إعادة افتتاح سوق دمشق ‏للأوراق ‏المالية... خطوة حكومية لإحياء الاقتصاد

مديرها لـ«الشرق الأوسط»: نتعاون مع السعودية لتطوير البنية التحتية والأنظمة الخاصة

المسؤولون السوريون يقرعون الجرس إيذاناً بإعادة افتتاح سوق دمشق (الشرق الأوسط)
المسؤولون السوريون يقرعون الجرس إيذاناً بإعادة افتتاح سوق دمشق (الشرق الأوسط)
TT

إعادة افتتاح سوق دمشق ‏للأوراق ‏المالية... خطوة حكومية لإحياء الاقتصاد

المسؤولون السوريون يقرعون الجرس إيذاناً بإعادة افتتاح سوق دمشق (الشرق الأوسط)
المسؤولون السوريون يقرعون الجرس إيذاناً بإعادة افتتاح سوق دمشق (الشرق الأوسط)

في سياق خطوات الحكومة السورية لإعادة إحياء قطاعَي الاقتصاد والأوراق المالية، ومع بدء تدفق الاستثمارات العربية والأجنبية إلى البلاد، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية، يوم الاثنين، إعادة التداول في سوق دمشق ‏للأوراق ‏المالية، عادّاً ذلك «رسالة بأن الاقتصاد السوري بدأ التحرك والانتعاش»، وذلك بعد توقف استمر نحو 6 أشهر.

وبينما كشف مدير السوق باسل أسعد، لـ«الشرق الأوسط»، أن سوريا تتعاون مع جهات متعددة في السعودية لمساعدتها في تطوير البنية التحتية والأنظمة في القطاع المالي، توقع نائبه سليمان موصلي أن يزداد عدد الشركات المدرجة في السوق، والبالغة حالياً 27 شركة؛ لأن «البيئة الضريبية السيئة» السابقة لم تعد موجودة.

تم افتتاح السوق بحضور رسمي رفيع، وبمشاركة واسعة من شخصيات اقتصادية ومستثمرين وتجار. وقال برنية، في كلمته خلال الافتتاح، إن «إعادة افتتاح سوق دمشق ‏للأوراق ‏المالية رسالة بأن الاقتصاد السوري بدأ التحرك والانتعاش»، موضحاً أن «سوق دمشق للأوراق المالية ستكون شركة خاصة ومركزاً حقيقياً لتطوير الاقتصاد السوري، وسنعمل على مواكبة التطورات الرقمية».

وأضاف أن «رؤيتنا الاقتصادية تقوم على العدالة والإنصاف، وريادة القطاع الخاص، وجذب الاستثمار، وسنعمل على تيسير العمل، وهناك فرص استثمارية واعدة».

وبينما وصف موصلي في كلمته افتتاح السوق بأنه «يوم تاريخي مهم لسوريا»، قال رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق والأسواق المالية، عبد الرزاق القاسم، إن إعادة التداول إلى السوق تعني فصلاً جديداً في تاريخ قطاع الأوراق والأسواق المالية السورية.

أما رئيس مجلس إدارة السوق، فادي جليلاتي، فأكد أن السوق ستكون لها دور فاعل في إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات المحلية والدولية. كما ستُسهم في استقرار العملة الوطنية، وربط الاقتصاد السوري بالاقتصادات العالمية.

أُسّست سوق دمشق للأوراق المالية في عام 2009، وهي سوق الأوراق المالية الوحيدة في سوريا، ويقع مقرها في منطقة الصبورة بريف دمشق الغربي على طريق دمشق - بيروت.

وكان التداول في السوق قد توقّف بتاريخ 5 ديسمبر (كانون الأول) 2024، وذلك بسبب الحاجة إلى تقييم الوضعيْن التشغيلي والمالي للشركات المساهِمة، واستكمال الإفصاحات حول حجم الأضرار والخسائر التي لحقت بها، بالإضافة إلى الحد من مخاطر التلاعب وتهريب الأموال.

وفي تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، على هامش حفل الافتتاح، أكد مدير السوق باسل أسعد، أن سوريا الجديدة منفتحة على جميع الأطراف خصوصاً الإخوة والأشقاء الداعمين لنا طوال فترة الثورة.

