السعودية والصين توقعان 57 اتفاقية تتجاوز 3.7 مليار دولار

المهندس عبد الرحمن الفضلي خلال كلمته في المنتدى السعودي الصيني (وزارة البيئة والمياه والزراعة)
المهندس عبد الرحمن الفضلي خلال كلمته في المنتدى السعودي الصيني (وزارة البيئة والمياه والزراعة)
TT

السعودية والصين توقعان 57 اتفاقية تتجاوز 3.7 مليار دولار

المهندس عبد الرحمن الفضلي خلال كلمته في المنتدى السعودي الصيني (وزارة البيئة والمياه والزراعة)
المهندس عبد الرحمن الفضلي خلال كلمته في المنتدى السعودي الصيني (وزارة البيئة والمياه والزراعة)

شهد المنتدى السعودي الصيني لتصدير المنتجات واستدامة القطاع الزراعي، يوم الثلاثاء، توقيع 57 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين 36 جهة وشركة سعودية ونظيراتها الصينية، باستثمارات تتجاوز 14 مليار ريال (3.7 مليار دولار)، منها 26 اتفاقية تصدير إلى الصين، في خطوة تؤسس لتحالف استراتيجي غير مسبوق في القطاعات الزراعية والمائية والبيئية.

وعُقدت أعمال المنتدى السعودي الصيني لتصدير المنتجات السعودية واستدامة القطاع الزراعي في العاصمة الصينية بكين، بحضور وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، المهندس عبد الرحمن الفضلي، على رأس وفد رفيع المستوى يضم محافظ الهيئة العامة للأمن الغذائي السعودي، المهندس أحمد الفارس، وسفير المملكة لدى الصين، عبد الرحمن الحربي، وعدد من المختصين في قطاعات منظومة البيئة بالمملكة، وبمشاركة واسعة من المسؤولين والمستثمرين في القطاع الزراعي والغذائي من البلدين.

وأشار الفضلي خلال كلمته في افتتاح أعمال المنتدى -وذلك على هامش زيارته الرسمية إلى العاصمة الصينية بكين، خلال الفترة من 12 إلى 14 مايو (أيار) الجاري- إلى وصول حجم التبادل التجاري بين السعودية والصين إلى أكثر من 107 مليارات دولار، مؤكداً أنها تشكل 18 في المائة من إجمالي تجارة المملكة الخارجية، ما يعكس حقيقة متانة العلاقات بين البلدين وأهميتها الاقتصادية.

وأوضح وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، عبر بيان للوزارة، أن «رؤية 2030» تستهدف تعزيز الميزان التجاري وزيادة الصادرات غير النفطية؛ مشيراً إلى أن السوق الصينية كانت ولا تزال من أهم الأسواق التي حرصت المملكة على بناء شراكات استراتيجية فيها؛ حيث توسع نطاق الصادرات ليشمل اليوم أكثر من 20 منتجاً غذائياً سعودياً يدخل الأسواق الصينية.

خلال توقيع الاتفاقية ويبدو المهندس عبد الرحمن الفضلي مع وزير البيئة والإيكولوجيا الصيني (وزارة البيئة والمياه والزراعة)

وأضاف: «هناك مزيد من المنتجات والفرص تشمل قطاعات المياه والسدود، وتربية الثروة الحيوانية المكثفة، والدواجن ومشتقاتها، والثروة السمكية، وبخاصة الاستزراع السمكي، إلى جانب الصناعات التحويلية، والتدوير الزراعي، والمخلفات، وتنمية الغطاء النباتي، متطلعاً إلى أن يزور المستثمرون الصينيون المملكة، خصوصاً المهتمين بالقطاعات الزراعية والبيئية والمائية، للاطلاع من كثب على الفرص الاستثمارية المتاحة».

ونوه الفضلي بدور سفارة المملكة لدى الصين، وبالجهود الكبيرة التي تبذلها؛ حيث أسهمت في بناء جسور تواصل فعَّالة مع القطاع الخاص، وقدمت كافة التسهيلات والبيانات التي يحتاج إليها المستثمرون، مما ساعد في تسريع الخطوات العملية للتعاون والشراكة، مؤكداً أهمية تعزيز العلاقات الزراعية بين البلدين، مشيداً بالتعاون القائم، متطلعاً لتوسيع الشراكات بما يخدم التنمية المستدامة، ويعود بالنفع على القطاع الزراعي في كلا البلدين.

