«دي مينيمس» الأميركي للطرود الصغيرة خارج الخدمة اعتباراً من الجمعة

نهاية الإعفاء الجمركي للشحنات منخفضة القيمة تُغيِّر قواعد التجارة العالمية

طرود بانتظار المعالجة في هونغ كونغ بعد تعليق بعض الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة بسبب قواعد جمركية جديدة (رويترز)
طرود بانتظار المعالجة في هونغ كونغ بعد تعليق بعض الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة بسبب قواعد جمركية جديدة (رويترز)
TT

«دي مينيمس» الأميركي للطرود الصغيرة خارج الخدمة اعتباراً من الجمعة

طرود بانتظار المعالجة في هونغ كونغ بعد تعليق بعض الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة بسبب قواعد جمركية جديدة (رويترز)
طرود بانتظار المعالجة في هونغ كونغ بعد تعليق بعض الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة بسبب قواعد جمركية جديدة (رويترز)

تُنهي الإدارة الأميركية، بدءاً من الجمعة 29 أغسطس (آب)، ميزة إعفاء الشحنات منخفضة القيمة من المرور دون رسوم جمركية، وهو ما كان معمول به منذ أكثر من 90 عاماً، مما يمثل ضربةً لملايين المتسوقين عبر الإنترنت، والشركات الصغيرة على المنصات، وخدمات البريد حول العالم -التي أُوقف كثير منها بالفعل شحنات الطرود الصغيرة إلى الولايات المتحدة. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد أصدر أمراً تنفيذياً بإلغاء قاعدة «الحد الأدنى» أو ما تُعرف بـ«دي مينيمس (de minimis)»، والتي كانت تسمح لشحنات البضائع التي تبلغ قيمتها 800 دولار أو أقل بدخول الولايات المتحدة معفاة من الرسوم الجمركية.

و«دي مينيمس» هو مصطلح لاتيني يعني «الافتقار إلى الأهمية»، بدأ تطبيقه عام 1938 وسيلةً لتوفير الوقت والجهد على الحكومة الفيدرالية في تحصيل الرسوم الجمركية على السلع المستوردة التي تبلغ قيمتها السوقية دولاراً واحداً أو أقل. وفي نهاية المطاف، رفع المشرعون الأميركيون حد الأهلية إلى 5 دولارات عام 1990، ثم إلى 200 دولار عام 1993، ثم إلى 800 دولار عام 2015، وفقاً لدائرة أبحاث الكونغرس.

هذا القرار الذي يدخل حيز التنفيذ يوم الجمعة، قبل عامين تقريباً من الموعد النهائي المحدد في قانون التخفيضات الضريبية والإنفاق الذي أقره الكونغرس، يعد أكبر تعديل في السياسة التجارية الأميركية منذ عقود، وينذر بإحداث تغييرات واسعة في سلوك المستهلكين، واستراتيجيات التجار، وسلاسل التوريد العالمية.

وعلى الرغم من أن ترمب أنهى سابقاً قاعدة «الحد الأدنى» للسلع الرخيصة المرسلة من الصين وهونغ كونغ، فإن فرض ضرائب الاستيراد على الطرود الصغيرة من أي مكان آخر سيُشكّل على الأرجح تغييراً كبيراً لبعض الشركات الصغيرة والمتسوقين عبر الإنترنت.

وأشار البيت الأبيض في الأمر التنفيذي الصادر أواخر يوليو (تموز)، إلى أنّ الهدف من القرار هو سد الثغرات وحماية الاقتصاد الوطني وتعزيز الأمن القومي. وأوضح أن التغيير سيُطبّق على جميع الدول والموردين، بحيث تُعامل كل الطرود -مهما صغرت قيمتها- على أنها واردات كاملة تخضع للرسوم الجمركية والضرائب المقررة على بلد المنشأ.

أهمية «دي مينيمس»

كان لهذا النظام أثر مزدوج: فمن جهة، سهّل على المستهلكين الأميركيين شراء منتجات متنوعة مباشرة من الخارج -من الحقائب الإيطالية الفاخرة، إلى أدوات المطبخ اليابانية، أو المكملات الغذائية الكندية- من دون مواجهة رسوم غير متوقعة أو أعباء استيراد إضافية. ومن جهة أخرى، أسهم في تنمية التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، خصوصاً عبر منصات صينية مثل «شي إن» و«تيمو» و«علي إكسبرس»، التي اعتمدت على نموذج «الشحن المباشر من المصنع إلى باب المستهلك» لتقليل التكاليف.

