التسويق الرقمي... رافعة الكفاءة الاقتصادية في عصر البيانات

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل معادلة التنافس

تماثيل صغيرة مع أجهزة كمبيوتر وجوالات ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)
تماثيل صغيرة مع أجهزة كمبيوتر وجوالات ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)
TT

التسويق الرقمي... رافعة الكفاءة الاقتصادية في عصر البيانات

تماثيل صغيرة مع أجهزة كمبيوتر وجوالات ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)
تماثيل صغيرة مع أجهزة كمبيوتر وجوالات ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)

في عصرٍ تقوده البيانات وتتسارع فيه التحولات الرقمية، بات التسويق الرقمي ركيزة أساسية للكفاءة الاقتصادية لا مجرد وسيلة ترويج. لقد غيّر هذا النمط من التسويق قواعد السوق، معتمداً على الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة لاستهداف المستهلك بدقة، وتقليص الهدر، وتعظيم العوائد. ومن خلال الانتقال من العرض الجماعي إلى الطلب الفردي، أصبح أداة فاعلة لإعادة توجيه الموارد، وتعزيز تنافسية الشركات في بيئة تتطلب سرعة القرار ودقة الأداء.

ويُشكّل التسويق الرقمي بيئة متكافئة تمكّن المشاريع الصغيرة والمتوسطة من اختراق الأسواق بكفاءة وبتكاليف منخفضة، مستفيداً من أدوات التحليل والتنبؤ السلوكي لتخطيط الإنتاج وتقليل الهدر. وفي ظل اقتصاد تُقاس فيه القيمة بقدرة إدارة البيانات، يبرز هذا النمط من التسويق بوصفه ركيزة للنمو المستدام، شرط توظيفه بفاعلية توازن بين الابتكار وحماية الخصوصية.

وأكد مختصون لـ«الشرق الأوسط» أن التسويق الرقمي لم يعد مجرد أداة ترويجية، بل هو تحوّل إلى ركيزة للنمو الاقتصادي ورافعة للكفاءة والإنتاجية، عبر ما يتيحه من استهداف دقيق وتخصيص للموارد بناءً على البيانات والتحليلات السلوكية، مؤكدين أن الاقتصاد الحديث بات يُدار بالبيانات، وأن الشركات القادرة على توظيفها بأخلاقيات عالية وذكاء استراتيجي ستكون الأقدر على الريادة في بيئة تتجه سريعاً نحو التحول الرقمي والاستدامة.

فرص متكافئة

وقال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس في حديث إلى «الشرق الأوسط» إن التسويق الرقمي لم يعد خياراً، بل بات ضرورة اقتصادية تمكّن الشركات من تحقيق كفاءة أعلى، وتُعيد رسم قواعد السوق من خلال البيانات والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن التحول الرقمي أصبح رافعة أساسية للإنتاجية والعائد على الاستثمار.

وأبان أن أدوات التحليل الرقمي غيّرت ديناميكية السوق، حيث انتقل النموذج من العرض الكلي إلى الطلب الفردي، إذ بات المستهلك يتلقى عروضاً مصممة وفقاً لتفضيلاته الشخصية، مما أسهم في تقليل الهدر الإنتاجي، وتوجيه المنتجات بشكل أكثر فاعلية، وتحقيق مبيعات أسرع، فيما تستطيع الشركات التنبؤ بالطلب بشكل أدق.

وشدّد العطاس على أن التسويق الرقمي قدّم فرصة استراتيجية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لتعزيز تنافسيتها أمام الكيانات الكبرى، إذ مكّنها من الوصول إلى جمهورها المستهدف بتكلفة منخفضة، واختبار أسواق جديدة بسرعة، دون الحاجة إلى إنفاق ضخم أو بنية تحتية تقليدية.

ورأى أن هذا النمط من التسويق يوفّر فرصاً متكافئة للوصول إلى السوق، لكنه يتطلب فهماً عميقاً واستثماراً مدروساً في أدوات التحليل والمحتوى.

