشارة أعادت ملف التحفيز إلى صدارة اهتمامات الأسواق. لكن رد فعل الأسهم ظلَّ محدوداً، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين توقعات المستثمرين بشأن التحفيز وبين ما يرونه ضرورياً لإحداث تحول ملموس في الاقتصاد.

وقال وي خون تشونغ، استراتيجي الاقتصاد الكلي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «بي إن واي»، إن الاقتصاد الصيني لا يزال يواجه صعوبةً في اكتساب الزخم، مشيراً إلى أنَّ الأداء الضعيف للأسهم رغم تصريحات وزارة المالية يعني أنَّ توقعات الدعم الحكومي مرتفعة بالفعل.

وبالنسبة إلى المستثمرين، لم يعد الإعلان عن إمكانية تقديم مزيد من الدعم كافياً في حدِّ ذاته. فالسوق تبحث عن أدلة على أنَّ الإجراءات المالية ستنتقل فعلياً إلى الاستهلاك والاستثمار والائتمان، وتؤدي إلى تعافي الطلب المحلي.

وتزداد أهمية هذه المسألة بعد سلسلة من بيانات يوليو (تموز) التي أظهرت ضعفاً في الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة والإقراض، ما عزَّز المخاوف من أنَّ التعافي لا يزال يفتقر إلى محرِّك داخلي قوي.

وتبدو السياسة المالية مرشحة لتحمل جزء أكبر من مسؤولية دعم النشاط الاقتصادي، خصوصاً في ظلِّ حرص السلطات النقدية على الموازنة بين دعم النمو والحفاظ على استقرار العملة وهوامش ربح البنوك.

وفي هونغ كونغ، كانت الصورة أكثر إيجابية، إذ ارتفع مؤشر هانغ سينغ 1.2 في المائة، كما صعدت أسهم التكنولوجيا 1.4 في المائة.

واستفادت أسهم المعادن غير الحديدية في الصين من ارتفاع الذهب، ليصعد مؤشر فرعي للقطاع 2.7 في المائة. وجاء ارتفاع المعدن النفيس مدعوماً بضعف الدولار والاضطرابات في أسواق السندات الأميركية بعد تدخل وزارة الخزانة الأميركية عبر زيادة عمليات إعادة شراء السندات.

اليوان يواصل الصعود

وفي سوق العملات، تداول اليوان بالقرب من أقوى مستوياته منذ فبراير (شباط) 2023، وبلغ في السوق المحلية نحو 6.7221 يوان للدولار، مرتفعاً 0.06 في المائة. وكان قد سجَّل في الجلسة السابقة 6.7203 يوان للدولار، وهو أعلى مستوى في 3 أعوام ونصف العام.

وإذا حافظ اليوان على مكاسبه، فإنَّه يتَّجه إلى تسجيل الأسبوع الثامن على التوالي من الارتفاع أمام الدولار، بمكاسب أسبوعية تقارب 0.3 في المائة. كما أصبح مرتفعاً بنحو 4 في المائة منذ بداية العام.

لكن «بنك الشعب الصيني» لا يبدو راغباً في السماح للعملة بالارتفاع بسرعة كبيرة. فقد حدَّد السعر المرجعي اليومي عند 6.7817 يوان للدولار، وهو أضعف بمقدار 555 نقطة من تقديرات «رويترز» البالغة 6.7262.

ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، دأب البنك المركزي على تحديد أسعار مرجعية أضعف من توقعات السوق، وهي سياسة يفسِّرها المتعاملون بوصفها محاولةً للحدِّ من قوة اليوان المفرطة والحفاظ على استقرار سوق الصرف.

وقال كريستوفر وونغ، استراتيجي العملات في «أو سي بي سي بنك»، إنَّ هذا النهج يتَّسق مع تفضيل السلطات ارتفاعاً تدريجياً بدلاً من حركة صعود أحادية الاتجاه. ويرى أنَّ ضعف الدولار وتحويل المصدرين إيراداتهم إلى اليوان سيظلان عاملين داعمين للعملة، لكن السياسة الرسمية ستحدُّ على الأرجح من أي ارتفاع سريع. وهنا تظهر معادلة حساسة أمام بكين، فاليوان الأقوى يمكن أن يدعم الثقة في الأصول الصينية ويخفض تكلفة الواردات، لكنه قد يقلص في الوقت نفسه القدرة التنافسية للمصدرين في مرحلة يعتمد فيها الاقتصاد بدرجة كبيرة على الطلب الخارجي لتعويض ضعف الاستهلاك المحلي.