حفل إعادة افتتاح سوق دمشق للأوراق المالية (سانا)

وقال أسعد: «في المجال المالي نحن نتعاون مع جهات متعددة في السعودية لمساعدتنا في تطوير البنية التحتية والأنظمة»، موضحاً أن سوريا تحاول الاستفادة من تجارب المملكة المتقدمة في الجانب المالي، وكان هناك خبراء واستشاريون يقدمون إلينا المشورة.

وذكر أن أي اقتصاد نامٍ ومتطور هو بحاجة إلى سوق مالية ترعى نشاطه وتدير استثماراته وتجذب مستثمرين، وسوريا بحاجة إلى قدوم استثمارات، وسوق دمشق للأوراق المالية دورها الأساسي هو تأمين البيئة، بما فيها من الرشد والحوكمة والشفافية والنزاهة، حتى يُقبل المستثمرون على الاستثمار، وهذا هو الدور المنوط بالسوق، ونحن جاهزون لهذا التطور.

وبحسب أسعد، هناك مستثمرون من شتى البلدان العربية، وكذلك سوريون في الخارج ومستثمرون محليون، يرغبون في الاستثمار لدى سوريا.

وفي تصريح مماثل لـ«الشرق الأوسط»، عدّ نائب مدير سوق دمشق للأوراق المالية، أن إعادة افتتاح السوق هي إشارة إلى عودة الحياة الاقتصادية إلى سوريا.

وذكر موصلي أنه من خلال إعادة الثقة إلى القطاع المالي والمصرفي فإن المستثمرين المحليين سيشعرون بأن الاقتصاد عاد كما كان وربما أفضل، والمستثمرين الأجانب سيجدون فرصاً استثمارية في السوق المالية، في حين أن الشركات التي كانت مترددة في دخول السوق مثل شركات مدرجة ستجد الآن الفرصة للدخول، وتحسين قيمها المالية والرأسمالية، وهذا كله مؤشرات إيجابية.

ومن وجهة نظره، فإن المستثمرين الأجانب الذي يتطلعون إلى الاستثمار في سوريا ويجدون أن بناء المعامل سيأخذ وقتاً، سيجدون في سوق الأوراق المالية فرصة للعمل والاستفادة من مرحلة الانتعاش المستقبلية.

وحول ما إذا كان افتتاح السوق سيؤدي إلى انتعاش سريع لعملية التداول فيها، رأى موصلي أن أحد المؤشرات المالية هو الأرصدة الموجودة عند شركات الوساطة التي تنتظر الاستثمار والمبالغ التي لديها كبيرة جداً تُقدّر بمليارات الليرات السورية. وأضاف: «الناس حالياً تتزاحم لفتح حسابات جديدة، وتُودع أموالاً ضخمة فيها حتى تغتنم أول فرصة للاستثمار؛ لأن الأسعار في سوريا رخيصة».

وبعدما ذكر موصلي أن الشركات المدرجة في السوق حالياً عددها 27 شركة، عزا قلة العدد إلى البيئة التشريعية والضريبة السيئة التي كانت تعاقب الشركات المفصحة والشفافة.

وتابع: «البيئة الضريبية السيئة لم تعد موجودة الآن، وبالتالي باتت للشركات مصلحة في الدخول إلى السوق»، متوقعاً أن يعود عدد كبير من الشركات التي كانت متوقفة إلى السوق.

صورة الجرس الذي قُرع إيذاناً بإعادة التداول في سوق دمشق للأوراق المالية (الشرق الأوسط)

خبرات خاصة من السعودية

ولفت الموصلي إلى أن «هيئة الأوراق المالية» السورية تستعين بخبرات صديقة خاصة من السعودية لمراجعة التشريعات، من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً التشريعات المتعلقة بصناديق الاستثمار وتحويل الأموال.

ولُوحظ خلال عملية التداول التي بدأت بعد انتهاء حفل الافتتاح، أن هناك إقبالاً كبيراً على الشراء. وأرجع موصلي ذلك إلى التوقعات بارتفاع الأسعار، عاداً ذلك دليلاً على أن توقعات المستثمرين هي باتجاه الصعود. وتابع قائلاً: «حجم الصفقات المنفذة مبدئياً 5 في المائة، وهي آخذة أقصى ارتفاع ممكن، وهذا دليل إيجابي على المستقبل».

