ضغوط ترمب الجمركية تهدد تريليونَي دولار من التبادل الأميركي - الأوروبي

الرسوم تهدّد بإرباك أكبر علاقة تجارية في العالم

نموذج مصغَّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يصوّر دونالد ترمب إلى جانب علم الاتحاد الأوروبي وكلمة «رسوم جمركية» (رويترز)
نموذج مصغَّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يصوّر دونالد ترمب إلى جانب علم الاتحاد الأوروبي وكلمة «رسوم جمركية» (رويترز)
TT

ضغوط ترمب الجمركية تهدد تريليونَي دولار من التبادل الأميركي - الأوروبي

نموذج مصغَّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يصوّر دونالد ترمب إلى جانب علم الاتحاد الأوروبي وكلمة «رسوم جمركية» (رويترز)
نموذج مصغَّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يصوّر دونالد ترمب إلى جانب علم الاتحاد الأوروبي وكلمة «رسوم جمركية» (رويترز)

يستعد الاتحاد الأوروبي لتلقّي رسالة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب توضح تفاصيل الرسوم الجمركية الجديدة التي يعتزم فرضها على أكبر شريك تجاري واستثماري للولايات المتحدة، في ظل تصاعد الحرب التجارية وتوسّع نطاقها خلال الأيام القليلة الماضية، في خطوة حذّر خبراء الاقتصاد من أنها قد تكون لها تبعات على الشركات والمستهلكين على جانبي الأطلسي.

وكان ترمب قد فرض ضريبة استيراد بنسبة 20 في المائة على جميع المنتجات المصنّعة في الاتحاد الأوروبي في أوائل أبريل (نيسان)، وذلك جزءاً من سلسلة من الرسوم الجمركية استهدفت الدول التي تعاني الولايات المتحدة عجزاً تجارياً معها. لكن بعد ساعات من دخول الرسوم النوعية حيز التنفيذ، جمَّدها حتى 9 يوليو (تموز)، مكتفياً بمعدل قياسي قدره 10 في المائة؛ لتهدئة الأسواق المالية وإتاحة الوقت للمفاوضات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

ومع ذلك، عبّر ترمب عن استيائه من موقف الاتحاد الأوروبي في المحادثات التجارية، وقال إنه سيرفع معدل الرسوم على الصادرات الأوروبية إلى 50 في المائة؛ ما قد يجعل أسعار كل شيء - من الجبن الفرنسي والسلع الجلدية الإيطالية إلى الإلكترونيات الألمانية والأدوية الإسبانية - أغلى بكثير في الولايات المتحدة.

وقالت المفوضية الأوروبية، التي تتولى شؤون التجارة في التكتل المؤلَّف من 27 دولة، إن قادتها يأملون في التوصل إلى اتفاق مع إدارة ترمب. وفي حال تعثّرت المفاوضات، قالت المفوضية إنها مستعدة للرد بفرض رسوم جمركية على مئات المنتجات الأميركية، من لحوم البقر وقطع غيار السيارات إلى الطائرات من طراز «بوينغ».

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسينت، الأحد، إن «الاتحاد الأوروبي كان بطيئاً جداً في الجلوس إلى طاولة المفاوضات»، لكنه أضاف أن المحادثات الآن تشهد «تقدماً جيداً جداً».

أعلام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في صورة توضيحية (رويترز)

تجارة أميركية - أوروبية ضخمة

وصفت المفوضية الأوروبية العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنها «أهم علاقة تجارية في العالم». وبلغت قيمة التجارة في السلع والخدمات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة 1.7 تريليون يورو (تريليونا دولار) في عام 2024، أي ما يعادل في المتوسط 4.6 مليار يورو يومياً، وفقاً لبيانات وكالة الإحصاء الأوروبية (يوروستات).

وكانت أكبر صادرات أميركية إلى أوروبا هي النفط الخام، تليها الأدوية، والطائرات، والسيارات، والمعدات الطبية والتشخيصية. أما أكبر صادرات أوروبا إلى الولايات المتحدة فشملت الأدوية، والسيارات، والطائرات، والمواد الكيميائية، والأدوات الطبية.

الاتحاد الأوروبي يصدّر أكثر إلى أميركا

لطالما اشتكى ترمب من فائض الاتحاد الأوروبي في الميزان التجاري السلعي، والذي بلغ 198 مليار يورو؛ ما يعني أن الأميركيين يشترون سلعاً أوروبية أكثر من الأوروبيين الذين يشترون سلعاً أميركية.

