«دي مينيمس» الأميركي للطرود الصغيرة خارج الخدمة اعتباراً من الجمعة

نهاية الإعفاء الجمركي للشحنات منخفضة القيمة تُغيِّر قواعد التجارة العالمية

طرود بانتظار المعالجة في هونغ كونغ بعد تعليق بعض الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة بسبب قواعد جمركية جديدة (رويترز)
طرود بانتظار المعالجة في هونغ كونغ بعد تعليق بعض الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة بسبب قواعد جمركية جديدة (رويترز)
TT

«دي مينيمس» الأميركي للطرود الصغيرة خارج الخدمة اعتباراً من الجمعة

طرود بانتظار المعالجة في هونغ كونغ بعد تعليق بعض الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة بسبب قواعد جمركية جديدة (رويترز)
طرود بانتظار المعالجة في هونغ كونغ بعد تعليق بعض الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة بسبب قواعد جمركية جديدة (رويترز)

تُنهي الإدارة الأميركية، بدءاً من الجمعة 29 أغسطس (آب)، ميزة إعفاء الشحنات منخفضة القيمة من المرور دون رسوم جمركية، وهو ما كان معمول به منذ أكثر من 90 عاماً، مما يمثل ضربةً لملايين المتسوقين عبر الإنترنت، والشركات الصغيرة على المنصات، وخدمات البريد حول العالم -التي أُوقف كثير منها بالفعل شحنات الطرود الصغيرة إلى الولايات المتحدة. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد أصدر أمراً تنفيذياً بإلغاء قاعدة «الحد الأدنى» أو ما تُعرف بـ«دي مينيمس (de minimis)»، والتي كانت تسمح لشحنات البضائع التي تبلغ قيمتها 800 دولار أو أقل بدخول الولايات المتحدة معفاة من الرسوم الجمركية.

و«دي مينيمس» هو مصطلح لاتيني يعني «الافتقار إلى الأهمية»، بدأ تطبيقه عام 1938 وسيلةً لتوفير الوقت والجهد على الحكومة الفيدرالية في تحصيل الرسوم الجمركية على السلع المستوردة التي تبلغ قيمتها السوقية دولاراً واحداً أو أقل. وفي نهاية المطاف، رفع المشرعون الأميركيون حد الأهلية إلى 5 دولارات عام 1990، ثم إلى 200 دولار عام 1993، ثم إلى 800 دولار عام 2015، وفقاً لدائرة أبحاث الكونغرس.

هذا القرار الذي يدخل حيز التنفيذ يوم الجمعة، قبل عامين تقريباً من الموعد النهائي المحدد في قانون التخفيضات الضريبية والإنفاق الذي أقره الكونغرس، يعد أكبر تعديل في السياسة التجارية الأميركية منذ عقود، وينذر بإحداث تغييرات واسعة في سلوك المستهلكين، واستراتيجيات التجار، وسلاسل التوريد العالمية.

وعلى الرغم من أن ترمب أنهى سابقاً قاعدة «الحد الأدنى» للسلع الرخيصة المرسلة من الصين وهونغ كونغ، فإن فرض ضرائب الاستيراد على الطرود الصغيرة من أي مكان آخر سيُشكّل على الأرجح تغييراً كبيراً لبعض الشركات الصغيرة والمتسوقين عبر الإنترنت.

وأشار البيت الأبيض في الأمر التنفيذي الصادر أواخر يوليو (تموز)، إلى أنّ الهدف من القرار هو سد الثغرات وحماية الاقتصاد الوطني وتعزيز الأمن القومي. وأوضح أن التغيير سيُطبّق على جميع الدول والموردين، بحيث تُعامل كل الطرود -مهما صغرت قيمتها- على أنها واردات كاملة تخضع للرسوم الجمركية والضرائب المقررة على بلد المنشأ.

أهمية «دي مينيمس»

كان لهذا النظام أثر مزدوج: فمن جهة، سهّل على المستهلكين الأميركيين شراء منتجات متنوعة مباشرة من الخارج -من الحقائب الإيطالية الفاخرة، إلى أدوات المطبخ اليابانية، أو المكملات الغذائية الكندية- من دون مواجهة رسوم غير متوقعة أو أعباء استيراد إضافية. ومن جهة أخرى، أسهم في تنمية التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، خصوصاً عبر منصات صينية مثل «شي إن» و«تيمو» و«علي إكسبرس»، التي اعتمدت على نموذج «الشحن المباشر من المصنع إلى باب المستهلك» لتقليل التكاليف.