ويتجه اهتمام المستثمرين الآن إلى الولايات المتحدة، خصوصاً خطاب رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش خلال ندوة «جاكسون هول»، الأسبوع المقبل. وأي إشارات جديدة بشأن التضخم ومسار أسعار الفائدة الأميركية يمكن أن تؤثر مباشرة في الدولار والعوائد الأميركية، وبالتالي في اتجاه اليوان وتدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الصينية.

وبذلك تدخل الأسواق الصينية المرحلة المقبلة بين قوتين متعاكستين: توقعات بمزيد من التحفيز المالي تدعم الأسهم، وضعف مستمر في الطلب المحلي يمنع المستثمرين من الاندفاع نحو المخاطرة.

أما اليوان، فقد تحوَّل إلى إحدى أبرز نقاط القوة في المشهد المالي الصيني، لكن بكين تبدو مصممةً على أن يبقى صعوده محسوباً، بما يحافظ على التوازن بين استقرار العملة ودعم الصادرات والنمو.


اقتصاد اليورو يتسارع رغم ضغوط الطاقة

الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)
الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)
TT

اقتصاد اليورو يتسارع رغم ضغوط الطاقة

الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)
الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)

سجل النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو خلال أغسطس (آب) أقوى وتيرة نمو منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، مدفوعاً بتحسُّن واضح في الطلبات الجديدة وانتعاش قطاع التصنيع وعودة نمو الصادرات للمرة الأولى منذ أكثر من أربع سنوات. وتقدم البيانات دليلاً جديداً على قدرة اقتصاد المنطقة على الصمود أمام اضطرابات الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تعزز احتمالات استمرار البنك المركزي الأوروبي في تشديد السياسة النقدية.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» المركب لمديري المشتريات في منطقة اليورو إلى 52.1 نقطة في أغسطس، مقابل 52 نقطة في يوليو (تموز)، متجاوزاً توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 51.7 نقطة. وتشير أي قراءة أعلى من 50 نقطة إلى نمو النشاط. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بعدما نما اقتصاد منطقة اليورو 0.4 في المائة في الربع الثاني، إذ تشير إلى استمرار الزخم خلال الربع الثالث رغم الحرب في الشرق الأوسط والاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد ودفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع. وكان التحول الأبرز في قطاع التصنيع، فقد قفز مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 52.8 نقطة من 51.9 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى في أكثر من أربع سنوات، ومتجاوزاً توقعات السوق البالغة 51.8 نقطة.

كما نما الإنتاج الصناعي بأسرع وتيرة في 54 شهراً. وقال كريس ويليامسون، كبير اقتصاديي الأعمال لدى «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن التصنيع أصبح مجدداً «النجم الأفضل أداء»، بينما لعب قطاع الخدمات دوراً داعماً بعد الضعف الذي شهده خلال الربع الثاني. ولا يعكس انتعاش المصانع عاملاً واحداً فقط، فقد دفعت اضطرابات سلاسل التوريد المرتبطة بالشرق الأوسط الشركات إلى بناء مخزونات احترازية؛ ما عزز الإنتاج والطلبات.

وفي الوقت نفسه، ظهرت مؤشرات على زيادة الطلب على المنتجات التكنولوجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمعدات المستفيدة من ارتفاع الإنفاق الدفاعي، وهو اتجاه يقدم دعماً ملحوظاً للصناعة الألمانية.

والأكثر أهمية أن الطلب الأساسي نفسه أظهر تحسناً؛ فقد ارتفعت الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة في 40 شهراً، فيما نمت طلبات التصدير، التي تشمل التجارة بين دول منطقة اليورو، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022. وتشكل عودة الصادرات للنمو إشارة مهمة لاقتصاد أوروبي عانى طويلاً من ضعف التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة وفقدان بعض قدرته التنافسية الصناعية.

أما قطاع الخدمات، فحافظ على زخمه بعد انتعاش يوليو، إذ استقر مؤشره عند 51.7 نقطة، مخالفاً توقعات كانت تشير إلى تباطؤ النشاط.

• تحسن سوق العمل

كما انتقل التحسن إلى سوق العمل، فقد زاد التوظيف الإجمالي للمرة الأولى هذا العام، واستأنفت شركات التصنيع التوظيف بعد أكثر من ثلاث سنوات من تقليص العمالة، بينما سجل قطاع الخدمات أسرع نمو للوظائف في ثمانية أشهر.