واستعرض في حفل برنامج المنتدى فرص التعاون المشترك بين البلدين، والجهود التي تبذلها المملكة في تطوير منظومة الزراعة الذكية، وتعزيز الأمن الغذائي، من خلال التوسع في الأسواق الدولية، ولا سيما السوق الصينية التي تُعد من أهم الشركاء التجاريين للسعودية؛ حيث يُعد المنتدى منصة مهمة لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات الزراعة والتجارة، من خلال دعم تصدير المنتجات الزراعية السعودية، وبحث آفاق استدامة هذا القطاع الحيوي في ظل التحديات البيئية والاقتصادية.

وشهد المنتدى تشديد ممثل مجلس تنمية التجارة الدولية الصينية، وانغ هانه، وممثل اتحاد الغرف السعودية، على رغبة الجانبين في تعزيز التبادل التجاري والاستثماري، مؤكدين أهمية بناء علاقات طويلة المدى، تخدم مصالح القطاع الخاص. كما شمل المنتدى معرضاً سعودياً للمنتجات المعتمدة للدخول إلى الأسواق الصينية.

ووفقاً للبيان، تشمل الاتفاقيات الموقعة عدداً من المشاريع النوعية في مجالات البيئة والمياه والزراعة وقطاع الثروة السمكية والحيوانية، أبرزها: تبادل المعرفة في تدوير المياه، وتطوير برامج تنمية القدرات البشرية، وإنشاء محطات استزراع الطحالب البحرية، وإنتاج الوقود والأسمدة الحيوية، إلى جانب استخدام التقنيات المتقدمة، مثل الحوسبة السحابية، في تحسين معالجة المياه. كما شملت الاتفاقيات بين عدد من الجهات في القطاعين الحكومي والخاص في كلا البلدين تطوير مدينة ذكية للأمن الغذائي بالمملكة، تضم مصانع ومعامل وخدمات لوجستية متكاملة، بالإضافة إلى العمل المشترك في إنشاء مدينة متكاملة للصناعات الأساسية والتحويلية في منطقة جازان جنوب المملكة، بما يعزز سلاسل الإمداد، ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار الصناعي المرتبط بالزراعة.

الفضلي مع رئيس الهيئة العامة للجمارك الصينية سون ميغون (وزارة البيئة والمياه والزراعة)

وفي قطاع الإنتاج الحيواني، اتفق عدد من شركات القطاع الخاص بالبلدين على مشاريع لإنشاء مزارع دواجن حديثة، وتطوير قطاع الأغنام، والتوسع في التدوير البيئي، من خلال استخدام مخلفات النحل والصوف، إضافة إلى مشاريع تطوير جيني متقدم لسلالات الروبيان والزراعة العمودية.

ومن أبرز المحاور التي حظيت باهتمام كبير بين الجانبين، تم التوافق على تعزيز مجال تصدير المنتجات السعودية للأسواق الصينية، وعلى رأسها التمور، والخضراوات والفواكه، والمياه المعبأة؛ حيث جرى توقيع عدد من العقود بين عدد من شركات القطاع الخاص بالبلدين، لتوريد وتوزيع هذه المنتجات داخل السوق الصينية.

يشار إلى أن هذا الزخم غير المسبوق في حجم ونوع الاتفاقيات يعكس عمق الشراكة بين المملكة والصين، وحرص الجانبين على بناء نموذج للتعاون الذكي في مجالات الأمن الغذائي واستدامة الموارد، بما يخدم مصالح البلدين، ويدعم أهداف «رؤية 2030».


مقالات ذات صلة

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

الخليج السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

حين عُرضت آثار المملكة في متحف اللوفر لم تكن العلاقة السعودية-الفرنسية قد وصلت بعد إلى اتساعها الحالي.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس) p-circle

من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

تدخل العلاقات السعودية ـ الفرنسية مرحلة مختلفة مع زيارة الأمير محمد بن سلمان باريس؛ إذ لم تعد الشراكة بين البلدين محكومة بالملفات التقليدية.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية في ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

السعودية وفرنسا للبحث عن طرق جديدة للأمن والطاقة

لا تصل زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في ظرف إقليمي عادي. فالمنطقة تعيش مرحلة تعيد فيها الحروب وأمن الملاحة تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج من لقاء موسع جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي في الرياض 2 ديسمبر 2024 (واس)

زيارة محمد بن سلمان إلى باريس لتعزيز العلاقات ودعم اتفاقية الشراكة

يقوم الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي يومي الأحد والاثنين بزيارة رسمية لفرنسا تلبية لدعوة الرئيس إيمانويل ماكرون.