شعار «تيمو» يظهر أمام علم الولايات المتحدة (رويترز)

لماذا ألغت الإدارة الأميركية الإعفاء؟

أوضح البيت الأبيض أنّ هذه الخطوة تهدف إلى سد الثغرات التي استغلها بعض التجار للتهرب من الرسوم الجمركية وتحقيق أرباح على حساب المنافسين المحليين، إضافةً إلى مكافحة تهريب المخدرات والمنتجات غير القانونية.

وحسب بيانات هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، ارتفع عدد الشحنات الخاضعة لإعفاء «الحد الأدنى» من 636 مليون طرد في السنة المالية 2020 إلى 1.36 مليار طرد في السنة المالية 2024، بمعدل يومي بلغ 3.7 مليون طرد، مما يعكس النمو الهائل لهذه التجارة منخفضة القيمة.

غير أنّ هذا النمو لم يخلُ من تكاليف باهظة؛ فقد كشفت التحقيقات عن تزوير بعض الشركات بلد المنشأ على الفواتير أو تقسيم البضائع إلى طرود صغيرة للتهرب من الرسوم، مما أدى إلى خسائر كبيرة في الإيرادات الأميركية وتهديد للصناعات المحلية، خصوصاً في قطاعي الإلكترونيات والسلع الاستهلاكية منخفضة السعر.

ويرى خبراء الاقتصاد أنّ القرار يمثل عودة الولايات المتحدة إلى نهج أكثر صرامة في تطبيق السياسات التجارية، عبر تعزيز الرقابة على جميع الواردات مهما صغرت قيمتها. ويؤكد الرئيس ترمب أنّ الغاية هي حماية الاقتصاد الوطني، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتشجيع المستهلكين على شراء المنتجات المحلية.

التأثير المباشر على المستهلكين

مع إلغاء الإعفاء، ستُعامل كل عملية شراء دولية معاملة الواردات الكاملة، لتخضع بالتالي للتخليص الجمركي الكامل والرسوم المقررة على بلد المنشأ، مهما بلغت ضآلة قيمتها. وهذا يعني ارتفاع الأسعار النهائية للسلع، إلى جانب تأخيرات محتملة في أوقات التسليم نتيجة تضاعف حجم الإجراءات الورقية. وإلى جانب ذلك، ستزداد تعقيدات عمليات الإرجاع، الأمر الذي قد يغيّر أنماط التسوّق العالمية ويدفع إلى إعادة توزيع السلع والأنشطة التجارية نحو مراكز تخزين داخلية أو دول مجاورة للولايات المتحدة لتفادي الرسوم.

فعلى سبيل المثال، قد يقفز سعر منتج بسيط بقيمة 50 دولاراً إلى أكثر من 70 دولاراً بعد احتساب الرسوم والضرائب. أما عملية إرجاع البضائع، فستصبح أكثر تكلفة وتعقيداً؛ إذ يمكن أن يُطلب من المستهلك دفع الرسوم مرتين، مرة عند الشحن الأصلي ومرة عند الإرجاع، فضلاً عن متطلبات إضافية خاصة بالأوراق الجمركية.

التداعيات على الشركات والتجار

الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على الشحنات منخفضة القيمة لتقليل التكاليف ستكون الأكثر تأثراً، لا سيما الكندية منها، إذ إن 85 في المائة من صادرات كندا تتجه إلى السوق الأميركية.

أما المنصات الصينية مثل «شي إن» و«تيمو» و«علي إكسبرس»، فمن المتوقع أن تواجه تراجعاً حاداً في الطلب الأميركي، مما قد يدفعها إلى إعادة توجيه سلاسل التوريد إلى مخازن محلية داخل الولايات المتحدة أو إلى مراكز توزيع في المكسيك وكندا لتقليل الأثر المالي واللوجيستي.

وحسب تقرير لمجلة «بارونز»، تراجعت تنزيلات تطبيق «تيمو» بنسبة 77 في المائة و«شي إن» بنسبة 51 في المائة خلال أسابيع قليلة بعد الإعلان، في مؤشر واضح على سرعة انعكاس القرار على السوق.

