الصين وأميركا... مفاوضات استوكهولم تحدد مصير الهدنة التجارية

المعادن الاستراتيجية قلبت موازين القوى

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يتصافحان بعد الإدلاء ببيانات مشتركة في قاعة الشعب الكبرى ببكين عام 2017 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يتصافحان بعد الإدلاء ببيانات مشتركة في قاعة الشعب الكبرى ببكين عام 2017 (رويترز)
TT

الصين وأميركا... مفاوضات استوكهولم تحدد مصير الهدنة التجارية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يتصافحان بعد الإدلاء ببيانات مشتركة في قاعة الشعب الكبرى ببكين عام 2017 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يتصافحان بعد الإدلاء ببيانات مشتركة في قاعة الشعب الكبرى ببكين عام 2017 (رويترز)

للمرة الثالثة خلال شهرين، سيجتمع مسؤولون أميركيون وصينيون في أوروبا؛ لإجراء محادثات تجارية، وهذه المرة، تصل بكين إلى طاولة المفاوضات أكثر جرأة من أي وقت مضى. إذ أجبرت قبضتُها القوية على المعادن الاستراتيجية إدارةَ ترمب على التراجع عن بعض قيود التصدير المفروضة على الصين، بما في ذلك التراجع المذهل عن حظر مبيعات شريحة الذكاء الاصطناعي الرئيسية من شركة «إنفيديا».

في غضون ذلك، حقَّق الاقتصاد الصيني نمواً أفضل من المتوقع بعد أشهر من بدء الحرب التجارية، وفقاً لبيانات حكومية، محققاً فائضاً تجارياً قياسياً يؤكد مرونة صادراتها في ظل ابتعادها عن السوق الأميركية.

وقبل أيام قليلة فقط، عزَّزت بكين موقفها المتشدد في قمة مهمة مع الاتحاد الأوروبي، ولم تقدم سوى القليل لمعالجة مخاوف الكتلة، بدءاً من اختلالات الميزان التجاري، ووصولاً إلى حرب أوكرانيا.

العلم الصيني يرفرف على سفينة في ميناء أوكلاند (أ.ب)

ثقة متجددة

مع انطلاق جولة جديدة من المحادثات في استوكهولم، يوم الاثنين، من المتوقع أن يستقبل المفاوضون الصينيون، بقيادة نائب رئيس الوزراء هي ليفينغ، نظراءهم الأميركيين بثقة متجددة في نهج بكين الصارم والحازم، وبرغبة متزايدة في تقديم مزيد من التنازلات الأميركية، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي يقود الوفد الأميركي، قبل المحادثات في العاصمة السويدية إن الجانبين سيعملان على تمديد «محتمل» للهدنة التجارية بينهما، التي تنتهي حالياً في 12 أغسطس (آب).

وكانت الهدنة التي استمرَّت 90 يوماً، والتي تمَّ التوصُّل إليها في اجتماع جنيف في مايو (أيار)، أدت إلى وقف فرض رسوم جمركية ضخمة في أبريل (نيسان)، والتي هدَّدت بقطع التجارة بين أكبر اقتصادين في العالم. وقد تم تقليص الهدنة من حافة الانهيار مع إجراء مزيد من المحادثات في لندن في يونيو (حزيران)، بعد أن اتهم كل جانب الآخر بالتراجع عن وعوده.

والآن، قد تُقدِّم محادثات استوكهولم مؤشرات على مدى استمرار هذا الانفراج، وما إذا كان بإمكان البلدين تخفيض الرسوم الجمركية المتبقية بشكل أكبر، ومعالجة قضايا شائكة أخرى، مثل القيود على التكنولوجيا، في سعيهما للتوصُّل إلى اتفاق دائم.

تأتي الجولة الأخيرة من المفاوضات في أعقاب سلسلة الصفقات التجارية التي أبرمها دونالد ترمب أخيراً مع المملكة المتحدة واليابان وشركاء تجاريين آخرين، في جزء من حرب الرسوم الجمركية العالمية التي أطلقها في وقت سابق من هذا العام.

لكن يبدو أن الرئيس الأميركي قد خفَّف من حدة نهجه العدائي تجاه الصين، وتحدَّث بحماس عن زيارة البلاد بدعوة من زعيمها شي جينبينغ في «المستقبل غير البعيد».

لاعب يحرك قطعاً من لعبة «حرب النجوم ليجيون» المصنوعة في الصين داخل متجر «جيم كاسل» بكوليدج بارك (أ.ف.ب)

بيسنت والنبرة الإيجابية

كُشف أخيراً أن السلطات الصينية منعت موظفاً في وزارة التجارة الأميركية ومسؤولاً تنفيذياً في بنك «ويلز فارغو» من مغادرة الصين، مما ألقى بظلاله على المحادثات. وندَّد وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، بهذا الحظر ووصفه بأنه «شائن».

مع ذلك، أبدى بيسنت نبرة إيجابية عند إعلانه الجولة الأخيرة من المفاوضات، قائلاً: «التجارة في وضع جيد للغاية مع الصين». وقال لقناة «فوكس بيزنس»، يوم الثلاثاء: «أعتقد أننا انتقلنا بالفعل إلى مستوى جديد مع الصين، وهو أمر بنّاء للغاية». وأضاف أن البلدين سيناقشان أيضاً شراء الصين النفط «الخاضع للعقوبات» من روسيا وإيران.

