خلافات جديدة في الأفق قبيل المحادثات الأميركية - الصينية بلندن

بكين كررت مطالبتها واشنطن بـ«تصحيح ممارساتها الخاطئة فوراً»

وزير الخزانة الأميركي يتحدث مع نائب وزير المالية الصيني لياو مين خلال اجتماع جنيف في مايو الماضي (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي يتحدث مع نائب وزير المالية الصيني لياو مين خلال اجتماع جنيف في مايو الماضي (رويترز)
TT

خلافات جديدة في الأفق قبيل المحادثات الأميركية - الصينية بلندن

وزير الخزانة الأميركي يتحدث مع نائب وزير المالية الصيني لياو مين خلال اجتماع جنيف في مايو الماضي (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي يتحدث مع نائب وزير المالية الصيني لياو مين خلال اجتماع جنيف في مايو الماضي (رويترز)

من المتوقع أن تتناول محادثات التجارة الأميركية - الصينية في لندن هذا الأسبوع سلسلة من الخلافات الجديدة التي عصفت بالعلاقات؛ مما يهدد الهدنة الهشة بشأن الرسوم الجمركية.

وذكرت السفارة الصينية في واشنطن أن نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، هي ليفينغ، سيزور المملكة المتحدة في المدة من 8 إلى 13 يونيو (حزيران) الحالي، وأنه «خلال وجوده في المملكة المتحدة، سيعقد الاجتماع الأول لـ(آلية التشاور الاقتصادي والتجاري بين الصين والولايات المتحدة)».

وسيمثل الجانب الأميركي في المحادثات كل من وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، ووزير التجارة هيوارد لوتنيك، والممثل التجاري جيمسون غرير.

ولم يكن لوتنيك موجوداً في جنيف خلال مايو (أيار) الماضي، ولكنه سينضم إلى المحادثات في لندن. ويقول المحللون إن هذا يشير على الأقل إلى استعداد الجانب الأميركي للاستماع إلى مخاوف الصين بشأن ضوابط التصدير.

وكان الجانبان اتفقا في جنيف الشهر الماضي على تعليق معظم الرسوم الجمركية التي تزيد على 100 في المائة لمدة 90 يوماً، والتي فرضها كلاهما على الآخر في حرب تجارية متصاعدة أثارت مخاوف من الركود. ومنذ ذلك الحين، تبادلت الولايات المتحدة والصين عبارات غاضبة بشأن أشباه الموصلات المتقدمة التي تُشغّل الذكاء الاصطناعي، و«المعادن الأرضية النادرة» الحيوية لشركات صناعة السيارات... وغيرهما من الصناعات، وتأشيرات الطلاب الصينيين في الجامعات الأميركية، وفق «أسوشييتد برس».

يوم الخميس الماضي، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطولاً مع نظيره الصيني شي جينبينغ هاتفياً، في محاولة لإعادة العلاقات إلى مسارها الصحيح. وأعلن ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي في اليوم التالي أن محادثات تجارية ستُعقد يوم الاثنين في لندن.

التكنولوجيا نقطة خلاف رئيسية

بدأ أحدث الخلافات بعد يوم واحد فقط من إعلان «اتفاقية جنيف» في 12 مايو الماضي «تعليق» الرسوم الجمركية لمدة 90 يوماً؛ إذ أصدرت وزارة التجارة الأميركية توجيهات تفيد بأن استخدام رقائق «Ascend AI» من «هواوي»، وهي شركة تكنولوجيا صينية رائدة، قد ينتهك ضوابط التصدير الأميركية. وجاء في التوجيهات أن هذه الرقائق طُوّرت على الأرجح بتقنية أميركية رغم القيود المفروضة على تصديرها إلى الصين.

زائرون لجناح «Ascend AI» التابع لشركة «هواوي» خلال «مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي» في 2024 (أ.ب)

ولم تكن الحكومة الصينية راضية. وكان أحد أكبر اعتراضاتها في السنوات الأخيرة هو التحركات الأميركية للحد من وصول الشركات الصينية إلى التكنولوجيا، خصوصاً إلى المعدات والعمليات اللازمة لإنتاج أشباه الموصلات الأعلى تقدماً.