في المقابل، قد تستفيد شركات التجزئة الأميركية الكبرى مثل «أمازون» و«وولمارت»، حيث يمنحها القرار فرصة لاستعادة حصصها في سوق السلع منخفضة السعر، مع تقليص المنافسة على الطرود الصغيرة المستوردة.

التأثير على التجارة الدولية

إلغاء إعفاء «دي مينيمس» لا يقتصر أثره على السوق الأميركية وحدها، بل يمتد إلى أسواق أوروبا وآسيا. فقد أعلنت خدمات البريد في ألمانيا والدنمارك والسويد وإيطاليا وسويسرا وأستراليا تعليق معظم الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة، بسبب ضبابية القواعد الجديدة وغياب نظام تحصيل واضح للرسوم. ومن المتوقع أن تحذو دول أوروبية أخرى مثل فرنسا والنمسا النهج نفسه، مما قد يعوق تدفق السلع ويرفع تكلفة النقل الدولي.

كما تأتي هذه الخطوة في سياق أوسع من القيود والرسوم الجمركية الأميركية على الواردات، بالتوازي مع إجراءات أوروبية تستهدف سلعاً مثل الأخشاب والسيارات الكهربائية، في دلالة على توجه عالمي متزايد نحو تشديد الرقابة على التجارة الدولية والحد من التهرب الجمركي.

طرود شحن داخل المركز الجديد لشركة «دي إتش إل» في مطار شارل ديغول قرب باريس (رويترز)

التاريخ الطويل لإعفاء «دي مينيمس»

تعود جذور مفهوم «الحد الأدنى» في الولايات المتحدة إلى عام 1938، حين أُدرج لأول مرة ضمن المادة 321 من قانون التعريفة لعام 1930، وكان الحد الأقصى للإعفاء حينها لا يتجاوز دولاراً واحداً فقط. وكان الهدف واضحاً: تجنّب فرض رسوم جمركية تتجاوز قيمتها عائد الشحنات الصغيرة جداً.

ومع مرور العقود، تطورت هذه السياسة لتصبح أداة محورية في تسهيل التجارة. ففي عام 1978، رُفع الحد إلى 5 دولارات بموجب قانون إصلاح الإجراءات الجمركية، ثم ارتفع إلى 200 دولار عام 1993 كجزء من قانون تحديث الجمارك المرتبط باتفاقية «نافتا». وأخيراً، جرى رفعه إلى 800 دولار عام 2015 ضمن قانون تيسير وإنفاذ التجارة، وهو السقف الذي ظل معمولاً به حتى صدور القرار الأخير.

هذه التعديلات المتتالية أسهمت في ازدهار التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، خصوصاً من آسيا إلى السوق الأميركية، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى قناة واسعة للتهرب من الرسوم الجمركية. ومع كل زيادة في سقف الإعفاء، ازدادت فرص التحايل، حيث لجأ التجار إلى شحن البضائع الصغيرة عبر دول وسيطة لتغيير بلد منشأها، وهو ما ألحق أضراراً مباشرة بالصناعات الأميركية.

عربة تسوق تظهر أمام عَلمَي الولايات المتحدة والصين (رويترز)

الأثر الاقتصادي الكلي

يشير خبراء الاقتصاد إلى أن إلغاء إعفاء «دي مينيمس» قد يشكل عاملاً مثبطاً للنمو التجاري الأميركي في عام 2025، خصوصاً إذا تواصلت موجة الرسوم والقيود الدولية. فهذا الإجراء من شأنه زيادة تكاليف المستهلكين، ورفع معدلات التضخم، والضغط على منصات التجارة الإلكترونية العالمية.

في المقابل، يعزز القرار قدرة الحكومة الأميركية على تحصيل الإيرادات، ويوفر حماية كبرى للصناعات المحلية من المنافسة غير العادلة، ويحد من تهريب المخدرات والسلع غير الآمنة. أما بالنسبة للعمال والشركات الأميركية، فيُنظر إليه على أنه خطوة لإعادة التوازن إلى السوق المحلية، وإغلاق ثغرات سمحت لسنوات طويلة بمرور البضائع منخفضة القيمة خارج نطاق الرقابة الجمركية.