هذه المؤشرات الإيجابية تحمل، مع ذلك، جانباً أكثر تعقيداً بالنسبة إلى السياسة النقدية. فالاقتصاد الأقوى يقلل الحاجة إلى دعم نقدي، فيما يظل التضخم عند مستويات مرتفعة تاريخياً رغم ظهور إشارات على انحسار ضغوط الأسعار. وأظهر المسح تباطؤ نمو تكاليف المدخلات إلى أدنى مستوى في ستة أشهر، بينما تراجع تضخم أسعار البيع إلى أدنى مستوى في خمسة أشهر. لكن قوة النمو وعودة الشركات إلى التوظيف قد تمنح البنك المركزي الأوروبي مساحة للاستمرار في تشديد السياسة.

وترى الأسواق بالفعل احتمالاً يتجاوز 90 في المائة لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، كما تسعر رفعاً واحداً على الأقل قبل نهاية العام. وكان استطلاع سابق لـ«رويترز» قد أظهر توقعات بأن ينفذ البنك المركزي الأوروبي ثاني زيادة للفائدة هذا العام خلال الشهر المقبل. وانعكست هذه المعادلة على سوق السندات؛ فقد انخفض عائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات بشكل طفيف إلى 3.2445 في المائة يوم الجمعة، بعدما سجل في وقت سابق من الأسبوع أعلى مستوى في 15 عاماً.

ومع ذلك، يتجه العائد للارتفاع بنحو 5 نقاط أساس خلال الأسبوع، مسجلاً ثاني زيادة أسبوعية متتالية. وبلغ عائد السندات الألمانية لأجل 30 عاماً نحو 3.7572 في المائة، بينما تراجع عائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، إلى 2.8233 في المائة.

وتبقى منطقة اليورو معرضة أيضاً لموجة ارتفاع العوائد العالمية، وإن كانت المخاوف المالية أقل حدة من الولايات المتحدة؛ فقد عادت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى الارتفاع سريعاً بعد أن وفر تدخل وزارة الخزانة دعماً قصير الأجل فقط للأسواق؛ ما أعاد المخاوف المتعلقة بالدين والتضخم إلى الواجهة.

• مخاطر إضافية

ويشكل النفط خطراً إضافياً على السيناريو الأوروبي؛ فقد دفعت حالة الجمود بين الولايات المتحدة وإيران أسعار الخام إلى الارتفاع مجدداً، وتداول خام برنت قرب 93.32 دولار للبر، متجهاً إلى ثاني مكسب أسبوعي متتالٍ. وقد يؤدي استمرار النفط عند مستويات مرتفعة إلى إعادة تغذية التضخم الأوروبي من بوابة الطاقة والنقل والإنتاج، وهو ما قد يعقد مهمة البنك المركزي الأوروبي أكثر.

وتبدو منطقة اليورو لذلك أمام مفارقة اقتصادية لافتة؛ فقوة المصانع وتحسن الطلب والصادرات يمنحان الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات، لكن هذه المرونة نفسها، بالتزامن مع ارتفاع النفط، قد تدفع أسعار الفائدة إلى البقاء مرتفعة لفترة أطول. ورغم الأرقام الإيجابية، تراجعت ثقة الشركات بشأن الاثني عشر شهراً المقبلة، وظلَّت دون متوسطها التاريخي. ولذلك سيبقى الاختبار الحقيقي في الأشهر المقبلة هو ما إذا كان الانتعاش الصناعي قادراً على الاستمرار بعد زوال أثر بناء المخزونات، وما إذا كانت عودة الصادرات ستتحول إلى اتجاه مستدام. وفي حال تحقق ذلك، فقد يدخل اقتصاد منطقة اليورو مرحلة نمو أقوى، ولكن بثمن يتمثل في سياسة نقدية أكثر تشدداً وتكاليف اقتراض أعلى لفترة أطول.


الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
TT

الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)

أنهت الأسهم الكورية الجنوبية تعاملات الجمعة على ارتفاع بدعم من شركات أشباه الموصلات، مستفيدة من تحسن نظيراتها الأميركية وقوة بيانات الصادرات. لكن هذه المكاسب لم تكن كافية لمنع السوق من تسجيل خسارة أسبوعية، في وقت تزداد فيه تقلبات الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما واصل المستثمرون الأجانب البيع وارتفعت عوائد السندات المحلية. وأغلق مؤشر «كوسبي» مرتفعاً 60.37 نقطة، أو 0.88 في المائة، عند 6912.95 نقطة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً بنحو 0.9 في المائة. يأتي ذلك بعد قفزة أسبوعية بلغت 11.5 في المائة في الأسبوع السابق، كانت الأكبر منذ أوائل مايو (أيار)، وأنهت سبعة أسابيع متتالية من الخسائر. ويعكس التراجع الأسبوعي درجة الحساسية التي باتت تميز سوق سيول تجاه التحركات العالمية في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وظل مؤشر التقلبات عند مستوى مرتفع بلغ 58 نقطة يوم الجمعة، مقارنة بأدنى مستوى في شهرين عند 55 نقطة سجله الأسبوع الماضي.