ميشال أبونجم (باريس)
الخليج وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش يستعرض خريطة «إي 1» في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

السعودية و7 دول تدين مخطط «إي 1» الاستيطاني الإسرائيلي

أعربت السعودية والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا وقطر ومصر عن رفضها مخطط «إي 1» الاستيطاني وما يرتبط به من أنشطة استيطانية شرق القدس الشرقية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

من برميل الخام إلى مضخة الوقود... هوامش التكرير تشعل الأسعار

أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

من برميل الخام إلى مضخة الوقود... هوامش التكرير تشعل الأسعار

أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)

لا تكمن الضغوط التي تواجه أسواق الطاقة العالمية في ارتفاع أسعار النفط الخام وحده؛ فمع استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وروسيا، انتقل جانب مهم منها إلى المصافي التي تحول النفط الخام إلى البنزين والديزل ووقود الطائرات، لتقفز قيمة هذه المنتجات مقارنة بتكلفة الخام الذي تدخل به المصافي.

وتشير هذه التطورات إلى أن سوق الوقود المكرر أصبحت أكثر ضيقاً من سوق الخام، في وقت تعمل فيه المصافي بمعدلات مرتفعة لتلبية الطلب وتعويض النقص الناتج عن تعطل عدد من المنشآت وتراجع صادرات بعض المنتجين.

والنتيجة هي ارتفاع ما يعرف باسم «هوامش التكرير»، وهي أحد أهم المؤشرات التي تحدد ربحية المصافي، لكنها في الوقت نفسه تساعد في تفسير جانب من الارتفاع الذي يصل في النهاية إلى المستهلك عند محطة الوقود.

ما هوامش التكرير؟

ببساطة، يمثل هامش التكرير الفرق بين قيمة المنتجات النفطية التي تنتجها المصفاة وتكلفة النفط الخام الذي تستخدمه لإنتاجها؛ فإذا اشترت مصفاة برميلاً من النفط الخام مقابل 80 دولاراً، واستطاعت بيع المنتجات الناتجة عنه بما يعادل 95 دولاراً، فإن الفارق البالغ 15 دولاراً يمثل بصورة مبسطة هامشاً قبل احتساب تكاليف التشغيل والنقل وغيرها.

لكن العملية أكثر تعقيداً من مجرد طرح سعر النفط من سعر البنزين؛ فالمصفاة تنتج مزيجاً من البنزين والديزل ووقود الطائرات والمنتجات الأخرى، وتختلف قيمة كل منتج وفقاً للطلب والمواصفات والمنطقة الجغرافية.

لذلك يستخدم قطاع التكرير مجموعة من المؤشرات لقياس ربحية تحويل الخام إلى منتجات.

ماذا يعني «3-2-1»؟

من أشهر هذه المؤشرات هامش التكسير «3-2-1»، وهو معيار شائع في السوق الأميركية، ويفترض أن المصفاة تشتري 3 براميل من النفط الخام وتحولها إلى برميلين من البنزين وبرميل واحد من الديزل.

وبالتالي، يقيس المؤشر الفرق بين قيمة المنتجات الثلاثة وتكلفة براميل الخام الثلاثة.

ووفقاً لبيانات نقلتها «وول ستريت جورنال»، تجاوز هامش «3-2-1» في الولايات المتحدة 70 دولاراً للبرميل الشهر الماضي، مقارنة بمستويات معتادة في نطاق العشرات المنخفضة.

وهذا الارتفاع يعكس مدى اتساع الفجوة بين قيمة الوقود المكرر وتكلفة الخام، ويشير إلى أن المصافي التي تستطيع تأمين الخام وتشغيل وحداتها بكامل طاقتها تحقق هوامش استثنائية.