وعلى صعيد المستهلكين، سيعني ذلك أسعاراً أعلى وإجراءات أكثر تعقيداً عند التسوق عبر الحدود. وبالنسبة إلى التجار، سيترتب عليهم تحمل تكاليف إضافية، والالتزام بمتطلبات أكثر صرامة فيما يتعلق بأوراق المنشأ والفواتير التفصيلية، مع تحمّل مسؤوليات قانونية أوسع. أما الحكومة الأميركية، فترى في القرار انتصاراً لسلطتها الرقابية والضريبية ولأمنها القومي، من خلال إغلاق ثغرة تاريخية لطالما جرى استغلالها.


مقالات ذات صلة

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

الاقتصاد ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

لم تعد المعركة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول تقتصر على التصريحات، بل تحولت إلى مواجهة قضائية مفتوحة تهدد أسس الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد «إنفيديا» كانت تتوقع أكثر ‌من مليون طلب من العملاء الصينيين قبل تعليق الإنتاج (رويترز)

موردو «إنفيديا» يعلقون الإنتاج بسبب قيود صينية على رقائق «إتش 200»

ذكرت صحيفة «فايننشيال تايمز» أن موردي مدخلات رقائق «إتش 200» التي تنتجها «إنفيديا» علقوا الإنتاج ​بعد أن منعت الصين دخولها البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد «شيفرون» تصدر حالياً نحو 50 في المائة فقط من إنتاجها من النفط في فنزويلا وتورد الباقي للحكومة الفنزويلية كرسوم امتياز وضرائب (إكس)

«شيفرون» الأميركية لتسويق وبيع النفط الفنزويلي

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الولايات المتحدة تتحرك بأسرع ما يمكن لتوسيع إطار الترخيص الممنوح ​لشركة «شيفرون» لإنتاج النفط في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خطوط نقل طاقة تمر عبر محطة فرعية على طول شبكة الكهرباء في ميامي (أ.ف.ب)

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة استراتيجية تُلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل تكاليف بناء محطات طاقة جديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مستشار البيت الأبيض الاقتصادي كيفن هاسيت يتحدث أمام كاميرا تلفزيونية في البيت الأبيض (رويترز)

مستشار البيت الأبيض الاقتصادي يقلل من شأن التحقيق مع باول

قلّل كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي في البيت الأبيض، الجمعة، من أهمية التحقيق الجنائي الفيدرالي المتعلق برئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
TT

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)

في عام 2019، اجتاحت تركيا موجة من عدم الاستقرار الاقتصادي بعدما قام الرئيس رجب طيب أردوغان بإقالة محافظ البنك المركزي مراد شيتينكايا لرفضه الانصياع لأوامره لخفض الفائدة، ما أدى إلى انهيار الليرة وتصاعد التضخم. اليوم، يبدو أن هذا المشهد «غير التقليدي» ينتقل إلى واشنطن، لكن بحدة أكبر، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». فالمعركة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لم تعد تقتصر على التصريحات، بل تحولت إلى مواجهة قضائية مفتوحة تهدد أسس الاقتصاد العالمي وسمعة المؤسسات الأميركية التي قادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد كسر باول التقاليد الصارمة لمنصبه هذا الأسبوع، حينما ظهر في مقطع فيديو مباشر ليفضح ما وصفه بـ«المناورة» القضائية ضده. وتتمحور القضية حول تحقيق تجريه وزارة العدل في مشروع ترميم مقر البنك الذي بلغت تكلفته 2.5 مليار دولار.

لكن خلف كواليس الأرقام، يبدو أن الهدف الحقيقي ليس مراقبة الميزانية؛ فقد صرح باول بوضوح أن هذا التحقيق ما هو إلا «ذريعة» ووسيلة ضغط لابتزازه سياسياً لإجبار البنك على خفض معدلات الفائدة إلى مستويات تقترب من 1 في المائة. ويرى ترمب أن هذا الخفض هو «الوقود» اللازم لإنعاش الاقتصاد وخفض تكاليف الاقتراض الحكومي بمليارات الدولارات، متجاهلاً استقلالية القرار النقدي.

هذا الصدام العلني أثار قلقاً دولياً واسعاً؛ حيث يرى خبراء، مثل غيتا غوبيناث من جامعة هارفارد، أننا نعيش «لحظة تاريخية» قد تترك آثاراً باقية في هيبة الولايات المتحدة وقدرتها على قيادة النظام المالي العالمي.