وقال ناطق باسم وزارة التجارة: «يحث الجانب الصيني الجانب الأميركي على تصحيح ممارساته الخاطئة على الفور».

وزير الخزانة الأميركي خلال جلسة استماع للجنة الخدمات المالية بمجلس النواب (أرشيفية - أ.ف.ب)

الصين و«المعادن النادرة»

تُظهر الصين علامات على تخفيف سياستها تجاه المعادن النادرة. وأحد المجالات التي تتمتع فيها الصين باليد العليا هو تعدين ومعالجة المعادن النادرة. فهي ضرورية ليست فقط للسيارات، ولكن أيضاً لمجموعة من المنتجات الأخرى؛ من الروبوتات إلى المعدات العسكرية.

وبدأت الحكومة الصينية في أبريل (نيسان) الماضي مطالبة المنتجين بالحصول على ترخيص لتصدير 7 عناصر أرضية نادرة. وقد أدى النقص الناتج عن ذلك إلى إثارة قلق شركات صناعة السيارات في جميع أنحاء العالم. ومع انخفاض المخزونات، شعر البعض بالقلق من أنهم سيضطرون إلى إيقاف الإنتاج.

وانتقل ترمب، دون ذكر المعادن النادرة على وجه التحديد، إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمهاجمة الصين. ونشر في 30 مايو الماضي: «الخبر السيئ هو أن الصين، وهو أمر ربما لا يفاجئ البعض، قد انتهكت اتفاقها معنا تماماً».

وأشارت الحكومة الصينية يوم السبت إلى أنها تعالج المخاوف؛ التي جاءت من الشركات الأوروبية أيضاً. وأعلن بيان من وزارة التجارة بأنها منحت بعض الموافقات، وأنها «ستواصل تعزيز الموافقة على الطلبات المتوافقة مع اللوائح».

ويُظهر التدافع لحل قضية المعادن النادرة أن الصين تمتلك ورقة رابحة إذا أرادت الرد على الرسوم الجمركية أو غيرها من الإجراءات.

شاحنات تتحرك بين حاويات مكدسة بمحطة حاويات في نانجينغ بمقاطعة جيانغسو شرق الصين (أ.ب)

خطة إلغاء تأشيرات الطلاب تُفاقم التوترات

لا تَظهر تأشيرات الطلاب عادة في محادثات التجارة، لكن إعلاناً أميركياً بأنها ستبدأ إلغاء تأشيرات بعض الطلاب الصينيين قد برز بوصفه شوكة أخرى في العلاقة.

أثارت وزارة التجارة الصينية هذه القضية عندما سُئلت الأسبوع الماضي عن الاتهام بانتهاكها التوافق الذي جرى التوصل إليه في جنيف. وأجابت بأن الولايات المتحدة قوّضت الاتفاق بإصدارها إرشادات لمراقبة تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي، ووقفها بيع برامج تصميم الرقائق إلى الصين، وإعلانها أنها ستلغي تأشيرات الطلاب الصينيين.

وقالت الوزارة، في بيان نُشر على موقعها الإلكتروني: «أثارت الولايات المتحدة من جانب واحد احتكاكات اقتصادية وتجارية جديدة». وصرح وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في بيان صدر يوم 28 مايو بأن الولايات المتحدة «ستلغي بقوة تأشيرات الطلاب الصينيين، بمن فيهم أولئك المرتبطون بـ(الحزب الشيوعي الصيني) أو الذين يدرسون في مجالات حيوية».

وقد درس أكثر من 270 ألف طالب صيني في الولايات المتحدة خلال العام الدراسي 2023 - 2024.


