كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل السعودية؟

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: المهارات الرقمية مفتاح رفع إنتاجية الاقتصاد الوطني

رجل يسير بجانب شاشة ذكاء اصطناعي في مؤتمر «ليب 25» في الرياض (واس)
رجل يسير بجانب شاشة ذكاء اصطناعي في مؤتمر «ليب 25» في الرياض (واس)
TT

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل السعودية؟

رجل يسير بجانب شاشة ذكاء اصطناعي في مؤتمر «ليب 25» في الرياض (واس)
رجل يسير بجانب شاشة ذكاء اصطناعي في مؤتمر «ليب 25» في الرياض (واس)

في خضم التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده السعودية، تؤكد تحليلات ودراسات أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة باتا يشكلان حجر الزاوية في صياغة ملامح سوق العمل خلال السنوات المقبلة. فبينما تُسهم الأتمتة في رفع كفاءة العمليات وتعزيز الإنتاجية، تظهر الحاجة الملحّة لإعادة تأهيل الكفاءات الحالية، وتجهيز الأجيال الجديدة بمهارات المستقبل، لردم الفجوة المتسعة بين مخرجات التعليم التقليدية واحتياجات السوق التقنية.

التحول لا يعني اختفاء الوظائف، بل إعادة تشكيلها، إذ تتلاشى المهام الروتينية لصالح أدوار تتطلب قدرات تحليلية ورقمية وابتكارية، وهو ما يفرض تحولاً جذرياً في فلسفة التوظيف، من «تنفيذ المهام» إلى «إدارة الحلول». ويعزز الذكاء الاصطناعي هذا التحول في قطاعات حيوية، كالصحة، والتصنيع، والمالية، حيث أظهرت تجارب محلية واقعية كفاءة الذكاء الاصطناعي في تقليص التكاليف، وتحسين النتائج التشغيلية.

ومع أن التقنية تفتح آفاقاً واسعة للنمو وتوليد وظائف جديدة، إلا أن التحديات تظل ماثلة، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف التبني، وضعف البنية التحتية، ونقص الكفاءات المؤهلة. وهو ما يضع مسؤولية مشتركة على عاتق الحكومات، والقطاع الخاص، والمؤسسات التعليمية، لضمان تحول رقمي متوازن لا يستبعد الطاقات البشرية، بل يعيد توجيهها، وتمكينها.

صناعة التحول الوطني

أكد المختص في الموارد البشرية، علي آل عيد، لـ«الشرق الأوسط»، أن التحول الرقمي، والاستعداد لمتطلبات المستقبل، إلى جانب الوعي بأهم المهارات اللازمة لأدوار سوق العمل، تشكل اليوم مرتكزات أساسية في صناعة التحول الوطني، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي، ورغم ما يثيره من قلق لدى البعض، لن يلغي الوظائف بشكل كلي، بل سيعيد تشكيلها من جديد.

وأوضح أن الفترة المقبلة ستشهد اختفاء عدد من الوظائف الروتينية، مقابل بروز أخرى تعتمد على مهارات تحليلية، ورقمية، ومهارات تواصل بشري متقدمة. وستتحول طبيعة الأدوار من «تنفيذ المهام» إلى «إدارة الحلول»، ومن الاعتماد على «الخبرة» إلى التركيز على «المرونة والابتكار».

ولفت آل عيد إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم في رفع معدلات الأتمتة، وتحليل البيانات الضخمة، كما يدعم اتخاذ القرار بسرعة، ودقة، مما يقلل من الهدر، ويعزز الكفاءة التشغيلية، لافتاً إلى أن قطاعات مثل الصحة، واللوجستيات، والمالية، وحتى الموارد البشرية باتت تشهد تحولات ملحوظة في سرعة اتخاذ القرار، وجودة المخرجات.

وشدد على أهمية صياغة استراتيجيات شاملة تعزز الابتكار، وتدفع القطاعات نحو تبني التقنية، مع ضمان انتقال عادل للموظفين عبر برامج إعادة التمهير، وتوفير شبكات أمان اجتماعي، مشيراً إلى أن نجاح التدريب والتوظيف المستقبلي سيبقى مرهوناً بمدى جدية القطاع الخاص في مواكبة هذا التحول.