غير أن الشركات الأميركية تعوّض بعض هذا العجز من خلال تحقيق فائض في تجارة الخدمات، مثل الحوسبة السحابية، وحجوزات السفر، والخدمات القانونية والمالية.

وساهم هذا الفائض في الخدمات في تقليص العجز التجاري الأميركي مع الاتحاد الأوروبي إلى 50 مليار يورو (59 مليار دولار)، أي ما يقل عن 3 في المائة من إجمالي التجارة الثنائية.

ما هي نقاط الخلاف؟

قبل عودة ترمب إلى السلطة، كانت العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تعاونية إلى حد كبير، مع مستويات منخفضة من الرسوم الجمركية من كلا الجانبين. وبلغ متوسط معدل الرسوم الجمركية الأميركية على السلع الأوروبية 1.47 في المائة، بينما بلغ متوسط الرسوم الأوروبية على السلع الأميركية 1.35 في المائة.

لكن البيت الأبيض تبنّى موقفاً أقل وديّة تجاه الحليف الأطلسي منذ فبراير (شباط). فإلى جانب التلويح برسوم متقلبة على السلع الأوروبية، فرضت إدارة ترمب رسوماً بنسبة 50 في المائة على الصلب والألمنيوم، و25 في المائة على السيارات وقطع الغيار المستوردة.

وطرح مسؤولو الإدارة الأميركية قائمة طويلة من القضايا التي يطالبون بمعالجتها، من بينها الحواجز الزراعية مثل حظر الاتحاد الأوروبي على الدجاج المغسول بالكلور واللحوم المعالجة بالهرمونات.

كما انتقد ترمب الضرائب على القيمة المضافة في أوروبا، والتي تفرضها دول الاتحاد عند نقطة البيع وتتراوح نسبها هذا العام بين 17 في المائة و27 في المائة. لكن كثيراً من الاقتصاديين يرون أن ضريبة القيمة المضافة محايدة تجارياً؛ لأنها تنطبق على السلع والخدمات المحلية والمستوردة على حد سواء. ونظراً لأن الحكومات الوطنية هي من يقرّ هذه الضرائب؛ قالت المفوضية إنها ليست مطروحة على طاولة التفاوض.

وقال هولغر شمييدينغ، كبير الاقتصاديين في بنك «بيرنبرغ» الألماني: «فيما يتعلق بالقضايا الشائكة مثل اللوائح التنظيمية ومعايير المستهلكين والضرائب، لا يمكن للاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه تقديم الكثير». وأضاف: «لا يمكنهم تغيير طريقة إدارة السوق الداخلية الواسعة للاتحاد الأوروبي بناءً على مطالب أميركية كثيراً ما تنبع من سوء فهم لطبيعة عمل الاتحاد».

سفينة حاويات تحمل علم بنما باسم «إيفر جودز» في محطة التحميل «بورشاردكاي» بميناء هامبورغ بألمانيا (رويترز)

عواقب على كثير من الشركات

يحذّر اقتصاديون وشركات من أن الرسوم الأعلى ستؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة على المستهلكين الأميركيين. ويتعيّن على المستوردين أن يقرروا ما إذا كانوا سيمتصون جزءاً من التكاليف من أرباحهم أو سيمررونها للمستهلكين.

وقال وكلاء شركة «مرسيدس - بنز» في الولايات المتحدة إنهم سيثبّتون أسعار طرازات عام 2025 «حتى إشعار آخر». وتتمتع الشركة الألمانية بدرع جزئي من الرسوم؛ لأنها تصنّع 35 في المائة من سياراتها المباعة في الولايات المتحدة في منشأة بولاية ألاباما، لكنها أشارت إلى أنها تتوقع «زيادات كبيرة» في الأسعار خلال السنوات المقبلة.

ويرى ترمب أن جعل بيع المنتجات الأجنبية في السوق الأميركية أكثر صعوبة هو وسيلة لتحفيز عودة التصنيع الأميركي. وقد رفضت كثير من الشركات هذه الفكرة أو قالت إنها ستستغرق سنوات حتى تُؤتي ثمارها. لكن بعض الشركات أبدت استعدادها لنقل جزء من الإنتاج إلى الولايات المتحدة.

وصرّح برنارد أرنو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية الفاخرة - التي تضم علامات مثل «تيفاني»، و«لويس فويتون»، و«كريستيان ديور»، و«مويت آند شاندون» - خلال الاجتماع السنوي للشركة في أبريل (نيسان)، بأن المجموعة قد تنقل بعض الإنتاج إلى الولايات المتحدة.

