«بنك كوريا» يتوقع صدمة اقتصادية «كبيرة» بعد اتفاق التجارة مع أميركا

ثبّت أسعار الفائدة بسبب مخاطر الديون و«رياح معاكسة»

شعار «بنك كوريا» على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار «بنك كوريا» على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

«بنك كوريا» يتوقع صدمة اقتصادية «كبيرة» بعد اتفاق التجارة مع أميركا

شعار «بنك كوريا» على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار «بنك كوريا» على قمة مبناه في سيول (رويترز)

توقَّع بنك كوريا المركزي، يوم الخميس، صدمةً اقتصاديةً «كبيرةً»؛ نتيجة ارتفاع الرسوم الجمركية الأميركية حتى بعد التوصُّل إلى اتفاق تجاري، مشيراً إلى زيادات مماثلة في الرسوم الجمركية مقارنةً بالمصدرين المنافسين، وتعرض كبير لرسوم جمركية خاصة بمنتجات محددة. وصرَّح «بنك كوريا»، في تقرير، بأنه «على الرغم من نجاح المفاوضات، فإن متوسط معدل الرسوم الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة على بلدنا ارتفع بشكل كبير إلى نحو 15 في المائة، مقارنةً بـ(صفر رسوم جمركية) بموجب اتفاقية التجارة الحرة السابقة بين كوريا والولايات المتحدة». وأضاف البنك: «لذلك، من المتوقع حدوث صدمة كبيرة للاقتصاد المحلي الذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات المتجهة إلى الولايات المتحدة». وقدَّر «بنك كوريا» تأثير سياسات التعريفات الجمركية الأميركية على النمو الاقتصادي بنسبة سالبة، تقدّر بـ0.45 و0.60 نقطة مئوية لهذا العام والعام المقبل على التوالي، وهو ما ينعكس في توقعاته للنمو السنوي بنسبة 0.9 في المائة لعام 2025، و1.6 في المائة لعام 2026. وفي أواخر يوليو (تموز)، توصَّلت سيول إلى اتفاق تجاري مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب حدَّد التعريفات الجمركية الأميركية على الواردات من الحليف الآسيوي بنسبة 15 في المائة، وهي أقل من التهديد السابق البالغ 25 في المائة؛ ولكنها أعلى من خط الأساس البالغ 10 في المائة الذي كان مطبقاً. ومقارنة بتهديدات ترمب السابقة بالتعريفات الجمركية في أبريل (نيسان)، مُنحت كوريا الجنوبية تخفيضاً للتعريفات الجمركية كان التاسع من حيث الحجم بين 50 مُصدراً رئيسياً للولايات المتحدة، وفقاً لـ«بنك كوريا»، بناءً على تقديراته للتغيرات في متوسط معدلات التعريفات الجمركية. ومع ذلك، وبالمقارنة مع الوضع قبل سياسات التعريفات الجمركية الشاملة لترمب، واجهت كوريا الجنوبية زيادات في التعريفات الجمركية أعلى من أكثر من نصف المُصدرين الخمسين، بما في ذلك اليابان والاتحاد الأوروبي، وفقاً لـ«بنك كوريا». وأسهم اتفاق التجارة الحرة السابق بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، وتعرضها الكبير للرسوم الجمركية الأميركية الباهظة على واردات السيارات ومنتجات الصلب، في زيادة حدة هذه الزيادة، وفقاً لتقرير بنك كوريا المركزي.