وأكد أن الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية يشكلان مستقبل التسويق الرقمي، حيث يمكنان من قراءة سلوك المستهلك والتنبؤ به بدقة، ما يحدث نقلة نوعية في الحملات التسويقية، لافتاً إلى أن هذه التقنيات تسهم في خفض التكلفة التشغيلية، وتسريع الوصول إلى السوق، وزيادة العائد الاستثماري من خلال الأتمتة وتخصيص المحتوى.

وبحسب العطاس، فإن التسويق الرقمي يمكن أن يكون محركاً فعّالاً للنمو الاقتصادي، لا سيما في الدول النامية، عبر خلق فرص عمل جديدة، ودعم الصادرات من خلال التجارة الإلكترونية، إلى جانب تمكين رواد الأعمال من الوصول إلى الأسواق العالمية دون الحاجة إلى بنية تحتية تقليدية ضخمة.

ولفت إلى أن القيمة السوقية للشركات في العصر الحديث تُقاس بحجم بياناتها لا فقط منتجاتها، مؤكداً أن الشركات التي تستثمر في البيانات وتحترم أخلاقيات استخدامها ستكون الأقدر على المنافسة والريادة. وأضاف أن البيانات أصبحت أحد الأصول الاستراتيجية الأهم في اتخاذ القرار ورسم اتجاهات السوق.

وختم الدكتور حسين العطاس حديثه بالتأكيد على أن التسويق الرقمي أصبح عصب الاقتصاد الحديث، وأداة حيوية لرفع الكفاءة وتحقيق النمو المستدام. وأوضح أن مستقبل هذا القطاع مرتبط بمدى القدرة على استثمار الذكاء الاصطناعي والبيانات، مع ضرورة الحفاظ على خصوصية المستهلك والشفافية، ليُشكّل التسويق الرقمي رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني.

ديناميكيات العرض والطلب

بدورها، أكدت المحللة الاقتصادية روان بن ربيعان لـ«الشرق الأوسط» أن التسويق لم يعد يقتصر على كونه أداة ترويجية، بل تحوّل إلى رافعة حقيقية للكفاءة الإنتاجية والنمو الاقتصادي، مشيرةً إلى أن الاقتصاد الرقمي أعاد تعريف الدور الاستراتيجي للتسويق في بيئات الأعمال الحديثة.

وأوضحت أن أدوات التحليل الرقمي والاستهداف الدقيق مكّنت الشركات من توجيه مواردها التسويقية بكفاءة أعلى، مما أسهم في تقليص الهدر وزيادة العائد على الاستثمار، مبينةً أن هذا التحول ربط الجهود التسويقية بشكل مباشر بالأداء التجاري، ما انعكس إيجاباً على الإنتاجية.

وأكملت المحللة الاقتصادية أن البيانات الدقيقة والتحليلات اللحظية غيّرت ديناميكيات العرض والطلب، إذ لم يعد العرض يعتمد على تقديرات تاريخية، بل بات يعكس الواقع اللحظي للسوق، مفيدة أن هذا التطور مكّن الشركات من فهم سلوك المستهلكين والتفاعل السريع مع تحركات السوق، ما أتاح فرصاً أسرع وأذكى للاستجابة للطلب.

ووفق روان بن ربيعان، فإن التسويق الرقمي أتاح للمشروعات الصغيرة والمتوسطة فرصاً حقيقية للتوسع والمنافسة، في بيئة كانت تهيمن عليها الشركات الكبرى، لافتة إلى أن أدوات منخفضة التكلفة، مثل الحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتحسين محركات البحث، ساعدت هذه المشروعات على الوصول إلى جمهورها المستهدف بكفاءة عالية، وهو ما عزّز التنافسية الاقتصادية.