أعمال البناء في مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الانقسام داخل المعسكر الجمهوري

لم يمر تصعيد وزارة العدل دون «نيران صديقة»؛ فحتى حلفاء ترمب الأكثر إخلاصاً أبدوا قلقاً من تكتيكات المدعية العامة جينين بيرو. لاري كودلو، المستشار الاقتصادي السابق لترمب، ألمح إلى أن وزارة العدل ربما «تسرعت في إطلاق الزناد» ضد باول.

وفي كابيتول هيل، بدأت أصوات جمهورية وازنة، يقودها السيناتور ثوم تيليس، بالتمرد علناً، مهددين بعرقلة أي مرشح جديد يخلف باول ما لم تتوقف هذه الملاحقات. هذا الانقسام يضع ترمب في مأزق؛ فبدلاً من «تطهير» البنك من خصومه، قد ينتهي به الأمر بمواجهة تمرد داخل حزبه يعيق قدرته على تعيين خلف «موالٍ» بالكامل.

معركة ليزا كوك

بينما يتوجه ترمب إلى دافوس للدفاع عن أفكاره الاقتصادية أمام النخبة العالمية، تراقب الأوساط القانونية بترقب المحكمة العليا. القضية تتعلق بمحاولة ترمب إقالة محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك بتهم تتعلق باحتيال عقاري مزعوم. وهو ما نفته كوك جملة وتفصيلاً.

ووفقاً للمسؤول السابق في «الاحتياطي الفيدرالي» فريد ميسكين، فإن قرار المحكمة سيكون «نقطة تحول تاريخية»؛ فإذا أقر القضاة حق الرئيس في إقالة أعضاء البنك المركزي لأسباب سياسية، فإن ذلك سيمنح ترمب السلطة المطلقة لاستبدال مجلس المحافظين بأكمله وإحلال «أتباع» يأتمرون بأمره، مما يحول «الفيدرالي» من حارس للعملة إلى مجرد فرع تابع للبيت الأبيض.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لدى دخوله مقر البنك المركزي في واشنطن (رويترز)

الأسواق تراقب بصمت

حتى الآن، تبدو أسواق الأسهم والسندات في «وول ستريت» هادئة، مراهنةً على قدرة «الفيدرالي» على الصمود. لكن خلف هذا الهدوء، ثمة تحركات «تحوطية» بدأت تظهر؛ فمؤسسات مالية كبرى مثل «بيمكو» بدأت بتنويع أصولها بعيداً عن الدولار، استشعاراً لمخاطر «التسييس الزاحف» للسياسة النقدية.

ويرى آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون، أن دولاً وشركات بدأت بالفعل في «التأمين الذاتي» ضد تقلبات السياسة الأميركية، ليس عبر الهروب الجماعي، بل بوضع خطط بديلة لا تعتمد كلياً على العملة الخضراء.

هذا التوجه لا يعني انهيار الدولار غداً، بل يعني تآكلاً تدريجياً في الثقة بالولايات المتحدة كـ«ملاذ آمن». وكما يقول كلاس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي: «كانت أميركا تقود العالم بالقدوة في بناء المؤسسات، والآن يبدو أنها اختارت تقديم مثال مختلف تماماً».

الضرر الذي لا يمكن إصلاحه

الخطر الحقيقي لهذه المواجهة يتجاوز شخص باول؛ فهو يتعلق بـ«التسييس الزاحف» الذي قد يستمر لعقود. لايل برينارد، المسؤولة السابقة في «الاحتياطي الفيدرالي»، تحذر من «الأثر الخفي»؛ حيث سيصبح مسؤولو السياسة النقدية في المستقبل يرتعدون خوفاً من الملاحقات الجنائية إذا اتخذوا قرارات لا تعجب الرئيس. في هذا السيناريو، لن تصبح الفائدة أداة لمحاربة التضخم، بل لخدمة الدورات الانتخابية، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي برمته على «فوهة بركان» من عدم اليقين.


«لوسيد» في 2026... شعار «صُنع في السعودية» يطوف العالم

 مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)
مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)
TT

«لوسيد» في 2026... شعار «صُنع في السعودية» يطوف العالم

 مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)
مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)

في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الصناعة، تتحوَّل السعودية إلى نقطة انطلاق عالمية لشركة «لوسيد» لصناعة السيارات الكهربائية، ليس بوصفها سوقاً استهلاكية فحسب، بل قاعدة تصنيع وتصدير تخدم أسواقاً متعددة حول العالم.