تثبيت الفائدة

وفي سياق منفصل، أبقى البنك المركزي الكوري الجنوبي أسعار الفائدة الرئيسية ثابتة للمراجعة الثانية على التوالي، يوم الخميس، وسط مخاوف بشأن مخاطر سوق الإسكان، لكنه أشار إلى مزيد من التيسير لمواجهة تأثير الرسوم الجمركية الأميركية على النمو. وصوَّت مجلس السياسة النقدية في بنك كوريا المركزي بأغلبية 6 أصوات مقابل صوت واحد على إبقاء سعر الفائدة القياسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، بما يتماشى مع التوقعات. كما عدّل البنك المركزي توقعاته للنمو لهذا العام من 0.8 في المائة سابقاً إلى 0.9 في المائة، وهو ما يُمثل أبطأ نمو منذ عام 2020. وقال المحافظ، ري تشانغ يونغ، في مؤتمر صحافي: «هناك فرصة كبيرة لاستمرار سياسة التيسير النقدي الحالية على الأقل حتى النصف الأول من العام المقبل، إذ من المرجح أن يظل النمو منخفضاً حتى النصف الأول، على أساس ربع سنوي، قبل أن يقترب من المعدل المحتمل للاقتصاد في النصف الثاني». وكان شين سونغ هوان، المعروف بتأييده لخفض أسعار الفائدة، هو المعترض الوحيد من بين أعضاء مجلس البنك المركزي يوم الخميس، ودعا إلى خفض فوري بمقدار 25 نقطة أساس. ومع توجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نحو خفض أسعار الفائدة، يتوقَّع المحللون أن يستأنف بنك كوريا المركزي سياسة التيسير النقدي في الرُّبع الأخير، حيث يُخفف التعافي الاقتصادي المتعثر من المخاوف بشأن ارتفاع التضخم. وأوضح ري أن أي تخفيف إضافي للفائدة يجب أن يكون مدروساً لضمان عدم إضافة سيولة غير ضرورية إلى سوق العقارات في سيول، التي تبلغ نسبة السعر إلى الدخل فيها 21.3 مرة، وهي نسبة أعلى من 19.4 مرة في لندن و12.4 مرة في سيدني. وصرَّح بنك كوريا المركزي في بيان: «من الضروري مواصلة تقييم ما إذا كان الاقتصاد سيظل على مسار استقرار مستدام في ظل تباطؤ ارتفاع أسعار المساكن في سيول والمناطق المحيطة بها ونمو ديون الأسر». وقد أدى تخفيض أسعار الفائدة 4 مرات منذ العام الماضي إلى تأجيج المخاوف بشأن ارتفاع ديون الأسر، في حين كان لعدم اليقين بشأن التعريفات الأميركية تأثير كبير على اقتصاد كوريا الجنوبية المعتمد على التجارة واستثماراتها. وارتفعت الصادرات للشهر الثاني على التوالي في يوليو بفضل قوة مبيعات الرقائق والسيارات، وذلك بفضل الشحنات المُسبقة لتجنب أي زيادة في الرسوم الجمركية الأميركية. وصرَّح آن جاي كيون، المحلل في شركة «كوريا للاستثمار والأوراق المالية»، قائلاً: «إن تعليق ري حول استمرار ضعف النمو خلال النصف الأول يتماشى إلى حد ما مع توقعات السوق بخفضين إضافيَّين لأسعار الفائدة». ويتوقَّع جاي كيون أن يصل سعر الفائدة الأساسي إلى 2.0 في المائة بنهاية يونيو (حزيران) من العام المقبل. ورفض ري التعليق على سعر الفائدة النهائي، لكنه صرّح مراراً وتكراراً بأن بنك كوريا المركزي قد لا يحتاج إلى خفض أسعار الفائدة بالقدر نفسه الذي يحتاج إليه نظراؤه العالميون، لأنه لم يُشدد سياسته النقدية بالقدر نفسه خلال الجائحة.