سائق ينتظر في شاحنة نقل ثقيلة بمحطة وقود «ألون» في بيكوس بتكساس (أ.ف.ب)

لماذا ترتفع الهوامش الآن؟

السبب الرئيسي أن العالم فقد كميات من المنتجات المكررة بوتيرة أسرع من فقدانه الخام؛ فالحرب في إيران والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية وقيود الصين على صادرات الوقود، أدت إلى تقليص المعروض من البنزين والديزل ووقود الطائرات.

وهنا تظهر المفارقة: المصافي ما زالت قادرة في مناطق عدة على الحصول على الخام وتشغيل وحداتها، لكن الحصول على المنتجات المكررة أصبح أكثر صعوبة.

ويقول محللون إن كل برميل إضافي من الوقود أصبح أكثر قيمة في السوق من برميل إضافي من الخام، وهو ما يدفع هوامش التكرير إلى الارتفاع.

«هرمز» يعيد رسم خريطة تجارة النفط

أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى إعادة ترتيب تدفقات النفط والمنتجات المكررة حول العالم؛ فالمصافي الآسيوية لجأت إلى إمدادات من حوض الأطلسي ومخزونات الطوارئ لتعويض جزء من البراميل المفقودة من الشرق الأوسط، بينما استمرت بعض الإمدادات الخليجية في الوصول إلى الأسواق من خلال عمليات نقل من سفينة إلى أخرى والالتفاف حول جنوب أفريقيا.

وفي أوروبا، عوضت المصافي جزءاً من الإمدادات الشرق أوسطية بخام من الولايات المتحدة وكازاخستان وبحر الشمال وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية.

هذه التغييرات تعني أن النفط لا يزال متاحاً، لكنه أصبح أكثر تكلفة وتعقيداً في الوصول إلى المكان الذي تحتاجه المصافي.

روسيا تضيف ضغطاً جديداً على سوق الديزل

لا يقتصر الضغط على الشرق الأوسط؛ فالهجمات الأوكرانية المتواصلة على البنية التحتية للطاقة الروسية أدت إلى تراجع إنتاج المصافي الروسية إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين، وفق بيانات شركة «كبلر».

وتكتسب التطورات في روسيا أهمية خاصة بالنسبة لسوق الديزل؛ إذ كانت موسكو من كبار المصدرين عالمياً، قبل أن تفرض قيوداً مؤقتة على صادرات الديزل، ما أدى إلى تقليص الإمدادات المتاحة للأسواق الأوروبية.

وبذلك، جاء نقص الإمدادات الروسية في وقت كانت فيه المصافي تواجه بالفعل ضغوطاً من اضطرابات الشرق الأوسط، ما عزز المنافسة على الشحنات المتاحة.

أشخاص يزودون سياراتهم بالوقود في محطة بنزين بمدينة بيشاور الباكستانية (إ.ب.أ)

الصين تملك الطاقة... لكنها لا تصدّرها

أما الصين، فتقدم حالة مختلفة؛ فالبلاد تمتلك طاقة تكريرية كبيرة، لكنها فرضت قيوداً وحصصاً على صادرات الوقود بهدف تعزيز أمن الطاقة المحلي.

وتحد هذه السياسة من كميات البنزين والديزل ووقود الطائرات المتاحة للأسواق الخارجية، ما يدفع مصافي آسيوية أخرى إلى زيادة معدلات التشغيل لتعويض النقص.

وبالتالي، لا تحتاج السوق بالضرورة إلى توقف مصفاة صينية حتى ترتفع الأسعار؛ يكفي أن تتراجع الصادرات الصينية حتى تضطر المصافي الأخرى إلى العمل بطاقة أكبر.

مَن الرابح الأكبر؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن ارتفاع هوامش التكرير يعني أن شركات النفط كلها تحقق أرباحاً ضخمة بالدرجة نفسها، لكن الصورة أكثر تعقيداً؛ فالمصفاة تستفيد عندما يكون سعر المنتجات التي تنتجها مرتفعاً مقارنة بتكلفة الخام. ولذلك، يمكن أن ترتفع أرباح قطاع التكرير حتى في وقت لا ترتفع فيه أسعار الخام بالمعدل نفسه.

وهذا هو سبب أهمية مراقبة أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى جانب سعر خام برنت وغرب تكساس الوسيط؛ فالسوق قد تشهد ارتفاعاً معتدلاً في سعر النفط الخام، لكن قفزة كبرى في أسعار المنتجات المكررة إذا كان المعروض من المصافي محدوداً.