مقالات ذات صلة

شركات النفط الصينية الكبرى تستأنف سعيها لشراء النفط الروسي

الاقتصاد تُوجَّه ناقلة نفط إلى رصيفها في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)

شركات النفط الصينية الكبرى تستأنف سعيها لشراء النفط الروسي

استأنفت شركات النفط الصينية الحكومية الكبرى، التي تسعى إلى تجنب نقص الإمدادات الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط، سعيها لشراء شحنات من النفط الخام الروسي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد بيسنت يتحدث في ختام المحادثات مع وفد صيني في باريس وإلى جانبه غرير (أ.ف.ب)

الصين تحذر: أحدث إجراءات ترمب الجمركية قد تضر بالعلاقات التجارية

حذرت الصين من أن أحدث إجراءات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية قد تضر بالعلاقات التجارية بين البلدين، وذلك في ختام محادثات رفيعة المستوى في باريس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد لدى وصول وفد أميركي إلى مقر «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» في باريس (رويترز)

واشنطن وبكين تطلقان مفاوضات اقتصادية وسط توقعات بـ«اختراقات محدودة»

بدأ كبار المسؤولين الاقتصاديين الأميركيين والصينيين جولة جديدة من المحادثات في باريس، يوم الأحد؛ لتسوية الخلافات في الهدنة التجارية بينهما.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد حاويات شحن في ميناء بيونغتايك، كوريا الجنوبية (رويترز)

«المادة 301» تعود إلى الواجهة... واشنطن تبدأ تحقيقات موسعة لاستعادة سلاح الرسوم

أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحقيقين تجاريين واسعي النطاق يستهدفان «الفائض في القدرة الصناعية» لدى 16 من كبار الشركاء التجاريين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خزانات تخزين النفط في محطة سينوبك النفطية في تسينغ يي بهونغ كونغ (د.ب.إ)

الصين ترفع واردات النفط الخام تحسباً لاضطرابات الإمدادات

اشترت الصين كميات أكبر من النفط الخام في أول شهرين من العام، حيث واصلت تخزين النفط تحسباً لانقطاع الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (بكين)

مدير «الاتحاد الدولي للنقل الجوي»: «لا رابحين» في أزمة الشرق الأوسط

طائرات في مطار هونغ كونغ الدولي (أ.ف.ب)
طائرات في مطار هونغ كونغ الدولي (أ.ف.ب)
TT

مدير «الاتحاد الدولي للنقل الجوي»: «لا رابحين» في أزمة الشرق الأوسط

طائرات في مطار هونغ كونغ الدولي (أ.ف.ب)
طائرات في مطار هونغ كونغ الدولي (أ.ف.ب)

قال المدير العام لـ«الاتحاد الدولي للنقل الجوي»، ويلي والش، لـ«رويترز» على هامش فعالية لشركات الطيران في بروكسل يوم الخميس، إن اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط سيؤدي إلى «ارتفاع أسعار تذاكر الطيران، ولن يثمر رابحين».

تأتي هذه التصريحات في وقت دفعت فيه الهجمات على منشآت النفط بالخليج أسعار النفط ‌الخام إلى ما ‌يزيد على 100 دولار ‌للبرميل؛ مما ⁠أدى إلى اضطراب ⁠سوق الطيران، في حين أدت التهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى تعطيل حركة شركات الطيران باتجاه مراكز التقاء المسارات في الشرق الأوسط التي عادة ما تكون مزدحمة.

وقال والش: «لا رابحين في هذا الأمر. ⁠سيؤثر ذلك على الجميع. هناك وقود ‌طائرات يُنتَج ‌في الشرق الأوسط ويُصدّر إلى أميركا الشمالية، وهناك ‌وقود طائرات يُصدر إلى آسيا». وذكر والش، ‌خلال مقابلة حصرية، أن «الطلب العالمي لا يزال قوياً في الوقت الحالي، لكن شركات الطيران بدأت تغيير وتيرة الرحلات، ‌وقد توقفها إذا طال أمد الصراع وأدى إلى نقص في إمدادات ⁠وقود ⁠الطائرات». ومع ذلك، قال إن شركات الطيران تتسلم طائرات أعلى كفاءة في استهلاك الوقود كما هو مخطط. وأضاف: «لا أعرف أي شخص يفكر الآن في تأخير التسليم أو إبطائه».

وذكر والش أن «الصناعة ستضطر، في أسوأ الاحتمالات، إلى إعادة تقييم الوضع إذا طال أمد الصراع». وأردف: «سيكون ذلك تحولاً هيكلياً. سيتعين علينا النظر في كيفية إعادة القطاع توزيع الرحلات، وكيف سنحمي أنفسنا من مشكلات إمدادات الوقود».