وتوقّعت أن يسهم الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية في إحداث تحول جذري في المشهد التسويقي، من خلال فهم العميل قبل أن يعبّر عن احتياجاته، واقتراح استراتيجيات تسويقية استباقية. وأكدت أن هذه الأدوات ستُحسّن كفاءة اتخاذ القرار، وتُقلل التكاليف، وتُزيد من دقة الاستهداف، ما يرفع من كفاءة الاقتصاد بشكل عام.

وأضافت أن من يملك البيانات ويفهم تحليلها سيكون له الأفضلية التنافسية، مع تنامي الحاجة لحماية الخصوصية مقابل تطور نماذج الأعمال القائمة على التحليل المتقدم.


مقالات ذات صلة

خلاف الموازنة يهدد تفاهمات النفط بين أربيل وبغداد

خاص حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)

خلاف الموازنة يهدد تفاهمات النفط بين أربيل وبغداد

بينما لاحت بوادر تفاهمات إيجابية بين بغداد وأربيل لحسم إدارة حقول نفط كردستان، عاد فتيل الأزمة ليشتعل مجدداً من بوابة الموازنة الاتحادية والالتزامات المالية.

هشام المياني (أربيل)
الاقتصاد متداولان في بورصة نيويورك يراقبان تحرك الأسهم (أ.ب)

مخاوف الدولار تدفع استثمارات بـ29 تريليون دولار نحو قطاع الطاقة

تتجه صناديق الثروة السيادية والبنوك المركزية التي تدير أصولاً بـ29 تريليون دولار، نحو الاستثمار في قطاع الطاقة، تزامناً مع تصاعد القلق من الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شاشة عملاقة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول ببنك هانا في سيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية تترقب الاتجاه وسط مخاوف الشرق الأوسط ورهانات رفع الفائدة

شهدت الأسهم الآسيوية حالة من التذبذب وعدم الاستقرار يوم الاثنين، بعد أن وافقت إيران والولايات المتحدة على وقف تجدد الأعمال العدائية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
خاص جلسة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

خاص لبنان تحت ضغوط لتفكيك «الاقتصاد الموازي»... والخروج من اللائحة الرمادية

أنذر قرار مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف) لبنان بقرب نفاد مهلة السماح، لاستكمال التدابير القانونية والاجرائية لتفكيك ظاهرة «الاقتصاد الموازي».

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

شركات الذكاء الاصطناعي تقود انتعاش الاكتتابات في السوق الصينية

تتجه الاكتتابات العامة الأولية لشركات التكنولوجيا الصينية نحو تحقيق أقوى عام لها منذ عام 2023.

«الشرق الأوسط» (بكين)

عوائد سندات اليورو تهبط لأدنى مستوياتها منذ مارس بدعم من تراجع النفط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

عوائد سندات اليورو تهبط لأدنى مستوياتها منذ مارس بدعم من تراجع النفط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

بدأت عوائد سندات منطقة اليورو تداولات الأسبوع عند أدنى مستوياتها منذ أوائل مارس (آذار) الماضي، في ظل تراجع أسعار النفط إلى نحو 70 دولاراً للبرميل؛ مما أسهم في تهدئة المخاوف المرتبطة بالتضخم، وهو تطور إيجابي لصناع السياسة النقدية قبيل اجتماع منتدى «سينترا» التابع لـ«البنك المركزي الأوروبي».

وتفتتح رئيسة «البنك المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد، أعمال المنتدى مساء الاثنين، على أن تكون جلسة النقاش الأبرز يوم الأربعاء، بمشاركة رئيس بنك «الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)» الجديد كيفين وارش، إلى جانب لاغارد ومحافظ «بنك إنجلترا» آندرو بيلي.

ويراقب المستثمرون من كثب أي إشارات تتعلق بتقييم البنوك المركزية أوضاع الاقتصاد العالمي، وتوجهات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

وفي هذا السياق، خفّضت الأسواق توقعاتها بشأن وتيرة تشديد السياسة النقدية في كل من «البنك المركزي الأوروبي» و«بنك إنجلترا»، عقب وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز؛ مما أسهم في تراجع أسعار النفط وبالتالي خفض توقعات التضخم.