وكان أرنو، الذي حضر حفل تنصيب ترمب، قد حثّ أوروبا على التوصل إلى اتفاق قائم على تنازلات متبادلة، وقال: «إذا انتهى بنا المطاف برسوم جمركية مرتفعة... فسنُجبر على زيادة الإنتاج في الولايات المتحدة لتجنب الرسوم. وإذا فشلت أوروبا في التفاوض بذكاء، فستكون هذه النتيجة حتمية لكثير من الشركات... وستكون بروكسل هي المسؤولة».

الطريق قد يكون وعراً

تشير بعض التقديرات إلى أن الاقتصاد الأميركي سيكون أكثر عُرضة للخطر في حال فشل المفاوضات. فمن دون اتفاق، سيخسر الاتحاد الأوروبي 0.3 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي، بينما سيتراجع الناتج الأميركي بنسبة 0.7 في المائة، إذا فرض ترمب رسوماً بنسبة 10 في المائة إلى 25 في المائة على السلع الأوروبية، وفقاً لدراسة أجراها مركز الأبحاث «بروغل» في بروكسل.

وبالنظر إلى تعقيد بعض القضايا، قد يتوصّل الجانبان فقط إلى إطار اتفاق بحلول الموعد النهائي يوم الأربعاء. وسيعني ذلك على الأرجح الإبقاء على رسم أساسي بنسبة 10 في المائة، إضافة إلى الرسوم المفروضة على السيارات والصلب والألمنيوم، حتى يتم التوصل إلى تفاصيل اتفاق تجاري رسمي.

ويرى شمييدينغ أن النتيجة الأكثر ترجيحاً للمحادثات هي أن «الولايات المتحدة ستوافق على صفقات تتراجع فيها عن أسوأ تهديداتها بفرض رسوم انتقامية تتجاوز 10 في المائة». لكنه حذّر من أن «الطريق لتحقيق ذلك قد يكون وعراً».

وقد يساعد تقديم الولايات المتحدة إعفاءات لبعض السلع على تمهيد الطريق لاتفاق. في المقابل، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يُخفف من بعض اللوائح التنظيمية التي تراها واشنطن بمثابة عوائق تجارية.

وقال شمييدينغ: «رغم أن ترمب قد يروّج لنتيجة كهذه على أنها انتصار له، فإن الضحايا الحقيقيين لسياساته الحمائية سيكونون، في الغالب، المستهلكين الأميركيين».


مقالات ذات صلة

مباحثات سعودية إقليمية ودولية ترحب بجهود تحقيق الأمن والاستقرار

الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)

مباحثات سعودية إقليمية ودولية ترحب بجهود تحقيق الأمن والاستقرار

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وكايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مسافرون مصطفّون في حالة انتظار داخل مطار بروكسل (أرشيفية-رويترز)

الاتحاد الأوروبي يناقش تأثير أزمة الطاقة على المطارات

صرحت آنا كايسا إيتكونن، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، بأن الاتحاد الأوروبي سيناقش، هذا الأسبوع، تأثير أزمة الطاقة في الشرق الأوسط على المطارات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مشروع «يامال للغاز الطبيعي المسال» (نوفاتك)

روسيا ترسل أول شحنة غاز إلى الصين من مشروع «يامال» منذ نوفمبر

أرسلت روسيا أول شحنة غاز مسال من مشروع «يامال» إلى الصين منذ نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، وذلك قبل أسابيع من بدء تطبيق الحظر الأوروبي على واردات الغاز الروسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد ارتفعت علاوة النفط الأميركي لشمال آسيا في يوليو بـ30 و40 دولاراً للبرميل (رويترز)

علاوة النفط الأميركي تقفز جراء تنافس مصافي التكرير الأوروبية والآسيوية على الشراء

قفزت علاوات أسعار خام غرب تكساس الوسيط الأميركي الفورية، إلى مستويات قياسية مع احتدام المنافسة بين مصافي التكرير الآسيوية والأوروبية على الخام الأميركي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا ديمتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي (أ.ب)

ميدفيديف يدعو لعدم «التسامح» مع سعي أوكرانيا للانضمام للاتحاد الأوروبي

قال ديمتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن ​الروسي اليوم الجمعة إن على موسكو التخلي عن «موقفها المتسامح» تجاه احتمال انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (موسكو )