مقالات ذات صلة

بريطانيا تخفض الرقابة على البنوك الكبرى إلى مرة كل عامين

الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

بريطانيا تخفض الرقابة على البنوك الكبرى إلى مرة كل عامين

أعلنت هيئة التنظيم الاحترازي التابعة لبنك إنجلترا يوم الخميس أنها ستخفض وتيرة اجتماعات الرقابة على البنوك الكبرى إلى دورة مدتها عامان

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير المالية الكوري الجنوبي كو يون تشول يناقش استراتيجيات النمو الاقتصادي مع مسؤولين حكوميين في سيول يوم 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وزير المالية الكوري يتعهد باستجابة سريعة لتقلبات سوق الصرف الأجنبي

قال وزير المالية الكوري الجنوبي، الأربعاء، إن بلاده ستتخذ خطوات عاجلة لكبح التقلبات المتصاعدة في سوق الصرف الأجنبي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مبنى «بنك إنجلترا» في وسط لندن (رويترز)

تايلور من «بنك إنجلترا»: الفائدة ستواصل الانخفاض مع اقتراب التضخم من 2 %

قال صانع السياسات النقدية في «بنك إنجلترا»، آلان تايلور، يوم الأربعاء، إن أسعار الفائدة التي يحددها البنك المركزي ستواصل الانخفاض.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد فرنسوا فيليروي دي غالهو يلقي كلمة خلال تهاني العام الجديد في القاعة الذهبية لـ«بنك فرنسا» 12 يناير 2026 (أ.ف.ب)

دي غالهو: عجز موازنة فرنسا فوق 5 % يضعها في «منطقة الخطر المالي»

حذّر فرانسوا فيليروي دي غالهو، محافظ بنك فرنسا، يوم الأربعاء، من أن فرنسا ستدخل منطقة الخطر المالي إذا تجاوز عجز موازنة البلاد 5 في المائة خلال عام 2026.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد الحاكمة الجديدة لمصرف الاحتياطي النيوزيلندي آنا بريمان (رويترز)

انتقادات نيوزيلندية لمحافظة البنك المركزي بعد تضامنها مع باول

وجّه وزير الخارجية النيوزيلندي، وينستون بيترز، انتقادات علنية إلى محافظة البنك المركزي الجديدة في بلاده، آنا بريمان، على خلفية توقيعها بياناً مشتركًا لدعم باول.

«الشرق الأوسط» (ويلينغتون )

«المراعي» ترفع أرباحها الفصلية 8 % إلى 124 مليون دولار بدعم نمو الإيرادات

جناح «المراعي» في أحد المعارض المقامة في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
جناح «المراعي» في أحد المعارض المقامة في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

«المراعي» ترفع أرباحها الفصلية 8 % إلى 124 مليون دولار بدعم نمو الإيرادات

جناح «المراعي» في أحد المعارض المقامة في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
جناح «المراعي» في أحد المعارض المقامة في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

ارتفع صافي ربح شركة «المراعي» السعودية، أكبر شركة لإنتاج وتوزيع الأغذية والمشروبات في الشرق الأوسط، خلال الربع الرابع من عام 2025 بنسبة 8 في المائة ليصل إلى 464.8 مليون ريال (124 مليون دولار)، مقارنة مع 430.7 مليون ريال (115 مليون دولار) في الربع المماثل من عام 2024.

وبحسب بيان الشركة المنشور على موقع سوق الأسهم السعودية (تداول)، الأحد، يُعزى هذا الارتفاع إلى نمو الإيرادات، وضبط التكاليف، وتحسّن مزيج المبيعات.

وأوضحت الشركة أن مساهمة قطاعات التشغيل الرئيسية التي أدت إلى نمو صافي الربح بنسبة 8 في المائة جاءت على النحو التالي:

- قطاع الألبان والعصائر: ارتفع صافي الربح خلال الربع الحالي مقارنة بالعام السابق، نتيجة زيادة المبيعات في جميع الأسواق، بقيادة السوق المصري، إضافة إلى ضبط التكاليف.

- قطاع المخبوزات: سجَّل ارتفاعاً في صافي الربح خلال الربع الحالي مقارنة بالعام السابق، مدعوماً بتحسّن مزيج المبيعات.

- قطاع الدواجن: انخفض صافي الربح خلال الربع الحالي مقارنة بالعام السابق، غير أن أثر الانخفاض جرى تخفيفه من خلال زيادة حجم المبيعات المرتبطة بمشروع توسعة قطاع الدواجن وتحقيق وفورات الحجم.