شعار «تيمو» يظهر أمام علم الولايات المتحدة (رويترز)

لماذا ألغت الإدارة الأميركية الإعفاء؟

أوضح البيت الأبيض أنّ هذه الخطوة تهدف إلى سد الثغرات التي استغلها بعض التجار للتهرب من الرسوم الجمركية وتحقيق أرباح على حساب المنافسين المحليين، إضافةً إلى مكافحة تهريب المخدرات والمنتجات غير القانونية.

وحسب بيانات هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، ارتفع عدد الشحنات الخاضعة لإعفاء «الحد الأدنى» من 636 مليون طرد في السنة المالية 2020 إلى 1.36 مليار طرد في السنة المالية 2024، بمعدل يومي بلغ 3.7 مليون طرد، مما يعكس النمو الهائل لهذه التجارة منخفضة القيمة.

غير أنّ هذا النمو لم يخلُ من تكاليف باهظة؛ فقد كشفت التحقيقات عن تزوير بعض الشركات بلد المنشأ على الفواتير أو تقسيم البضائع إلى طرود صغيرة للتهرب من الرسوم، مما أدى إلى خسائر كبيرة في الإيرادات الأميركية وتهديد للصناعات المحلية، خصوصاً في قطاعي الإلكترونيات والسلع الاستهلاكية منخفضة السعر.

ويرى خبراء الاقتصاد أنّ القرار يمثل عودة الولايات المتحدة إلى نهج أكثر صرامة في تطبيق السياسات التجارية، عبر تعزيز الرقابة على جميع الواردات مهما صغرت قيمتها. ويؤكد الرئيس ترمب أنّ الغاية هي حماية الاقتصاد الوطني، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتشجيع المستهلكين على شراء المنتجات المحلية.

التأثير المباشر على المستهلكين

مع إلغاء الإعفاء، ستُعامل كل عملية شراء دولية معاملة الواردات الكاملة، لتخضع بالتالي للتخليص الجمركي الكامل والرسوم المقررة على بلد المنشأ، مهما بلغت ضآلة قيمتها. وهذا يعني ارتفاع الأسعار النهائية للسلع، إلى جانب تأخيرات محتملة في أوقات التسليم نتيجة تضاعف حجم الإجراءات الورقية. وإلى جانب ذلك، ستزداد تعقيدات عمليات الإرجاع، الأمر الذي قد يغيّر أنماط التسوّق العالمية ويدفع إلى إعادة توزيع السلع والأنشطة التجارية نحو مراكز تخزين داخلية أو دول مجاورة للولايات المتحدة لتفادي الرسوم.

فعلى سبيل المثال، قد يقفز سعر منتج بسيط بقيمة 50 دولاراً إلى أكثر من 70 دولاراً بعد احتساب الرسوم والضرائب. أما عملية إرجاع البضائع، فستصبح أكثر تكلفة وتعقيداً؛ إذ يمكن أن يُطلب من المستهلك دفع الرسوم مرتين، مرة عند الشحن الأصلي ومرة عند الإرجاع، فضلاً عن متطلبات إضافية خاصة بالأوراق الجمركية.

التداعيات على الشركات والتجار

الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على الشحنات منخفضة القيمة لتقليل التكاليف ستكون الأكثر تأثراً، لا سيما الكندية منها، إذ إن 85 في المائة من صادرات كندا تتجه إلى السوق الأميركية.

أما المنصات الصينية مثل «شي إن» و«تيمو» و«علي إكسبرس»، فمن المتوقع أن تواجه تراجعاً حاداً في الطلب الأميركي، مما قد يدفعها إلى إعادة توجيه سلاسل التوريد إلى مخازن محلية داخل الولايات المتحدة أو إلى مراكز توزيع في المكسيك وكندا لتقليل الأثر المالي واللوجيستي.

وحسب تقرير لمجلة «بارونز»، تراجعت تنزيلات تطبيق «تيمو» بنسبة 77 في المائة و«شي إن» بنسبة 51 في المائة خلال أسابيع قليلة بعد الإعلان، في مؤشر واضح على سرعة انعكاس القرار على السوق.