سباق عالمي لتأمين الطاقة يدفع صادرات النفط الأميركية نحو أرقام غير مسبوقة

خزان «برايان ماوند» الاستراتيجي لتخزين النفط في تكساس (رويترز)
خزان «برايان ماوند» الاستراتيجي لتخزين النفط في تكساس (رويترز)
TT

سباق عالمي لتأمين الطاقة يدفع صادرات النفط الأميركية نحو أرقام غير مسبوقة

خزان «برايان ماوند» الاستراتيجي لتخزين النفط في تكساس (رويترز)
خزان «برايان ماوند» الاستراتيجي لتخزين النفط في تكساس (رويترز)

تواجه الأسواق العالمية تحولاً دراماتيكياً في خارطة تدفقات الطاقة، حيث تشير التوقعات إلى أن صادرات النفط الخام الأميركية ستسجل مستويات قياسية غير مسبوقة في شهر أبريل (نيسان) الجاري، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

يأتي هذا الاندفاع نتيجة سعي المستهلكين في آسيا لتأمين بدائل عاجلة عن النفط المنقطع من الشرق الأوسط بسبب الحرب المستمرة مع إيران.

وفقاً لتقديرات مجموعة أبحاث الطاقة «كبلر»، من المتوقع أن تقفز الصادرات الأميركية بنسبة تقترب من الثلث، لتصل إلى 5.2 مليون برميل يومياً هذا الشهر، مقارنة بـ 3.9 مليون برميل في مارس (آذار).

ومن المثير للاهتمام أن الطلب الآسيوي وحده سيشهد قفزة بنسبة 82 في المائة ليصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً.

وتشير البيانات إلى وجود «أرمادا» (أسطول ضخم) مكون من 68 ناقلة فارغة في طريقها حالياً إلى الولايات المتحدة للتحميل، وهو رقم يتجاوز بكثير المتوسط المعتاد العام الماضي الذي كان يبلغ 27 ناقلة فقط. ووصف مات سميث، المحلل في «كبلر»، هذا المشهد بقوله: «هناك أسطول هائل من الناقلات يتجه نحونا».

المأزق السياسي لترمب

بينما يعزز هذا الارتفاع دور الولايات المتحدة كمورد عالمي مرن، إلا أنه يضع إدارة الرئيس دونالد ترمب في مأزق سياسي واقتصادي. فالمنافسة الآسيوية المحمومة على النفط الأميركي ترفع الأسعار المحلية، مما يغذي مخاوف التضخم.

وقفزت أسعار البنزين فوق 4 دولارات للغالون، بينما يقترب الديزل من مستوى قياسي عند 5.81 دولار.

ويواجه ترمب ضغوطاً شديدة للوفاء بوعده بخفض أسعار الطاقة إلى النصف، في حين أظهر استطلاع لمركز «بيو» أن 70 في المائة من الأميركيين قلقون من تبعات الحرب على تكلفة المعيشة.

وأعلنت الإدارة سحب 170 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي لتهدئة الأسواق، لكن المحللين يحذرون من أن هذه الخطوة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تجعل النفط الأمريكي أكثر جاذبية للمشترين الأجانب الباحثين عن صفقات أرخص.

من فنزويلا إلى الأسواق العالمية

أشار محللون في «ريستاد» إلى أن زيادة الواردات الأميركية من فنزويلا - التي سيطرت الولايات المتحدة فعلياً على قطاعها النفطي مؤخراً - تدعم زيادة الصادرات الأميركية من خام غرب تكساس. ونظراً لأن المصافي الأميركية مجهزة للتعامل مع النفط الثقيل (الفنزويلي والكندي)، فإن ذلك يسمح بتصدير كميات أكبر من النفط الصخري المحلي الخفيف إلى الخارج.

مضيق هرمز والهدنة الهشة

تظل آسيا هي الحلقة الأضعف في هذه الأزمة، حيث أن 80 في المائة من المنتجات النفطية التي كانت تمر عبر مضيق هرمز مخصصة للصين وجيرانها. ورغم آمال «الهدنة لمدة أسبوعين»، إلا أن إعلان إيران إغلاق المضيق مجدداً يوم الأربعاء رداً على الهجمات الإسرائيلية في لبنان أعاد التوتر إلى ذروته.