المستهلك يدفع الفاتورة

ارتفاع هوامش التكرير لا يبقى محصوراً داخل قطاع الطاقة؛ فكلما ارتفعت تكلفة إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات، زادت الضغوط على أسعار الوقود، قبل أن تنتقل آثارها تدريجياً إلى قطاعات النقل والشحن والطيران والسلع.

وفي الولايات المتحدة، تجاوز متوسط سعر البنزين 7 دولارات للغالون هذا العام، مقارنة بنحو 3.16 دولار قبل عام.

وهكذا، يمكن أن تتحول أزمة المصافي إلى موجة تضخمية أوسع، لأن الوقود يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة نقل معظم السلع والخدمات.

عامل يحمل مضخة بنزين في محطة وقود بمدينة بيشاور بباكستان (إ.ب.أ)

المصافي تعمل قرب حدود طاقتها

يزداد الضغط لأن المصافي في الولايات المتحدة وأوروبا لا تملك مساحة كبيرة لرفع الإنتاج؛ فبعد سنوات من إغلاق عدد من المصافي نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والتحول نحو الطاقة منخفضة الكربون، أصبحت الطاقة التكريرية المتاحة أكثر محدودية.

ويقول محللون إن تشغيل المصافي بأكثر من 90 إلى 95 في المائة، يعني أن هامش المرونة التشغيلية يصبح ضئيلاً للغاية.

وفي هذه الحالة، يمكن لتعطل مصفاة واحدة أو توقف وحدة إنتاج رئيسية، أن يكون له تأثير أكبر بكثير على السوق، لأن المصافي الأخرى لا تملك طاقة فائضة كافية لتعويض النقص بسرعة.

الخطر المقبل

قد يبقى الضغط على هوامش التكرير مرتفعاً خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع بدء أعمال الصيانة الموسمية للمصافي، بدءاً من سبتمبر (أيلول).

وتعني أعمال الصيانة خروج جزء من الطاقة التكريرية مؤقتاً من السوق في وقت لا تزال فيه الإمدادات العالمية من المنتجات المكررة تعاني ضغوطاً.

وهذا يضع الأسواق أمام معادلة حساسة: طلب مستمر على الوقود، وطاقة تكريرية محدودة، وإمدادات عالمية أكثر اضطراباً.

القصة التي تتجاوز سعر برميل النفط

لذلك، فإن مراقبة أسعار النفط الخام وحدها لم تعد كافية لفهم اتجاه أسعار الطاقة؛ ففي المرحلة الحالية، قد تكون المصفاة هي الحلقة الأكثر حساسية في سلسلة الإمداد: الخام يمكن أن يجد طريقه إلى السوق عبر مسارات بديلة، لكن تحويله إلى بنزين وديزل ووقود طائرات يحتاج إلى منشآت تعمل بكفاءة، وإلى طاقة تكريرية متاحة، وإلى إمدادات منتظمة من الخام.

ومع استمرار اضطرابات الشرق الأوسط وروسيا وقيود صادرات الوقود الصينية، أصبح السؤال بالنسبة للأسواق ليس فقط كم يبلغ سعر برميل النفط، وإنما أيضاً كم يكلف تحويله إلى الوقود الذي يحتاجه العالم.

وهنا تحديداً تكمن قوة هوامش التكرير في دفع أسعار الوقود، وتحويل اضطراب محدود في منشآت التكرير أو طرق التجارة إلى أزمة أوسع تصل آثارها في النهاية إلى المستهلك.


رئيس البرازيل يدعو ترمب لاستئناف المحادثات بشأن الرسوم الجمركية

العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
TT

رئيس البرازيل يدعو ترمب لاستئناف المحادثات بشأن الرسوم الجمركية

العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

أجرى الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اتصالاً هاتفياً بنظيره الأميركي دونالد ترمب، مساء الجمعة، دعاه خلاله إلى استئناف المفاوضات بشأن الرسوم الجمركية التي تفرضها واشنطن على السلع البرازيلية، في محاولة لتهدئة العلاقات مع الولايات المتحدة قبل الانتخابات المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ووفقاً لبيان صادر عن الحكومة البرازيلية، أوردته وكالة «بلومبرغ» السبت، دافع لولا، الرئيس ذو التوجه اليساري، عن موقف بلاده في مكالمة استمرت أكثر من ساعة، رافضاً الادعاءات الأميركية بشأن ارتكابها ممارسات تجارية غير عادلة، والتي كانت سبباً في فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على العديد من المنتجات البرازيلية، واصفاً إياها بأنها «لا أساس لها من الصحة».

