التسويق الرقمي... رافعة الكفاءة الاقتصادية في عصر البيانات

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل معادلة التنافس

تماثيل صغيرة مع أجهزة كمبيوتر وجوالات ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)
تماثيل صغيرة مع أجهزة كمبيوتر وجوالات ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)
TT

التسويق الرقمي... رافعة الكفاءة الاقتصادية في عصر البيانات

تماثيل صغيرة مع أجهزة كمبيوتر وجوالات ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)
تماثيل صغيرة مع أجهزة كمبيوتر وجوالات ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)

في عصرٍ تقوده البيانات وتتسارع فيه التحولات الرقمية، بات التسويق الرقمي ركيزة أساسية للكفاءة الاقتصادية لا مجرد وسيلة ترويج. لقد غيّر هذا النمط من التسويق قواعد السوق، معتمداً على الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة لاستهداف المستهلك بدقة، وتقليص الهدر، وتعظيم العوائد. ومن خلال الانتقال من العرض الجماعي إلى الطلب الفردي، أصبح أداة فاعلة لإعادة توجيه الموارد، وتعزيز تنافسية الشركات في بيئة تتطلب سرعة القرار ودقة الأداء.

ويُشكّل التسويق الرقمي بيئة متكافئة تمكّن المشاريع الصغيرة والمتوسطة من اختراق الأسواق بكفاءة وبتكاليف منخفضة، مستفيداً من أدوات التحليل والتنبؤ السلوكي لتخطيط الإنتاج وتقليل الهدر. وفي ظل اقتصاد تُقاس فيه القيمة بقدرة إدارة البيانات، يبرز هذا النمط من التسويق بوصفه ركيزة للنمو المستدام، شرط توظيفه بفاعلية توازن بين الابتكار وحماية الخصوصية.

وأكد مختصون لـ«الشرق الأوسط» أن التسويق الرقمي لم يعد مجرد أداة ترويجية، بل هو تحوّل إلى ركيزة للنمو الاقتصادي ورافعة للكفاءة والإنتاجية، عبر ما يتيحه من استهداف دقيق وتخصيص للموارد بناءً على البيانات والتحليلات السلوكية، مؤكدين أن الاقتصاد الحديث بات يُدار بالبيانات، وأن الشركات القادرة على توظيفها بأخلاقيات عالية وذكاء استراتيجي ستكون الأقدر على الريادة في بيئة تتجه سريعاً نحو التحول الرقمي والاستدامة.

فرص متكافئة

وقال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس في حديث إلى «الشرق الأوسط» إن التسويق الرقمي لم يعد خياراً، بل بات ضرورة اقتصادية تمكّن الشركات من تحقيق كفاءة أعلى، وتُعيد رسم قواعد السوق من خلال البيانات والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن التحول الرقمي أصبح رافعة أساسية للإنتاجية والعائد على الاستثمار.

وأبان أن أدوات التحليل الرقمي غيّرت ديناميكية السوق، حيث انتقل النموذج من العرض الكلي إلى الطلب الفردي، إذ بات المستهلك يتلقى عروضاً مصممة وفقاً لتفضيلاته الشخصية، مما أسهم في تقليل الهدر الإنتاجي، وتوجيه المنتجات بشكل أكثر فاعلية، وتحقيق مبيعات أسرع، فيما تستطيع الشركات التنبؤ بالطلب بشكل أدق.

وشدّد العطاس على أن التسويق الرقمي قدّم فرصة استراتيجية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لتعزيز تنافسيتها أمام الكيانات الكبرى، إذ مكّنها من الوصول إلى جمهورها المستهدف بتكلفة منخفضة، واختبار أسواق جديدة بسرعة، دون الحاجة إلى إنفاق ضخم أو بنية تحتية تقليدية.

ورأى أن هذا النمط من التسويق يوفّر فرصاً متكافئة للوصول إلى السوق، لكنه يتطلب فهماً عميقاً واستثماراً مدروساً في أدوات التحليل والمحتوى.

وأكد أن الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية يشكلان مستقبل التسويق الرقمي، حيث يمكنان من قراءة سلوك المستهلك والتنبؤ به بدقة، ما يحدث نقلة نوعية في الحملات التسويقية، لافتاً إلى أن هذه التقنيات تسهم في خفض التكلفة التشغيلية، وتسريع الوصول إلى السوق، وزيادة العائد الاستثماري من خلال الأتمتة وتخصيص المحتوى.

