اتفاق جمركي «تاريخي» بين أميركا واليابان

ترمب خفّض الرسوم مقابل استثمارات ضخمة وسط غموض في التفاصيل وتفاعل قوي من الأسواق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
TT

اتفاق جمركي «تاريخي» بين أميركا واليابان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مناسبة سابقة بالبيت الأبيض في شهر فبراير الماضي (أ.ف.ب)

في خطوة عدّها مراقبون مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة واليابان، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن التوصل إلى اتفاق تجاري «تاريخي» مع طوكيو، يتضمن خفضاً كبيراً في الرسوم الجمركية على السيارات اليابانية، مقابل حزمة استثمارية يابانية بقيمة 550 مليار دولار.

وجاء هذا التطور وسط تحركات دبلوماسية وتجارية حثيثة من البيت الأبيض لعقد صفقات مع حلفاء آسيويين قبيل الموعد النهائي في الأول من أغسطس (آب) لفرض رسوم جديدة.

الصفقة، التي وُصفت بأنها «الأكبر من نوعها»، حسب تعبير ترمب، أثارت ردود فعل واسعة في الأسواق العالمية، خصوصاً في قطاع السيارات، وشكَّلت نقطة تحوّل في علاقات البلدين التي طالما تأرجحت بين التعاون والتوتر.

بائع صحف في العاصمة اليابانية طوكيو يحمل جريدة تبرز إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الاتفاق التجاري مع اليابان (أ.ب)

ملامح الاتفاق

وحسب المعلومات المتاحة، ينص الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية الأميركية على واردات السيارات اليابانية من 27.5 في المائة إلى 15 في المائة، بما في ذلك الرسوم الأساسية التي تبلغ 2.5 في المائة، والرسوم الإضافية المفروضة منذ أبريل (نيسان) الماضي بنسبة 25 في المائة. كما يشمل تخفيضاً للرسوم التي كان من المقرر تطبيقها من 1 أغسطس على سلع يابانية أخرى، من 25 إلى 15 في المائة.

في المقابل، وافقت اليابان على تقديم حزمة تمويل واستثمار تشمل قروضاً وضمانات حكومية بقيمة 550 مليار دولار، بهدف دعم الشركات اليابانية في بناء سلاسل توريد مرنة في قطاعات استراتيجية، مثل الأدوية وأشباه الموصلات، وهي قطاعات تواجه فيها الولايات المتحدة تحديات هيكلية منذ جائحة «كورونا».

وأشاد رئيس الوزراء الياباني، شيغيرو إيشيبا، بالاتفاق، وعدّه بدوره «تاريخياً»، مؤكداً أنه يُمثل أدنى مستوى من الرسوم المفروضة على دولة لديها فائض تجاري مع الولايات المتحدة. وقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 230 مليار دولار في عام 2024، منها 70 مليار دولار فائضاً لصالح اليابان.

شاشة في بورصة العاصمة اليابانية طوكيو تظهر حركة الأسهم التي شهدت صعوداً كبيراً يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

قفزة في أسهم السيارات

وردّت الأسواق المالية بسرعة على الاتفاق، فقد ارتفع مؤشر «نيكي» الياباني بنسبة 4 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام، مدفوعاً بارتفاع كبير في أسهم شركات السيارات. وسجّلت «تويوتا» قفزة بأكثر من 14 في المائة، في حين ارتفعت أسهم «هوندا» بنحو 11 في المائة.

وتجاوز تأثير الاتفاق حدود اليابان؛ حيث شهدت أسهم شركات صناعة السيارات الأوروبية والكورية الجنوبية ارتفاعاً واضحاً بدافع التفاؤل في إمكانية توصل بلدانهم إلى اتفاقات مماثلة مع واشنطن.

كما أبدى نائب محافظ بنك اليابان، شينيتشي أوشيدا، تفاؤله بالاتفاق، وعدّه «تقدماً كبيراً» يُخفف من حالة عدم اليقين الاقتصادي، ما يزيد من فرص تحقيق هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة للتضخم.