ومن المقرر أن تخضع هذه التوقعات لاختبار مهم هذا الأسبوع مع صدور بيانات التضخم لشهر يونيو (حزيران) الحالي من ألمانيا وفرنسا يوم الثلاثاء، ومنطقة اليورو يوم الأربعاء.

وقبل ذلك، ارتفع العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بنحو نقطة أساس واحدة ليصل إلى 2.86 في المائة بمستهل تداولات يوم الاثنين، بعدما لامس مستوى 2.83 في المائة يوم الجمعة، وهو أدنى مستوى له منذ 10 مارس الماضي.

كما ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الأعلى حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بنقطتي أساس ليبلغ 2.53 في المائة، لكنه لا يزال قريباً من أدنى مستوياته في شهرين التي سجلها يوم الجمعة.


خلاف الموازنة يهدد تفاهمات النفط بين أربيل وبغداد

حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)
حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)
TT

خلاف الموازنة يهدد تفاهمات النفط بين أربيل وبغداد

حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)
حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)

في الوقت الذي لاحت فيه بوادر تفاهمات إيجابية بين بغداد وأربيل لحسم إدارة حقول نفط إقليم كردستان، عاد فتيل الأزمة ليشتعل مجدداً من بوابة الموازنة الاتحادية والالتزامات المالية المتبادلة. وتصاعدت حدة التوتر عقب تصريحات شديدة اللهجة لرئيس حكومة الإقليم، مسرور بارزاني، طعن فيها بشرعية وقانونية مطالبة بغداد لأربيل بتسليم مبلغ ثابت قُدّر بـ120 مليار دينار (91 مليون دولار) شهرياً، بالتزامن مع كشف وزارة مالية الإقليم عن اقتطاع الحكومة الاتحادية نحو 48 تريليون دينار (36.6 مليار دولار) من حصة كردستان على مدار السنوات السبع الماضية.

تأتي هذه التطورات في أعقاب حراك دبلوماسي أميركي مكثف؛ إذ كشف سياسيون كرد لـ«الشرق الأوسط» عن أن المبعوث الأميركي، توم برَّاك، بحث في زيارته الأخيرة لأربيل منتصف يونيو (حزيران) الحالي، إمكانية تسوية الخلاف النفطي المزمن بين الإقليم والحكومة الاتحادية الجديدة برئاسة علي الزيدي، وسط تفاؤل دولي حذر بقدرة الإدارة الجديدة في بغداد على تفكيك العقد التقليدية، رغم استبعاد تشريع قانون اتحادي دائم ينظم الثروات الطبيعية في المدى المنظور.

رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني مستقبلاً برَّاك يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

جدلية «الرقم الثابت»

وفي تفاصيل الأزمة القانونية المحيطة بمبلغ الـ120 مليار دينار، أوضح المستشار القانوني لوزارة المالية في إقليم كردستان، هاوري كمال، لـ«الشرق الأوسط» أن تصرفات بغداد الأخيرة زادت من عمق الخلاف وخلقت أزمة اقتصادية مزدوجة للإقليم والعراق ككل، داعياً حكومة الزيدي الجديدة إلى «إعادة النظر في المشكلات العالقة بين الطرفين والالتزام بالدستور كحَكَم لفض الخلافات».

كان بارزاني قد صرّح لوسائل إعلام محلية بأن «إعادة مبلغ الـ120 مليار دينار إلى الحكومة الاتحادية لا تستند إلى أي أساس قانوني»، موضحاً أن «ما ورد في القانون هو تسليم نصف الإيرادات غير النفطية إلى الحكومة الاتحادية»، وأن هذا المبلغ «كان قد حُدّد كقرار في الكابينة السابقة للحكومة العراقية»، مضيفاً: «نعمل حالياً على مراجعة هذا الموضوع. آمل أن تزداد الإيرادات المحلية على مستوى العراق بأكمله، خصوصاً في إقليم كردستان، لأنه كلما زادت الإيرادات، زادت مساهمة إقليم كردستان أيضاً».