وبحسب العطاس، فإن التسويق الرقمي يمكن أن يكون محركاً فعّالاً للنمو الاقتصادي، لا سيما في الدول النامية، عبر خلق فرص عمل جديدة، ودعم الصادرات من خلال التجارة الإلكترونية، إلى جانب تمكين رواد الأعمال من الوصول إلى الأسواق العالمية دون الحاجة إلى بنية تحتية تقليدية ضخمة.

ولفت إلى أن القيمة السوقية للشركات في العصر الحديث تُقاس بحجم بياناتها لا فقط منتجاتها، مؤكداً أن الشركات التي تستثمر في البيانات وتحترم أخلاقيات استخدامها ستكون الأقدر على المنافسة والريادة. وأضاف أن البيانات أصبحت أحد الأصول الاستراتيجية الأهم في اتخاذ القرار ورسم اتجاهات السوق.

وختم الدكتور حسين العطاس حديثه بالتأكيد على أن التسويق الرقمي أصبح عصب الاقتصاد الحديث، وأداة حيوية لرفع الكفاءة وتحقيق النمو المستدام. وأوضح أن مستقبل هذا القطاع مرتبط بمدى القدرة على استثمار الذكاء الاصطناعي والبيانات، مع ضرورة الحفاظ على خصوصية المستهلك والشفافية، ليُشكّل التسويق الرقمي رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني.

ديناميكيات العرض والطلب

بدورها، أكدت المحللة الاقتصادية روان بن ربيعان لـ«الشرق الأوسط» أن التسويق لم يعد يقتصر على كونه أداة ترويجية، بل تحوّل إلى رافعة حقيقية للكفاءة الإنتاجية والنمو الاقتصادي، مشيرةً إلى أن الاقتصاد الرقمي أعاد تعريف الدور الاستراتيجي للتسويق في بيئات الأعمال الحديثة.

وأوضحت أن أدوات التحليل الرقمي والاستهداف الدقيق مكّنت الشركات من توجيه مواردها التسويقية بكفاءة أعلى، مما أسهم في تقليص الهدر وزيادة العائد على الاستثمار، مبينةً أن هذا التحول ربط الجهود التسويقية بشكل مباشر بالأداء التجاري، ما انعكس إيجاباً على الإنتاجية.

وأكملت المحللة الاقتصادية أن البيانات الدقيقة والتحليلات اللحظية غيّرت ديناميكيات العرض والطلب، إذ لم يعد العرض يعتمد على تقديرات تاريخية، بل بات يعكس الواقع اللحظي للسوق، مفيدة أن هذا التطور مكّن الشركات من فهم سلوك المستهلكين والتفاعل السريع مع تحركات السوق، ما أتاح فرصاً أسرع وأذكى للاستجابة للطلب.

ووفق روان بن ربيعان، فإن التسويق الرقمي أتاح للمشروعات الصغيرة والمتوسطة فرصاً حقيقية للتوسع والمنافسة، في بيئة كانت تهيمن عليها الشركات الكبرى، لافتة إلى أن أدوات منخفضة التكلفة، مثل الحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتحسين محركات البحث، ساعدت هذه المشروعات على الوصول إلى جمهورها المستهدف بكفاءة عالية، وهو ما عزّز التنافسية الاقتصادية.

وتوقّعت أن يسهم الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية في إحداث تحول جذري في المشهد التسويقي، من خلال فهم العميل قبل أن يعبّر عن احتياجاته، واقتراح استراتيجيات تسويقية استباقية. وأكدت أن هذه الأدوات ستُحسّن كفاءة اتخاذ القرار، وتُقلل التكاليف، وتُزيد من دقة الاستهداف، ما يرفع من كفاءة الاقتصاد بشكل عام.

وأضافت أن من يملك البيانات ويفهم تحليلها سيكون له الأفضلية التنافسية، مع تنامي الحاجة لحماية الخصوصية مقابل تطور نماذج الأعمال القائمة على التحليل المتقدم.


