ترمب يقلب النظام الاقتصادي العالمي في أول 100 يوم من ولايته

خبراء: التعريفات الجمركية من أكبر الصدمات على أميركا منذ عقود

ترمب في حديقة البيت الأبيض (رويترز)
ترمب في حديقة البيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب يقلب النظام الاقتصادي العالمي في أول 100 يوم من ولايته

ترمب في حديقة البيت الأبيض (رويترز)
ترمب في حديقة البيت الأبيض (رويترز)

وصل الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض على حصان الاقتصاد، بعدما جعل الناخبين يصوّتون له في 2024 على أساس أنه المنقذ من تراجع الوضع الاقتصادي، وغلاء المعيشة، وارتفاع التضخم، وزيادة البطالة. واعتاد ترمب أن يبدأ خطاباته الانتخابية متوجهاً للناخبين بسؤال: هل أنتم أفضل مما كنتم عليه قبل أربع سنوات؟ ثم مغازلتهم بوعود خفض الضرائب والأسعار، وتحقيق انتعاشة اقتصادية غير مسبوقة.

لكن المائة يوم الأولى في سجل ترمب الاقتصادي شهدت انقلابات تجارية ومالية واقتصادية غير مسبوقة، وكانت بصمته واضحة في إحداث موجة من الصدمات في الأسواق المالية الأميركية والعالمية، وشن حرباً بفرض رسوم جمركية ضخمة على عدد كبير من دول العالم، متهماً إياها باستغلال الولايات المتحدة.

ووصفت صحيفة «واشنطن بوست» أداء ترمب الاقتصادي بأنه فشل اقتصادي كبير، وأن أداءه كان الأسوأ لأي رئيس أميركي جديد في المائة يوم الأولى من ولايته منذ أكثر من 100 عام. وشددت الصحيفة على أن ترمب الذي يكمل يومه المائة بمنصبه في الثلاثين من أبريل (نيسان) الجاري، حقق نجاحاً مذهلاً في إحداث مستوى مرتفع من الفوضى والقلق وعدم اليقين، إلى درجة أن المؤرخين يجدون صعوبة في العثور على مثيل له في التاريخ.

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

الحلفاء والأعداء

في هذه الفترة من ولاية ترمب تباطأ النمو الاقتصادي، وانهارت ثقة المستهلكين والشركات، وهبطت الأسواق، وانخفضت قيمة مدخرات الأميركيين، خاصة في صناديق التقاعد. وتوقع الخبراء ارتفاعاً في التضخم مرة أخرى بعدما اقترب «الاتحادي الفيدرالي» الأميركي من تحقيق هدفه المنشود في خفض التضخم إلى ما يقارب 2 في المائة. وجاءت الانتقادات لسياسات ترمب الاقتصادية من قبل حلفائه وأصدقائه قبل أعدائه؛ فالحرب التجارية التي شنها ضد كندا والمكسيك وأوروبا واليابان أثارت الغضب، وأدت إلى موجة من الانتقادات والغضب ضد الولايات المتحدة، خاصة حينما تحدث ترمب عن كندا كولاية أميركية، وعندما هدد كلاً من غرينلاند وبنما، وعندما اتخذ خطوات انعزالية بعيداً عن «حلف شمال الأطلسي». وأرسل ذلك كله إشارات متكررة بأن الولايات المتحدة أصبحت شريكاً غير موثوق به في التجارة، والتعاون الاقتصادي والسياسي.

ترمب ينظر إلى جيروم باول، مرشحه لمنصب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في العام 2017 (رويترز)

أما الأعداء، فرأوا في سياسات ترمب فشلاً اقتصادياً على مستوى جديد؛ فالصين - التي يعتبرها ترمب العدو الاستراتيجي والاقتصادي اللدود - ردت بقوة في الحرب التجارية، وبدأت في نشر نفوذها لملء الفراغ الذي خلفه انسحاب ترمب من الساحة التجارية الدولية، وراحت تكسب ود حلفاء الولايات المتحدة الساخطين. وفي ردها الانتقامي على رسوم ترمب، قامت الصين بتعليق تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية المتقدمة، والتي تعتمد عليها الولايات المتحدة في 90 بالمائة من إمداداتها.

انخفاض في نسبة التأييد

وأظهرت نتائج استطلاع للرأي أجرته مجلة «إيكونوميست» بالتعاون مع مؤسسة «يوغوف»، أن 42 في المائة من الأميركيين يوافقون على أداء ترمب الاقتصادي، في حين أبدى 52 في المائة عدم موافقتهم، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 16 نقطة مئوية منذ بداية توليه السلطة. وأبدت غالبية المشاركين في الاستطلاع نظرة متشائمة حول الاقتصاد، وقالوا إن البلاد تسير على الطريق الخطأ، وإنها خارجة عن السيطرة.