تحفظات وانتقادات

لكن في الداخل الأميركي، لم يكن الاتفاق موضع ترحيب بالإجماع، فقد أعربت شركات صناعة السيارات الأميركية عن قلقها من الاتفاق، عادّة أنه يمنح الأفضلية للمركبات اليابانية على حساب تلك المصنعة في أميركا الشمالية.

وقال مات بلانت، رئيس مجلس سياسة السيارات الأميركي: «أي اتفاق يفرض تعريفة أقل على الواردات اليابانية التي لا تحتوي تقريباً على مكونات أميركية، مقارنة بالرسوم على المركبات المصنّعة في أميركا الشمالية ذات المكونات الأميركية العالية، هو اتفاق سيئ لصناعة السيارات الأميركية وعمالها».

كما لا يشمل الاتفاق واردات الصلب والألمنيوم اليابانية، التي تظل خاضعة لرسوم إضافية بنسبة 50 في المائة. وأكد المفاوض الياباني، ريوسي أكازاوا، أن هذه المواد لم تُدرج ضمن الاتفاق، وكذلك الإنفاق الدفاعي، الذي كان أحد مطالب إدارة ترمب في وقت سابق.

عشرات السيارات المعدة للتصدير مصفوفة في ميناء يوكوهاما الياباني (رويترز)

أبعاد سياسية واقتصادية أوسع

ويُعد الاتفاق إنجازاً شخصياً للرئيس ترمب، الذي كتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «لقد أبرمنا للتو أكبر صفقة تجارية في التاريخ مع اليابان». وعبّر في تصريح لاحق من البيت الأبيض عن أمله في تشكيل مشروع مشترك مع اليابان لدعم خط أنابيب غاز في ألاسكا، ما يُشير إلى توجّه نحو توسيع التعاون الاقتصادي، ليشمل الطاقة والبنية التحتية.

من جانبه، أعرب أكازاوا، كبير المفاوضين اليابانيين، عن ارتياحه. وكتب عبر منصة «إكس»: «المهمة-أُنجزت»، مُلمّحاً إلى أن الاتفاق جاء بعد مفاوضات ماراثونية، وأنه تم التوصل إليه بعد تنازلات من الطرفين، خصوصاً بشأن اختبارات السلامة اليابانية على السيارات الأميركية المستوردة، والتي تعهدت طوكيو بالتخلي عنها.

نقاط من الغموض

ورغم الأجواء الاحتفالية التي صاحبت الإعلان، فإن الاتفاق لا يخلو من الغموض، سواء من حيث تفاصيل التنفيذ، أو الشروط الدقيقة المرتبطة بالاستثمارات اليابانية. وكان من أبرز الدلائل على ذلك تصريح رئيس الوزراء إيشيبا نفسه بأن حكومته «ستدرس تفاصيل الاتفاق بعناية» قبل تقديم تقييم نهائي.

رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا يتحدث إلى الصحافيين يوم الأربعاء عقب الإعلان عن الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

كما غابت عن الاتفاق قضايا جوهرية، مثل أسعار الصرف، التي لطالما كانت نقطة خلاف بين البلدين. وأكد وزير المالية الياباني، كاتسونوبو كاتو، أن الاتفاق لم يتضمن أي إشارة إلى أسعار صرف العملات، رغم توقعات بأن واشنطن قد تضغط على طوكيو لتعزيز قيمة الين مقابل الدولار.

في السياق ذاته، لم يتضمن الاتفاق بنداً يتعلق بالإنفاق الدفاعي الياباني، وهو مطلب كرّره ترمب في عدة مناسبات، عاداً أن على الحلفاء دفع حصة أكبر من تكاليف الدفاع المشترك.

انعكاسات دولية

وجاء الاتفاق الياباني-الأميركي في وقت تسعى إدارة ترمب لإبرام سلسلة من الاتفاقات الثنائية قبل الأول من أغسطس، وهي المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي لتطبيق رسوم جمركية جديدة على الدول غير المتعاونة.