وبيّن كمال أن المادة 29 من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019 واضحة تماماً؛ إذ تنص على أن تؤول نصف الإيرادات الاتحادية غير النفطية (كالجمارك والمنافذ والموانئ) إلى الحكومة الاتحادية كنسبة متغيرة حسب المتحصَّل الفعلي، وليس كرقم ثابت ومحدد، «أي حسب مقدار الإيرادات وليس رقماً ثابتاً محدداً بـ120 مليار دينار»، مشيراً إلى أن «هناك نوعين من الإيرادات في الإقليم؛ المحلية والتي تكون للإقليم بنسبة 100 في المائة؜، فيما تحوّل نصف الإيرادات الاتحادية المتحصلة في الإقليم إلى الحكومة الاتحادية».

والإيرادات الاتحادية غير النفطية هي التي توصف بالسيادية، ويُقصد بها إيرادات الجمارك والموانئ والمنافذ وغيرها من الموارد التي تخضع للسلطة الاتحادية، بخلاف الإيرادات المحلية من ضرائب دخل وإيرادات البلديات.

مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال محادثات مع المبعوث الأميركي توم برَّاك في أربيل (أرشيفية - الحزب الديمقراطي الكردستاني)

من جانبه، كشف الخبير النفطي الكردي، الدكتور كوفند شيرواني، لـ«الشرق الأوسط» عن أصل هذا الرقم؛ موضحاً أنه «تقرر قبل عامين بناءً على تقديرات وتفاهمات مسبقة بين وزارتي المالية في الطرفين، وكان يمثل آنذاك نصف الإيرادات المتحققة فعلياً. غير أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة أدت إلى تراجع حركة التجارة وانخفاض إيرادات الجمارك بشكل حاد في الإقليم وعموم العراق؛ ومن ثم أرسلت أربيل نصف الإيرادات المتحققة بالفعل، ومع ذلك، تصر بغداد على استقطاع المبلغ القديم دون مراعاة لتأثيرات الحرب الراهنة على المداخيل الحقيقية».

بدوره، حذر الخبير الاقتصادي الكردي، هلوفان حسني، من أن إصرار بغداد على هذا العبء المالي الثابت سيقوض التفاهمات النفطية الأخيرة؛ مشيراً إلى أنه من المستحيل على الإقليم توفير هذا المبلغ شهرياً في ظل الظروف الحالية إلا على حساب قوت المواطنين ورواتب الموظفين والخدمات الأساسية.

وأكد حسني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «إصرار بغداد على استقطاع هذا المبلغ الثابت سيُلحق ضرراً بالغاً بالعلاقات الثنائية ويهدد بتقويض التفاهمات النفطية الأخيرة». وتابع مستفهماً بمنطق اقتصادي: «لو استقرت الأوضاع الإقليمية وتخطت الإيرادات الاتحادية غير النفطية في الإقليم حاجز 400 مليار دينار شهرياً، فهل ستكتفي بغداد بطلب الـ120 ملياراً فقط، أم ستطالب بزيادتها تماشياً مع نمو المداخيل؟».

وشدد حسني على أن الالتزام الفعلي بنص قانون الموازنة، القاضي بتسليم نصف الإيرادات المتحققة واقعياً، هو الحل المنطقي والأعدل للطرفين، محذراً من أن الإبقاء على هذا الرقم الجامد في ظل الأوضاع الراهنة يعد أمراً مستحيلاً على أربيل، إذ لن يتأتى تمويله إلا على حساب الاحتياجات المعيشية للمواطنين والخدمات الأساسية في الإقليم.

فخ «الإنفاق الفعلي»

في هذا السياق، وضعت وزارة المالية والاقتصاد في حكومة الإقليم، النقاط على الحروف عبر أرقام صارمة؛ إذ أعلنت أن الحكومة الاتحادية لم ترسل سوى 42 في المائة فقط من حصة كردستان المالية الإجمالية على مدار السنوات السبع الماضية.