تعزيز الابتكار

بدوره، أكد المختص في السياسات الاقتصادية، أحمد الشهري، لـ«الشرق الأوسط» أن التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، تعيد رسم ملامح سوق العمل في السعودية بشكل متسارع، مدفوعة برؤية المملكة 2030 التي تركز على تنويع الاقتصاد، وتعزيز الابتكار.

وأضاف الشهري أن الذكاء الاصطناعي يسهم في أتمتة المهام الروتينية، ويرفع من جودة مخرجات الأعمال في القطاعين العام والخاص، مما قد يؤثر على نحو 25 إلى 30 في المائة من الوظائف الحالية بحلول عام 2030، قياساً على مستوى التأثير في الدول المتقدمة. لكنه في المقابل، يفتح الباب أمام فرص عمل جديدة في مجالات تقنية ومتقدمة، ويعزز الإنتاجية من خلال تحسين كفاءة العمليات.

وبيّن أن قطاع النفط يُعد من أبرز القطاعات التي بدأت تجني ثمار هذا التحول، حيث تستخدم شركة «أرامكو السعودية» تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطبيقات الصيانة التنبئية، ما أسهم في خفض التكاليف، وزيادة الكفاءة التشغيلية بنسبة تصل إلى 20 في المائة.

وأشار إلى أن دعم «مهارات المستقبل» يمثل أولوية لعدد من المؤسسات التعليمية، والجهات المعنية، حيث يجري العمل على ردم الفجوة بين مخرجات التعليم التقليدي واحتياجات السوق التقنية.

وأوضح الشهري أن السياسات الحالية قادرة على تحقيق توازن بين تسريع وتيرة التحول التقني وحماية الوظائف القائمة، من خلال مبادرات محفزة، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، كما هو الحال في مشاريع مثل «نيوم».

تمويل البرامج

من جانبه، قال الشريك الرئيس في «ماكنزي»، طارق منصور، لـ«الشرق الأوسط» إن أحدث الأبحاث الصادرة عن «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالتعاون مع شركته تشير إلى أن اعتماد الأتمتة وإعادة تأهيل المهارات يمثلان عوامل رئيسة لتحقيق مكاسب إنتاجية في المنطقة. وتكشف الدراسة عن إمكانية رفع معدل نمو الإنتاجية إلى 2.7 في المائة سنوياً بحلول عام 2030، مدعوماً بالتقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يعزز الابتكار، ويدعم الإبداع البشري في مجالات حيوية، مثل الخدمات الطبية، والبحث العلمي.

وأضاف أن فوائد التقنية والتحول الرقمي لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى خلق وظائف جديدة، وتخفيف النقص في المهارات المتخصصة التي يصعب جذب الكفاءات إليها، خاصة في مجالات العلوم، والتقنية، والهندسة، والرياضيات.

وأكد أن دول الخليج تمتلك قاعدة كبيرة من المواهب عالية الجودة، ويمكن تنفيذ مبادرات مثل تمويل برامج بناء المهارات، خصوصاً في المجالات التقنية، والقطاعات الاستراتيجية، لتأهيل القوى العاملة لمتطلبات السوق المتغيرة، وزيادة فرص توظيف الشباب.

وتابع الشريك الرئيس في «ماكنزي» أن السعودية اتخذت خطوات متسارعة لزيادة تبني التكنولوجيا في المنطقة، مع التركيز على جاهزية الذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التحتية الرقمية لمواكبة سرعة التغير التقني.

وأفاد بأنه وفقاً لاستطلاع أُجري ضمن هذه الدراسة في عام 2024، تستخدم 56 في المائة من الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذكاء الاصطناعي، مقابل 85 في المائة في الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة.

كذلك، بيّن منصور أن الأبحاث تشير إلى أن التحديات الأساسية أمام تبني التقنيات المتقدمة تتمثل في التكلفة، والبنية التحتية، ونقص المهارات. وعلى مستوى المنطقة، يرى 52 في المائة من قادة الأعمال في الشرق الأوسط أن تكاليف التنفيذ تمثل تحدياً كبيراً، بينما يرى 45 في المائة أن البنية التحتية تمثل عائقاً.

وتابع أن التقنية تمثل رافعة رئيسة لتعزيز الإنتاجية في القطاعات الاقتصادية الحيوية، مثل التقنية المالية، إلى جانب قطاعات الرعاية الصحية، والتصنيع.