في المقابل، قد تستفيد شركات التجزئة الأميركية الكبرى مثل «أمازون» و«وولمارت»، حيث يمنحها القرار فرصة لاستعادة حصصها في سوق السلع منخفضة السعر، مع تقليص المنافسة على الطرود الصغيرة المستوردة.

التأثير على التجارة الدولية

إلغاء إعفاء «دي مينيمس» لا يقتصر أثره على السوق الأميركية وحدها، بل يمتد إلى أسواق أوروبا وآسيا. فقد أعلنت خدمات البريد في ألمانيا والدنمارك والسويد وإيطاليا وسويسرا وأستراليا تعليق معظم الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة، بسبب ضبابية القواعد الجديدة وغياب نظام تحصيل واضح للرسوم. ومن المتوقع أن تحذو دول أوروبية أخرى مثل فرنسا والنمسا النهج نفسه، مما قد يعوق تدفق السلع ويرفع تكلفة النقل الدولي.

كما تأتي هذه الخطوة في سياق أوسع من القيود والرسوم الجمركية الأميركية على الواردات، بالتوازي مع إجراءات أوروبية تستهدف سلعاً مثل الأخشاب والسيارات الكهربائية، في دلالة على توجه عالمي متزايد نحو تشديد الرقابة على التجارة الدولية والحد من التهرب الجمركي.

طرود شحن داخل المركز الجديد لشركة «دي إتش إل» في مطار شارل ديغول قرب باريس (رويترز)

التاريخ الطويل لإعفاء «دي مينيمس»

تعود جذور مفهوم «الحد الأدنى» في الولايات المتحدة إلى عام 1938، حين أُدرج لأول مرة ضمن المادة 321 من قانون التعريفة لعام 1930، وكان الحد الأقصى للإعفاء حينها لا يتجاوز دولاراً واحداً فقط. وكان الهدف واضحاً: تجنّب فرض رسوم جمركية تتجاوز قيمتها عائد الشحنات الصغيرة جداً.

ومع مرور العقود، تطورت هذه السياسة لتصبح أداة محورية في تسهيل التجارة. ففي عام 1978، رُفع الحد إلى 5 دولارات بموجب قانون إصلاح الإجراءات الجمركية، ثم ارتفع إلى 200 دولار عام 1993 كجزء من قانون تحديث الجمارك المرتبط باتفاقية «نافتا». وأخيراً، جرى رفعه إلى 800 دولار عام 2015 ضمن قانون تيسير وإنفاذ التجارة، وهو السقف الذي ظل معمولاً به حتى صدور القرار الأخير.

هذه التعديلات المتتالية أسهمت في ازدهار التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، خصوصاً من آسيا إلى السوق الأميركية، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى قناة واسعة للتهرب من الرسوم الجمركية. ومع كل زيادة في سقف الإعفاء، ازدادت فرص التحايل، حيث لجأ التجار إلى شحن البضائع الصغيرة عبر دول وسيطة لتغيير بلد منشأها، وهو ما ألحق أضراراً مباشرة بالصناعات الأميركية.

عربة تسوق تظهر أمام عَلمَي الولايات المتحدة والصين (رويترز)

الأثر الاقتصادي الكلي

يشير خبراء الاقتصاد إلى أن إلغاء إعفاء «دي مينيمس» قد يشكل عاملاً مثبطاً للنمو التجاري الأميركي في عام 2025، خصوصاً إذا تواصلت موجة الرسوم والقيود الدولية. فهذا الإجراء من شأنه زيادة تكاليف المستهلكين، ورفع معدلات التضخم، والضغط على منصات التجارة الإلكترونية العالمية.

في المقابل، يعزز القرار قدرة الحكومة الأميركية على تحصيل الإيرادات، ويوفر حماية كبرى للصناعات المحلية من المنافسة غير العادلة، ويحد من تهريب المخدرات والسلع غير الآمنة. أما بالنسبة للعمال والشركات الأميركية، فيُنظر إليه على أنه خطوة لإعادة التوازن إلى السوق المحلية، وإغلاق ثغرات سمحت لسنوات طويلة بمرور البضائع منخفضة القيمة خارج نطاق الرقابة الجمركية.

