كبرى البنوك الأميركية تدرس التوسع الحذر في العملات المشفرة

وسط إشارات تنظيمية مشجعة

حقائب معروضة خلال مؤتمر البتكوين في فندق فينيشيان بلاس فيغاس... نيفادا 27 مايو 2025 (أ.ف.ب)
حقائب معروضة خلال مؤتمر البتكوين في فندق فينيشيان بلاس فيغاس... نيفادا 27 مايو 2025 (أ.ف.ب)
TT

كبرى البنوك الأميركية تدرس التوسع الحذر في العملات المشفرة

حقائب معروضة خلال مؤتمر البتكوين في فندق فينيشيان بلاس فيغاس... نيفادا 27 مايو 2025 (أ.ف.ب)
حقائب معروضة خلال مؤتمر البتكوين في فندق فينيشيان بلاس فيغاس... نيفادا 27 مايو 2025 (أ.ف.ب)

تجري بنوك أميركية كبرى مناقشات داخلية حول التوسع في مجال العملات المشفرة، مع تعزيز دعم الجهات التنظيمية لها، إلا أن خطواتها الأولى ستكون حذرة ومحدودة، تتركز على برامج تجريبية، شراكات، أو تداول محدود للعملات المشفرة، وفقاً لأربعة مسؤولين تنفيذيين في القطاع.

ويتمتع عمالقة «وول ستريت» الذين كانوا يعانون من قيود تنظيمية صارمة على أنشطتهم في سوق العملات المشفرة، باستعداد للنمو السريع في هذا المجال. ومع ذلك، لا تزال أكبر المؤسسات المالية مترددة في أن تكون الرائدة بين منافسيها في التوسع الواسع في العملات المشفرة، خشية الوقوع في مخالفات نتيجة لتغير القواعد التنظيمية، بحسب المسؤولين التنفيذيين الأربعة الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم نظراً لطبيعة مناقشاتهم الداخلية، وفق «رويترز».

وأشار المسؤولون إلى أنه في حال تمكنت شركة كبيرة من التوسع دون عقبات، فسيتبعها الآخرون بسرعة، من خلال إدارة مشاريع تجريبية صغيرة النطاق واستكشاف فرص تجارية أخرى.

ومن جانبه، استبعد جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لأكبر بنك أميركي (جي بي مورغان تشيس)، الانخراط في خدمات الحفظ - أي تخزين أصول العملات المشفرة نيابةً عن العملاء - أو التوسع بشكل كبير حتى مع تخفيف اللوائح التنظيمية. وقال ديمون، المعروف بتشككه الطويل في العملات المشفرة، للمستثمرين الأسبوع الماضي: «عندما أنظر إلى عالم البتكوين، أرى رافعة مالية مفرطة، وإساءة استخدام، وقضايا غسل أموال، وأنشطة غير مشروعة، لذا لست من مؤيديه». وأضاف: «سنسمح لكم بشرائه، لكننا لن نخزنه في عهدتنا... لا أعتقد أنه يجب عليكم التدخين، لكنني أدافع عن حقكم في التدخين، وكذلك عن حقكم في شراء البتكوين».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تعهد بأن يصبح أول «رئيس للعملات المشفرة» قبل توليه المنصب، ومنذ ذلك الحين جذب نخبة الصناعة إلى البيت الأبيض، ووعد بتعزيز تبني الأصول الرقمية، وأعلن نيته إنشاء احتياطي استراتيجي من البتكوين.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تطالب البنوك بإرشادات أكثر وضوحاً من الحكومة تحدد بدقة ما يمكنها القيام به في سوق العملات المشفرة، حسب ما أفاد به أكثر من ستة مسؤولين تنفيذيين. وصرح داريو دي مارتينو، شريك الدمج والاستحواذ في شركة «إيه آند أو شيرمان» والمتخصص في قضايا العملات المشفرة: «التحول في الموقف يعد مشجعاً للمقرضين التقليديين، لكنهم لا يزالون يتعاملون معه بحذر، وينظرون إلى التغييرات التنظيمية كفرصة للمشاركة وليست كتصريح مطلق».

وأكد مصرفيون ومسؤولون تنفيذيون أن أعمال الحفظ، التي تختص بتخزين وإدارة الأصول المشفرة، واعدة من حيث الإمكانات، إلا أن هوامش أرباحها ضعيفة، وقد تحمل مخاطر كبيرة.