الذهب يتراجع بأكثر من 6 % والفضة تهوي 10.7 % مع اشتعال جبهة النفط

سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)
سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)
TT

الذهب يتراجع بأكثر من 6 % والفضة تهوي 10.7 % مع اشتعال جبهة النفط

سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)
سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)

سجلت أسعار الذهب تراجعاً حاداً يوم الخميس، مسجلة الجلسة الـ7 على التوالي من الانخفاض، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط، وتصاعد المخاوف من التضخم؛ مما عزز التوقعات بأن البنوك المركزية الكبرى ستستمر في إبقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة.

وانخفض سعر الذهب الفوري وتراجع بأكثر من 6 في المائة إلى 4514.90 دولار للأونصة، وهو أدنى مستوى له منذ أوائل فبراير (شباط) الماضي.

وقال دانيال غالي، استراتيجي السلع في شركة «تي دي» للأوراق المالية: «يُعدّ الذهب الآن مركزاً استثمارياً شائعاً جداً لدى المستثمرين المؤسسيين، وقد عزز هذا التوجه عمليات التداول التي شهدت انخفاضاً في قيمته خلال العام الماضي. ومع ذلك، فقد بدأت أسس هذا التوجه تضعف». وأضاف: «على المدى القريب، ما زلنا نرى مخاطر هبوطية، وهناك مجال واسع لانخفاض أسعار الذهب مع الحفاظ على دعم اتجاه السوق الصاعدة»، وفق «رويترز».

ويُعدّ الذهب ملاذاً آمناً ضد التضخم والاضطرابات الجيوسياسية، لكنه يفقد جاذبيته في فترات ارتفاع أسعار الفائدة نظراً إلى عدم توليده عوائد.

وقد اتخذت البنوك المركزية الكبرى موقفاً متشدداً مع ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد نتيجة الحرب الإيرانية، لكنها أكدت أن حالة عدم اليقين بشأن تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي تتطلب الحذر في خطواتها السياسية المقبلة.

وتجاوزت أسعار «خام برنت القياسي» 110 دولارات للبرميل بعد أن شنت إيران هجمات على منشآت الطاقة في أنحاء الشرق الأوسط، رداً على الضربة الإسرائيلية على حقل غاز جنوب محافظة فارس.

وفي الوقت ذاته، أفاد مسؤول أميركي و3 مصادر مطلعة بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب تدرس نشر آلاف الجنود لتعزيز العمليات الأميركية في الشرق الأوسط مع دخول الحرب مع إيران مرحلة جديدة محتملة.

وأشار محللون في شركة «إس بي آنجل» إلى أن الذهب تأثر بجني الأرباح وارتفاع قيمة الدولار، مؤكدين أن الصعود القوي الذي شهده المعدن في 2025 دفع بالمتداولين إلى تغطية نداءات الهامش والتحول إلى صفقات جديدة مثل النفط وسط تقلبات السوق المتجددة.

كما تراجعت المعادن الأخرى، حيث هبط سعر الفضة الفوري بنسبة 10.7 في المائة إلى 67.26 دولار للأونصة، وانخفض البلاتين الفوري بنسبة 6.8 في المائة إلى 1886.13 دولار، وخسر البلاديوم 4.1 في المائة ليصل إلى 1415.41 دولار للأونصة.


كيف أعادت أسابيع من الصراع رسم خريطة الغاز العالمي؟

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
TT

كيف أعادت أسابيع من الصراع رسم خريطة الغاز العالمي؟

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)

بدأت أصداء الانفجارات في مجمع رأس لفان الصناعي في قطر، والذي يضم أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، تتردد في أروقة البورصات العالمية، منبئة باضطراب طويل الأمد في سوق الغاز الطبيعي المسال. فخروج خُمس الإمدادات العالمية عن الخدمة، وتوقف الملاحة عبر مضيق هرمز، لم يرفعا الأسعار فحسب؛ بل أعادا صياغة خريطة الطاقة لعام 2026، وحوَّلا التفاؤل بوفرة المعروض إلى سباق محموم بين الدول لتفادي شلل صناعي وتضخم في فواتير الطاقة المنزلية لا يمكن التنبؤ بنهايته.