مقالات ذات صلة

«قبلة الموت» الأميركية تنهي أسطورة بنك «إم بائير» السويسري

الاقتصاد يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)

«قبلة الموت» الأميركية تنهي أسطورة بنك «إم بائير» السويسري

«قبلة الموت» الأميركية تُسدل الستار على بنك «إم بائير» السويسري، إثر اتهامات بتحوله إلى قناة لغسل أموال بمليارات الدولارات لصالح إيران وروسيا وفنزويلا.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ - لندن)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية في سيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية تنتعش بآمال «مفاوضات السلام»

سجلت الأسهم الآسيوية ارتدادة قوية في تداولات يوم الثلاثاء، مدفوعة بأنباء متفائلة حول محادثات سلام بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)

مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

تُقلّص الصين صادرات الوقود المكرر بدلاً من حظرها، وفقًا لبيانات الشحن والتجار.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

فتحت إدارة ترمب بوابة إلكترونية جديدة لتمكين الشركات من المطالبة باسترداد الرسوم الجمركية التي دفعتها بسبب سياسات أبطلتها المحكمة العليا الأميركية

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تسير مع كلابها أمام فندق في مدينة فوجيساوا اليابانية (أ.ف.ب)

الأسر اليابانية تترقّب استمرار التضخم وثبات الفائدة

أظهر استطلاع رأي ربع سنوي نُشر يوم الاثنين، أن معظم الأسر اليابانية تتوقع استمرار ارتفاع الأسعار في السنوات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

الأسهم الأوروبية ترتفع بشكل طفيف وسط تفاؤل حذر بمحادثات السلام

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية ترتفع بشكل طفيف وسط تفاؤل حذر بمحادثات السلام

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

سجلت الأسهم الأوروبية ارتفاعاً طفيفاً يوم الثلاثاء، بعد خسائر في الجلسة السابقة، وسط تفاؤل حذر لدى المستثمرين بشأن استمرار مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، مع اقتراب الموعد النهائي لاتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنسبة 0.1 في المائة، ليصل إلى 621.99 نقطة بحلول الساعة 07:13 بتوقيت غرينتش، وفق «رويترز».

كما سجلت المؤشرات الإقليمية الرئيسية مكاسب محدودة؛ إذ ارتفع مؤشر «داكس» بنسبة 0.6 في المائة، فيما صعد مؤشر «فوتسي 100» بنسبة 0.1 في المائة.

وتشير التطورات الدبلوماسية إلى بقاء قنوات التواصل مفتوحة، مع إبداء مسؤولين أميركيين تفاؤلهم باستمرار المحادثات، في حين أفاد مسؤول إيراني رفيع بأن طهران تدرس المشاركة رغم استمرار العقبات وعدم اليقين مع اقتراب انتهاء الهدنة.

وجاء أداء الأسواق مدفوعاً أيضاً بانتعاش من خسائر جلسة الاثنين، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط في بداية التداولات، مما عزز رهانات المستثمرين على إمكانية استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران خلال الأسبوع.

وتصدّر قطاع التكنولوجيا المكاسب بارتفاع بلغ 1 في المائة، في حين جاء قطاع الرعاية الصحية في ذيل القائمة متراجعاً بنسبة 0.6 في المائة.

وفي تحركات لافتة، هبطت أسهم شركة «رويال يونيبرو» بنسبة 13 في المائة، متجهة نحو أسوأ أداء يومي منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بعد إعلان الشركة إنهاء شراكتها مع موزعي «بيبسي» في شمال أوروبا.


تراجع واردات الهند من النفط الخام في مارس نتيجة حرب إيران

شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)
شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)
TT

تراجع واردات الهند من النفط الخام في مارس نتيجة حرب إيران

شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)
شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن أن واردات الهند من النفط الخام تراجعت بنسبة 13 في المائة خلال مارس (آذار)، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب في فبراير (شباط)، في ظل تحوّل حاد في مصادر الإمداد لصالح روسيا، التي رفعت حصتها إلى مستويات قياسية، بعد اضطرابات في تدفقات النفط من الشرق الأوسط نتيجة الصراع الأميركي-الإسرائيلي مع إيران وتوقف الشحنات عبر مضيق هرمز.

وحسب بيانات من مصادر في قطاع النفط، استوردت الهند، ثالث أكبر مستهلك ومستورِد للنفط في العالم، نحو 4.5 مليون برميل يومياً من الخام في مارس.

وسجلت واردات النفط الروسي قفزة لافتة لتتضاعف تقريباً مقارنة بفبراير، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 2.25 مليون برميل يومياً، مما رفع حصتها من إجمالي واردات الهند إلى مستوى غير مسبوق بلغ 50 في المائة، وفق «رويترز».