ويوم الخميس، قال لوتنيك إن الشركة المُقترحة التابعة لتطبيق «تيك توك» الشهير للفيديوهات القصيرة في الولايات المتحدة، التي تنتظر موافقة بكين، ستكون جزءاً من المناقشات أيضاً.

من جانبهم، أبقى المسؤولون الصينيون جدول أعمال المحادثات غامضاً. ففي بيان صدر الأسبوع الماضي، ذكرت وزارة التجارة أن الجانبين «سيواصلان المشاورات حول القضايا الاقتصادية والتجارية ذات الاهتمام المشترك، مسترشدَين بمبادئ الاحترام المتبادل، والتعايش السلمي، والتعاون المربح للجانبين».

شريحة من إنتاج شركة التكنولوجيا الأميركية «إنفيديا» في برلين (إ.ب.أ)

جدول أعمال بكين

بالنسبة لبكين، تُركّز مفاوضات هذا الأسبوع على الرسوم الجمركية الأميركية المتبقية على الواردات الصينية، وفقاً لخبراء صينيين.

تشمل الرسوم الجمركية، البالغة نحو 55 في المائة، رسوماً جمركية «متبادلة» بنسبة 10 في المائة فرضتها الولايات المتحدة على شركائها التجاريين في أبريل، ورسوماً بنسبة 20 في المائة فُرضت على الصين؛ بسبب ما وصفه ترمب بدوره في تدفق الفنتانيل غير المشروع إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى رسوم جمركية سابقة، وفقاً للبيت الأبيض.

ويقول خبراء صينيون إن من أهم أولويات بكين السعي إلى إلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على الفنتانيل، البالغة 20 في المائة.

في الشهر الماضي، أعلنت الصين أنها ستضيف مادتَين إضافيَّتين من سلائف الفنتانيل إلى قائمة المواد الخاضعة للرقابة، وأدرجت النيتازينات - وهي فئة من المواد الأفيونية الاصطناعية القوية - في قائمة أخرى للأدوية الخاضعة للرقابة.

خلال ولايته الأولى، بدأ ترمب بفرض قيود تقنية على الشركات الصينية، بما في ذلك شركة «هواوي»، عملاق التكنولوجيا الوطني. ثم تبعه خليفته، الرئيس السابق جو بايدن، بتوسيع نطاق القيود لتشمل مجموعة واسعة من الفئات.

وقال وو، مستشار وزارة الخارجية الصينية: «بعد هذه الفترة من التنافس الأميركي - الصيني، أدرك الجانب الأميركي أن الصين تمتلك أوراقاً مهمة، والأهم من ذلك، أنها مستعدة لاستخدامها عند الضرورة». وأوضح أن هذه الأوراق تشير إلى اعتماد أميركا على سلسلة التوريد الصينية، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات، اللازمة لكل شيء من الإلكترونيات والمركبات اليومية، إلى الطائرات المقاتلة.

المعادن في صلب المفاوضات

في ذروة الحرب التجارية مع الولايات المتحدة في أبريل، استغلت الصين هيمنتها العالمية على سلسلة توريد المعادن الأرضية النادرة، وفرضت شروط ترخيص جديدة على صادرات 7 أنواع من معادن الأرض النادرة وكثير من المغناطيسات.

وقد أدى الانخفاض الكبير في صادرات الصين من المعادن الأرضية النادرة، على الرغم من الهدنة التجارية التي تم التوصُّل إليها في مايو في جنيف، إلى تجدد التوترات، مما دفع ترمب إلى اتخاذ «إجراءات مضادة»، بما في ذلك ضوابط تصدير برمجيات الرقائق والإيثان والمحركات النفاثة. ولم يهدأ الخلاف المتجدد إلا بعد اجتماع لندن، الشهر الماضي، عندما وافقت بكين على السماح بتدفق المعادن الأرضية النادرة، وقرَّرت واشنطن رفع قيودها على التصدير.


مقالات ذات صلة

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

الاقتصاد أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

وافق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس، بشروط، على اتفاقية الرسوم الجمركية التي أبرمها الاتحاد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)

بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

أبرم الاتحاد الأوروبي وأستراليا، يوم الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرة شاملة طال انتظارها، بعد مفاوضات استمرت 8 سنوات.

«الشرق الأوسط» (كانبرا )
الاقتصاد مقر البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)

«المركزي السويدي» يُثبّت الفائدة... ويتحصّن بـ«الانتظار» لمواجهة ضبابية الحرب

أبقى البنك المركزي السويدي سعر الفائدة الرئيسي عند 1.75 في المائة يوم الخميس، كما كان متوقعاً على نطاق واسع.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم )
الاقتصاد خزانات ووحدات تبريد الغاز في «فري بورت» ثاني أكبر مصدر أميركي للغاز الطبيعي المسال بتكساس (رويترز)

اتفاق «المعادن والطاقة»: إندونيسيا تمنح واشنطن موطئ قدم بوجه الصين

وافقت إندونيسيا على توسيع نطاق الوصول أمام المستثمرين الأميركيين في قطاع المعادن الحيوية، وزيادة مشترياتها من النفط الخام وغاز البترول المسال الأميركي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
الاقتصاد الرئيسان الصيني والأميركي في لقاء سابق بكوريا الجنوبية (رويترز)

تأجيل قمة ترمب وشي يُلقي بظلاله على الهدنة التجارية بين أميركا والصين

قال محللون إن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل القمة المُقررة في بكين مع الرئيس الصيني شي جينبينغ يُلقي بظلاله على العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (بكين-واشنطن)

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.