وقالت البرازيل إن ترمب اقترح عقد اجتماع بين مسؤولي البلدين في أقرب وقت ممكن، وإنه أبلغ لولا بأن كبار مستشاريه سيعودون إلى طاولة المفاوضات، وطلب منه التواصل معه مباشرة حال ظهور أي عوائق، حسبما أفاد مصدر اطلع على فحوى المكالمة.

وفي وقت لاحق من يوم الجمعة تواصل الممثل التجاري الأميركي، جيمسون جرير، مع وزارة التجارة البرازيلية لترتيب اجتماع يستهدف استئناف المحادثات، بحسب ما أوردته الوزارة في بيان لها.

وأكد مسؤول في البيت الأبيض إجراء المكالمة الهاتفية بين لولا وترمب، دون الإفصاح عن أي تفاصيل إضافية.


460 مليار دولار في يد كندا... ورقة ضغط هادئة في مواجهة ترمب

شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)
شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)
TT

460 مليار دولار في يد كندا... ورقة ضغط هادئة في مواجهة ترمب

شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)
شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تدخل فيه الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة أكثر تصعيداً مع فرض واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المائة على واردات كندية بقيمة نحو 20 مليار دولار، تبرز ورقة مالية أقل وضوحاً في المواجهة بين البلدين: حيازات كندا الكبيرة من سندات الخزانة الأميركية.

وتظهر أحدث بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن كندا كانت في يونيو (حزيران) الماضي خامس أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، بإجمالي بلغ نحو 459.6 مليار دولار، ارتفاعاً من 435.8 مليار دولار في مايو (أيار).

وتأتي كندا في المرتبة الخامسة بعد اليابان بنحو 1.117 تريليون دولار، وبريطانيا 939.9 مليار دولار، والصين 633.4 مليار دولار، وبلجيكا 482.5 مليار دولار. وبلغ إجمالي حيازات الأجانب من سندات الخزانة الأميركية نحو 9.299 تريليون دولار في يونيو.

مركبات متوقفة خارج مصنع تجميع «جنرال موتورز» (رويترز)

ورقة ضغط أم مجرد حيازة مالية؟

تثير هذه الأرقام تساؤلات حول مدى قدرة كندا على استخدام حيازاتها من الدَيْن الأميركي كورقة ضغط في مواجهة واشنطن، خصوصاً مع وصول العلاقات التجارية بين البلدين إلى واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ عقود.

ويرى بعض المحللين أن امتلاك دولة أجنبية حجماً كبيراً من سندات الخزانة يمكن أن يمنحها هامشاً من النفوذ في الأسواق المالية، لأن عمليات البيع الكبيرة قد تضغط على أسعار السندات، وترفع عوائدها، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة.

لكن تحويل هذه الحيازات إلى «سلاح» مباشر ليس أمراً بسيطاً. فبيع كميات كبيرة من السندات الأميركية قد يخفض قيمتها، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع قيمة الأصول التي تمتلكها كندا نفسها، كما أن السوق الأميركية عميقة بما يكفي لاستيعاب تدفقات ضخمة مقارنة بحجم الحيازة الكندية.

ولهذا، فإن أهمية الرقم البالغ نحو 460 مليار دولار تكمن بصورة أكبر في أنه يوضح مدى تشابك المصالح المالية بين البلدين، وليس بالضرورة أن كندا تستطيع بسهولة استخدامه لفرض تنازلات على واشنطن.

شاحنة تعبر جسر السلام بين كندا والولايات المتحدة في فورت إيري أونتاريو (أ.ف.ب)

الدَيْن الأميركي يقترب من 40 تريليون دولار

تأتي هذه المعادلة في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن حجم الدين الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، وطول آجال استحقاق جزء كبير من الدين.