وأوصى منصور بالتركيز على أربعة مسارات رئيسة لتسريع تبني التكنولوجيا في السعودية والمنطقة، تشمل: تعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير حلول مرنة قابلة للتوسع، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات الأولوية، إلى جانب تفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، لدعم بناء المهارات، والقدرات الرقمية.


مقالات ذات صلة

روبوتات تفكر وتتحرك: ما الذي يميّز «Rho-Alpha» من «مايكروسوفت»؟

تكنولوجيا نموذج «Rho-Alpha» يدمج الرؤية واللغة والفعل في إطار تعلم واحد ما يمكّن الروبوتات من التفاعل مع العالم المادي بمرونة أعلى (مايكروسوفت)

روبوتات تفكر وتتحرك: ما الذي يميّز «Rho-Alpha» من «مايكروسوفت»؟

تستعرض أبحاث «مايكروسوفت» نموذجاً جديداً يمكّن الروبوتات من فهم العالم والتكيّف معه عبر دمج الرؤية واللغة والفعل في ذكاء متجسّد واحد.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد كلمة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

كوريا الجنوبية تطلق أول إطار عالمي شامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي

أعلنت كوريا الجنوبية، يوم الخميس، ما وصفتها بـ«أول مجموعة شاملة في العالم من القوانين لتنظيم الذكاء الاصطناعي»؛ بهدف تعزيز الثقة والأمان في هذا القطاع.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا الجهاز المرتقب قد يعمل بلا شاشة معتمداً على الحوار الصوتي باعتباره نموذجاً جديداً للحوسبة اليومية (شاترستوك)

تقارير: هل سيعتمد أول جهاز استهلاكي من «أوبن إيه آي» على الصوت؟

«أوبن إيه آي» تستكشف جهازاً صوتياً غامضاً بلا شاشة، قد يعيد تعريف التفاعل مع الذكاء الاصطناعي ويفتح سباقاً جديداً على مستقبل الحوسبة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شرائح ذكية من شركة «إنفيديا» (رويترز)

الكونغرس يصوِّت للحصول على حق الإشراف على صادرات الرقائق

حدد مشرّع جمهوري بارز موعداً للتصويت في اللجنة، يوم الأربعاء، على مشروع قانون يمنح الكونغرس سلطة الإشراف على صادرات رقائق الذكاء الاصطناعي، على الرغم من معارضة…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رئيس «إنفيديا» يتحدث في إحدى جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

من دافوس... مؤسس «إنفيديا» يتوقع استثمارات تريليونية لبناء «البنية التحتية للبشرية»

أكد الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» العملاقة، جنسن هوانغ، أن العالم لا يزال في بداية الطريق نحو بناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (دافوس (سويسرا))

وزير الطاقة الأميركي من «دافوس»: العالم بحاجة لمضاعفة إنتاج النفط

وزير الطاقة الأميركي يتحدث خلال الاجتماع السادس للتعاون عبر الأطلسي في مجال الطاقة بأثينا (أرشيفية - رويترز)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث خلال الاجتماع السادس للتعاون عبر الأطلسي في مجال الطاقة بأثينا (أرشيفية - رويترز)
TT

وزير الطاقة الأميركي من «دافوس»: العالم بحاجة لمضاعفة إنتاج النفط

وزير الطاقة الأميركي يتحدث خلال الاجتماع السادس للتعاون عبر الأطلسي في مجال الطاقة بأثينا (أرشيفية - رويترز)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث خلال الاجتماع السادس للتعاون عبر الأطلسي في مجال الطاقة بأثينا (أرشيفية - رويترز)

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، يوم الخميس، إن العالم بحاجة إلى أكثر من مضاعفة إنتاج النفط، منتقداً الاتحاد الأوروبي وولاية كاليفورنيا الأميركية لإهدارهما الأموال على ما وصفها بـ«الطاقة النظيفة غير الفعالة».

في السنوات الأخيرة، تركزت مناقشات المنتدى الاقتصادي العالمي حول الطاقة، على سبل تعزيز سياسات خفض الانبعاثات الكربونية. لكن خلال نقاش رايت مع الرئيسة التنفيذية لشركة «أوكسيدنتال للطاقة»، فيكي هولوب، في دافوس، أكدا أن العالم سيعتمد على النفط لعقود مقبلة. وقال رايت إن اللوائح البيئية للشركات في الاتحاد الأوروبي تُشكِّل مخاطر على التعاون في مجال الطاقة مع الولايات المتحدة.