يأتي قرار إعادة افتتاح سوق دمشق للأوراق المالية، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارته التاريخية للرياض في 13 مايو (أيار) الحالي، بعد محادثات مع الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، أنه سيأمر برفع جميع العقوبات عن سوريا. كما رفع الاتحاد الأوروبي بشكل رسمي بعد أيام العقوبات الاقتصادية عن دمشق.

وفي سياق الجهود الدولية المتزايدة لدعم إعادة تأهيل الاقتصاد السوري، بعد بدء رفع العقوبات، استقبل وزير المالية محمد يسر برنية، مساء الأحد، أول بعثة فنية لصندوق النقد الدولي تزور البلاد منذ نحو 18 عاماً، بعد سنوات من الصراع والعزلة الدولية، حسب بيان صادر عن وزارة المالية السورية.

وزير المالية السوري خلال لقائه بعثة صندوق النقد الدولي في دمشق (إكس)

ومن الاستثمارات التي تدفقت على البلاد بعد رفع العقوبات، توقيع وزارة الطاقة السورية، الخميس الماضي، مذكرات تفاهم بـ7 مليارات دولار مع شركات دولية لتطوير مشروعات الكهرباء.

كما وقّعت الهيئة العامة للمنافذ البحرية والبرية مذكرة تفاهم بقيمة 800 مليون دولار مع شركة «موانئ دبي العالمية»؛ إذ ستقوم الشركة الإماراتية بموجبها بتطوير وتشغيل محطة حاويات متعددة الأغراض في ميناء طرطوس. كما ستتولى شركة «CMA CGM» الفرنسية، تطوير وتشغيل ميناء اللاذقية بقيمة 230 مليون يورو.

بالإضافة إلى ذلك، استقبلت البلاد طلبات لتأسيس نحو 500 شركة في مختلف القطاعات منذ بداية السنة، حسب وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار.


مقالات ذات صلة

تراجع أسواق الخليج مع تصاعد التوترات الإقليمية... والسعودية تخالف الاتجاه وترتفع

الاقتصاد مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)

تراجع أسواق الخليج مع تصاعد التوترات الإقليمية... والسعودية تخالف الاتجاه وترتفع

تراجعت معظم أسواق الأسهم الخليجية في بداية تعاملات يوم الاثنين، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، عقب هجمات شنَّها الحوثيون في اليمن على إسرائيل

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يراقب تحركات أسواق الأسهم في البورصة الكويتية (أ.ف.ب)

تراجع معظم بورصات الخليج وسط تصاعد المخاوف من اتساع الصراع مع إيران

تراجعت غالبية أسواق الأسهم في الخليج خلال التعاملات المُبكِّرة، الأحد، وسط مخاوف من اتساع نطاق الصراع المرتبط بإيران؛ ما أثر سلباً على معنويات المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية ترتفع 1 % مع توقعات هدنة في الشرق الأوسط

ارتفعت الأسهم الأوروبية بنسبة 1 % يوم الأربعاء، بقيادة أسهم قطاعي السفر والخدمات المالية، وسط توقعات بخفض التصعيد في الصراع بالشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«إس كيه هاينكس» الكورية تخطط لإدراج سري في أميركا لجمع 14 مليار دولار

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، الكورية الجنوبية المتخصصة في صناعة أشباه الموصلات، يوم الثلاثاء، عزمها التقدم بطلب سري لإدراج أسهمها في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (إيتشون )
الاقتصاد مستثمرون يتابعون شاشات الأسهم في سوق دبي المالية (أرشيفية- رويترز)

دبي تقود مكاسب البورصات الخليجية مع إعادة تقييم المستثمرين المخاطر الإقليمية

أنهت أسواق الأسهم الخليجية تعاملات يوم الثلاثاء على ارتفاع، بقيادة سوق دبي، حيث تجاوز المستثمرون المخاوف الجيوسياسية وأعادوا تقييم آفاق الأسواق على نطاق أوسع.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي )

أزمة السندات الأميركية: ديون قياسية وتكاليف حرب ترهق الموازنة

أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

أزمة السندات الأميركية: ديون قياسية وتكاليف حرب ترهق الموازنة

أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)

أدت مخاطر التضخم إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية منذ اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية، التي أشعلت أسعار الطاقة، فيما يظهر تهديد جديد لصحة سوق السندات يتمثل في تكلفة استمرار الحرب.