وسجَّلت المبيعات خلال الربع الرابع من عام 2025 نمواً بنسبة 5.8 في المائة لتبلغ 5.4 مليار ريال (1.44 مليار دولار)، مقارنة مع 5.1 مليار ريال (1.36 مليار دولار) في الفترة المماثلة من عام 2024، مدفوعة بالنمو في غالبية الأسواق وجميع قنوات البيع، بقيادة قطاعات الدواجن، والأغذية، والألبان، والمخبوزات، والمياه المعبأة.

وتُعد شركة «المراعي»، التي تعمل في مجال إنتاج وتوزيع الأغذية والمشروبات في الشرق الأوسط، أكبر شركة ألبان متكاملة رأسياً على مستوى العالم.

وعلى أساس فصلي، تراجع صافي الربح بنسبة 24 في المائة مقارنة بالربع الثالث من عام 2025، الذي بلغ فيه 613.2 مليون ريال (163.5 مليون دولار)، وذلك بسبب تنوع مزيج المبيعات والتغير الموسمي في الأنماط الاستهلاكية.

وبلغت ربحية السهم بنهاية العام الماضي 2.48 ريال للسهم، مقارنة مع 2.34 ريال للسهم للفترة المماثلة من عام 2024.

يُذكر أن الشركة كانت قد أعلنت في 5 يناير (كانون الثاني) الحالي عن أثر ارتفاع سعر الديزل اعتباراً من 1 يناير 2026، مشيرةً إلى أن الأثر المباشر للزيادة سيؤدي إلى تكلفة إضافية تُقدَّر بنحو 70 مليون ريال (18.7 مليون دولار) للعام الحالي، إضافة إلى أثر غير مباشر متوقع من أجزاء أخرى في سلاسل الإمداد. وأكدت «المراعي» استمرار تركيزها على كفاءة الأعمال، وتحسين التكاليف، ومبادرات أخرى للتخفيف من أثر هذه الزيادة.


المحكمة العليا الأميركية تفصل في أحقية ترمب إقالة ليزا كوك

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية تفصل في أحقية ترمب إقالة ليزا كوك

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)

بينما تحتفل الأجنحة السياسية في واشنطن بالذكرى السنوية الأولى لتنصيب الرئيس دونالد ترمب لولاية ثانية في 20 يناير (كانون الثاني)، يجد الرئيس نفسه في اليوم التالي، أمام اختبار قضائي شديد الأهمية. ففي أروقة المحكمة العليا، تبدأ المرافعات الشفهية في قضية ترمب ضد محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك، لترسم معالم الصراع بين السلطة التنفيذية واستقلالية القرار النقدي.

لا يبدو اختيار التوقيت محض صدفة؛ فبعد عام كامل من محاولات إعادة صياغة الاقتصاد الأميركي وفق رؤية «ماغا» (Make America Great Again)، يستهل ترمب عامه الثاني بهجوم جبهوي على «الفيدرالي». ويرى مراقبون أن نجاح ترمب في هذه القضية غداة ذكرى تنصيبه سيكون بمثابة «إعلان سيادة» كاملة على مفاصل الدولة كافة، بما في ذلك المؤسسات التي ظلت محصنة لعقود.

كما يأتي هذا التاريخ في توقيت شديد الحساسية، بعد أيام قليلة من إعلان رئيس «الفيدرالي» جيروم باول عن خضوعه لتحقيقات جنائية من وزارة العدل، مما يجعل من قرار المحكمة «حجر زاوية» لمستقبل الجهاز المصرفي بأكمله.

