أميركا وأوروبا تتوصلان إلى اتفاق تجاري شامل... فما أبرز بنوده؟

واشنطن ستخفّض رسوم السيارات بعد إقرار بروكسل التشريعات اللازمة

ترمب يصافح فون دير لاين بعد إعلان صفقة تجارية أميركية-أوروبية في تورنبرّي باسكوتلندا يوم 27 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب يصافح فون دير لاين بعد إعلان صفقة تجارية أميركية-أوروبية في تورنبرّي باسكوتلندا يوم 27 يوليو 2025 (رويترز)
TT

أميركا وأوروبا تتوصلان إلى اتفاق تجاري شامل... فما أبرز بنوده؟

ترمب يصافح فون دير لاين بعد إعلان صفقة تجارية أميركية-أوروبية في تورنبرّي باسكوتلندا يوم 27 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب يصافح فون دير لاين بعد إعلان صفقة تجارية أميركية-أوروبية في تورنبرّي باسكوتلندا يوم 27 يوليو 2025 (رويترز)

توصلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، (الخميس)، إلى اتفاق تجاري شامل، تم التوصل إلى إطاره الأساسي الشهر الماضي. ويفرض الاتفاق رسوماً جمركية أميركية بنسبة 15 في المائة على معظم الواردات الأوروبية، بما في ذلك السيارات، والأدوية، وأشباه الموصلات، والأخشاب.

وفي بيان مشترك من ثلاث صفحات ونصف الصفحة، سرد الجانبان التزاماتهما، بما في ذلك تعهد الاتحاد الأوروبي بإلغاء الرسوم الجمركية على جميع السلع الصناعية الأميركية، وتوفير وصول تفضيلي إلى الأسواق لمجموعة واسعة من المأكولات البحرية والسلع الزراعية الأميركية، وفق «رويترز».

علم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع عبارة «رسوم جمركية 15 %» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

وفيما يلي أبرز عناصر البيان، الذي تم إعداده بعد أسابيع من المفاوضات الدقيقة:

إلغاء الرسوم على السلع الصناعية الأميركية:

يتعين على الاتحاد الأوروبي إزالة الرسوم الجمركية على جميع السلع الصناعية الأميركية، وتوفير وصول تفضيلي إلى الأسواق لمجموعة واسعة من السلع البحرية والزراعية الأميركية، بما في ذلك المكسرات، ومنتجات الألبان، والفواكه والخضراوات الطازجة والمصنعة، والأطعمة المعالجة، وبذور الزراعة، وزيت الصويا، واللحوم.

معدل الرسوم الأساسية على السلع الأوروبية:

ستخضع معظم السلع الأوروبية التي تدخل الولايات المتحدة إلى رسم جمركي أساسي بنسبة 15 في المائة. هذه الرسوم لا تُضاف إلى أي معدلات قائمة، وهي مصممة لتكون الحد الأقصى، باستثناء الحالات المحدودة التي تكون فيها المعدلات السابقة أعلى.

السيارات وقطع الغيار:

ستخضع السيارات وقطع الغيار للرسوم الجمركية بنسبة 15 في المائة مقارنة بنسبة 27.5 في المائة الحالية، وذلك فقط اعتباراً من أول يوم في الشهر الذي يقدم فيه الاتحاد الأوروبي مقترحاً تشريعياً لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية. وينص البيان المشترك أيضاً على أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يعتزمان قبول والاعتراف المتبادل بمعايير كل طرف للسيارات.

الأدوية وأشباه الموصلات:

ستخضع الأدوية الأوروبية وأشباه الموصلات والأخشاب للرسوم الجمركية بنسبة 15 في المائة، وذلك فقط بعد أن تُكمل الولايات المتحدة تحقيقات المادة 232 وتحدد معدلات التعريفات الجمركية العالمية الجديدة للقطاعين. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، سيكون الحد الأقصى للرسوم 15 في المائة. وفي الوقت الحالي، تُطبق عليها رسوم منخفضة أو معدومة حسب التعريفات السابقة.

قطاعات أخرى:

ستطبق الولايات المتحدة فقط تعريفات «الدولة الأكثر رعاية» بدءاً من 1 سبتمبر (أيلول) على المنتجات الأوروبية التالية: الموارد الطبيعية غير المتاحة (بما في ذلك الفلين)، وجميع الطائرات وقطع غيارها، والمكونات الكيميائية الأساسية.

المعادن:

لم يذكر البيان المشترك أي معدلات محددة لصادرات المعادن الأوروبية إلى الولايات المتحدة، مكتفياً بالقول إن كلا الطرفين «ينوي دراسة إمكانية التعاون لحماية أسواقهما المحلية من فائض الطاقة الإنتاجية، مع ضمان سلاسل توريد آمنة بينهما، بما في ذلك من خلال حلول حصص الرسوم الجمركية». وأكد المسؤولون الأوروبيون والأميركيون سابقاً أن الرسوم على الصلب والألمنيوم الأوروبي ستبقى عند 50 في المائة، مع تطبيق النسبة نفسها على النحاس بدءاً من 1 أغسطس (آب).