وأشارت المصادر إلى أن معظم البنوك ستدخل هذا المجال عبر شراكات مع شركات قائمة في قطاع العملات المشفرة.

وقال ريك وورستر، الرئيس التنفيذي لشركة «تشارلز شواب»، في وقت سابق من الشهر الجاري لـ«رويترز»، إن الإشارات التنظيمية الصادرة عن الجهات المالية توحي بـ«مؤشرات إيجابية» أمام الشركات الكبرى للنمو في سوق العملات المشفرة. وأضاف أن هذه الإشارات دعمت خطط شواب لتقديم خدمة تداول فوري للعملات المشفرة خلال عام.

كما أظهرت الجهات التنظيمية الجديدة في عهد ترمب ميلاً لسياسات أكثر ودية تجاه البنوك في هذا المجال. فقد مهد مكتب مراقب العملة الأميركي (OCC) الطريق أمام المقرضين للمشاركة في بعض أنشطة العملات المشفرة، مثل خدمات الحفظ، وبعض أنشطة العملات المستقرة، والمشاركة في شبكات دفتر الأستاذ الموزع (تقنية تسمح لأجهزة الكمبيوتر المتصلة بالشبكة بمشاركة البيانات وتخزينها بشكل آمن).

ومن جانبها، ألغت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية توجيهات محاسبية سابقة كانت تجعل التعامل مع العملات المشفرة مكلفاً للبنوك.

وفي وقت سابق من هذا العام، صرح برايان موينيهان، الرئيس التنفيذي لـ«بنك أوف أميركا»، بأن البنك قد يطرح عملة مستقرة خاصة به، وأن القطاع المصرفي الأميركي سيعتمد العملات المشفرة في المدفوعات إذا ما سمحت اللوائح بذلك.

في الوقت ذاته، يسعى بنك «مورغان ستانلي» إلى التعاون مع الجهات التنظيمية لاستكشاف كيفية العمل كوسيط في المعاملات المرتبطة بالعملات المشفرة، حسب ما أفاد به تيد بيك، الرئيس التنفيذي للبنك، في وقت سابق من العام. وأضاف مصدر أن البنك يدرس كذلك إمكانية إضافة العملات المشفرة إلى منصته الإلكترونية للتداول.

وكشف مصدر مصرفي آخر أن بعض البنوك الكبرى تدرس كذلك إصدار عملة مستقرة مشتركة، فيما لا تزال المحادثات في مراحلها الأولى.

وتطالب البنوك الكبرى بمزيد من الوضوح حول قواعد مكافحة غسل الأموال والرقابة التنظيمية قبل التعمق في مجال العملات المشفرة، كما تطالب بتوحيد الإرشادات بين الجهات التنظيمية المصرفية والأسواق قبل إطلاق مشاريع جديدة في الأصول الرقمية ذات القيم المتقلبة.

وفي الوقت الراهن، تقوم البنوك بتقييم فرصها في سوق العملات المشفرة وتنفيذ برامج تجريبية صغيرة النطاق.

وقال ماثيو بيبن، الرئيس المشارك لمجموعة الخدمات المالية العالمية في شركة المحاماة «كينغ آند سبالدينغ»: «على الرغم من تحسن البيئة التنظيمية بشكل كبير، ستظل لدى البنوك مخاوف بشأن مكافحة غسل الأموال والامتثال للوائح».

مشهد متغير

ذكر أحد المصادر المصرفية أن البنوك تسعى لفهم ما إذا كانت مسموحاً لها بالمشاركة في إقراض العملات المشفرة، أو العمل كصانعة سوق للأصول الرقمية.

وفي حين أن قواعد العمل المصرفي التقليدي محددة وواضحة تماماً بشأن ما يُسمح به وما هو خارج نطاق البنك، إلا أن هناك حاجة ماسة لإرشادات مماثلة واضحة للأصول الرقمية.

وأشار مصدران مصرفيان إلى أن مجموعة العمل المعنية بالعملات المشفرة بقيادة ديفيد ساكس، القيصر المعين من قبل ترمب للعملات المشفرة، لا تضم ممثلين عن الجهات التنظيمية المصرفية، وهو أمر يجب تعديله إذا أُريد للبنوك الكبرى أن تلعب دوراً فاعلاً وذا معنى في هذا المجال.