أمام هذه الضغوط، بدأ بعض السياسيين الديمقراطيين بالمطالبة بحظر تصدير النفط الأمريكي لحماية المستهلك المحلي، حيث يعتزم النائب براد شيرمان تقديم مشروع قانون «منع تصدير النفط أثناء حرب إيران». ورغم استبعاد الإدارة الحالية لهذه الخطوة لما لها من عواقب وخيمة على قطاع التكرير، إلا أن المحللين يحذرون من أن البيت الأبيض قد يغير رأيه إذا وصلت الأسعار إلى 6 دولارات للغالون مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).


الصين تلتف على إغلاق «هرمز» بمشتريات قياسية من النفط البرازيلي

سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة بُنيت لصالح شركة «بتروبراس» البرازيلية تُسحب من حوض بناء السفن بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)
سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة بُنيت لصالح شركة «بتروبراس» البرازيلية تُسحب من حوض بناء السفن بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تلتف على إغلاق «هرمز» بمشتريات قياسية من النفط البرازيلي

سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة بُنيت لصالح شركة «بتروبراس» البرازيلية تُسحب من حوض بناء السفن بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)
سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة بُنيت لصالح شركة «بتروبراس» البرازيلية تُسحب من حوض بناء السفن بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)

سجلت مشتريات الصين من النفط الخام البرازيلي رقماً قياسياً في شهر مارس (آذار) الماضي، مما دفع إجمالي صادرات الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية إلى ثاني أعلى مستوى لها على الإطلاق، وفقاً لبيانات رسمية صدرت هذا الأسبوع.

فقد أظهرت البيانات أن الصين استوردت 1.6 مليون برميل يومياً من النفط البرازيلي في مارس، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في مايو (أيار) 2020 (1.46 مليون برميل).

ويأتي هذا التحول الكبير في تدفقات الطاقة العالمية نتيجة لإعادة تشكيل الخارطة الاقتصادية إثر الحرب في الشرق الأوسط.

وعلى صعيد الأرقام، كشفت البيانات الرسمية عن قفزة نوعية في أداء قطاع الطاقة البرازيلي خلال شهر مارس، حيث بلغ إجمالي الصادرات إلى الأسواق العالمية 2.5 مليون برميل يومياً، مسجلاً نمواً شهرياً بنسبة 12.4 في المائة مقارنة بفبراير (شباط) الماضي.

وفيما تربعت الصين على عرش المستوردين، برزت الهند كوجهة استراتيجية ثانية للنفط البرازيلي، في مؤشر واضح على تحول بوصلة الطلب نحو أميركا الجنوبية لتأمين احتياجات القوى الاقتصادية الكبرى.

وأوضح برونو كورديرو، محلل ذكاء الأسواق في شركة «ستون إكس»، أن هذا الارتفاع كان متوقعاً نتيجة إغلاق مضيق هرمز، مما دفع الدول المستوردة إلى البحث المكثف عن مصادر بديلة لتأمين احتياجاتها، خاصة وأن المضيق كان يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات الخام العالمية قبل اندلاع الحرب.

على صعيد آخر، كشفت البيانات عن تراجع واردات البرازيل من الديزل بنسبة 25 في المائة لتصل إلى 1.05 مليار لتر، وهو ما يمثل إشارة تحذير لبلد يعتمد على الخارج لتأمين ربع احتياجاته من الوقود.

وأشارت البيانات إلى تغير في خريطة الموردين كالتالي:

  • تراجع أميركي حاد: انخفضت حصة الديزل الأميركي في السوق البرازيلي من 8.3 في المائة في فبراير إلى أقل من 1 في المائة في مارس، حيث وجهت الولايات المتحدة شحناتها نحو الأسواق التي تدفع علاوات سعرية أعلى، لا سيما في آسيا.
  • توسع روسي: عززت روسيا حصتها في السوق البرازيلي لتصل إلى 75 في المائة (مقارنة بـ58 في المائة في فبراير)، رغم أن حجم الشحنات الروسية ظل ثابتاً تقريباً، مما يعني أن تراجع الموردين الآخرين هو ما رفع حصتها السوقية.

هدنة هشة بين أميركا وإيران تضع الدولار في مهب الريح

أوراق نقدية من فئة الدولار الأمبركي محفوظة في دالاس (أ.ب)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأمبركي محفوظة في دالاس (أ.ب)
TT

هدنة هشة بين أميركا وإيران تضع الدولار في مهب الريح

أوراق نقدية من فئة الدولار الأمبركي محفوظة في دالاس (أ.ب)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأمبركي محفوظة في دالاس (أ.ب)

ظل الدولار متذبذباً يوم الخميس بعد خسائر واسعة، حيث قيّم المستثمرون بقلق ما إذا كان وقف إطلاق النار الهش الذي استمر أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، سيصمد.

يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار مُهدد بالانهيار، حيث واصلت إسرائيل حربها الموازية ضد «حزب الله»، الميليشيا المدعومة من إيران، في لبنان، بينما اتهمت طهران كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة بانتهاك الاتفاق، وقالت إن المضي قدمًا في محادثات السلام سيكون «غير معقول».

ظل مضيق هرمز مغلقاً أمام السفن التي تبحر بدون تصريح، وأفاد الشاحنون بحاجتهم إلى مزيد من الوضوح قبل استئناف العبور، مما أدى إلى ارتفاع طفيف في أسعار النفط.

وقال شو سوزوكي، محلل الأسواق في شركة «ماتسوي» للأوراق المالية: «ربما تلوح في الأفق بعض الشكوك حول إمكانية استدامة توقعات وقف إطلاق النار، أو حتى إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار من الأساس».

وتذبذب مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل سلة من العملات تشمل الين واليورو، ليسجل انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.01 في المائة عند 99.05. وارتفع اليورو بنسبة 0.01 في المائة إلى 1.1663 دولار، بينما ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة طفيفة بنسبة 0.01 في المائة إلى 1.3393 دولار.

وتراجع الين عن بعض مكاسب اليوم السابق عقب إعلان الهدنة في الصراع بالشرق الأوسط، حيث انخفض بنسبة 0.13 في المائة مقابل الدولار ليصل إلى 158.8 يناً للدولار.

العودة إلى التوسع

وقال سوزوكي: «مع استمرار الوضع في الشرق الأوسط، يبدو أن هناك توجهاً نحو عودة السياسة المالية إلى التوسع مجدداً. وهذا بدوره يُسهم في ضعف الين».

وأظهرت بيانات من شركة «طوكيو تانشي، وسيط أسواق المال، أن سوق مقايضة الفائدة لليلة واحدة (OIS) يُسعّر احتمالاً بنسبة 55 في المائة لرفع سعر الفائدة في اجتماع بنك اليابان المُقبل في وقت لاحق من هذا الشهر.

ورأى سوزوكي أنه في حال انهيار وقف إطلاق النار، فقد تبدأ التوقعات برفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) بالتراجع، مما قد يؤدي بدوره إلى ضعف الين.

وقال سوزوكي: «يعتمد رفع سعر الفائدة بشكل كبير على الوضع في إيران، لذا من المرجح أن ينتظر بنك اليابان حتى اللحظة الأخيرة قبل الاجتماع لتقييم تطورات الوضع».

ومن المتوقع أن يمثل محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، أمام البرلمان ابتداءً من الساعة 04:15 بتوقيت غرينتش يوم الخميس.

كان الدولار الأميركي المستفيد الأكبر من الحرب الإيرانية بين العملات، ويعود ذلك جزئياً إلى كون الولايات المتحدة مُصدِّراً صافياً للطاقة، وبالتالي أقل عرضةً للتأثيرات الاقتصادية السلبية التي قد تواجهها دول مستوردة للنفط مثل اليابان والعديد من الدول الأوروبية.

وقد زعزعت الحرب التي استمرت خمسة أسابيع ثقة المستثمرين، مُسبّبةً أكبر اضطراب في إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق.

ويقول محللون إن الهدنة الهشة تمنح إيران نفوذاً أكبر على حركة الشحن عبر المضيق الحيوي مقارنةً بما قبل النزاع، وذلك بعد تراجع الرئيس دونالد ترامب عن تهديداته بمهاجمة البنية التحتية المدنية الإيرانية.

ومن المقرر أن تُصدر الولايات المتحدة بيانات الإنفاق الشخصي لشهر فبراير (شباط) ومؤشر انكماش نفقات الاستهلاك الشخصي يوم الخميس. وعلى الرغم من تحسن المعنويات عقب اتفاق وقف إطلاق النار، فقد يبقى زوج الدولار/الين ضمن نطاق محدد في تداولات طوكيو، إلا أن البيانات الأميركية القوية قد تُحفز انتعاشاً للدولار، وفقًا لما ذكره أكيهيكو يوكو، كبير المحللين في بنك «ميتسوبيشي يو إف جيه»، في مذكرة.