فقد أعلنت واشنطن مؤخراً عن اتفاقيات إطارية مع كل من بريطانيا، وإندونيسيا، والفلبين، فيما تُشير الأنباء إلى وصول وفد من الاتحاد الأوروبي إلى واشنطن لبدء مفاوضات مماثلة. كما هدأت معركة الرسوم الجمركية المتبادلة مع الصين مؤقتاً، رغم بقاء عدد من القضايا العالقة.

ويرى محللون أن اتفاق ترمب مع اليابان يمكن أن يُشكل نموذجاً للعلاقات التجارية الأميركية في المرحلة المقبلة، يقوم على خفض الرسوم مقابل التزامات استثمارية ملموسة، في وقت يُحاول فيه البيت الأبيض تقليص العجز التجاري المزمن للولايات المتحدة.

ويُمثل الاتفاق خطوة قوية تحمل في طياتها فرصاً اقتصادية واعدة، ولكنها أيضاً تكشف عن توازنات معقّدة في النظام التجاري العالمي. وفي حين تنظر الأسواق إليه بتفاؤل، يتطلّب نجاحه الفعلي تنفيذاً شفافاً وتوازناً دقيقاً بين مصالح الدولتين.

أما على المستوى الدولي، فإن الاتفاق يُرسل رسالة واضحة، مفادها أن الإدارة الأميركية عازمة على إعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية وفق معايير جديدة، تتخطى الاتفاقات متعددة الأطراف، نحو نهج ثنائي أكثر مباشرة؛ وإن كان أكثر جدلاً.


مقالات ذات صلة

هبوط حاد للأسهم الآسيوية مع تصاعد مخاطر الطاقة وترقب نتائج الشركات

الاقتصاد رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)

هبوط حاد للأسهم الآسيوية مع تصاعد مخاطر الطاقة وترقب نتائج الشركات

تراجعت الأسهم الآسيوية بقوة، الثلاثاء، بقيادة أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات، مع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

خطط سعودية لتطوير خط أنابيب «شرق ــ غرب»

أعلن وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة تستهدف رفع قدرة تصدير النفط إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً خلال

عبير حمدي (الرياض) دانة الدريس (الرياض)
الاقتصاد سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس (رويترز)

عجز حساب المعاملات الجارية في مصر يبلغ 22.5 مليار دولار

ذكر البنك المركزي المصري، يوم الاثنين، أن عجز حساب المعاملات الجارية بلغ 22.5 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026 مقارنة مع 15.4 مليار دولار في العام السابق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

دخلت المنافسة بين شركات السيارات الصينية والأوروبية مرحلة جديدة، بعدما توصل «الاتحاد الأوروبي» والصين إلى اتفاق يضع سقفاً لواردات السيارات الهجين الصينية...

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)

الشيخوخة تهدد ربع القوى العاملة في شرق آسيا

حذر صندوق النقد الدولي من أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية قد تفقد ما يصل إلى ربع قواها العاملة بحلول عام 2050، نتيجة تسارع شيخوخة السكان

«الشرق الأوسط» (عواصم)

صندوق النقد يتوقع نمو الاقتصاد السعودي 7.9 % في 2027

صورة من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
صورة من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

صندوق النقد يتوقع نمو الاقتصاد السعودي 7.9 % في 2027

صورة من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
صورة من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

يتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد السعودي نمواً قوياً بنسبة 7.9 في المائة خلال عام 2027، في انعكاس مرتقب لتعافي إنتاج الطاقة وصادراتها واستعادة حركة التجارة الإقليمية تدريجياً، مع انحسار الاضطرابات المرتبطة بالحرب وإعادة فتح مضيق هرمز وفق السيناريو الأساسي للتقرير.

وتعكس التوقعات قدرة الاقتصاد السعودي على استعادة زخمه بعد الضغوط التي فرضتها اضطرابات إنتاج الطاقة ونقلها خلال العام الحالي، مستفيداً من تنوع مسارات تصدير النفط والبنية التحتية التي تتيح توجيه جانب من الصادرات عبر البحر الأحمر، بعيداً عن مضيق هرمز.