ولا تزال «وول ستريت» تتوقع انتهاء الحرب قريباً، مما يُخفف الضغط على أسعار النفط والموازنة الأميركية، إلا إن بعض المحللين يحذرون بأن الإنفاق الدفاعي الممتد، و«ردّ الرسوم الجمركية»، وحزمة التحفيز المحتملة في حال تباطؤ الاقتصاد، قد تتحول إلى عبء على الأسواق التي أصبحت أقل ميلاً مؤخراً إلى السندات، حيث سجل مؤشر «ستاندرد آند بورز» الإجمالي للسندات عائداً سلبياً بنسبة 0.6 في المائة حتى الآن في الربع الأول، وفق «رويترز».

ويتوقع بنك «بي إن بي باريبا» أن يبقى عجز الموازنة الأميركية أقل قليلاً من 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2026 و2027، لكن التكاليف الإضافية قد تدفع العجز إلى نحو 8 في المائة أو أكثر، وفق ما أشار إليه كبير الاقتصاديين آندرو هوسبي، وهو مستوى قد يثير قلق مستثمري السندات.

مؤشرات ضغوط التضخم

ركزت عمليات بيع السندات الأكبر حدة على العوائد قصيرة الأجل، في إشارة إلى تراجع آمال خفض أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)» على المدى القريب، بينما ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل، مع اقتراب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مؤخراً من 4.5 في المائة لأول مرة منذ الصيف الماضي، في ظل ضعف الطلب على بعض مزادات السندات خلال الشهر.

وقال بيل كامبل، مدير المحافظ في شركة «دبل لاين كابيتال»: «يبدو أن هذه التكاليف الصغيرة تتراكم».

وكان الوضع المالي للولايات المتحدة مرهَقاً بالفعل قبل الضربة الأولى على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، مع بلوغ الدين الوطني مستوى قياسياً قدره 39 تريليون دولار، وتوقُّع أن تصل مدفوعات الفائدة الصافية السنوية إلى تريليون دولار خلال السنة المالية الحالية. ويطالب البنتاغون بأكثر من 200 مليار دولار تمويلاً إضافياً للحرب على إيران، بالإضافة إلى «مشروع قانون الدفاع» للسنة المالية 2026، الذي تبلغ ماليته نحو 900 مليار دولار.

كما تضررت إيرادات الحكومة بعد أن قضت المحكمة العليا بأن الرئيس لا يستطيع استخدام صلاحيات الطوارئ لفرض رسوم جمركية؛ مما قد يفرض ردّ نحو 175 مليار دولار للمستوردين، رغم أن الإدارة أعلنت أنها ستفرض رسوماً بديلة وفق سلطة قانونية منفصلة، من دون وضوح بشأن ما إذا كانت ستعوض كامل الإيرادات المفقودة.

ولا تتوقع الأسواق حتى الآن تحولات كبيرة في التوقعات المالية للولايات المتحدة. وقال هوسبي، من بنك «بي إن بي باريبا»: «قد تنتظر الأسواق صدور تشريع فعلي قبل اتخاذ رد فعل أشد حزماً».

وأكد ديرك ويلر، رئيس قسم الاقتصاد الكلي واستراتيجية تخصيص الأصول في «سيتي غروب»، أن أكبر المخاطر يكمن في عجز «الاحتياطي الفيدرالي» عن خفض أسعار الفائدة بسبب التضخم مع ارتفاع النفقات، واحتمالية سعيه إلى تقليص حجم ميزانيته العمومية؛ مما قد يستدعي تدخلاً مالياً أقوى.

الأولويات قصيرة الأجل

التهديدات على المدى القريب تشمل رفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة وتفاقم المخاطر الجيوسياسية. وحذر روبرت تيب، كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة «بي جي آي إم» لإدارة الأصول، بأن استمرار التضخم قد يدفع «الاحتياطي الفيدرالي» إلى رفع أسعار الفائدة هذا العام.

وأشار كريستيان هوفمان، رئيس قسم الدخل الثابت في «ثورنبورغ» لإدارة الاستثمار، إلى أن سنوات من الصدمات الجيوسياسية قد دربت المستثمرين على عدم المبالغة في ردود الفعل، لكنه أضاف: «ربما نكون على أعتاب لحظة تغيّر هذا النمط».