وكانت شركات الرقائق المحرك الرئيسي لمكاسب الجلسة، إذ ارتفع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 3.87 في المائة، بينما صعد سهم «إس كيه هاينكس» 2.31 في المائة، بعد ارتفاع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات في الولايات المتحدة 0.5 في المائة. ويكتسب أداء الشركتين أهمية كبيرة للسوق الكورية بالنظر إلى وزنهما في المؤشر ودورهما المحوري في سلسلة توريد أشباه الموصلات العالمية.

كما أصبحت «إس كيه هاينكس» تحديداً من أبرز المستفيدين من الطلب على رقائق الذاكرة المتقدمة المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وحصل قطاع التكنولوجيا على دعم إضافي من بيانات التجارة. فقد أظهرت الأرقام ارتفاع صادرات كوريا الجنوبية بنسبة 56 في المائة خلال أول 20 يوماً من أغسطس (آب)؛ ما يقدم إشارة إيجابية بشأن الطلب الخارجي ويعزز أهمية دورة أشباه الموصلات بالنسبة إلى الاقتصاد الكوري المعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات.

كما يترقب المستثمرون تحركات «سامسونغ إلكترونيكس»، التي تعتزم عقد اجتماع لمجلس إدارتها لمناقشة حزمة جديدة لعوائد المساهمين. وقد تصبح أي زيادة في توزيعات الأرباح أو عمليات إعادة شراء الأسهم عاملاً إضافياً لدعم السهم وجاذبية السوق أمام المستثمرين.

لكن الصورة الأوسع كانت أقل قوة مما يوحي به صعود المؤشر؛ فمن أصل 904 أسهم متداولة، ارتفع 193 سهماً فقط، مقابل تراجع 683 سهماً؛ ما يكشف أن المكاسب تركزت بدرجة كبيرة في عدد محدود من الشركات الكبرى.

وتراجعت «إل جي إنرجي سوليوشن» لصناعة البطاريات 4.05 في المائة، بينما انخفض سهم «هيونداي موتور» 0.60 في المائة، و«كيا» 0.15 في المائة. كما خسر سهم «بوسكو هولدينغز» 3.58 في المائة، وتراجعت «سامسونغ بيولوجيكس» 1.46 في المائة. واستمر المستثمرون الأجانب في اتخاذ موقف حذر؛ إذ سجلوا صافي مبيعات للأسهم بقيمة 175.9 مليار وون، ما يعادل نحو 126.9 مليون دولار.

ويشير ذلك إلى أن صعود الجلسة لم يكن مصحوباً بعودة قوية لرؤوس الأموال الخارجية. وفي سوق العملات، قدم ضعف الدولار دعماً للوون، الذي ارتفع 0.69 في المائة إلى 1386.5 وون للدولار، مقارنة مع إغلاق سابق عند 1396 وون. ويشكل ارتفاع العملة المحلية عاملاً إيجابياً من ناحية تقليص تكلفة الواردات، لكنه قد يحد جزئياً من المكاسب التي تحققها الشركات المصدرة عند تحويل إيراداتها الخارجية إلى العملة المحلية.

في المقابل، ارتفعت تكاليف الاقتراض. وصعد عائد سندات الخزانة الكورية لأجل ثلاث سنوات 3.3 نقطة أساس إلى 3.855 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات 3.8 نقطة أساس إلى 4.372 في المائة. وتأتي هذه التحركات في وقت تؤكد فيه السلطات الكورية مراقبتها للمخاطر في أسواق المال والعملات والسندات والعقارات. وقال وزير المالية إن السلطات ستقيّم عوامل الخطر بصورة استباقية وستتحرك سريعاً عند الحاجة، بينما أكد نائب محافظ بنك كوريا الجديد أن قرارات السياسة النقدية ستُتخذ «بحذر شديد» وبمرونة، مع مراعاة عوامل من بينها الآثار الجانبية لرفع أسعار الفائدة.