مقالات ذات صلة

«بتكوين» تهبط إلى قرب 63 ألف دولار عقب الهجوم على إيران

الاقتصاد عملة البتكوين الرقمية (رويترز)

«بتكوين» تهبط إلى قرب 63 ألف دولار عقب الهجوم على إيران

شهدت أسواق العملات الرقمية تراجعاً حاداً خلال تعاملات يوم السبت، حيث اقتربت عملة «بتكوين» من مستوى 63 ألف دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد هاتف ذكي يُعرض عليه شعار «باينانس» (رويترز)

لماذا طردت «باينانس» محققيها؟ تفاصيل تحويل 1.7 مليار دولار لكيانات إيرانية معاقبة

كشفت تقارير استقصائية عن فضيحة تلاحق «باينانس» تفيد بأنها فككت وحدة تحقيقات داخلية، وطردت محققين بعد كشفهم عن تدفقات مالية ضخمة مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة توضيحية لعملات رقمية من نوع «ريبل» و«بيتكوين» و«إيثيريوم» على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)

أميركا تدقق بطفرة نشاط العملات المشفرة في إيران

قال باحث في تقنية المعاملات الرقمية إن محققين أميركيين يبحثون فيما إذا كانت منصات معينة للعملات المشفرة قد سهلت تهرب مسؤولين إيرانيين من العقوبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد دونالد ترمب الابن وإريك ترمب وزاك ويتكوف المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» يشيرون بأيديهم خارج مبنى «ناسداك» بعد قرع جرس الافتتاح (أرشيفية - رويترز)

بين إسلام آباد وعائلة ترمب... باكستان تفتح أبوابها لعملة «وورلد ليبرتي» الرقمية

وقَّعت باكستان اتفاقية مع شركة مرتبطة بشركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» الرئيسية في مجال العملات الرقمية لعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (كراتشي (باكستان))
الاقتصاد تعد عملات «الميم» نوعاً من الرموز الرقمية التي غالباً ما ترتبط بالنكات أو الصور الساخرة (رويترز)

الأصول الرقمية في 2025... من فوضى النمو إلى مرحلة النضج المؤسسي

تتميز العملات المشفرة بتقلبات سعرية عالية جداً لقلة قيمتها الأساسية وغياب المنفعة الملموسة أحياناً، مما يجعلها استثماراً مضارباً عالي المخاطر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

توترات إيران تدفع أسواق الصين للهبوط

شاشة تعرض حركة الأسهم في مدينة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
شاشة تعرض حركة الأسهم في مدينة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

توترات إيران تدفع أسواق الصين للهبوط

شاشة تعرض حركة الأسهم في مدينة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
شاشة تعرض حركة الأسهم في مدينة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ، يوم الخميس، مع تراجع معنويات المستثمرين بعد أن لم يحدِّد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، جدولاً زمنياً واضحاً لإنهاء الحرب مع إيران في خطاب متلفز. وقال ترمب، يوم الأربعاء، إن الجيش الأميركي قد حقَّق أهدافه تقريباً في إيران، لكنه امتنع عن تحديد جدول زمني محدد لإنهاء الصراع. وستواصل الولايات المتحدة ضرب أهداف في إيران خلال الأسبوعين أو الـ3 أسابيع المقبلة، وطمأن المشاهدين بأنَّها ستنهي المهمة «بسرعة كبيرة». وقال براشانت نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في شركة «تي دي» للأوراق المالية: «الشيء الوحيد المهم حقاً هو ما إذا كان مضيق هرمز سيُفتَح قريباً... لا يُشير خطاب ترمب إلى أنَّ هذا الأمر سيحدث بالسرعة التي توقعتها الأسواق، كما أن التهديدات بشنِّ الولايات المتحدة ضربات على محطات الطاقة الإيرانية في حال عدم التوصُّل إلى اتفاق، وأنَّ ذلك سيعيد إيران إلى العصر الحجري، تُنذر بمزيد من التصعيد». وعند استراحة منتصف النهار، انخفض مؤشر «شنغهاي المركب» بنسبة 0.53 في المائة، بينما خسر مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية 0.74 في المائة. وفي هونغ كونغ، انخفض مؤشر هانغ سينغ بنسبة 1.1 في المائة، وتراجعت أسهم شركات التكنولوجيا في المدينة بنسبة 2.2 في المائة. وكانت أسهم أشباه الموصلات من بين أكبر الخاسرين في تعاملات الصباح، حيث أثرت تصريحات ترمب سلباً على شهية المخاطرة، وخسرت المؤشرات الفرعية التي تتبع هذا القطاع 2.49 في المائة و2.29 في المائة على التوالي. وارتفعت أسعار النفط بأكثر من 5 دولارات يوم الخميس، حيث زادت التصريحات من مخاوف المستثمرين بشأن استمرار اضطرابات الإمدادات. وأعلنت شركات طيران صينية عدة، من بينها شركة الطيران الصينية الرائدة، أنها سترفع رسوم الوقود المحلية اعتباراً من 5 أبريل (نيسان)، مع ارتفاع أسعار وقود الطائرات نتيجة الحرب مع إيران.