وأضاف: «قد تُعرّضكم هذه اللوائح (أيها المنتجون الأميركيون) للمساءلة القانونية فيما يتعلق بتصدير الغاز إلى أوروبا. ونحن نعمل مع زملائنا هنا في أوروبا لإزالة هذه العوائق».

يُلزم الاتحاد الأوروبي مستوردي النفط والغاز إلى أوروبا برصد انبعاثات غاز الميثان المرتبطة بهذه الواردات والإبلاغ عنها، في محاولة للحد من انبعاثات هذا الغاز المُسبّب للاحتباس الحراري. وبعد أشهر من الضغوط من الشركات والحكومات، وافق الاتحاد الأوروبي، الشهر الماضي، على تقليص نطاق قانونَين رئيسيَّين بشكل كبير، وهما توجيه الإبلاغ عن استدامة الشركات، وتوجيه العناية الواجبة في مجال استدامة الشركات.

سياسة طاقة خاطئة

قال رايت إن زيادة إنتاج الغاز الطبيعي، والاستثمار في محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال قد مكَّنا الولايات المتحدة من استبدال واردات أوروبا من الغاز الروسي التي انخفضت بشكل حاد بعد بدء الصراع في أوكرانيا عام 2022.

وانتقد سياسات الطاقة في كاليفورنيا، التي قال إنها تشبه سياسات أوروبا.

وتساءل رايت: «لو لم تنتهج كاليفورنيا سياسة طاقة خاطئة... كيف كانت ستصبح حال سكانها، وكيف كانت ستصبح جودة حياتهم؟».

ووفقاً لأحدث بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ إنتاج كاليفورنيا من النفط الخام 300 ألف برميل يومياً عام 2024، أي نحو النصف مقارنةً بالعقد السابق. وبلغ إنتاجها ذروته عند 1.1 مليون برميل يومياً عام 1985، وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة التي تعود إلى أوائل ثمانينات القرن الماضي.

وقالت هولوب إن شركة «أوكسيدنتال» انسحبت من كاليفورنيا؛ بسبب لوائح الولاية. في عام 2014، فصلت «أوكسيدنتال» أصولها النفطية والغازية في الولاية في شركة مستقلة مدرجة في البورصة، ونقلت مقرها الرئيسي من لوس أنجيس إلى هيوستن. وتُعد كاليفورنيا معزولة عن مراكز التكرير على طول ساحل خليج المكسيك الأميركي وفي الغرب الأوسط، ما يجعلها عرضةً لتقلبات أسعار الطاقة.

وبلغت إمدادات النفط العالمية 107.4 مليون برميل يومياً الشهر الماضي، وفقاً لـ«وكالة الطاقة الدولية».


«ستاندرد آند بورز»: البنوك السعودية تدخل 2026 بزخم إقراض قوي

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

«ستاندرد آند بورز»: البنوك السعودية تدخل 2026 بزخم إقراض قوي

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

ترى وكالة «إس آند بي غلوبال» للتصنيف الائتماني أن البنوك السعودية مقبلة على عام 2026 بزخم قوي في الإقراض، بدعم من الاحتياجات التمويلية المتنامية المرتبطة بمشاريع «رؤية 2030»، مع استمرار اعتمادها على مصادر التمويل الخارجية لسد فجوة السيولة ومواكبة التوسع الائتماني.

وتتوقع الوكالة أن يستفيد إقراض الشركات بشكل خاص من الفرص التي تتيحها المشاريع الكبرى للرؤية، مرجحة أن تتراوح القروض الجديدة للشركات بين 65 و75 مليار دولار خلال 2026، مدفوعة باستثمارات مرتفعة، لا سيما في قطاعات العقارات والمرافق.

وكانت قروض الشركات الجديدة قد بلغت نحو 70 مليار دولار بين نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 ونهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وفي موازاة ذلك، تبرز قروض الأفراد، وخصوصاً الرهن العقاري، كمسار نمو إضافي للبنوك، مستفيدة من بيئة أسعار الفائدة المنخفضة. فقد ارتفع الإقراض للأفراد بنسبة 5 في المائة خلال الاثني عشر شهراً حتى نهاية نوفمبر 2025، وتشكل الرهون العقارية قرابة نصف هذه القروض. وتتوقع الوكالة أن يزداد هذا النوع من الإقراض بنحو 20 مليار دولار في 2026، مقارنة بـ18 مليار دولار خلال الفترة السابقة.