وأفادت شركة «قطر للطاقة» بأن كثيراً من منشآت الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان تعرضت لهجمات صاروخية، ما أدى إلى اندلاع حرائق وإلحاق أضرار جسيمة؛ بينما أوضحت شركة «شل» أن الهجوم تسبب ‌في أضرار بمشروع «اللؤلؤة» (بيرل) لتحويل ⁠الغاز إلى سوائل، وأن الحريق جرى إخماده بسرعة، ولم يجرِ الإبلاغ عن ⁠وقوع إصابات، وأن ‌المنشأة ‌أصبحت الآن في «حالة ​آمنة».

وتمتلك «‌شل» حصة مائة في المائة في مشروع «اللؤلؤة» والذي ‌تبلغ طاقته الاستيعابية معالجة ما يصل ⁠إلى ⁠1.6 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز عند فوهة البئر، وتحويله إلى 140 ألف برميل يومياً من السوائل المشتقة من الغاز.

ويتوقع المحللون أن تستغرق أعمال إصلاح أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم عدة أشهر، إن لم تكن سنوات، وذلك تبعاً لحجم الأضرار، وقد رفع بعضهم توقعاته لأسعار الغاز لعام 2026.

تأتي قطر في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة كأكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم؛ إذ تُنتج ما يقارب 20 في المائة من الإمدادات العالمية لهذا الغاز فائق التبريد. وقد توقف إنتاجها قبل أسبوعين بسبب إغلاق مضيق هرمز.

منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» (رويترز)

القلب النابض للطاقة

تُصنَّف مدينة رأس لفان الصناعية كواحدة من أهم المناطق الاستراتيجية على خريطة الطاقة الدولية؛ فهي تمتد على مساحة شاسعة تبلغ 295 كيلومتراً مربعاً، ما يعادل ثلث مساحة مدينة نيويورك تقريباً. ولا تقتصر أهميتها على كونها العمود الفقري للاقتصاد القطري فحسب؛ بل هي الضمانة الأولى لاستقرار إمدادات الغاز في عشرات الدول، مما يجعل أي ضرر يلحق بها بمنزلة تهديد مباشر للتوازن الطاقي العالمي.

وتضم المدينة أكبر مجمع لوحدات تسييل الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، وهي ليست مجرد منشأة إنتاجية؛ بل هي مركز لوجستي هائل. ففي عام 2025، كانت رأس لفان وحدها مسؤولة عن إنتاج وتصدير نحو 19 في المائة من إجمالي الغاز المسال عالمياً. هذا الثقل يعني بلغة الأرقام أن توقُّف العمل في هذا المجمع يؤدي إلى اختفاء خُمس المعروض العالمي فجأة، وهو عجز لا يمكن للسوق العالمية استيعابه بسهولة.

كما تمثل رأس لفان «المُغذِّي الرئيسي» لأكبر الاقتصادات الصاعدة في آسيا؛ حيث تعتمد هذه القوى بشكل شبه كلي على إنتاجها. وتكشف البيانات أن شحنات المجمع تغطي أكثر من 20 في المائة من استهلاك الغاز في دول حيوية، مثل الهند وباكستان وتايوان. وتشكل أيضاً جزءاً لا يتجزأ من أمن الطاقة في الصين وكوريا الجنوبية، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد يهدد بشلل النشاط الصناعي وارتفاع تكاليف المعيشة في تلك الدول.

ومع التحولات الجيوسياسية المتسارعة، برزت رأس لفان كأهم مورِّد بديل وموثوق للقارة الأوروبية الساعية لتنويع مصادر طاقتها. ومن شأن غياب هذه الإمدادات في التوقيت الراهن أن يضع الأسواق الأوروبية تحت ضغط سعري هائل، ويجبر الدول هناك على الدخول في منافسة مكلفة للحصول على الشحنات الفورية المتاحة، مما يفاقم من أزمة التضخم الطاقي في القارة العجوز.