ومن الرياض، حيث شارك في «منتدى مستقبل المعادن»، يضع مارك وينترهوف الرئيس التنفيذي المؤقت لـ«لوسيد» التي يعد صندوق الاستثمارات العامة أكبر مساهم فيها، ملامح المرحلة المقبلة لشركة تراهن على التوسع المدروس، وسلاسل الإمداد، والانتقال من الفخامة إلى الشريحة الأوسع. ووصف وينترهوف لـ«الشرق الأوسط»، المنتدى بأنه منصة محورية لصناعة السيارات الكهربائية، في ظل الاعتماد الكبير على المعادن والعناصر الأرضية النادرة، خصوصاً في المغناطيسات، معرباً عن تقديره للدور الذي تقوده السعودية في هذا الملف، لما له من أثر مباشر على صناعات متعددة.

يشرف وينترهوف على تطوير وتنفيذ استراتيجية الشركة، ويدير فريقاً من كبار المهندسين لضمان تنفيذ وتصميم المنتجات وهندستها بكفاءة.

الرئيس التنفيذي المؤقت لـ«لوسيد» مارك وينترهوف (الشركة)

السعودية... قاعدة تصدير

وأوضح وينترهوف أن مصنع «لوسيد» في السعودية، وهو أول منشأة تصنيع دولية للشركة خارج الولايات المتحدة، لم يُصمَّم لتلبية الطلب المحلي وحده، بل ليكون منصة تصدير رئيسية.

ووفق الخطط الموضوعة، فإن ما بين 13 و15 في المائة فقط من إنتاج المصنع مخصص لأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، في حين يتم توجيه النسبة الأكبر إلى التصدير لأسواق أخرى. وأكد أن هذا التوجه كان جزءاً من استراتيجية الشركة منذ البداية.

وحول جاهزية المنشأة، أكد وينترهوف أن الشركة لا تزال ملتزمة ببدء الإنتاج في السعودية بنهاية العام الحالي، وتحديداً في ديسمبر (كانون الأول).

وكانت «لوسيد» انضمت في يناير (كانون الثاني) 2025 إلى برنامج «صُنع في السعودية»، في إطار حضورها الصناعي بالمملكة، وهو ما يتيح لها استخدام شعار «صناعة سعودية» على منتجاتها المصنعة محلياً.

وتُعد «لوسيد» أول شركة تصنيع معدات أصلية في قطاع السيارات تحصل على هذا الشعار، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو توطين الصناعات المتقدمة، وتعزيز الشراكات مع شركات عالمية، وجعل البلاد منصةً لتصنيع وتصدير السيارات الكهربائية إلى العالم.

سيارة «لوسيد إير» الكهربائية (موقع الشركة الإلكتروني)

أرقام النمو

وأوضح وينترهوف أن «لوسيد» حقَّقت نمواً واضحاً في جانب الإنتاج والتسليم. فخلال عام 2025، لم يتضاعف الإنتاج فحسب، بل ارتفعت التسليمات بنسبة 55 في المائة مقارنة بالعام السابق، مع تسجيل نتائج قياسية في الرُّبع الرابع، لا سيما في السوقين الأميركية والشرق الأوسط، وبالأخص في السعودية.

وأشار إلى أن «لوسيد» كانت خلال الرُّبع الرابع من 2025 الشركة الوحيدة في الولايات المتحدة التي سجَّلت زيادةً في تسليمات السيارات الكهربائية، في وقت شهد فيه المنافسون تراجعات كبيرة.

وأعلنت «لوسيد» أنها أنتجت خلال عام 2025 نحو 18378 مركبة، بزيادة 104 في المائة مقارنة بعام 2024، بينما بلغت التسليمات 15841 مركبة، بارتفاع 55 في المائة على أساس سنوي. أما في الرُّبع الرابع من العام نفسه، فقد ارتفع الإنتاج إلى 8412 مركبة، بزيادة 116 في المائة مقارنة بالرُّبع الثالث، بينما وصلت التسليمات إلى 5345 مركبة، بنمو بلغ 31 في المائة.