نفس النتائج أظهرها استطلاع آخر أجرته وكالة «رويترز» و«إيبسوس»، بأن الأميركيين يشعرون بعدم الرضا بشكل متزايد بشأن تعامل ترمب مع الاقتصاد والتضخم رغم انتخابه بناء على وعوده بإنعاش الاقتصاد الأميركي. وقال 37 في المائة فقط من المشاركين في الاستطلاع إنهم يوافقون على قيادته الاقتصادية.

امرأة تتسوق في متجر في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

وقال بروس كاسمان كبير الاقتصاديين بمؤسسة «جي بي مورغان»، إن أول 100 يوم من ولاية ترمب مليئة بالأحداث والتداعيات، وحالة عدم اليقين بشأن السياسة التجارية الناجمة عن موجة الرسوم الجمركية التي أدت إلى تقلب أسواق الأسهم والسلع، وأسفرت عن توقعات بانخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، متوقعاً أن يتعثر الاقتصاد الأميركي ويتحرك نحو الركود في الربع الثالث من العام الجاري.

الرسوم الجمركية

لم يقتصر أثر التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب على ثقة المستهلكين والمواطنين العاديين، بل تجاوزهم إلى المستثمرين ورجال الأعمال في مختلف الصناعات؛ من السيارات إلى الملابس والأحذية والإسكان... مع ارتفاع تكلفة استيراد مدخلات الكثير من الصناعات، وإرباك سلاسل التوريد التجارية.

وألقت تلك المخاوف بظلال متشائمة على ميزانيات الأسر الأميركية، وأرباح الشركات على السواء. فهذه الرسوم تعني ارتفاعاً كبيراً في الأسعار بالنسبة للأسر التي لا تستطيع تحملها، وتضر بالشركات التي تعتمد على المدخلات المستوردة، وتخاطر بحدوث ركود وصدمة سلبية كبيرة على الاقتصاد الأميركي. وعلى الرغم من أن الهدف المثالي للرئيس ترمب هو زيادة الإنتاج المحلي وزيادة التوظيف في قطاع التصنيع، فإن الأميركيين غير مستعدين لقبول معدلات تضخم أعلى، وارتفاع في أسعار السلع والخدمات.

كذلك هناك تأثيرات سلبية على المستوى الدولي؛ فقد حذر صندوق النقد الدولي من أن الرسوم الجمركية الأميركية ستفاقم الضغوط الاقتصادية، وتدفع الدين العام العالمي إلى مستويات تفوق تلك التي تم تسجيلها خلال جائحة «كوفيد 19»، وأنها ستقترب من نسبة 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول 2030 في ظل تباطؤ النمو وتراجع التجارة.

«يوم التحرير»

كان قرار ترمب فرض موجة من التعريفات الجمركية في حفل كبير في حديقة الزهور بالبيت الأبيض في الثاني من أبريل، والذي أطلق عليه «يوم التحرير»، هو بداية الحرب التي اشتعلت وامتدت شراراتها إلى كل دول العالم. وشهدت أسواق الأسهم تقلبات جامحة في محاولة التكيف مع فوضى الحرب التجارية التي وصفها كريستوفر والر أحد محافظي «الاتحادي الفيدرالي» بأنها «واحدة من أكبر الصدمات التي أثرت على الاقتصاد الأميركي منذ عقود».

ترمب يحمل قائمة بالرسوم الجمركية بجوار وزير التجارة هوارد لوتنيك بينما (رويترز)

وأطلّ شبح الركود برأسه على الاقتصاد الأميركي، حتى إن المستثمرين تندروا من مصطلح «يوم التحرير» وراحوا يسخرون فيما بينهم بالقول: «هل شعرتم اليوم بالتحرير؟! هل تحررتم من أموالكم؟!».

وشهدت أسعار الذهب ارتفاعاً متواصلاً غير مسبوق، وعادة ما ترتفع أسعار الذهب حينما يشعر المستثمرون بعدم الاستقرار، في حين شهدت العملة الأميركية تراجعاً أمام العملات الأخرى، وهو مؤشر آخر بأن المستثمرين أصبحوا حذرين بشأن الاقتصاد الأميركي. لكن ما أثار المخاوف أكثر، هو ارتفاع عائدات سندات الخزانة الأميركية، وهو ما يعد أمراً غير معتاد؛ لأنه حينما تصبح الأسواق أكثر غموضاً، فإن الدولار يرتفع وتنخفض عائدات سندات الخزانة، في حين يحاول المستثمرون التحول إلى أكثر الأصول أماناً؛ أي الدولار والديون الحكومية الأميركية. لكن في ظل هذا السيناريو الذي تشهده الأسواق، فإن المستثمرين يتخلّصون من سندات الخزانة، وتتجه فائدة السندات إلى الارتفاع ويضعف الدولار، وهو مؤشر قوي إلى أن تكلفة السلع ستكون أعلى من التوقعات.