وفي تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، قدّر الصندوق انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3 في المائة خلال 2026، قبل أن يرتفع النمو إلى 7.9 في المائة في العام التالي. وكان الصندوق يتوقع في أبريل (نيسان) نمواً بنسبة 3.1 في المائة في 2026 و4.5 في المائة في 2027، ما يعكس تغيراً كبيراً في مسار التوقعات مع تطورات الحرب وافتراضات عودة النشاط الاقتصادي.

بنية تصدير تدعم مرونة الاقتصاد

ويستفيد الاقتصاد السعودي من امتلاك منافذ بديلة لتصدير النفط، وفي مقدمتها خط أنابيب «شرق ـ غرب»، الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً. وتستهدف المملكة رفع الطاقة الاستيعابية لأنابيب النفط إلى 10 ملايين برميل يومياً، بما يعزز مرونة منظومة التصدير في مواجهة اضطرابات الملاحة.

وتعزز هذه البدائل قدرة المملكة على الحد من أثر اضطرابات الملاحة في تدفقات النفط، فيما يتيح التعافي التدريجي للإنتاج والصادرات، وفق افتراضات الصندوق، دعماً للنشاط الاقتصادي خلال العام المقبل.

تعافٍ خليجي تقوده عودة إنتاج الطاقة

ولا يقتصر النمو القوي المتوقع على السعودية، إذ يرجح الصندوق تعافي اقتصادات خليجية أخرى بمعدلات مرتفعة في 2027، مع استعادة الإنتاج والصادرات والخدمات اللوجستية. ويتوقع نمو الاقتصاد القطري بنسبة 18.8 في المائة، والكويتي بنسبة 17.1 في المائة، والبحريني بنسبة 13.9 في المائة، والإماراتي بنسبة 7.7 في المائة، في حين يُرجح أن يبلغ النمو في سلطنة عُمان 2.2 في المائة.

وتأتي هذه التوقعات بعد ضغوط حادة خلال 2026، يُرجح أن ينكمش خلالها اقتصاد الكويت بنسبة 16.7 في المائة، وقطر بنسبة 15.6 في المائة، والبحرين بنسبة 11.3 في المائة، مقابل 3.9 في المائة للإمارات، فيما يُتوقع أن تحقق سلطنة عُمان نمواً بنسبة 4.1 في المائة.

ويفترض السيناريو الأساسي للصندوق بدء إعادة فتح مضيق هرمز في مارس (آذار) 2027، والعودة بصورة عامة إلى ظروف ما قبل الحرب بحلول أكتوبر من العام نفسه، مع استعادة تدفقات الطاقة وحركة الشحن والتأمين والمدفوعات تدريجياً.

وتبقى سرعة تحقق هذا التعافي مرتبطة بمسار الصراع واستقرار الملاحة، إلا أن تنوع منافذ التصدير السعودية يشكل عاملاً داعماً لقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات واستعادة النمو مع تحسن الظروف الإقليمية.


هبوط حاد للأسهم الآسيوية مع تصاعد مخاطر الطاقة وترقب نتائج الشركات

رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)
TT

هبوط حاد للأسهم الآسيوية مع تصاعد مخاطر الطاقة وترقب نتائج الشركات

رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يتفقد هاتفه في أحد شوارع طوكيو (أ.ف.ب)

تراجعت الأسهم الآسيوية بقوة، الثلاثاء، بقيادة أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات، مع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط واستمرار ارتفاع أسعار النفط، ما عزز الضغوط التضخمية وأبقى الدولار عند مستويات مرتفعة، في وقت تستعد فيه الأسواق لاختبار مهم مع انطلاق موسم إعلان نتائج الشركات الأميركية.

وعادت أسعار الطاقة إلى صدارة العوامل المحركة للأسواق العالمية، مع تقييم المستثمرين تداعيات التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والحرب بين روسيا وأوكرانيا. وبلغت العقود الآجلة لخام برنت 105.9 دولار للبرميل، بالقرب من أعلى مستوياتها في أسبوعين، وسط تقلبات ناجمة عن مخاطر الإمدادات بعد الهجمات على السعودية، مقابل احتمالات زيادة إمدادات الديزل الروسي.