من الاحتفالات إلى المرافعات

بعد تسليط الأضواء على منجزات العام الأول في الـ20 من الشهر الحالي، تنتقل العدسة إلى المحكمة العليا؛ حيث يحاول الفريق القانوني للرئيس إقناع القضاة بأن حصانة أعضاء الفيدرالي (مثل ليزا كوك) تعيق قدرة الرئيس على تنفيذ تفويضه الشعبي. وفي المقابل، تقف كوك مدعومة بقرارات المحاكم الأدنى التي رفضت إقالتها، لتؤكد أن البنك المركزي ليس «إدارة تابعة»، بل مؤسسة تقنية يجب أن تبقى بعيدة عن تقلبات السياسة.

يشير القانونيون إلى أن تدخل القضاء في تفاصيل السياسة الاقتصادية بهذا الحجم لم يُشهد منذ حقبة «الاتفاق الجديد» للرئيس فرانكلين روزفلت في الثلاثينات. وتعد قضية «كوك» النزاع الاقتصادي الثاني الذي يصل للمحكمة العليا بعد الطعن في قانونية التعريفات الجمركية العالمية التي فرضها ترمب.

ويحذر خبراء الاقتصاد من أن تحويل «الاحتياطي الفيدرالي» إلى هيئة تابعة سياسياً قد يؤدي إلى عواقب كارثية على استقرار العملة الخضراء. وفي هذا السياق، يرى جون يو، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا ببركلي، أن السيطرة السياسية على عرض النقود وأسعار الفائدة تؤدي حتماً إلى تضخم جامح، وهو درس أكدته تجارب دولية مريرة.

رغم أن المحكمة العليا تتمتع بأغلبية محافظة (6 إلى 3)، فإن القضاة أبدوا في مداولات أولية شكوكاً تجاه توسيع صلاحيات الرئيس في المجال الاقتصادي البحت. وتترقب الأسواق العالمية ما سيسفر عنه هذا النزاع، حيث من المتوقع صدور الأحكام النهائية بشأن قضيتي التعريفات الجمركية وإقالة ليزا كوك بحلول نهاية يونيو (حزيران) 2026.


صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
TT

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)

في عام 2019، اجتاحت تركيا موجة من عدم الاستقرار الاقتصادي بعدما قام الرئيس رجب طيب أردوغان بإقالة محافظ البنك المركزي مراد شيتينكايا لرفضه الانصياع لأوامره لخفض الفائدة، ما أدى إلى انهيار الليرة وتصاعد التضخم. اليوم، يبدو أن هذا المشهد «غير التقليدي» ينتقل إلى واشنطن، لكن بحدة أكبر، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». فالمعركة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لم تعد تقتصر على التصريحات، بل تحولت إلى مواجهة قضائية مفتوحة تهدد أسس الاقتصاد العالمي وسمعة المؤسسات الأميركية التي قادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد كسر باول التقاليد الصارمة لمنصبه هذا الأسبوع، حينما ظهر في مقطع فيديو مباشر ليفضح ما وصفه بـ«المناورة» القضائية ضده. وتتمحور القضية حول تحقيق تجريه وزارة العدل في مشروع ترميم مقر البنك الذي بلغت تكلفته 2.5 مليار دولار.

لكن خلف كواليس الأرقام، يبدو أن الهدف الحقيقي ليس مراقبة الميزانية؛ فقد صرح باول بوضوح أن هذا التحقيق ما هو إلا «ذريعة» ووسيلة ضغط لابتزازه سياسياً لإجبار البنك على خفض معدلات الفائدة إلى مستويات تقترب من 1 في المائة. ويرى ترمب أن هذا الخفض هو «الوقود» اللازم لإنعاش الاقتصاد وخفض تكاليف الاقتراض الحكومي بمليارات الدولارات، متجاهلاً استقلالية القرار النقدي.

هذا الصدام العلني أثار قلقاً دولياً واسعاً؛ حيث يرى خبراء، مثل غيتا غوبيناث من جامعة هارفارد، أننا نعيش «لحظة تاريخية» قد تترك آثاراً باقية في هيبة الولايات المتحدة وقدرتها على قيادة النظام المالي العالمي.