وتعمل «لوسيد» حالياً في شريحة السيارات الفاخرة، غير أن التحول الاستراتيجي الأبرز يتمثَّل في تطوير سيارات متوسطة الحجم بسعر أقل، تقدر قيمتها بنحو 50 ألف دولار. وأكد وينترهوف أن هذا الطراز، الذي يستهدف الشريحة الأكبر من المستهلكين، سيكون «العمود الفقري» لإنتاج المصنع السعودي، مما يمهد الطريق للوصول إلى الطاقة الإنتاجية القصوى المستهدفة.

سلاسل الإمداد

وعن أبرز التحديات، أشار وينترهوف إلى أن سلاسل الإمداد، خصوصاً المعادن والعناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى أشباه الموصلات، لا تزال تُشكِّل مصدر قلق للقطاع.

وكشف عن أن الشركة واجهت خلال العام الماضي صعوبات متكررة في الحصول على المغناطيسات اللازمة للمركبات الكهربائية، إلى جانب اضطرابات في توريد أشباه الموصلات. ويرى أن مبادرات مثل «منتدى مستقبل المعادن» تمثل جزءاً من الحل، عبر بناء منظومة أكثر استقراراً واستدامة لتأمين هذه الموارد.

وبالنظر إلى آفاق السوق خلال السنوات الـ5 المقبلة، عبّر وينترهوف عن ثقته بمسار الشركة، مشيراً إلى أن «لوسيد» تتصدر مبيعات السيارات الكهربائية ضمن فئة السيدان الفاخرة في الولايات المتحدة، وتحتل المرتبة الثالثة في الفئة نفسها عند احتساب سيارات الاحتراق الداخلي.

وفي استشراف للمستقبل، تتوقَّع الشركة الانتقال إلى أحجام إنتاج أعلى مع إطلاق السيارة متوسطة السعر. وأشار وينترهوف أخيراً إلى دخول «لوسيد» مجال سيارات الأجرة ذاتية القيادة (Robotaxi) في 2026، وهو قطاع ناشئ ترى فيه الشركة إمكانات نمو مستقبلية.


«الأهلي السعودي» يجمع مليار دولار من الأسواق الدولية لتعزيز رأسماله

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
TT

«الأهلي السعودي» يجمع مليار دولار من الأسواق الدولية لتعزيز رأسماله

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

أعلن البنك الأهلي السعودي نجاحه في إتمام طرح سندات رأس المال الإضافي من الشريحة الأولى (AT1) مقوّمة بالدولار الأميركي، بقيمة إجمالية بلغت مليار دولار. ويأتي هذا الطرح ضمن استراتيجية البنك لتعزيز قاعدته الرأسمالية ودعم خططه التوسعية، مستفيداً من الثقة الكبيرة التي يوليها المستثمرون الدوليون للمؤسسات المالية السعودية.

وأوضح البنك، في بيان له على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، أن السندات تم طرحها لمستثمرين مؤهلين داخل وخارج المملكة، وبلغت قيمتها الاجمالية مليار دولار بعائد سنوي نسبته 6.15 في المائة والذي يعدّ معدلاً تنافسياً يعكس الملاءة المالية العالية للبنك.

أما طبيعة الاستحقاق، فستكون عبارة عن سندات «دائمة»، ما يعني أنها لا تملك تاريخ استحقاق نهائي، ولكنها قابلة للاسترداد من قبل البنك بعد مرور 5.5 سنة. وتم إصدار 5 آلاف سند، بقيمة اسمية قدرها 200 ألف دولار للسند الواحد.

ومن المقرر أن تتم تسوية الإصدار بتاريخ 22 يناير (كانون الثاني) الحالي، على أن يتم إدراج هذه السندات في السوق المالية الدولية بسوق لندن للأوراق المالية.

في إطار الشفافية المالية، أشار البنك إلى أن عملية البيع تمت بموجب اللائحة إس (Regulation S) المنبثقة من قانون الأوراق المالية الأميركي لعام 1933.

يشار إلى أن هذا النظام يعد إطاراً قانونياً يوفر إعفاءً من متطلبات التسجيل لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية للإصدارات التي تتم خارج الولايات المتحدة. وبموجبه، يُسمح للشركات والجهات الدولية بطرح أدوات دين للمستثمرين غير الأميركيين في الأسواق العالمية (مثل سوق لندن أو دبي)، بشرط عدم الترويج لها أو عرضها داخل السوق الأميركية. هذا الإجراء يسهِّل على المؤسسات الكبرى الوصول إلى سيولة دولية متنوعة بسرعة وكفاءة قانونية عالية.