تمويل التوسع الكامل

ورغم قوة النشاط الائتماني، تشير التقديرات إلى احتمال تراجع طفيف في ربحية البنوك نتيجة انخفاض أسعار الفائدة، بالتوازي مع عودة مؤشرات جودة الأصول إلى مستويات أكثر طبيعية مع تقليص عمليات الشطب. وتظل المخاطر الرئيسية مرتبطة باحتمال انخفاض حاد ومطول في أسعار النفط، أو تصاعد مفاجئ في التوترات الجيوسياسية.

وتتوقع الوكالة أن تواصل الحكومة السعودية والكيانات المرتبطة بها ضخ الودائع في الجهاز المصرفي لدعم نمو الائتمان. فقد بلغت حصة ودائع الحكومة والجهات الحكومية نحو 32 في المائة من إجمالي الودائع بحلول نوفمبر 2025، مقارنة بنحو 20 في المائة عام 2020، متجاوزة نمو ودائع القطاع الخاص. ومع ذلك، لم تكن هذه الودائع كافية لتمويل التوسع الكامل في الإقراض، ما يرجح استمرار ارتفاع نسبة القروض إلى الودائع، التي بلغت 113 في المائة في نهاية نوفمبر 2025.

وفي هذا السياق، تتوقع الوكالة أن تواصل البنوك اللجوء إلى الديون الخارجية لسد الفجوة التمويلية، ما سيؤدي إلى ارتفاع صافي الديون الخارجية إلى نحو 6 في المائة من إجمالي القروض، وهي نسبة تراها قابلة للإدارة. كما يسهم تحسن السيولة في الأسواق المالية الدولية، وانخفاض أسعار الفائدة في تسهيل هذا التوجه، وقد يشجعان البنوك على تسييل الرهون العقارية لصالح «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، أو إصدار سندات مدعومة برهون عقارية سكنية.

وعلى صعيد جودة الأصول، تتوقع الوكالة أن تظل المؤشرات قوية مقارنة بالمستوى الإقليمي، مع ارتفاع نسبة القروض غير المنتظمة إلى ما بين 1.6 و1.7 في المائة في 2026، مقابل 1.1 في المائة في سبتمبر (أيلول) 2025. كما يُتوقع أن ترتفع تكلفة المخاطر إلى ما بين 55 و60 نقطة أساس، مقارنة بنحو 25 نقطة أساس في الفترة السابقة، في ظل عودة الأوضاع إلى مستوياتها الطبيعية بعد سنوات من التعافي القوي.

وترى الوكالة أن تعرض البنوك لقطاعات أعلى مخاطر، مثل الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب انخفاض الشطب، قد يرفع نسبة القروض المتعثرة. ومع ذلك، فإن مخاطر التجزئة تظل محدودة نسبياً، نظراً لاعتماد البنوك على رواتب المقترضين كضمان، وانخفاض مخاطر فقدان الوظائف، خصوصاً في القطاعين الحكومي والعام.

نمو مستدام

وفيما يتعلق بإقراض الشركات، تشير الوكالة إلى أن البنوك حققت نمواً مستداماً خلال السنوات الأخيرة دون تخفيف معايير الائتمان أو شهية المخاطر، رغم منحها قروضاً جديدة بقيمة 379 مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية. لكنها تحذر من أن أي تدهور غير متوقع في البيئة الاقتصادية قد يختبر جودة هذه القروض.

وفي جانب الربحية، تتوقع الوكالة أن تبقى قوية عموماً، مع تراجع طفيف نتيجة انخفاض أسعار الفائدة، وارتفاع تكلفة المخاطر. وترجح أن ينخفض العائد على متوسط الأصول إلى نحو 2.2 في المائة خلال 2026، في حين يسهم النمو القوي في الإقراض جزئياً في تخفيف الضغط على هوامش صافي الفائدة. كما تتوقع استمرار استثمارات البنوك في الرقمنة لتعزيز الكفاءة التشغيلية.