وفي حال استمرت عوائد السندات طويلة الأجل في الارتفاع، فقد تضطر وزارة الخزانة إلى تعديل استراتيجيتها في الإصدار، مع خفض سندات طويلة الأجل لمصلحة قصيرة الأجل. ويعتقد مايك كودزيل، من شركة «بيمكو»، أن صدمة النفط قد تبطئ النمو؛ مما قد يسمح لـ«الاحتياطي الفيدرالي» بخفض أسعار الفائدة لاحقاً هذا العام، وبالتالي انخفاض العوائد. وقد بدأت «بيمكو» تعزيز سندات طويلة الأجل في الأسواق المتقدمة استناداً إلى هذا السيناريو.


قفزة نوعية للإسترليني... الأداء الأفضل مقابل اليورو منذ أكثر من عام

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني واليورو (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني واليورو (رويترز)
TT

قفزة نوعية للإسترليني... الأداء الأفضل مقابل اليورو منذ أكثر من عام

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني واليورو (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني واليورو (رويترز)

يتجَّه الجنيه الإسترليني لتحقيق أكبر مكاسبه الشهرية مقابل اليورو منذ أكثر من عام، يوم الثلاثاء، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل في بريطانيا، في حين يسجِّل في الوقت نفسه أكبر انخفاض شهري له مقابل الدولار منذ 5 أشهر، مع استمرار اضطراب الأسواق بفعل الحرب الإيرانية.

وكانت التحرُّكات اليومية محدودة نسبياً، حيث ارتفع الجنيه بنسبة 0.16 في المائة مقابل الدولار عن أدنى مستوى له في 4 أشهر الذي سجَّله يوم الاثنين، كما سجَّل ارتفاعاً طفيفاً مقابل العملة الموحَّدة عند 86.82 بنساً لكل يورو، وفق «رويترز».

لكن على مدار الشهر، تُظهِر التحركات التأثير المشترك لصدمات أسعار الطاقة وسياسات الفائدة قصيرة الأجل. فقد انخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 2.1 في المائة مقابل الدولار في مارس (آذار)، بينما سجَّل اليورو تراجعاً بنسبة 1 في المائة مقابل الجنيه، وهو أكبر انخفاض له منذ فبراير (شباط) 2025. من جهة أخرى، ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 2 في المائة مقابل الفرنك السويسري، مُسجِّلاً أعلى مستوى له في شهر واحد خلال عامين، رغم تهديدات البنك الوطني السويسري بالتدخل لخفض قيمة عملته، وهو ما كان من بين العوامل المؤثرة.

وقال محللون في بنك «بي أن بي باريبا» في مذكرة: «تستورد كل من المملكة المتحدة ومنطقة اليورو طاقةً أكثر مما تنتِج، لذا فإنَّ أي صدمة ناتجة عن نقص المعروض تُضعف كلتا العملتين عبر شروط التبادل التجاري وقنوات النمو، مما يحدُّ من الإنفاق الاستهلاكي للأسر».

وأشار المحللون إلى أنَّ الصدمات السابقة في أسعار الطاقة أظهرت أن الجنيه الإسترليني قد ينخفض بنحو 4 في المائة مقابل الدولار في سيناريو مماثل، وأن تحركاته عادةً ما تتماشى تقريباً مع أداء اليورو. ومع ذلك، كان أداء الجنيه أفضل هذه المرة نظراً للتغيُّر النسبي في أسعار الفائدة.

ويتوقع المتداولون أن ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع البنوك المركزية لتشديد سياساتها النقدية لمنع موجة تضخم ثانية، وهو ما غيّر بشكل كبير توقعاتها تجاه «بنك إنجلترا». ففي أواخر فبراير، كانت الأسواق تتوقع خفضين لأسعار الفائدة هذا العام، والآن تتوقع رفعين على الأقل. أما بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي، فقد تغيَّرت التوقعات من خفضين إلى عدم تغيير، وكذلك بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي من عدم تغيير إلى 3 زيادات في الأسعار.

وقد أدى ذلك إلى صعود عوائد السندات البريطانية الحساسة للفائدة لأجل عامين بمقدار 94 نقطة أساس في مارس، وهو أعلى مستوى لها منذ اضطرابات السوق البريطانية في أواخر 2022، متجاوزة مستويات العوائد في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، مما دعم بدوره الجنيه الإسترليني رغم تأثير صدمة الطاقة.