• اليوان يتراجع

وبدوره تراجع اليوان الصيني مقابل الدولار، يوم الخميس، من أعلى مستوى له في 3 أسابيع، بعد أن لم يحدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب جدولاً زمنياً واضحاً لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط في خطاب متلفز، بل حذِّر من شنِّ مزيد من الضربات على إيران في الأسابيع المقبلة، مما أثار قلق الأسواق. وقال جون ويثار، مدير محافظ استثمارية أول في شركة «بيكت» لإدارة الأصول: «لا يوجد لدينا أي يقين أو وضوح إضافي بشأن الجدول الزمني بعد هذا الخطاب، وهذا ما كانت السوق تنتظره». وأضاف: «إن توقع استمرار العمليات لمدة أسبوعين أو 3 أسابيع أخرى، وعدم استبعاد إرسال قوات برية، وتكرار التهديدات بضرب البنية التحتية، ستعيد السوق إلى موقف دفاعي، خصوصاً مع اقتراب عطلة نهاية الأسبوع الطويلة». وارتفع الدولار مدفوعاً بعمليات شراء الملاذ الآمن عقب خطاب ترمب، وضغط على العملات الرئيسية الأخرى، بما في ذلك اليوان. وانخفض اليوان في السوق المحلية إلى 6.8850 مقابل الدولار بحلول الساعة 03:03 بتوقيت غرينتش، بعد أن سجَّل أعلى مستوى له في 3 أسابيع عند 6.8708 في اليوم السابق. أما سعر اليوان في السوق الخارجية فبلغ 6.8879 مقابل الدولار. وكان لتراجع شهية المخاطرة العالمية أثرٌ أكبر بكثير من تعزيز سعر الفائدة الرسمي الذي حدده البنك المركزي. قبل افتتاح السوق، حدَّد «بنك الشعب الصيني» سعر الصرف عند 6.8750 يوان للدولار، وهو أعلى مستوى له منذ 25 أبريل 2023. وعلى الرغم من الاضطرابات الجيوسياسية، فإن اليوان لا يزال من بين أفضل عملات الأسواق الناشئة أداءً منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط)، حيث انخفض بنحو 0.5 في المائة مقابل الدولار، الذي ارتفع بنحو 2.4 في المائة خلال الفترة نفسها. وقال محللون في بنك «يو أو بي» في مذكرة: «يُنظَر إلى الصين على نطاق واسع على أنها بمنأى نسبياً عن صدمات أسعار النفط». وأبقوا على توقعاتهم بارتفاع اليوان تدريجياً هذا العام ليصل إلى 6.95 و6.90 و6.85 في نهايتَي الرُّبعين الثاني والثالث، ونهاية العام على التوالي.


حصاد «مارس» النقدي: ترقب في الأسواق المتقدمة وتيسير محدود في الناشئة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

حصاد «مارس» النقدي: ترقب في الأسواق المتقدمة وتيسير محدود في الناشئة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

أشارت البنوك المركزية الكبرى إلى حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، حيث أبقت أسعار الفائدة ثابتة إلى حد كبير في مارس (آذار)، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم وتراجع النمو، مما يلقي بظلاله على التوقعات الاقتصادية العالمية.