وعلى صعيد المستهلكين، سيعني ذلك أسعاراً أعلى وإجراءات أكثر تعقيداً عند التسوق عبر الحدود. وبالنسبة إلى التجار، سيترتب عليهم تحمل تكاليف إضافية، والالتزام بمتطلبات أكثر صرامة فيما يتعلق بأوراق المنشأ والفواتير التفصيلية، مع تحمّل مسؤوليات قانونية أوسع. أما الحكومة الأميركية، فترى في القرار انتصاراً لسلطتها الرقابية والضريبية ولأمنها القومي، من خلال إغلاق ثغرة تاريخية لطالما جرى استغلالها.


مقالات ذات صلة

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتات بنوك «جي بي مورغان تشيس» و«سيتي بنك» و«ويلز فارغو» (رويترز)

بنوك «وول ستريت» تجني 45 مليار دولار من الأزمات الجيوسياسية

بينما يواجه العالم تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، أثبت «شارع المال» الأميركي قدرة استثنائية على تحويل التقلبات إلى مكاسب مليارية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد خلال الزيارة المفاجئة التي قام بها ترمب لتفقد أعمال تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يوليو الماضي (رويترز)

هل يملك ترمب الصلاحية القانونية لعزل رئيس الاحتياطي الفيدرالي؟

دخلت المواجهة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول مرحلة «كسر العظم».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة مركبة لكل من ترمب وباول (أ.ف.ب)

ترمب يتوعد باول بالإقالة... وتحقيقات جنائية «تقتحم» حصن «الفيدرالي»

تصاعدت حدة المواجهة بين البيت الأبيض ومجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى مستويات غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الجدعان وبيسنت يتصافحان بعد توقيع الاتفاقية الضريبية في واشنطن (إكس)

السعودية والولايات المتحدة توقِّعان اتفاقية لتبادل المعلومات الضريبية

عقد وزير المالية السعودي محمد الجدعان سلسلة من اللقاءات الثنائية مع وزراء ومسؤولين ماليين دوليين، على هامش مشاركته في الاجتماعات الدولية بواشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

عضو في «المركزي الأوروبي»: لا تأثيرات تضخمية كبيرة لارتفاع الطاقة

مارتينز كازاكس يلقي كلمة خلال مؤتمر اقتصادي في ريغا بلاتفيا (رويترز)
مارتينز كازاكس يلقي كلمة خلال مؤتمر اقتصادي في ريغا بلاتفيا (رويترز)
TT

عضو في «المركزي الأوروبي»: لا تأثيرات تضخمية كبيرة لارتفاع الطاقة

مارتينز كازاكس يلقي كلمة خلال مؤتمر اقتصادي في ريغا بلاتفيا (رويترز)
مارتينز كازاكس يلقي كلمة خلال مؤتمر اقتصادي في ريغا بلاتفيا (رويترز)

أكد عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، مارتينز كازاكس، أنَّه لا يمكن استبعاد رفع أسعار الفائدة في 30 أبريل (نيسان) في الوقت الراهن، رغم أنَّ أسعار الطاقة لا تزال قريبة من السيناريو الأساسي للبنك، في ظلِّ غياب مؤشرات واضحة على انتقال صدمة الطاقة إلى تضخم واسع النطاق.

ومع تسارع التضخم نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة بفعل الحرب في إيران، يواصل البنك المركزي الأوروبي مناقشة توقيت التدخل، مع تركّز النقاش حول ما إذا كان سيبدأ برفع سعر الفائدة الرئيسي، البالغ 2 في المائة، في وقت مبكر من هذا الشهر.

وقال كازاكس، الذي يشغل أيضاً منصب محافظ البنك المركزي في لاتفيا، في تصريحات لـ«رويترز» على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي: «كل اجتماع هو اجتماع مفتوح، ولا يزال أمامنا أسبوعان حتى 30 أبريل. قد تتغيَّر معطيات كثيرة، وليس من المناسب تقديم توجيهات مستقبلية مرتبطة بتاريخ محدد».

في المقابل، قلل كازاكس من أهمية الفارق الزمني بين اجتماعَي أبريل ويونيو (حزيران)، مشيراً إلى أن الفترة الممتدة إلى 6 أسابيع لن تُحدث فارقاً كبيراً، وأنَّ البنك يحتفظ بمرونة كافية لاتخاذ القرار في الوقت المناسب.