وقالت تشارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في «ساكسو» بسنغافورة، إن الأسواق تعيد اكتشاف أهمية الجغرافيا السياسية عندما تنعكس تداعياتها على التضخم. وأضافت أن الارتفاع الجديد في أسعار النفط يضغط على عوائد السندات ويحد من جاذبية أسهم النمو المرتفعة التقييم، خصوصاً مع هشاشة الهدنة المتعلقة بالطاقة بين روسيا وأوكرانيا واستمرار مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط.

وفي أسواق الأسهم، تراجع المؤشر الأوسع نطاقاً لأسهم منطقة آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان، التابع لـ«إم إس سي آي»، بنسبة 2 في المائة في التعاملات المبكرة، فيما هبط مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي، المثقل بأسهم التكنولوجيا، بنسبة 6 في المائة. وانخفض مؤشر «نيكي» الياباني 2.6 في المائة مع استئناف التداول بعد عطلة.

وعزا كايل رودا، كبير المحللين في «كابيتال دوت كوم»، جانباً من الخسائر إلى موجة البيع التي طالت أسهم أشباه الموصلات في «وول ستريت» خلال الجلسة السابقة، وامتدت آثارها إلى الأسواق الآسيوية.

وكان مؤشر «ناسداك» قد تراجع 0.5 في المائة الاثنين، متأثراً بخسائر شركات الرقائق، وسط مخاوف المستثمرين بشأن استدامة صعود أسهم الذكاء الاصطناعي في ظل اشتداد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. وأضاف رودا أن ارتفاع النفط مجدداً، إلى جانب تمركز المستثمرين قبيل صدور بيانات التضخم وإعلان نتائج الشركات، عزز الميل إلى تجنب المخاطر في آسيا.

وساعدت هذه الأجواء الحذرة على إبقاء الدولار قرب أعلى مستوياته في 18 شهراً، فيما جرى تداول اليورو عند 1.1157 دولار، والين الياباني عند 158.50 ين للدولار.

نتائج المصارف الأميركية تحت الاختبار

وتتجه أنظار المستثمرين إلى نتائج المصارف الأميركية هذا الأسبوع، بحثاً عن مؤشرات بشأن أثر الارتفاع الأخير في عوائد سندات الخزانة على أنشطة الإقراض وإبرام الصفقات وتكاليف التمويل.

وأدت الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب المخاوف بشأن تنامي الدين الحكومي، إلى موجات بيع متكررة في أسواق السندات خلال الأسابيع الأخيرة، دفعت تكاليف الاقتراض إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها الأسواق منذ عقود في أنحاء العالم.

ومن المقرر أن تعلن أربعة من أكبر ستة مصارف أميركية، هي «جي بي مورغان تشيس» و«غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» و«ويلز فارغو»، نتائجها في وقت لاحق الثلاثاء.

وقال أنتوني ساغليمبيني، كبير استراتيجيي الأسواق في «أميربرايز فاينانشال»، إن المستثمرين سيبحثون في نتائج المصارف عن مؤشرات بشأن استمرار الأسر في سداد التزاماتها والاقتراض والإنفاق بمستويات صحية.

وأضاف أن موسم نتائج الربع الثالث يبدأ والأسهم قريبة من مستويات قياسية، ما يترك مجالاً محدوداً لخيبة الأمل، مشيراً إلى أن استمرار صعود الأسهم يتطلب نتائج قوية من الشركات وقدرتها على الحفاظ على الزخم حتى نهاية العام.

وفي سوق السندات، تراجع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات 2.9 نقطة أساس إلى 5.214 في المائة خلال التعاملات الآسيوية، ليظل قريباً من أعلى مستوى له في 24 عاماً، البالغ 5.364 في المائة، الذي سجله الأسبوع الماضي.


