السندات السعودية... ملاذ آمن في قلب الأسواق الناشئة

مسؤولة في «ستيت ستريت» لإدارة الأصول لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تقدم «سرداً اقتصادياً مقنعاً»

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

السندات السعودية... ملاذ آمن في قلب الأسواق الناشئة

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

في ظل ترقب عالمي حذر لأسواق الدَّين في الاقتصادات الناشئة، تبرز السعودية قوة استثمارية جاذبة، مدعومة بمزيج من الاستقرار المالي وخطط نمو اقتصادي طموحة.

هذا ما أكدته كارين خيرالله، رئيسة قسم استراتيجية الاستثمار والبحوث لأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة «ستيت ستريت غلوبال أدفايزرز» (State Street)، والتي تُعد أحد أكبر مديري الأصول في العالم، حيث تدير أصولاً تتجاوز 4.6 تريليون دولار.

وقالت خيرالله في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن المملكة تقدم «سرداً اقتصادياً كلياً مقنعاً»، يرتكز على أسس مالية متينة، واستراتيجية نمو واضحة وطموحة. و«في حين تواجه العديد من الاقتصادات حول العالم أعباء ديون مرتفعة وتكاليف خدمة متزايدة، تحافظ السعودية على نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي عند مستوى منخفض نسبياً يبلغ 29.9 في المائة حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن المتوقع أن تبقى أقل بكثير من المتوسطات العالمية حتى مع ارتفاعها تدريجياً لدعم الاستثمارات ضمن رؤية 2030».

هذا الانضباط المالي يعزز مكانة السعودية كمُصدر مستقر وموثوق به في سوق السندات السيادية بالأسواق الناشئة. وتتوقع خيرالله أن يحقق الاقتصاد السعودي نمواً مستداماً خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بالإصلاحات الهيكلية والاستثمارات الاستراتيجية، لا سيما في القطاعات غير النفطية. ورغم أن وتيرة هذا النمو قد لا تكون الأسرع مقارنة ببعض الأسواق الناشئة الأخرى، فإنها ستفوق بشكل واضح الاقتصادات المتقدمة، مما يجعل السندات السعودية خياراً مفضلاً للمستثمرين الباحثين عن الاستقرار والقيمة طويلة الأجل.

وكان الاقتصاد السعودي حقق نمواً بواقع 3.4 في المائة على أساس سنوي في الربع الأول من العام الحالي، مدفوعاً بنمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9 في المائة والتي باتت تعد المساهم الرئيس في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على أساس سنوي، حيث ساهمت بمقدار 2.8 نقطة مئوية.

«رؤية 2030» تعزز سوق الدين

تلعب «رؤية السعودية 2030» دوراً محورياً في تعزيز سوق الدخل الثابت في المملكة، من خلال تنويعه وزيادة عمقه ومواءمته مع المعايير المالية العالمية، وفق خيرالله التي أضافت: «لتمويل مشاريع التنمية الكبرى مثل نيوم، زادت الحكومة السعودية وصندوق الاستثمارات العامة بشكل ملحوظ من إصدار السندات والصكوك، بما في ذلك التوسع في التمويل الأخضر. وقد أدى هذا التوسع إلى إنشاء منحنى عائد أكثر شمولاً، يعكس نضج السوق ويدعم عملية اكتشاف الأسعار عبر آجال الاستحقاق المختلفة».

وتعتبر خيرالله أن إدراج السندات السعودية المقومة بالدولار ضمن مؤشر «جيه بي مورغان» للأسواق الناشئة في عام 2019 كان «محطة فارقة» عكست ثقة المستثمرين العالميين في السوق السعودية. وقد أرست هذه التطورات أسساً قوية لسوق دين أكثر مرونة واستدامة، يدعم التحول الاقتصادي طويل الأجل في المملكة.

جودة ائتمانية قوية وتصنيفات عالمية متقدمة

وفيما يتعلق بالجودة الائتمانية للإصدارات السعودية، تؤكد خيرالله أن المملكة أصبحت من بين أكثر المصدرين السياديين استقراراً وجاذبية ضمن الأسواق الناشئة، بفضل قاعدتها المالية المتينة ونجاحها في تنفيذ «رؤية 2030».

وقد انعكس هذا التحسن بوضوح في تقييمات وكالات التصنيف الائتماني العالمية، حيث رفعت وكالة «موديز» تصنيف السعودية إلى «إيه 1» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، كما رفعت «ستاندرد آند بورز» تصنيفها إلى «إيه +» في مارس (آذار) الماضي، مما وضع المملكة ضمن أعلى درجات التصنيف الاستثماري.

الإدراج في المؤشرات العالمية

تتوقع خيرالله أن يؤدي إدراج السندات السعودية في المؤشرات العالمية الكبرى إلى تعزيز الطلب بشكل كبير من قبل المستثمرين المؤسسيين العالميين. فعندما يتم إدراج الديون السعودية في مؤشرات مثل «جيه بي مورغان»، تصبح الصناديق التي تتبع هذه المؤشرات ملزمة بتخصيص جزء من محافظها للسعودية، و«هذا لا يضمن تدفقات استثمارية منتظمة فحسب، بل يوسع أيضاً قاعدة المستثمرين لتشمل مؤسسات عالمية كبرى كصناديق التقاعد وصناديق الثروة السيادية».