ووفقاً للبيانات الرسمية التي تضمنها بيان الوزارة، فإن حصة الإقليم المفترضة -بعد استقطاع النفقات السيادية والحاكمة- تجاوزت 79 تريليون دينار (نحو 60.3 مليار دولار)، إلا أن بغداد لم تُحرك منها سوى 33 تريليون دينار فقط (نحو 25.2 مليار دولار) خُصصت حصراً لرواتب الموظفين. في المقابل، احتجزت الحكومة الاتحادية أكثر من 48 تريليون دينار (ما يعادل 36.6 مليار دولار) من مستحقات الإقليم الدستورية، مع امتناعها التام عن تمويل أي نفقات تشغيلية أو استثمارية طوال تلك الفترة، بل قامت باحتساب الجزء الأكبر من هذه الحصص المموّلة بين عامي 2019 و2023 كديون مترتبة على عاتق أربيل، وفق الوزارة.

وعلّق مستشار وزارة المالية والاقتصاد في كردستان، هاوري كمال، على هذه الأرقام قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نطالب بتلك الاستقطاعات كحق دستوري مكفول، ويبقى الأمر الآن معلقاً لدى الحكومة الاتحادية ومدى التزامها بالدستور».

وزارة النفط العراقية (موقع الوزارة)

خلل هيكلي

وعن الجذور التمويلية لهذه الأزمة، كشف تقرير تحليلي أمدّت دائرة الإعلام في حكومة إقليم كردستان «الشرق الأوسط» بنسخة منه، عن وجود خلل هيكلي جسيم يهدد الاستقرار المالي للإقليم والمحافظات بناءً على رصد بنود الموازنة طوال العقدين الماضيين. ويتمثل هذا الخلل في التوسع غير المسبوق لبند «النفقات السيادية» وابتداع آلية «الإنفاق الفعلي» بديلاً للتخصيص المالي الثابت.

وتعني آلية «الإنفاق الفعلي» عملياً أن الإقليم لا يتسلم حصته المثبتة قانوناً في الموازنة، بل يتسلم نسبة مئوية مما تصرفه بغداد على الأرض؛ فإذا تعطل مشروع استثماري في البصرة أو قللت الحكومة الاتحادية إنفاقها لأسباب إدارية، تنخفض حصة كردستان تلقائياً، مما يحوّل استحقاقات الإقليم إلى أرقام صورية على الورق تتآكل قبل وصولها، ويجعل رواتب الموظفين رهينة لمتغيرات لا دخل لأربيل فيها.

ويشير التقرير الحكومي إلى أن الإقليم بات يسهم بـ8.7 تريليون دينار (6.59 مليار دولار) سنوياً لتمويل النفقات السيادية للدولة نتيجة تضخم هذا البند، كما يُلزم بدفع 1.6 تريليون دينار (1.21 مليار دولار) سنوياً كحصته البالغة 12.67 في المائة لسداد ديون العراق السيادية. وفي المقابل، لا يتسلم الإقليم من القروض الأجنبية سوى 62.4 مليار دينار (47.2 مليون دولار) فقط؛ وهي مفارقة رقمية تعني أنه مقابل كل دولار واحد يتسلمه الإقليم كقرض، يدفع 26 دولاراً لتسديد ديون أنفقتها الحكومة الاتحادية في مشاريع بمناطق ومحافظات أخرى.

كواليس الضغط السياسي

من جهته، شدد المحلل السياسي والاقتصادي الكردي، الدكتور سامان شالي، على أن هذا الملف الشائك يتطلب «تفاهمات راسخة ودائمة بين أربيل وبغداد، وليس مجرد تسويات مؤقتة»، مشيراً إلى أن الخلافات الحالية هي نتاج تراكمات بدأت حين اتخذت الحكومات الاتحادية السابقة من ملفي الموازنة والرواتب ورقة ضغط سياسي واقتصادي على الإقليم.