مضخات البنزين والديزل في محطة وقود بمدينة هدرسفيلد، شمال إنجلترا (أ.ف.ب)

قفزة كبيرة في الأسعار

وقد انعكست هذه التطورات الميدانية فوراً على بورصات الطاقة؛ فقد قفزت عقود الغاز الأوروبية بنسبة تتجاوز 70 في المائة، بينما سجلت العقود الآسيوية ارتفاعاً قياسياً بنسبة 88 في المائة. حتى السوق الأميركية التي تظل عادة بمنأى عن التقلبات العالمية، لم تسلم من الارتفاع. وتشير التوقعات المحدَّثة لعام 2026 إلى أن متوسط أسعار الغاز قد يستقر عند 30 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى 9 دولارات فقط، ما يعكس تحولاً جذرياً في التوازنات المالية للدول المستوردة.

وقال كوشال راميش، نائب رئيس قسم الغاز والغاز الطبيعي المسال في شركة «ريستاد إنرجي»، إن أسعار الغاز الطبيعي المسال التي تضاعفت تقريباً منذ الضربات الأولية على إيران في 28 فبراير (شباط) لتتجاوز 20 دولاراً للوحدة، قد ترتفع الآن إلى 30 دولاراً في المتوسط ​​لهذا العام، إذا كانت الأضرار جسيمة وأدت إلى انقطاع أشهراً عدة.

من جهته، قال شاؤول كافونيك، محلل الطاقة في شركة «إم إس تي ماركي»: «قد تتسبب الهجمات على رأس لفان في نقص عالمي طويل الأمد في الغاز». وأضاف: «إنها (الهجوم) بالغة الأهمية؛ لأنه حتى بعد انتهاء الحرب، قد يستمر تأثيرها على الإمدادات أشهراً أو حتى سنوات، ريثما يتم تنفيذ أعمال الإصلاح وتوفير قطع الغيار».

ويرى المراقبون أن التطورات الأخيرة تعني أن إعادة فتح المضيق لن تُفضي فوراً إلى استئناف كامل لصادرات قطر، المورد الرئيسي للهند وباكستان والصين وكوريا، فضلاً عن أوروبا. ويقولون إن أستراليا -بصفتها ثالث أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم- لا تملك مجالاً يُذكر لزيادة إنتاجها لتعويض الصادرات القطرية المفقودة.

أحد الزبائن يقوم بتعبئة سيارته بالوقود في محطة وقود بمدينة ميلنسبريدغ، إحدى ضواحي هدرسفيلد (أ.ف.ب)

تهديد للإمدادات العالمية

يُؤدي انقطاع إنتاج محطة رأس لفان إلى تضييق حاد في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية التي كان من المتوقع أن تُحقق فائضاً هذا العام، مع بدء مشاريع جديدة. ويُهدد هذا الوضع بنقص في الإمدادات في دول نامية تعاني من ضائقة مالية، كالهند وبنغلاديش، فضلاً عن تباطؤ النشاط الصناعي وارتفاع فواتير الطاقة من المملكة المتحدة إلى اليابان.

وتغطي مدينة رأس لفان الصناعية مساحة 295 كيلومتراً مربعاً، أي ما يُعادل ثلث مساحة مدينة نيويورك تقريباً، وفق «بلومبرغ».

إلى جانب معالجة الغاز الطبيعي المسال، تضم المدينة منشآت أخرى متعلقة بالغاز، تشمل محطة لتحويل الغاز إلى سوائل، ومرافق تخزين الغاز الطبيعي المسال، ووحدات فصل المكثفات، ومصفاة نفط.

وكانت «قطر للطاقة» قد أعلنت أن هجوماً وقع مساء الأربعاء ألحق أضراراً بمحطة تحويل الغاز إلى سوائل، بينما استُهدفت معدات الغاز الطبيعي المسال في هجوم ثانٍ صباح الخميس.

وكانت عمليات الإنتاج في رأس لفان قد توقفت مطلع هذا الشهر إثر هجوم إيراني بطائرة مُسيَّرة، ما دفع شركة «قطر للطاقة» إلى إعلان حالة «القوة القاهرة» على الشحنات، ودفع المشترين إلى البحث عن مصادر بديلة.

ووفقاً لبيانات تتبع السفن التي جمعتها «بلومبرغ»، شكّلت منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال نحو 19 في المائة من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية في عام 2025. كما مثَّلت شحناتها أكثر من خمس إجمالي استهلاك الغاز في الهند وتايوان وباكستان، وفقاً لبيانات معهد الطاقة.