واتسم صانعو السياسات في الأسواق المتقدمة والناشئة على حد سواء بالحذر، حيث فضل معظمهم الإبقاء على أسعار الفائدة أو التحرك تدريجياً فقط، في ظل تقلب أسعار النفط والمخاطر الجيوسياسية التي تُعقّد مسار التيسير النقدي، وفق «رويترز».

وكان هذا الموقف الحذر متوقعاً إلى حد كبير، حيث صرح بنك «جيه بي مورغان» في منتصف الشهر قائلاً: «سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى تدرك البنوك المركزية حجم صدمة أسعار النفط وتقيّم تأثيرها طويل الأمد. لكن التوقعات ستميل فوراً نحو ارتفاع التضخم وانخفاض النمو. نتوقع في البداية أن يشجع عدم اليقين على توخي الحذر، في ظل مواقف سياسية قريبة من الحياد في معظم البلدان».

الأسواق المتقدمة

حافظت البنوك المركزية في الغالب على سياستها النقدية دون تغيير. فمن بين تسعة اجتماعات عُقدت في مارس، أسفرت ثمانية منها عن أسعار فائدة ثابتة، باستثناء أستراليا التي رفعت تكاليف الاقتراض بمقدار 25 نقطة أساس. ولم يخفِّض أي اقتصاد متقدم رئيسي أسعار الفائدة خلال الشهر، مما أبقى التوازن منذ بداية العام عند مستوى متواضع بلغ 50 نقطة أساس من التشديد النقدي، من خلال رفعين أجرتهما أستراليا فقط.

الأسواق الناشئة

شهدت الأسواق الناشئة تبايناً أكبر قليلاً، لكنها ظلَّت حذرة بشكل عام. فمن بين 15 اجتماعاً عُقدت في مارس، أبقت 10 بنوك مركزية على أسعار الفائدة، بينما خفضت أربعة بنوك أسعار الفائدة بشكل طفيف: روسيا بمقدار 50 نقطة أساس، والبرازيل والمكسيك وبولندا بمقدار 25 نقطة أساس لكل منها. وبرزت كولومبيا كالدولة الوحيدة التي شدَّدت سياستها النقدية بقوة، برفع سعر الفائدة القياسي بمقدار 100 نقطة أساس، مما دفع الحكومة إلى الانسحاب من مجلس الإدارة.

وحتى في الدول التي تشهد دورات تيسير نقدي، أشار صناع السياسات إلى ضبط النفس. فقد أكَّدت عدة بنوك مركزية، من بينها بنوك إندونيسيا وجنوب أفريقيا والفلبين والمجر وجمهورية التشيك، صراحةً أن تزايد حالة عدم اليقين المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط وتأثيره المحتمل على التضخم كان سبباً لتأجيل أو الحد من خفض أسعار الفائدة.

ويعكس هذا الحذر تحولاً في المشهد العالمي، حيث توازن البنوك المركزية بين تباطؤ النمو ومخاطر ارتفاع الأسعار المتجددة، لا سيما في أسواق الطاقة. وحتى الآن من هذا العام، قدمت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة تيسيراً نقدياً صافياً قدره 175 نقطة أساس، مدفوعاً بعشرة تخفيضات في أسعار الفائدة بلغ مجموعها 375 نقطة أساس، مقابل رفعين في كولومبيا بقيمة 200 نقطة أساس. وتؤكد هذه الصورة المتباينة على التفاوت في وتيرة انخفاض التضخم والقيود التي تواجه صناع السياسات في تطبيق التيسير النقدي بمعزل عن الأوضاع العالمية.


مسح «بنك إنجلترا»: الشركات تتوقّع زيادة أسرع في الأسعار بسبب صدمة الطاقة

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
TT

مسح «بنك إنجلترا»: الشركات تتوقّع زيادة أسرع في الأسعار بسبب صدمة الطاقة

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

أظهر استطلاع أجراه «بنك إنجلترا»، يوم الخميس، أنَّ الشركات البريطانية تتوقَّع رفع أسعارها بوتيرة أسرع خلال الأشهر الـ12 المقبلة، وذلك استجابةً لارتفاع أسعار الطاقة؛ نتيجة الحرب الإيرانية، وخفض الوظائف، وتباطؤ نمو الأجور.