وقد دفعت تصريحات صناع السياسة، الرسمية وغير الرسمية، الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع الفائدة في أبريل، إذ تُقدَّر حالياً احتمالات هذه الخطوة بنحو 20 في المائة فقط.

وأوضح كازاكس أنَّ البنك لم يلحظ حتى الآن تأثيرات «ثانوية» كبيرة لصدمة الطاقة، وهو شرط أساسي بالنسبة لبعض صناع القرار قبل الإقدام على تشديد السياسة النقدية.

وأضاف: «صحيح أننا لم نشهد حتى الآن تأثيرات ثانوية ملموسة، لكن ذلك لا يعني أنها لن تظهر. وعندما يحدث ذلك، يجب أن نكون مستعدين للتحرُّك بسرعة».

ورغم تراجع توقعات رفع الفائدة هذا الشهر، فإنَّ الأسواق تسعّر بالكامل تقريباً زيادة في أسعار الفائدة بحلول يوليو (تموز)، تليها خطوة أخرى محتملة قبل نهاية العام.

وعدّ كازاكس أنَّ هذه التوقعات «منطقية»، مضيفاً أنَّ «زيادة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس لن تكون أكثر من إشارة».

وأشار إلى أنَّ أسعار الطاقة، رغم قربها من التوقعات الأساسية للبنك، فإنَّها تبقى شديدة التقلب، ما يفرض حالةً من اليقظة المستمرة.

كما حذَّر من مخاطر انتقال الصدمة إلى الأجور والأسعار، إذ قد تدفع التجربة التضخمية الأخيرة الشركات إلى تسريع وتيرة رفع الأسعار، في حين قد يبادر العمال إلى المطالبة بزيادات في الأجور، ما قد يؤدي إلى دوامة تضخمية.

وختم قائلاً: «في ضوء التجربة الأخيرة، من المرجح أن تستجيب الشركات والعمال بوتيرة أسرع، وهو ما قد يُسرّع من دورة التضخم بشكل عام».


«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)
TT

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية لوجيستية متنامية تجعلها رابطاً استراتيجياً بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وفي إطار مساعي التنويع الاقتصادي التي تتبناها «رؤية 2030»، ضخّت المملكة استثمارات بلغت 6.7 مليار دولار بحلول منتصف عام 2024 في البنية التحتية اللوجيستية، بهدف تعزيز مكانتها العالمية والحد من اعتمادها على نقاط الاختناق.

وحسب تقرير لـ«أوكسفورد بزنس غروب»، انعكست هذه الجهود بوضوح على مؤشرات أداء الموانئ؛ ففي أغسطس (آب) 2025 ارتفع حجم الحاويات المُناولة بنسبة 9.5 في المائة على أساس سنوي لتبلغ 750.634 وحدة مكافئة للحاوية القياسية، مدفوعاً بارتفاع نشاط الشحن العابر بنسبة 14.7 في المائة. ويضطلع كلٌّ من ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبد الله، بدور محوري في قيادة هذا التحول، ليرسّخا مكانة السعودية مركزاً استراتيجياً لإعادة الشحن.

وعلى صعيد التجارة الإقليمية، حافظت المملكة على موقع الصدارة بين اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث الاستيراد والتصدير، في حين يُسهم الاستثمار في البنية التحتية وتنامي الاستهلاك المحلي في توسيع البصمة التجارية لكلٍّ من العراق ومصر في المنطقة.

تأتي هذه التطورات في سياق إعادة هيكلة شاملة تشهدها أنماط التجارة العالمية، تحركها عوامل متشابكة من إعادة التوازن الجيوسياسي، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتحول نحو استراتيجيات المخزون الاحترازي بدلاً من الاعتماد على النموذج الآني. ويبين التقرير أن الاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر بين عامَي 2023 و2025 كشفت عن الثقل الاستراتيجي لهذا الممر التجاري الحيوي الذي يصل بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس، غير أن تلك الاضطرابات ذاتها باتت تُحفّز موجة من الاستثمارات والابتكارات، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الفاعلين الإقليميين لاستثمار موقعهم وتعزيز متانة شبكات التجارة العالمية.