وتذبذبت حركة المؤشرات الرئيسة في «وول ستريت داو جونز» و«ستاندرد آند بورز» و«ناسداك» مع تجميد ترمب فرض الرسوم لمدة 90 يوماً، فارتفعت قليلاً، ثم عاودت الهبوط مع تهديده بإقالة جيروم باول رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، ومطالبته بخفض أسعار الفائدة، ثم ارتفعت مرة أخرى بعد تصريح ترمب بأنه لا ينوي إقالة باول، مما خفّف بعضاً من قلق المستثمرين حول القيادة داخل «الاحتياطي الفيدرالي».

صفقات عادلة مع الصين

لا يزال ترمب ومسؤولو إدارته يؤكدون أن الضربات التي تلقتها سوق الأوراق المالية هي جزء من خطة عمل، وأنها ستتحول إلى فوائد اقتصادية كبيرة. وأضفت تصريحات ترمب، ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، ومسؤولي البيت الأبيض، بعض الهدوء لدى المستثمرين لجهة أن الصراع التجاري مع الصين قد يهدأ، ويتم إبرام اتفاق وصفقة تجارية معها ومع الاتحاد الأوروبي وبقية الدول.

الناس يزورون القاعة التذكارية للمؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني بينما يتم عرض مقطع فيديو للرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى أن البيت الأبيض يدرس اقتراحاً بخفض الرسوم إلى 35 في المائة على المواد التي لا تعتبر تهديداً للأمن القومي، وأن التعريفات الجمركية الإجمالية على الصين سوف تتراوح بين 50 و65 في المائة. وأعلن ترمب للصحافيين أنه يخطط أن يكون لطيفاً للغاية مع الصين في أي محادثات تجارية، وأن التعريفات الجمركية سوف تنخفض إذا تمكنت الدولتان من التوصل إلى اتفاق، في إشارة إلى أنه سوف يتراجع عن موقفه الصارم. لكن إلى الآن - وقت كتابة التقرير - لم يتم الإعلان عن اتفاق أو صفقة حقيقية، سواء مع الحلفاء أو الأعداء، حول الرسوم الجمركية. وقد أثارت تصريحات المتحدث باسم الخارجية الصينية بأن الباب مفتوح على مصراعيه للمحادثات مع الولايات المتحدة، موجة تفاؤل كبيرة للأسواق، لكن بول دونوفان كبير الاقتصاديين في شركة «بو بي إس» لإدارة الثروات قال إن الرئيس ترمب يُظهر نجاحاً كبيراً في فن التراجع، وحذر في مذكرة لعملاء الشركة من أن «دورة التهديد، ثم التراجع عن التهديد، لها عواقب اقتصادية، وستؤثر حالة عدم اليقين الناتجة عنها على قرارات المستهلكين والشركات».

التساؤلات تتزايد، فإذا كان هذا هو حال الاقتصاد في الولايات المتحدة، وحال التجارة مع دول العالم خلال مائة يوم فقط، فكيف ستكون الأيام الـ1360 القادمة من ولاية ترمب؟!


مقالات ذات صلة

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

الاقتصاد أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

وافق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس، بشروط، على اتفاقية الرسوم الجمركية التي أبرمها الاتحاد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)

بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

أبرم الاتحاد الأوروبي وأستراليا، يوم الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرة شاملة طال انتظارها، بعد مفاوضات استمرت 8 سنوات.

«الشرق الأوسط» (كانبرا )
الاقتصاد مقر البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)

«المركزي السويدي» يُثبّت الفائدة... ويتحصّن بـ«الانتظار» لمواجهة ضبابية الحرب

أبقى البنك المركزي السويدي سعر الفائدة الرئيسي عند 1.75 في المائة يوم الخميس، كما كان متوقعاً على نطاق واسع.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم )
الاقتصاد خزانات ووحدات تبريد الغاز في «فري بورت» ثاني أكبر مصدر أميركي للغاز الطبيعي المسال بتكساس (رويترز)

اتفاق «المعادن والطاقة»: إندونيسيا تمنح واشنطن موطئ قدم بوجه الصين

وافقت إندونيسيا على توسيع نطاق الوصول أمام المستثمرين الأميركيين في قطاع المعادن الحيوية، وزيادة مشترياتها من النفط الخام وغاز البترول المسال الأميركي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
الاقتصاد الرئيسان الصيني والأميركي في لقاء سابق بكوريا الجنوبية (رويترز)

تأجيل قمة ترمب وشي يُلقي بظلاله على الهدنة التجارية بين أميركا والصين

قال محللون إن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل القمة المُقررة في بكين مع الرئيس الصيني شي جينبينغ يُلقي بظلاله على العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (بكين-واشنطن)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.