ويراقب «بنك إنجلترا» من كثب خطط التسعير للشركات لتقييم مدى تأثير ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الإيرانية على التضخم. وأظهر الاستطلاع، الذي أجرته لجنة صناع القرار الشهرية، أن الشركات المشارِكة في مارس (آذار) تتوقَّع رفع أسعارها بنسبة 3.7 في المائة خلال العام المقبل، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وقد ارتفع هذا المعدل من 3.4 في المائة بين الشركات التي شملها الاستطلاع في فبراير (شباط)، قبل اندلاع النزاع، ويُشكِّل أكبر زيادة شهرية منذ أبريل (نيسان) 2024. وصرَّح محافظ «بنك إنجلترا»، أندرو بيلي، في مقابلة مع «رويترز»، يوم الأربعاء، بأن قدرة الشركات على تمرير الزيادات في التكاليف إلى العملاء محدودة، رغم إمكانية تمرير بعض زيادات تكاليف الطاقة.

كما انخفض نمو الأجور المتوقع للشركات خلال العام المقبل إلى 3.5 في المائة على أساس متوسط متحرك لـ3 أشهر في مارس، و3.4 في المائة على أساس شهري، وهو أدنى مستوى منذ بدء هذه السلسلة في 2022. وأشارت الشركات إلى توقُّع خفض متوسط مستويات التوظيف بنسبة 0.3 في المائة خلال العام المقبل، مقابل زيادة متوقَّعة بنسبة 0.3 في المائة في فبراير.

وتوقَّعت الشركات أيضاً أن يبلغ معدل تضخم أسعار المستهلكين 3.5 في المائة خلال الأشهر الـ12 المقبلة، وهو أعلى مستوى منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023، ويمثل زيادةً بمقدار 0.5 نقطة مئوية عن فبراير، مُسجِّلاً أكبر قفزة شهرية منذ سبتمبر (أيلول) 2022.

وقال إليوت جوردان-دواك، كبير الاقتصاديين في «بانثيون ماكروإيكونوميكس»: «قد يرى بعض أعضاء لجنة السياسة النقدية الأكثر ميلاً إلى التيسير النقدي أنَّ هذه الزيادة مجرد ضجيج ناتج عن الأخبار في الوقت الحالي، لكن واضعي أسعار الفائدة سيدركون تماماً ارتفاع مؤشرات أخرى لتوقعات الأسر بشأن التضخم مؤخراً، لذا ستظلُّ المخاطر المرتبطة بالتأثيرات الثانوية مصدر قلق كبير».

واستقرَّ معدل التضخم الرئيسي في بريطانيا عند 3 في المائة في فبراير، وكان من المتوقع أن ينخفض إلى ما يقارب هدف «بنك إنجلترا»، البالغ 2 في المائة، في أبريل قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، لكن البنك يتوقَّع الآن ارتفاعه إلى نحو 3.5 في المائة في منتصف العام. وعزَّزت هذه التطورات رهانات المستثمرين على رفع البنك المركزي أسعار الفائدة، مع توقع رفعها مرتين بمقدار رُبع نقطة مئوية هذا العام.

وأُجري استطلاع «بنك إنجلترا» في الفترة من 6 إلى 20 مارس، عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وتلقى الاستطلاع 2004 ردود.

ارتفاع عوائد السندات

على صعيد آخر، ارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية، يوم الخميس، مع تجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار مرة أخرى، بعد أن لمَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى احتمال شنِّ ضربات أكثر حدة على إيران، مما أثار قلق المستثمرين الذين كانوا يأملون في تهدئة التوترات.

وزادت عوائد السندات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل بما يتراوح بين 5 و9 نقاط أساس عبر مختلف آجال الاستحقاق في بداية التداولات. كما عكست العقود الآجلة لأسعار الفائدة بالكامل توقعات رفع «بنك إنجلترا» للفائدة بمقدار رُبع نقطة هذا العام، بعد أن كانت السوق تتوقَّع رفعاً واحداً أو ربما اثنين في الجلسة السابقة.

وأكد محافظ «بنك إنجلترا»، أندرو بيلي، لوكالة «رويترز» أن الأسواق «تستبق الأحداث» من خلال تسعير ارتفاع أسعار الفائدة لاحتواء الصدمة التضخمية المتوقعة؛ نتيجة الصراع في الشرق الأوسط.