في المقابل، تراجعت واردات الهند من نفط الشرق الأوسط بنسبة 61 في المائة لتصل إلى 1.18 مليون برميل يومياً، مما أدى إلى انخفاض حصتها إلى أدنى مستوى تاريخي بلغ 26.3 في المائة خلال مارس، مع هبوط شحنات كل من العراق والإمارات العربية المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.

وتوقفت حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، بعد منع إيران والولايات المتحدة مرور السفن، مما أدى إلى اضطراب كبير في تدفقات الخام.

كما تعرضت سفينتان ترفعان العلم الهندي لهجمات في أثناء محاولتهما عبور المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، في مؤشر على تصاعد المخاطر في مسارات الشحن.

وأوضحت البيانات أن الهند لجأت إلى تعويض النقص عبر زيادة مشترياتها من النفط الروسي المنقول بحراً، مستفيدة من ترتيبات استثنائية تسمح باستيراد الخام الخاضع للعقوبات.

وتوقعت المصادر استمرار قوة الإمدادات الروسية، خصوصاً بعد تجديد استثناء يسمح بشراء النفط الروسي المنقول بحراً لفترة إضافية قصيرة.

وفي التوزيع الشهري للموردين، واصلت روسيا تصدر قائمة موردي النفط للهند في مارس، تلتها السعودية التي حلت محل العراق بوصفها ثاني أكبر مورد، ثم أنغولا التي عززت صادراتها لتعويض تراجع الإمدادات من الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الإمارات والعراق.

وبفعل هذا التحول، تراجعت حصة نفط منظمة «أوبك» في إجمالي واردات الهند إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 29 في المائة.

أما على مستوى السنة المالية المنتهية في مارس 2026 فقد انخفضت واردات الهند من النفط الروسي بنسبة 6.2 في المائة على أساس سنوي، نتيجة تقليص بعض المصافي مشترياتها في إطار اعتبارات تجارية وسياسية مرتبطة بالعلاقات مع الولايات المتحدة، مما أدى إلى تغيّر في توزيع الحصص بين الموردين، مع تراجع نسبي لروسيا وارتفاع محدود في حصة الشرق الأوسط.


«قبلة الموت» الأميركية تنهي أسطورة بنك «إم بائير» السويسري

يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)
يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)
TT

«قبلة الموت» الأميركية تنهي أسطورة بنك «إم بائير» السويسري

يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)
يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)

لطالما ردّد مايكل بائير، سليل العائلة المصرفية العريقة وجسد الجيل الرابع لمؤسس بنك «جوليوس بائير» السويسري، أن العمل المصرفي يسري في جيناته. نشأ «إم بائير» (MBaer) في العصر الذهبي للسرية المصرفية السويسرية، لكن طموحه لإنشاء «بنك ذي روح» انتهى بنهاية مأساوية تحت مقصلة العقوبات الأميركية، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

سقوط تحت المادة «311»

لم يستمر البنك الذي أطلقه بائير في عام 2018 بديلاً للحرس القديم طويلاً؛ ففي فبراير (شباط) الماضي، استخدمت وزارة الخزانة الأميركية المادة «311»، وهي سلطة قانونية نادراً ما تُستخدم، ولكنها تُعرف في الأوساط المالية بـ«قبلة الموت». وبموجبها، صُنف البنك السويسري بوصفه «مخاطرة رئيسية لغسل الأموال»، مما أدى فعلياً إلى قطعه عن النظام المالي العالمي المعتمد على الدولار.

و«المادة 311» ليست مجرد غرامة مالية أو عقوبة إدارية، بل هي «إعدام مالي» خارج الحدود؛ إذ تمنح وزارة الخزانة الأميركية سلطة عزل أي مصرف أجنبي عن النظام المالي العالمي بشكل فوري. وبالتالي، وبمجرد صدور هذا التصنيف، يُحظر على جميع المصارف الأميركية التعامل مع البنك المستهدف أو فتح «حسابات مراسلة» له، مما يعني فعلياً «قطع الأكسجين الدولاري» عنه. وبما أن الدولار هو لغة التجارة العالمية، فإن البنك الذي يُصنّف تحت هذه المادة يفقد قدرته على إجراء أي تحويلات دولية، وتتجنّبه المصارف الأخرى حول العالم مثل «المصاب بالعدوى» خوفاً من ملاحقة واشنطن، مما يؤدي إلى انهياره حتماً مهما بلغت متانة أصوله أو عراقة اسم عائلته المؤسسة.

وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، كان حاسماً في تصريحه حين قال: «لقد ضخ بنك (إم بائير) أكثر من 100 مليون دولار عبر النظام المالي الأميركي لصالح جهات غير مشروعة مرتبطة بإيران وروسيا».

تحدي «الحرس القديم»

عندما طرح مايكل بائير مصرفه بوصفه «بديلاً للحرس القديم» كان يهدف إلى استغلال الفجوة التي تركتها عمالقة المصارف السويسرية، مثل: «يو بي إس» و«جوليوس بائير» التي تحولت تحت وطأة الملاحقات الأميركية إلى مؤسسات شديدة الحذر ومثقلة بالبيروقراطية. ففي حين كان هذا «الحرس القديم» ينسحب من الأسواق الرمادية ويغلق حسابات العملاء في دول تعاني من العقوبات أو الاضطرابات السياسية لتجنب «وجع الرأس» القانوني، قدم بائير مصرفه بوصفه منصة مرنة تتبنى روحاً ريادية؛ حيث كان يطمح لخدمة هؤلاء العملاء «المرفوضين» من قِبل البنوك الكبرى، مراهناً على قدرته على تقديم خدمات شخصية وسريعة تتجاوز جمود الأنظمة الرقابية الآلية للمصارف التقليدية، وهي المقامرة الجريئة التي جعلت بنكه في نهاية المطاف هدفاً مباشراً للمجهر الأميركي.

لكن تقارير شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية (FinCen) رسمت صورة مغايرة؛ إذ عدّت البنك «نقطة وصول حرجة» للدولار لصالح شبكات غسل أموال مرتبطة بمسؤولين روس (بمن فيهم الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف)، وشبكات تهريب نفط تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، بالإضافة إلى قضايا فساد مرتبطة بشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA).

إخفاق الرقابة السويسرية

أثار سقوط البنك تساؤلات قاسية حول كفاءة هيئة الرقابة المالية السويسرية (Finma). ففي حين كانت الشائعات تدور في أروقة زيوريخ حول أنشطة البنك المشبوهة، استغرق المنظم السويسري عامين للتحقيق وإصدار قرار تصفية، وهو القرار الذي تمكن البنك من تجميده عبر الاستئناف القضائي.

يصف أستاذ القانون المتخصص في الجرائم المالية، مارك بيث، تعامل السلطات السويسرية مع القضية بأنه «إحراج»، وفق ما نقلت عنه «فاينانشال تايمز»، مضيفاً: «بينما (فينما) لديها إرث من البطء، تصرفت واشنطن بوحشية وسرعة».

وفي دفاعها، أكدت «فينما» أنها سحبت الترخيص قبل التحرك الأميركي، لكن القانون السويسري منعها من التنفيذ الفوري بسبب إجراءات التقاضي.

أرقام صادمة من داخل التحقيقات

كشفت التحقيقات عن تفاصيل مذهلة داخل البنك؛ إذ تبيّن أن:

  • 80 في المائة من علاقات عملاء البنك كانت مصنّفة بوصفها «عالية المخاطر».
  • 98 في المائة من الأصول الواردة للبنك جاءت من هؤلاء العملاء.
  • استمر البنك في قبول عملاء مشبوهين حتى بعد تحذيرات داخلية من فرق الامتثال.

أضواء مطفأة وأموال مجمّدة

اليوم، يقبع مقر البنك في زيوريخ تحت إشراف المصفين القضائيين. ورغم محاولات الإدارة السابقة رد أموال العملاء، فإن الموقع الإلكتروني للبنك أعلن مؤخراً توقف جميع عمليات السداد بعد قطعه عن نظام المدفوعات بين البنوك السويسرية.

رحلة مايكل بائير، الذي أراد أن يثبت أن المصارف الصغيرة يمكنها تحدي البيروقراطية، انتهت بدرس قاسٍ للقطاع المالي السويسري: في عصر العقوبات العالمية، لا توجد مساحة للرمادية، و«قبلة الموت» الأميركية لا تخطئ هدفها حين يتعلق الأمر بالأمن القومي المالي.