يُعد الإدراج في المؤشرات بمثابة «شهادة على نضج وشفافية السوق»، ويعكس التزام السعودية بتطوير أسواقها المالية ضمن مستهدفات «رؤية 2030»، و«هو ما سيؤدي في النهاية إلى تحسين السيولة وخفض تكاليف الاقتراض مستقبلاً»، وفق خيرالله.

زيادة الدين... بين الحاجة والاستدامة

وعن زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي (29.9 في المائة)، توضح خيرالله أن هذا الارتفاع يأتي ضمن خطة استراتيجية لتمويل مشاريع تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. وتؤكد أن مستويات الدين الحالية تظل مريحة مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة والعديد من الأسواق الناشئة الأخرى.

لكنها أوضحت أنه «رغم السيطرة الحالية على تكاليف خدمة الدين بفضل معدلات الفائدة المنخفضة، فإن المخاطر تكمن في حالة ارتفاع أسعار الفائدة بشكل كبير أو استمرار تراكم الدين دون تحقيق نمو اقتصادي كافٍ»، مشددة في هذا السياق على أهمية استمرار جهود التنويع وزيادة الإيرادات غير النفطية للحفاظ على الاستدامة المالية وتقليل الاعتماد على الاقتراض.

واختتمت خيرالله حديثها بالتأكيد على أن التصنيفات الائتمانية المرتفعة للسعودية تعكس ثقة المستثمرين في المسار الاقتصادي للمملكة، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن الحفاظ على هذه التصنيفات يتطلب استمرار الانضباط المالي ونجاح الإصلاحات الهيكلية المستهدفة.


مقالات ذات صلة

الجنيه الإسترليني يهبط لأدنى مستوى في 3 أسابيع مع تصاعد مخاوف الحرب

الاقتصاد أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

الجنيه الإسترليني يهبط لأدنى مستوى في 3 أسابيع مع تصاعد مخاوف الحرب

تراجع الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له في أكثر من ثلاثة أسابيع مقابل اليورو ويتجه نحو تسجيل خسارة يومية خامسة على التوالي مقابل الدولار

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الفيدرالي يواجه «هشاشة الثقة»... صدمة الطاقة تهدد استقرار توقعات التضخم

يواجه مسؤولو البنك الاحتياطي الفيدرالي تحدياً مع ارتفاع توقعات الأسر التضخمية بالتوازي مع ارتفاع أسعار البنزين وانتقال الشك إلى أسواق السندات

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«مورغان ستانلي» تخفض تصنيف الأسهم العالمية لصالح «النقد» والسندات الأميركية

خفَّضت «مورغان ستانلي» تصنيفها للأسهم العالمية، بينما رفعت تصنيفها للنقد وسندات الخزانة الأميركية، في ظل اتجاه المستثمرين إلى الأصول الآمنة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد طالبان يتفقدان أسعار الأسهم على هاتفيهما في جامعة هانكوك بسيول (رويترز)

«حرب إيران» تُرهق التداول في الأسواق... وجفاف السيولة يهدد بسيناريو «كوفيد»

أشعلت الحرب في إيران اضطرابات واسعة في الأسواق المالية، ما دفع بعض المستثمرين وصنَّاع السوق إلى التردد في المخاطرة، وزاد من صعوبة التداول وارتفاع تكلفته.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد أوراق نقدية من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني فوق أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي (رويترز)

السندات العالمية على أعتاب أكبر خسارة شهرية منذ أكثر من عام

تراجعت أسعار السندات الحكومية العالمية لتقترب من تسجيل أكبر خسائر شهرية لها منذ أكثر من عام، مع تزايد قلق المستثمرين بشأن استمرار الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

مصر وقبرص توقِّعان اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز

جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)
جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)
TT

مصر وقبرص توقِّعان اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز

جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)
جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)

وقَّعت مصر وقبرص اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز، يوم الاثنين، خلال معرض «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة.

وقال متحدث باسم الرئاسة القبرصية، إن الاتفاقية غير الملزمة ستكون أساساً يمكن للبلدين من خلاله التفاوض على مزيد من الاتفاقيات لاستغلال احتياطيات قبرص، وفقاً لـ«رويترز».

وأضاف مسؤول حكومي قبرصي آخر، أن الاتفاقية ستتيح للبلدين التفاوض على بيع الغاز الطبيعي إلى مصر أو الشركات المصرية المملوكة للدولة، من حقلَي «كرونوس» و«أفروديت» البحريين في قبرص.

ويقول مسؤولون في قبرص، إنهم قد يكونون قادرين على بدء استخراج الغاز من حقل «كرونوس» عام 2027 أو 2028.

وفي العام الماضي، وقَّعت مصر وقبرص اتفاقيات تسمح بتصدير الغاز من الحقول البحرية القبرصية إلى مصر، لتسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا، في إطار سعي البلدين لتعزيز دور شرق المتوسط ​​كمركز للطاقة.