وقد أصبحت سوق سندات الخزانة الأميركية تحت المجهر بصورة أكبر خلال الأيام الأخيرة، بعدما قفز عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ سنوات، ما سلط الضوء على حساسية المالية الأميركية تجاه ارتفاع العوائد.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد لجأت إلى برنامج لإعادة شراء سندات طويلة الأجل بهدف دعم السيولة، وتحسين أداء السوق، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إدارة احتياجاتها التمويلية في بيئة تتسم بارتفاع تكاليف الاقتراض.

وفي يونيو، تراجعت الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية إلى 9.299 تريليون دولار من 9.371 تريليون دولار في مايو، بقيادة انخفاض حيازات اليابان، وبريطانيا، والصين. ومع ذلك، ظلت الحيازات الأجنبية أعلى بنسبة 2.3 في المائة مقارنة بالعام السابق.

كندا تزيد حيازتها رغم الخلاف

المفارقة اللافتة أن حيازات كندا من سندات الخزانة الأميركية ارتفعت في يونيو بنحو 23.8 مليار دولار على أساس شهري، لتصل إلى 459.6 مليار دولار، بعد أن بلغت 435.8 مليار دولار في مايو، وفق بيانات الاحتياطي الفيدرالي.

وتشير البيانات إلى أن الحيازة الكندية تتسم بتقلبات ملحوظة؛ فقد بلغت نحو 397.1 مليار دولار في أبريل (نيسان)، قبل أن ترتفع إلى 435.8 مليار دولار في مايو ثم 459.6 مليار دولار في يونيو.

ولا تعني هذه التحركات بالضرورة وجود علاقة مباشرة بينها وبين الخلاف التجاري، لكنها تؤكد أن كندا لاعب مهم في سوق الدين الأميركية، وأن العلاقات المالية بين البلدين أعمق بكثير من حجم الرسوم الجمركية الحالية.

مصنع «أرسيلورميتال دوفاسكو» للصلب في هاميلتون أونتاريو كندا (رويترز)

هل يستطيع مارك كارني استخدام هذه الورقة؟

يأتي ذلك فيما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تعليق المفاوضات التجارية مع واشنطن، بعدما فشلت المحادثات في اللحظة الأخيرة في التوصل إلى اتفاق يمنع دخول الرسوم الأميركية الجديدة حيز التنفيذ.

وقال كارني إن كندا سترد على الرسوم الأميركية «دولاراً مقابل دولار»، في إشارة إلى استعداد أوتاوا لتصعيد المواجهة التجارية.

لكن استخدام حيازات سندات الخزانة الأميركية كأداة انتقامية سيظل خياراً شديد الحساسية، لأن كندا ستواجه هي الأخرى تداعيات أي اضطراب كبير في السوق الأميركية.

كما أن طبيعة سوق الخزانة الأميركية تجعل من الصعب الجزم بأن بيع كندي واسع النطاق سيؤدي وحده إلى أزمة في السوق، خصوصاً أن اليابان وبريطانيا والصين وغيرها من المستثمرين الأجانب يمتلكون حصصاً أكبر بكثير.

من التجارة إلى الأسواق المالية

لذلك فإن أهمية الحيازات الكندية لا تكمن بالضرورة في إمكانية «بيعها» رداً على الرسوم، وإنما في أنها تكشف جانباً آخر من العلاقة المتشابكة بين البلدين.

فكندا تعتمد بصورة كبيرة على السوق الأميركية لتصريف صادراتها، بينما تمثل الولايات المتحدة بالنسبة إلى كندا شريكاً تجارياً ومالياً لا يمكن فصله بسهولة عن الاقتصاد الكندي.

وفي المقابل تحتفظ المؤسسات والمستثمرون الكنديون بمئات المليارات من الدولارات في أصول الخزانة الأميركية، ما يجعل أي تصعيد طويل الأمد ذا آثار متبادلة.

وبينما يضغط دونالد ترمب بالرسوم الجمركية لإجبار كندا على تقديم تنازلات تجارية، يملك كارني أدوات أخرى يمكن أن تمنح أوتاوا مساحة للمناورة، من تنويع التجارة، والاستثمار، إلى استخدام وزنها في الأسواق المالية.

لكن تحويل هذه الأدوات إلى سلاح مباشر قد يكون مكلفاً للطرفين، ما يجعل 460 مليار دولار من الدين الأميركي ورقة نفوذ محتملة أكثر منها سلاحاً سهلاً للاستخدام.