حاويات متوقفة في ميناء بلباو بإسبانيا (رويترز)

المشتريات الاستراتيجية:

يلتزم الاتحاد الأوروبي في البيان المشترك بشراء الغاز الطبيعي المسال الأميركي، والنفط، ومنتجات الطاقة النووية بما يقدر بقيمة 750 مليار دولار حتى عام 2028. كما أعلن الاتحاد الأوروبي عن نيته شراء ما لا يقل عن 40 مليار دولار من رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية لمراكز الحوسبة الخاصة به.

كما تخطط الشركات الأوروبية للعمل مع الولايات المتحدة لتبني والحفاظ على متطلبات أمن التكنولوجيا بما يتوافق مع المعايير الأميركية لتجنب تسرب التكنولوجيا إلى «وجهات محل القلق».

وسيستثمر الاتحاد الأوروبي 600 مليار دولار إضافية في القطاعات الاستراتيجية في الولايات المتحدة حتى عام 2028، وفقاً للالتزامات المشتركة للشركات الأوروبية.

المشتريات الدفاعية:

ستشتري دول الاتحاد الأوروبي معدات عسكرية أميركية، دون تحديد المبلغ ضمن الاتفاق.

بنود أخرى:

سيعمل الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة على تبسيط متطلبات الشهادات الصحية لمنتجات الألبان الأميركية. كما سيتعاون الطرفان بشأن فحص الاستثمارات والرقابة على الصادرات، بالإضافة إلى معالجة السياسات غير السوقية، مثل الإنتاج المدعوم في الصين.

وسيعالج الاتحاد الأوروبي المخاوف المتعلقة بقانون إزالة الغابات الأميركي لتجنب التأثير غير المبرر على التجارة، مؤكداً أن الإنتاج في الولايات المتحدة يمثل «خطراً ضئيلاً» على إزالة الغابات العالمية.

كما سيوفر الاتحاد الأوروبي مرونة إضافية للشركات الأميركية الصغيرة والمتوسطة المتأثرة بقانون التكيف الحدودي للكربون في الاتحاد الأوروبي، الذي يفرض ضريبة على السلع المستوردة من مناطق لا تطبق قوانين انبعاثات الكربون الصارمة كما هو الحال في أوروبا.

الخدمات الرقمية:

يؤكد البيان المشترك التزام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بمعالجة الحواجز التجارية الرقمية غير المبررة، ويؤكد الاتحاد الأوروبي أنه لن يعتمد أو يفرض رسوماً على استخدام الشبكات. كما ينص البيان على أن الطرفين لن يفرضا رسوماً جمركية على «التحويلات الإلكترونية».

تخفيف رسوم السيارات الأوروبية:

يشكّل كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معاً 44 في المائة من الاقتصاد العالمي.

وأعلنت واشنطن أنها ستتخذ خطوات لخفض الرسوم الجمركية الأميركية الحالية البالغة 27.5 في المائة على السيارات وقطع غيارها، والتي تُشكل عبئاً كبيراً على شركات صناعة السيارات الأوروبية، بمجرد أن تُقرّ بروكسل التشريع اللازم لتطبيق التخفيضات الجمركية الموعودة على السلع الأميركية.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الاتفاق في 27 يوليو (تموز) في ملعب ترمب للغولف في تيرنبيري، اسكوتلندا، بعد اجتماع استمر ساعة واحدة أعقب شهوراً من المفاوضات.

وجاء الاتفاق ضمن مفاوضات تهدف إلى دعم إنهاء حرب روسيا في أوكرانيا، حيث أشاد الطرفان بالإطار التجاري باعتباره إنجازاً تاريخياً، مع إمكانية توسيع الاتفاق مستقبلاً ليشمل مجالات إضافية وتحسين الوصول إلى الأسواق.

وقال مسؤول أميركي كبير، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن شركات صناعة السيارات الأوروبية قد تشهد تخفيفاً للرسوم الجمركية الأميركية الحالية في غضون «أسابيع»، مشيراً إلى أن الإعفاء سيدخل حيز التنفيذ في اليوم الأول من الشهر الذي يقدم فيه الاتحاد الأوروبي التشريع اللازم، مما يتيح تطبيقه بأثر رجعي على شركات السيارات.

وأضاف المسؤول أن البيان المشترك يمثل «محاولة لمحاسبة كل طرف» وضمان تنفيذ التعهدات، مؤكداً أهمية التنسيق بين الجانبين لضمان البدء في الإجراءات التشريعية لتخفيض الرسوم الجمركية بشكل متزامن تقريباً.


مقالات ذات صلة

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد أشخاص يصطفّون خارج مركز توظيف في لويفيل بولاية كنتاكي الأميركية (أرشيفية - رويترز)

تراجع الطلبات الأسبوعية لإعانة البطالة في أميركا رغم الحذر من التوظيف

تراجع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل، رغم حذر الشركات بشأن التوظيف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتات بنوك «جي بي مورغان تشيس» و«سيتي بنك» و«ويلز فارغو» (رويترز)

بنوك «وول ستريت» تجني 45 مليار دولار من الأزمات الجيوسياسية

بينما يواجه العالم تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، أثبت «شارع المال» الأميركي قدرة استثنائية على تحويل التقلبات إلى مكاسب مليارية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.