وتعاني مصر من تداعيات حرب إيران، ولا سيما في قطاع الطاقة، لاعتمادها على الوقود المستورد. وقد ارتفعت التكاليف بشكل حاد نتيجة تعطل إنتاج وتجارة النفط والغاز في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وقد رفعت الحكومة المصرية بالفعل أسعار الوقود وأسعار المواصلات العامة، وأعلنت عن سياسة العمل من المنزل، وأمرت معظم مراكز التسوق والمتاجر والمطاعم بالإغلاق بحلول الساعة التاسعة مساء، خمسة أيام في الأسبوع.


ناقلة نفط روسية تصل إلى كوبا

من المتوقع أن تُفرغ سفينة النفط الروسية حمولتها بميناء «ماتانزاس» في كوبا (رويترز)
من المتوقع أن تُفرغ سفينة النفط الروسية حمولتها بميناء «ماتانزاس» في كوبا (رويترز)
TT

ناقلة نفط روسية تصل إلى كوبا

من المتوقع أن تُفرغ سفينة النفط الروسية حمولتها بميناء «ماتانزاس» في كوبا (رويترز)
من المتوقع أن تُفرغ سفينة النفط الروسية حمولتها بميناء «ماتانزاس» في كوبا (رويترز)

أفادت وكالة «إنترفاكس» للأنباء، نقلاً عن وزارة النقل الروسية، بوصول ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين»، التي تحمل شحنة إنسانية من النفط الخام تزن 100 ألف طن متري، إلى كوبا.

وأضافت «الوكالة» أنه من المتوقع أن تُفرغ السفينة حمولتها في ميناء ماتانزاس.

وأظهرت بيانات تتبّع السفن، من «مجموعة بورصة لندن»، أن السفينة تتحرك على طول الساحل الشمالي لكوبا بعد أن أشار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأحد، إلى أنه سيتراجع عن قراره حظر شحنات النفط إلى كوبا، قائلاً إنه «لا يمانع» في أن ترسل أي دولة النفط الخام إلى كوبا.

وتحتاج كوبا إلى زيت الوقود والديزل المستوردَين؛ لتوليد الطاقة وتجنب مزيد من الانقطاعات في ظل استمرار تقنين مبيعات البنزين بشكل صارم.

وقطعت الولايات المتحدة صادرات النفط الفنزويلية إلى كوبا بعد إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي، وكان ترمب قد هدد بفرض رسوم جمركية باهظة على أي دولة أخرى تصدر النفط الخام إلى كوبا. وعليه؛ فقد أوقفت المكسيك، أكبر مورد للنفط إلى كوبا إلى جانب فنزويلا، شحناتها.

ونتيجة ذلك؛ لم تتسلم كوبا أي ناقلة نفط منذ 3 أشهر، وفقاً للرئيس ميغيل دياز كانيل؛ مما فاقم أزمة الطاقة التي أدت إلى سلسلة من انقطاعات التيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة. ويقول مسؤولون صحيون كوبيون إن الأزمة زادت من خطر وفاة مرضى السرطان الكوبيين، خصوصاً الأطفال.


حكومة الأردن تبدأ إجراءات تقشفية

منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)
TT

حكومة الأردن تبدأ إجراءات تقشفية

منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)

أصدر رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسَّان، اليوم الاثنين، إعلاناً عاماً يقضي بترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في جميع المؤسسات الحكومية والدَّوائر الرسميَّة والهيئات العامَّة، وذلك في ظل الظُّروف الرَّاهنة.

وتأثرت الأردن نتيجة حرب إيران، التي تسببت في ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية مع استمرار تعطل مضيق هرمز، وسط مخاوف من إطالة زمن الحرب.

وبموجب الإعلان، قرَّر رئيس الوزراء «منع استخدام المركبات الحكوميَّة إلا للأغراض الرَّسمية، ومنع استخدامها خارج أوقات الدوام الرَّسمي، وإلغاء جميع الموافقات والاستثناءات السابقة بهذا الخصوص».

كما تضمَّن الإعلان «إيقاف سفر الوفود واللِّجان الرَّسميَّة إلى الخارج لمدة شهرين، ابتداءً من تاريخه، إلا للضرورة القصوى، وأن يكون لأسباب مبرَّرة وبموافقة مسبقة من رئيس الوزراء. وكذلك إيقاف استضافة الوفود الرَّسميَّة والحد من نفقات المآدب الرسمية لمدة شهرين، ابتداءً من تاريخه».

وأشار الإعلان إلى منع استخدام المكيِّفات وأيَّ وسائل تدفئة أخرى في الوزارات والمؤسَّسات العامَّة والدَّوائر الحكوميَّة.

وكلَّف رئيس الوزراء، بموجب الإعلان، ديوان المحاسبة ووحدات الرَّقابة الداخليَّة بمراقبة تنفيذ هذه الإجراءات، ورفع تقارير بأيِّ تجاوزات أو مخالفات. كما أكَّد الاستمرار في الإجراءات المتعلقة بترشيد الإنفاق وضبطه، وفقاً لقرارات مجلس الوزراء السَّابقة بهذا الخصوص.