ولا يقتصر التحول على البنية التحتية المادية، بل يمتد ليشمل تطوير رأس المال البشري الذي أصبح ركيزة أساسية في استراتيجية المملكة البحرية. ويُشكّل الشباب دون سن الخامسة والثلاثين نحو 71 في المائة من إجمالي القوى العاملة السعودية، مما يوفر رصيداً بشرياً واعداً يُعزز قدرة القطاع البحري على استقطاب الكفاءات في مختلف التخصصات التقنية والتشغيلية. وتُجمع التقارير على أن الصناعة البحرية باتت تُمثّل مصدراً متنامياً للتوظيف، في ظل دعم حكومي متواصل وتركيز استراتيجي على بناء القدرات.

وفي مشهد تجاري عالمي تتصاعد فيه أهمية مراكز العبور وإعادة التصدير عبر ممر البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والهند وجنوب شرق آسيا، تجد السعودية نفسها في موقع محوري لاستثمار هذه المعطيات وترسيخ دورها شريكاً لا غنى عنه في منظومة التجارة الدولية.


وكالة الطاقة الدولية تحذّر: أوروبا تملك وقود طائرات لـ6 أسابيع فقط

طائرة تمر خلف منشآت تخزين الكيروسين بمطار لييغ في بلجيكا (إ.ب.أ)
طائرة تمر خلف منشآت تخزين الكيروسين بمطار لييغ في بلجيكا (إ.ب.أ)
TT

وكالة الطاقة الدولية تحذّر: أوروبا تملك وقود طائرات لـ6 أسابيع فقط

طائرة تمر خلف منشآت تخزين الكيروسين بمطار لييغ في بلجيكا (إ.ب.أ)
طائرة تمر خلف منشآت تخزين الكيروسين بمطار لييغ في بلجيكا (إ.ب.أ)

قال رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، يوم الخميس، إن أوروبا تمتلك ما يكفي من وقود الطائرات لمدة تقارب ستة أسابيع، محذّراً من احتمال إلغاء رحلات جوية «في وقت قريب» إذا استمر اضطراب إمدادات النفط نتيجة الحرب الإيرانية.

وقدّم بيرول صورة قاتمة لتداعيات عالمية وصفها بأنها «أكبر أزمة طاقة شهدناها على الإطلاق»، نتيجة انقطاع إمدادات النفط والغاز وغيرها من الإمدادات الحيوية عبر مضيق هرمز.

وقال في مقابلة مع و«كالة أسوشييتد برس»: «في الماضي كان هناك ما تعرف بالمضايق الخطرة، أما الآن فالوضع شديد الخطورة، وستكون له تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي. وكلما طال أمد الأزمة، ازدادت آثارها سلباً على النمو والتضخم في أنحاء العالم».

وأوضح أن التأثيرات ستشمل ارتفاع أسعار البنزين والغاز والكهرباء، مشيراً إلى أن التداعيات ستتفاوت بين الدول، حيث ستكون بعض الاقتصادات أكثر تضرراً من غيرها، لا سيما اليابان وكوريا والهند والصين وباكستان وبنغلاديش، التي تقع في خط المواجهة الأول لأزمة الطاقة.

وأضاف: «الدول الأكثر تضرراً لن تكون بالضرورة تلك التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام الإعلامي، بل الدول النامية، خصوصاً الأشد فقراً في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية».

وأشار إلى أن تداعيات الأزمة ستصل لاحقاً إلى أوروبا والأميركتين، موضحاً أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى نقص في وقود الطائرات في أوروبا وربما إلغاء بعض الرحلات بين المدن قريباً.

وانتقد بيرول نظام «الرسوم» المفروضة على بعض السفن للمرور عبر المضيق، محذراً من أن تحويل هذا النموذج إلى ممارسة دائمة قد يخلق سابقة يمكن تطبيقها على ممرات مائية استراتيجية أخرى، مثل مضيق ملقا في آسيا.

وقال: «إذا تغيّر الوضع مرة واحدة، سيكون من الصعب التراجع عنه. من الصعب تطبيق نظام رسوم هنا وهناك دون أن يصبح قاعدة عامة».

وختم قائلاً: «أود أن أرى تدفق النفط يتم دون شروط من النقطة أ إلى النقطة ب».