وتظل رسملة البنوك السعودية قوية، إذ بلغت نسبة كفاية رأس المال من الفئة الأولى 18.4 في المائة في سبتمبر 2025، بينما بلغ متوسط نسبة رأس المال المعدل للمخاطر 13.1 في المائة بنهاية 2024.

غير أن الوكالة تلاحظ ارتفاع مساهمة الأدوات الهجينة في هيكل رأس المال، لتصل إلى 19 في المائة من حقوق الملكية العادية في المتوسط، مع تسجيل نسب أعلى لدى بنك «الإنماء» و«البنك السعودي للاستثمار»، مقابل نسب أقل لدى «البنك الأهلي السعودي» و«البنك العربي الوطني». وترى الوكالة أن الارتفاع الكبير في هذه الأدوات قد يضعف جودة رأس المال، في حين من المتوقع أن تحافظ البنوك على سياسات توزيع أرباح محافظة بمتوسط 50 في المائة.

رأس المال الخاص

وفيما يخص تمويل رأس المال الخاص، تشير الوكالة إلى أنه لا يزال يشكل نحو 2 في المائة فقط من إجمالي ديون السعودية، لكنه شهد نمواً لافتاً منذ 2020، ليصل إلى 3.7 مليار دولار في 2024، مدفوعاً باحتياجات التمويل المرتبطة بـ«رؤية 2030» ونمو قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة.

أما التعرض المباشر لقطاعات الانتقال الطاقي فيمثل 14 في المائة من إجمالي الإقراض، مع تعرض غير مباشر أعلى بسبب الدور المستمر، وإن كان متراجعاً، للهيدروكربونات في الاقتصاد. وتتوقع الوكالة أن تواصل البنوك دمج معايير الاستدامة في قرارات الإقراض والاستثمار.

وتخلص الوكالة إلى أن جميع تصنيفات البنوك السعودية تحمل نظرة مستقرة، مع توقع بقاء التصنيفات دون تغيير في 2026، في ظل آفاق نمو اقتصادي داعمة يقودها النشاط غير النفطي، وارتفاع استهلاك الأسر، وزيادة إنتاج النفط بعد تخفيف حصص «أوبك+»، إلى جانب استثمارات صندوق الاستثمارات العامة التي تتجاوز 40 مليار دولار سنوياً. ومع ذلك، يبقى الانخفاض الكبير والمطول في أسعار النفط أو تصاعد المخاطر الجيوسياسية التحدي الأبرز.


«سابك»: الدين السعودي يستحوذ على 45 % من أسواق المنطقة

نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك» خلال الجلسة الحوارية في المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)
نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك» خلال الجلسة الحوارية في المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)
TT

«سابك»: الدين السعودي يستحوذ على 45 % من أسواق المنطقة

نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك» خلال الجلسة الحوارية في المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)
نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك» خلال الجلسة الحوارية في المنتدى الاقتصادي العالمي (الشرق الأوسط)

كشف صالح الحريقي، نائب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة «سابك»، عن القفزة النوعية التي حققها سوق الدين السعودي، حيث بات يمثل حالياً ما بين 40 و45 في المائة من إجمالي سوق أدوات الدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مؤكداً أن حجم السوق تضاعف منذ عام 2020.

وأوضح الحريقي، خلال جلسة حوارية ضمن أعمال منتدى الاقتصاد العالمي 2026، الأربعاء، في مدينة دافوس السويسرية، أن التطورات التنظيمية والربط مع أنظمة الإيداع العالمية أسهما بشكل مباشر في جذب السيولة الدولية وتعزيز مرونة الشركات الكبرى، مثل «سابك»، في إدارة ميزانياتها العمومية، قائلاً: «من المهم لشركات بحجم سابك البحث عن خيارات تمويل خارج الميزانية العمومية لتحسين الأداء المالي، واستخدامها أداةً لتحقيق كفاءة الميزانية».

وعلى صعيد الاستدامة، أكد الحريقي التزام «سابك» بالوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2050، مشيراً إلى أن معايير التمويل المستدام في السعودية باتت تضاهي المعايير الدولية، وتوفر حماية قوية للمستثمرين ضد مخاطر «الغسل الأخضر».

واختتم حديثه بالتأكيد أن المرحلة المقبلة ستشهد تعميقاً أكبر للسوق، من خلال تعزيز السيولة في السوق الثانوية، وزيادة مشاركة الأفراد في أدوات الدين.