أعمال البناء في مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الانقسام داخل المعسكر الجمهوري

لم يمر تصعيد وزارة العدل دون «نيران صديقة»؛ فحتى حلفاء ترمب الأكثر إخلاصاً أبدوا قلقاً من تكتيكات المدعية العامة جينين بيرو. لاري كودلو، المستشار الاقتصادي السابق لترمب، ألمح إلى أن وزارة العدل ربما «تسرعت في إطلاق الزناد» ضد باول.

وفي كابيتول هيل، بدأت أصوات جمهورية وازنة، يقودها السيناتور ثوم تيليس، بالتمرد علناً، مهددين بعرقلة أي مرشح جديد يخلف باول ما لم تتوقف هذه الملاحقات. هذا الانقسام يضع ترمب في مأزق؛ فبدلاً من «تطهير» البنك من خصومه، قد ينتهي به الأمر بمواجهة تمرد داخل حزبه يعيق قدرته على تعيين خلف «موالٍ» بالكامل.

معركة ليزا كوك

بينما يتوجه ترمب إلى دافوس للدفاع عن أفكاره الاقتصادية أمام النخبة العالمية، تراقب الأوساط القانونية بترقب المحكمة العليا. القضية تتعلق بمحاولة ترمب إقالة محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك بتهم تتعلق باحتيال عقاري مزعوم. وهو ما نفته كوك جملة وتفصيلاً.

ووفقاً للمسؤول السابق في «الاحتياطي الفيدرالي» فريد ميسكين، فإن قرار المحكمة سيكون «نقطة تحول تاريخية»؛ فإذا أقر القضاة حق الرئيس في إقالة أعضاء البنك المركزي لأسباب سياسية، فإن ذلك سيمنح ترمب السلطة المطلقة لاستبدال مجلس المحافظين بأكمله وإحلال «أتباع» يأتمرون بأمره، مما يحول «الفيدرالي» من حارس للعملة إلى مجرد فرع تابع للبيت الأبيض.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لدى دخوله مقر البنك المركزي في واشنطن (رويترز)

الأسواق تراقب بصمت

حتى الآن، تبدو أسواق الأسهم والسندات في «وول ستريت» هادئة، مراهنةً على قدرة «الفيدرالي» على الصمود. لكن خلف هذا الهدوء، ثمة تحركات «تحوطية» بدأت تظهر؛ فمؤسسات مالية كبرى مثل «بيمكو» بدأت بتنويع أصولها بعيداً عن الدولار، استشعاراً لمخاطر «التسييس الزاحف» للسياسة النقدية.

ويرى آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون، أن دولاً وشركات بدأت بالفعل في «التأمين الذاتي» ضد تقلبات السياسة الأميركية، ليس عبر الهروب الجماعي، بل بوضع خطط بديلة لا تعتمد كلياً على العملة الخضراء.

هذا التوجه لا يعني انهيار الدولار غداً، بل يعني تآكلاً تدريجياً في الثقة بالولايات المتحدة كـ«ملاذ آمن». وكما يقول كلاس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي: «كانت أميركا تقود العالم بالقدوة في بناء المؤسسات، والآن يبدو أنها اختارت تقديم مثال مختلف تماماً».

الضرر الذي لا يمكن إصلاحه

الخطر الحقيقي لهذه المواجهة يتجاوز شخص باول؛ فهو يتعلق بـ«التسييس الزاحف» الذي قد يستمر لعقود. لايل برينارد، المسؤولة السابقة في «الاحتياطي الفيدرالي»، تحذر من «الأثر الخفي»؛ حيث سيصبح مسؤولو السياسة النقدية في المستقبل يرتعدون خوفاً من الملاحقات الجنائية إذا اتخذوا قرارات لا تعجب الرئيس. في هذا السيناريو، لن تصبح الفائدة أداة لمحاربة التضخم، بل لخدمة الدورات الانتخابية، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي برمته على «فوهة بركان» من عدم اليقين.