وأضاف شالي لـ«الشرق الأوسط» أن أربيل كانت تلجأ سابقاً إلى التصدير المستقل لتأمين رواتب موظفيها ونفقاتها التشغيلية، مستدركاً: «لكن منذ عام 2023، أظهر الإقليم التزاماً كاملاً بتسليم النفط وعائداته إلى بغداد، ومع ذلك لم تنفِّذ الحكومة الاتحادية التزاماتها المقابلة بشكل كامل».

ورغم رصد شالي «مؤشرات إيجابية وتأكيدات رافقت تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، بعدم المساس ببنود موازنة الإقليم أو اللجوء مجدداً لقطع الرواتب»، فإنه دعا إلى مراجعة فورية لقرار فرض الـ120 مليار دينار كقيمة استقطاع ثابتة. وطالب بدلاً من ذلك بإخضاع الملف لآليات المراجعة والتدقيق المشترك لتحديد حجم الإيرادات الاتحادية الفعلية ونصفها بدقة، حاثاً الحكومة الاتحادية على تقديم موازناتها الختامية المدققة بنهاية كل عام لضمان الشفافية في النفقات والإيرادات، فضلاً عن جدولة تسديد الاستقطاعات المالية المتراكمة للإقليم في ذمة بغداد؛ إنهاءً لأزمة صراع الموارد الممتدة لأكثر من عقدين.

Your Premium trial has ended


أسواق الخليج تتراجع مع استمرار القلق بشأن التفاهمات الأميركية - الإيرانية

مستثمران يتابعان الأسهم في بورصة قطر (رويترز)
مستثمران يتابعان الأسهم في بورصة قطر (رويترز)
TT

أسواق الخليج تتراجع مع استمرار القلق بشأن التفاهمات الأميركية - الإيرانية

مستثمران يتابعان الأسهم في بورصة قطر (رويترز)
مستثمران يتابعان الأسهم في بورصة قطر (رويترز)

استهلت أسواق الأسهم الخليجية تعاملات الاثنين على تراجع، في ظل استمرار حالة الحذر بين المستثمرين عقب تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الماضية، رغم توصل الجانبين إلى اتفاق لوقف الهجمات المتبادلة.

تأتي هذه التطورات بعد موجة من الضربات الانتقامية التي أعقبت استهداف مقذوف إيراني سفينة شحن في مضيق هرمز الأسبوع الماضي، بينما تبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت.

وأبقت الشكوك بشأن استدامة الاتفاق الضغوط على الأسواق، رغم تراجع معظم المكاسب التي سجلتها أسعار النفط خلال فترة التصعيد العسكري، مع إعادة تقييم المستثمرين لاحتمالات تحسن الإمدادات النفطية في المنطقة.

وفي السعودية، تراجع المؤشر الرئيسي «تاسي» بنسبة 0.6 في المائة، متأثراً بانخفاض سهم «أرامكو السعودية» بنسبة 1.1 في المائة، بعد يوم واحد من إنهاء السهم سلسلة خسائر استمرت ثماني جلسات متتالية.

وفي تطور مرتبط بقطاع الطاقة، استأنفت «أرامكو السعودية» يوم الجمعة، تحميل شحنات النفط الخام من محطة رأس تنورة الواقعة غرب مضيق هرمز، بعد توقف استمر نحو أربعة أشهر، بالتزامن مع زيادة المنتجين مستويات الإنتاج والصادرات استعداداً لتنفيذ الاتفاق المؤقت.

وفي الإمارات، انخفض مؤشر سوق دبي المالي بنسبة 0.2 في المائة، بضغط من تراجع سهم «بنك الإمارات دبي الوطني» بنسبة 0.8 في المائة وسهم «العربية للطيران» بنسبة 0.9 في المائة.

كما تراجع مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية بنسبة 0.2 في المائة، فيما انخفض المؤشر القطري بالنسبة ذاتها متأثراً بهبوط سهم «بنك قطر الإسلامي» بنسبة 0.7 في المائة.