الدولار يتراجع مع هبوط النفط واستقرار عوائد السندات الأميركية

أوراق نقدية من الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار (رويترز)
TT

الدولار يتراجع مع هبوط النفط واستقرار عوائد السندات الأميركية

أوراق نقدية من الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار (رويترز)

تراجع الدولار في التعاملات الآسيوية، الثلاثاء، مع انخفاض أسعار النفط واستقرار عوائد السندات الأميركية، في وقت تراجعت فيه الأسهم العالمية، بينما تحوّل تركيز المستثمرين إلى بيانات التضخم الأميركية المرتقبة الأربعاء، بحثاً عن مؤشرات جديدة بشأن مسار أسعار الفائدة.

وانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من ست عملات رئيسية، بنسبة 0.2 في المائة إلى 102.39 نقطة، متراجعاً مع اقترابه من أعلى مستوياته منذ أبريل (نيسان) من العام الماضي.

وتراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات 5 نقاط أساس إلى 5.192 في المائة، مع استئناف التداول بعد عطلة أسواق السندات الأميركية الاثنين.

وفي أسواق الطاقة، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت 1.4 في المائة إلى 105.20 دولار للبرميل، وسط تقييم المتعاملين لاحتمالات زيادة إمدادات الديزل الروسي، رغم استمرار الهجمات على منشآت الطاقة الأوكرانية بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة بين موسكو وكييف. كما ظلت مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط حاضرة عقب الهجمات الأخيرة على السعودية.

وأسهم تراجع تكاليف الطاقة واستقرار عوائد سندات الخزانة في تقويض بعض المكاسب التي حققها الدولار مؤخراً أمام العملات الرئيسية، في حين لم تظهر موجة واضحة من الإقبال على العملة الأميركية بوصفها ملاذاً آمناً، رغم تراجع أسواق الأسهم.

وارتفع اليورو 0.2 في المائة إلى 1.1177 دولار، وصعد الجنيه الإسترليني 0.1 في المائة إلى 1.3219 دولار. كما ارتفع الين الياباني 0.2 في المائة إلى 158.215 ين للدولار، بعد بيانات أظهرت ارتفاع أسعار المنتجين في اليابان بالجملة بنسبة 6.8 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، دون توقعات السوق البالغة 7.6 في المائة، لكنها ظلت عند مستوى يعزز توقعات تشديد السياسة النقدية.

واستقر اليوان الصيني في التعاملات الخارجية عند 6.6961 يوان للدولار، بالقرب من أقوى مستوياته في أربع سنوات. كما استقر الدولار الأسترالي عند 0.6960 دولار، بعد محضر اجتماع سبتمبر لبنك الاحتياطي الأسترالي، الذي أظهر إجماع الأعضاء على رفع أسعار الفائدة للمرة الرابعة هذا العام، مع استمرار المخاطر المرتبطة بترسخ التضخم وإمكانية اللجوء إلى زيادة خامسة إذا اقتضت الحاجة.

وفي نيوزيلندا، ارتفع الدولار النيوزيلندي 0.1 في المائة إلى 0.5589 دولار، مبتعداً عن أدنى مستوى له في 18 شهراً.

التضخم يحدد مسار الفائدة

وتترقب الأسواق صدور مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي الأربعاء، وسط توقعات بأن تعزز البيانات الرهانات على استمرار التشدد النقدي. وفي المقابل، لا يزال المتعاملون يرجحون أن يُبقي مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل المقرر عقده يومي 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول).

وأظهرت بيانات أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن الأسواق تسعّر احتمالاً بنسبة 80.6 في المائة لإبقاء الفائدة دون تغيير، مقارنة بنسبة 82.3 في المائة يوم الجمعة.

وأشار محللون في «دي بي إس» إلى أن اعتراضات عدد من مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» على رفع الفائدة في اجتماعين متتاليين قد تحد من المكاسب الإضافية للدولار.

وفي أسواق العملات المشفرة، تراجعت بتكوين 0.4 في المائة إلى 82,705.08 دولار، وانخفضت إيثريوم 1.4 في المائة إلى 2481.40 دولار.