ومع ذلك، ذكر بنك «بي أن بي باريبا» أنَّه لا يتوقَّع استمرار تفوق أداء الجنيه الإسترليني طويلاً، نظراً لأنَّ السوق تأخذ في الحسبان تأثير صدمة الطاقة على النمو والوضع المالي، فضلاً عن آثارها على شروط التجارة، وينصح البنك المتداولين بأخذ مراكز بيع قصيرة على الجنيه مقابل الفرنك السويسري.


الأسواق المالية المنهكة تدخل الربع الثاني تحت رحمة «صدمة النفط»

لوحة إلكترونية تعرض أرقام مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)
لوحة إلكترونية تعرض أرقام مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)
TT

الأسواق المالية المنهكة تدخل الربع الثاني تحت رحمة «صدمة النفط»

لوحة إلكترونية تعرض أرقام مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)
لوحة إلكترونية تعرض أرقام مؤشر «نيكي» للأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)

تدخل الأسواق المالية المنهكة الربع الثاني من العام وهي أكثر حساسية تجاه أخبار الحرب، في ظل ظروف قد تدفع بأسواق الأسهم إلى مزيد من التراجع، فيما قد يشجّع البيع المكثف للسندات بعض المشترين على العودة.

وحتى في حال إسهام حل النزاع في رفع معنويات المستثمرين على المدى القصير، يتوقع الخبراء أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط المستمر لفترة ممتدة ستلقي بثقلها السلبي على النمو الاقتصادي وتفاقم ضغوط التضخم.

وتبقى هذه الخلفية عاملاً محورياً قد يدفع أسواق الأسهم إلى مزيد من الهبوط، في حين أن استمرار النزاع لفترة أطول، مع تفوق المخاوف المتعلقة بالنمو على مخاوف التضخم، قد يدفع السندات إلى تسجيل انتعاش.

وقالت سيما شاه، كبيرة الاستراتيجيين العالميين في شركة «برينسيبال» لإدارة الأصول التي تدير أصولاً بقيمة 594 مليار دولار تقريباً: «من الصعب تجاهل الضجيج عندما يصبح الضجيج هو كل ما لدينا».

وأضافت: «لقد سعينا جاهدين لتعزيز استثماراتنا في الأسهم الدولية، وما زال هذا القرار منطقياً، لكنه لا يعني التخلي عن الاستثمار في الولايات المتحدة».

وتصدّرت الحرب في الشرق الأوسط الربع الأول المضطرب، فيما تأثرت الأسواق أيضاً بتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فنزويلا، والتهديدات المتعلقة بغرينلاند، واضطرابات قطاع الذكاء الاصطناعي.

ارتفاع أسعار النفط وقلق مستثمري السندات

كان النفط الأفضل أداءً؛ إذ ارتفع بنحو 90 في المائة هذا الربع متجاوزاً حاجز 100 دولار للبرميل، مما أثار مخاوف مستثمري السندات الذين رفعوا توقعاتهم بشأن زيادات محتملة في أسعار الفائدة.

ناقلة النفط «سي هورس» ترسو قبالة بويرتو كابييو في فنزويلا بعد تحويل مسارها من كوبا 29 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويشير محللون استطلعت «رويترز» آراءهم إلى أن أسعار النفط قد تتراوح بين 100 و190 دولاراً، بمتوسط توقعات يبلغ 134.62 دولار، ما دامت اضطرابات الإمداد الحالية مستمرة.

وتظهر منصة التنبؤات الإلكترونية «بولي ماركت» احتمالاً بنسبة 36 في المائة لانتهاء الحرب بحلول منتصف مايو (أيار)، و60 في المائة بحلول نهاية يونيو (حزيران).

وتماشياً مع ارتفاع التضخم في 2022، قفزت تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل في بريطانيا وإيطاليا بمقدار 75 نقطة أساس خلال هذا الربع. كما سجلت تحركات السندات الأميركية والألمانية واليابانية أهمية بالغة.

وقال استراتيجي الأصول المتعددة في «سوسيتيه جنرال»، مانيش كابرا: «في جميع صدمات أسعار النفط التاريخية، هناك عاملان فقط يحددان التأثير: مدة الصدمة، ورد فعل البنك المركزي، الذي يحدد مستوى تقبّل المخاطر العام».

ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية، استبعد المتداولون خفض أسعار الفائدة الأميركية قبل نهاية العام، في حين يتوقعون ثلاث زيادات في منطقة اليورو، واثنتين على الأقل في بريطانيا، بعد أن كانوا يتوقعون سابقاً تخفيفاً لها. كما أُجهضت أي محاولات لتخفيف السياسة النقدية في الأسواق الناشئة.

وأشار كابرا إلى أن عطلة نهاية الأسبوع في مايو بمناسبة يوم الذكرى في الولايات المتحدة قد تكون نقطة محورية، إذ يبدأ موسم السفر المزدحم الذي قد يفرض ضغوطاً على صناع السياسات للسيطرة على تكاليف الطاقة.

زيادة تخصيص الأصول للسلع

رفع المستثمرون نسبة تخصيص الأصول للسلع إلى 15 في المائة منذ بدء الحرب، بعد أن كانت 10 في المائة قبلها، في انعكاس لتزايد العلاقة بين الجغرافيا السياسية وأسواق السلع.

السندات والأسهم: اتجاهات متقلبة

في أسواق السندات، حيث انخفضت الأسعار وارتفعت العوائد مع استعداد المستثمرين لموجة ارتفاع التضخم والفائدة، يتوقع بعضهم مزيداً من التراجع.

وقال فرانشيسكو ساندريني، رئيس استراتيجيات الأصول المتعددة في «أموندي»، أكبر شركة لإدارة الأصول في أوروبا: «قمنا بزيادة انكشافنا على سندات حكومات منطقة اليورو قصيرة الأجل، مع الحفاظ على انكشافنا على سندات الخزانة الأميركية لأجل خمس سنوات، انطلاقاً من اعتقادنا أن الدخل الثابت قد يحقق أداءً جيداً بمجرد التوصل إلى حل للأزمة».

وأضاف: «نتوقع أن تحاول البنوك المركزية تجاهل الضغوط السعرية قصيرة الأجل».

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار العالميين في «راسل إنفستمنتس»، بول إيتلمان، إن السندات تبدو أكثر جاذبية مما كانت عليه قبل بضعة أشهر، فيما من غير المرجح أن تستمر قوة الدولار على المدى المتوسط.

واستعاد الدولار مكانته بوصفه ملاذاً آمناً، مرتفعاً بأكثر من 2 في المائة خلال مارس (آذار). وقبل الحرب، كان المستثمرون ينوّعون محافظهم بعيداً عن الأصول الأميركية، مما أثر سلباً على الدولار، وقد يعود هذا التوجه إذا انتهى الصراع.

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

أسواق الذهب والأسهم

انخفض الذهب بنسبة 4 في المائة في مارس، رغم أنه عادةً ما يرتفع في أوقات القلق التضخمي، حيث لجأ المستثمرون إلى الصفقات الرابحة لتعويض خسائر الأصول الأخرى.

وعلى الرغم من أن الأسهم صمدت نسبياً بفضل الأرباح القوية وازدهار قطاع التكنولوجيا، فإن ضغط البيع قد تصاعد مؤخراً. فقد انخفض مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ستوكس 600» الأوروبي بنحو 9-10 في المائة عن أعلى مستوياتهما، في حين تراجع مؤشر «نيكي» الياباني نحو 13 في المائة عن أعلى مستوى قياسي له في فبراير (شباط).

وقال كبير استراتيجيي السوق في مجموعة زيوريخ للتأمين، غاي ميلر، إنه خفّض توصيته بشراء الأسهم قبل الحرب، مع تدهور التوقعات الاقتصادية.

وتراجعت ثقة المستهلك الأميركي في مارس بأكثر من المتوقع، في حين انهارت معنويات المستثمرين الألمان، ووصلت مؤشرات مديري المشتريات الصادرة عن «ستاندرد آند بورز غلوبال» للولايات المتحدة ومنطقة اليورو إلى أدنى مستوياتها منذ عدة أشهر.

ورغم صلابة الاقتصاد الأميركي ومكانته بوصفه مصدراً للطاقة، فإن استمرار الصراع وارتفاع أسعار الطاقة سيؤثران سلباً على النمو العالمي.

وحذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأسبوع الماضي من أن الاقتصاد العالمي قد ينحرف عن مساره نحو النمو القوي.

وقال ميلر: «هذه الحرب تختلف عن المفاجآت الجيوسياسية والسياسية خلال العام الماضي، التي كان تأثيرها محدوداً على الأرباح وهوامش الربح ومضاعفات السوق».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended