رسوم ترمب تدفع صندوق النقد الدولي إلى خفض توقعاته للنمو العالمي لـ2.8 %

دعا الدول إلى تعزيز بيئة تجارية مستقرة... والبنوك المركزية إلى ضبط السياسة النقدية

لافتة إعلانية لاجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي خارج مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن (أ.ف.ب)
لافتة إعلانية لاجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي خارج مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

رسوم ترمب تدفع صندوق النقد الدولي إلى خفض توقعاته للنمو العالمي لـ2.8 %

لافتة إعلانية لاجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي خارج مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن (أ.ف.ب)
لافتة إعلانية لاجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي خارج مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن (أ.ف.ب)

خفّض صندوق النقد الدولي بشكل حاد توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي إلى 2.8 في المائة في 2025، و3 في المائة في 2026، وهو ما يمثل خفضاً من نسبة 3.3 في المائة المتوقعة لعامي 2025 و2026، في تحديث آفاق الاقتصاد العالمي لشهر يناير (كانون الثاني) 2025، نتيجة تصاعد التوترات التجارية وعدم اليقين السياسي، خصوصاً بعد التدابير الجمركية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة والتدابير المضادة من الشركاء التجاريين.

وقال صندوق النقد الدولي في تقريره الحديث حول «مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي»، الذي أصدره يوم الثلاثاء خلال اجتماعات الربيع المنعقدة حالياً في واشنطن لصندوق النقد والبنك الدوليين، إن مخاطر التراجع المزدادة تهيمن على التوقعات، بما في ذلك حرب تجارية محتملة، وتآكل السياسات الوقائية المخففة للصدمات الاقتصادية المستقبلية، وعدم الاستقرار المالي المحتمل، في حين أن خفض التعريفات الجمركية والاتفاقيات التجارية الجديدة، قد يؤديان إلى تحسين النمو العالمي.

ورفع صندوق النقد الدولي متوسط التضخم العالمي إلى 4.3 في المائة من 4.2 في المائة على أن يتباطأ إلى 3.6 في المائة في 2026.

ودعا الدول إلى أن تعمل على تعزيز بيئة تجارية مستقرة، وتسهيل إعادة هيكلة الديون، ومعالجة التحديات المشتركة، كما دعا البنوك المركزية إلى ضبط السياسة النقدية لتحقيق الأهداف وضمان استقرار الأسعار والاستقرار المالي. وشدد على أن استعادة الحيز المالي ووضع الدين العام على مسار مستدام يظلان من الأولويات، مع تلبية احتياجات الإنفاق الحرجة.

وقال كبير الاقتصاديين في الصندوق بيير أوليفييه عند عرض التقرير، إنه تم تجميع تقرير التوقعات الاقتصادية العالمية لشهر أبريل (نيسان) 2025، في ظل ظروف صعبة، خصوصاً بعد إعلان حديقة الورود في البيت الأبيض، حين كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن قائمة الرسوم التي طالت معظم الدول، وهو ما أجبر الصندوق على مراجعة سريعة للتوقعات. وأضاف أن «الولايات المتحدة أعلنت عن موجات متعددة من التعريفات الجمركية على شركائها التجاريين الرئيسيين والقطاعات، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التعريفات الجمركية في الولايات المتحدة والعالم إلى مستويات قياسية، مما أثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي».

ترمب يعلن لائحة الرسوم الجمركية في البيت الأبيض يوم 2 أبريل 2025 (رويترز)

عواقب الرسوم على النمو العالمي

وتشمل العواقب المتوقعة لزيادة الرسوم الجمركية على النمو العالمي ما يلي، بحسب أوليفييه:

  • تباطؤ كبير في النمو العالمي: من المتوقع أن تؤدي الزيادة الحادة في الرسوم الجمركية، وما يرتبط بها من حالة من عدم اليقين إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي على المدى القريب.
  • صدمة سلبية في العرض: تُعدّ الرسوم الجمركية صدمة سلبية في العرض للاقتصادات التي تفرضها، حيث يُعاد تخصيص الموارد لإنتاج سلع أقل قدرة على المنافسة. وهذا يؤدي إلى فقدان الإنتاجية الكلية، وانخفاض النشاط الاقتصادي، وارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار.
  • تراجع الابتكار: من خلال رفع الرسوم الجمركية، يكتسب المنتجون المحليون قوة سوقية كبرى، مما يُضعف المنافسة ويُقلل من حوافز الابتكار. ويمكن أن تُعيق إعادة تخصيص الموارد هذا التقدم الاقتصادي العام.
  • صدمة سلبية في الطلب الخارجي على شركاء التجارة: بالنسبة للدول المستهدفة بالرسوم الجمركية، هناك صدمة سلبية كبيرة في الطلب الخارجي، حيث تُصبح منتجاتها أقل قدرة على المنافسة في السوق الأميركية، مما قد يُؤدي إلى ابتعاد العملاء الأجانب.
  • اضطراب سلاسل التوريد العالمية: إن تعقيد سلاسل التوريد العالمية الحديثة يعني إمكانية انتشار الاضطرابات القطاعية، مما يؤدي إلى آثار مضاعفة أكبر، على غرار ما لوحظ خلال الجائحة.
  • انخفاض نمو التجارة العالمية: يتوقع التقرير مراجعةً بالخفض لنمو التجارة العالمية بنسبة 1.5 نقطة مئوية لهذا العام، مع توقع حدوث انتعاش طفيف في عام 2026.
  • تباطؤ الاستثمار والائتمان: من المرجح أن يدفع ازدياد عدم اليقين بشأن السياسة التجارية كثيراً من الشركات إلى إيقاف الاستثمار وتقليص المشتريات. وقد تعيد المؤسسات المالية أيضاً تقييم عرضها الائتماني للشركات، مما يزيد من العبء على النشاط الاقتصادي العالمي.

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث في افتتاح الاجتماعات (إكس)

وقال أوليفييه إن تأثير الرسوم الجمركية على أسعار الصرف مُعقّد؛ فبينما قد ترتفع قيمة الدولار الأميركي في البداية، فإن الآثار طويلة المدى قد تؤدي إلى انخفاض قيمته، إذا أدت الرسوم الجمركية إلى انخفاض الإنتاجية.

وشدد على أن السياسة التجارية ينبغي أن تهدف إلى تحقيق الاستقرار والترتيبات ذات المنفعة المتبادلة، مما يتطلب نظاماً تجارياً فعالاً وقائماً على القواعد، وأن تبقى السياسة النقدية استباقية، إذ تحتاج بعض الدول إلى تشديد صارم للسيطرة على التضخم، بينما قد تحتاج دول أخرى إلى خفض أسعار الفائدة، لمواجهة صدمات الطلب السلبية. وقال: «تواجه السلطات المالية خيارات صعبة بسبب ارتفاع الديون وارتفاع تكاليف التمويل؛ لذا، تنبغي إدارة الإنفاق الجديد بعناية، مع توجيه الدعم المؤقت وتعويضه بتخفيضات أو تعبئة الإيرادات».

أحد المشاة أمام مبنى مقر صندوق النقد الدولي (إ.ب.أ)

تداعيات الرسوم على الاقتصادات

وتوقع صندوق النقد الدولي في تقريره، أن تؤثر إجراءات الرسوم الجمركية الجديدة على مختلف الاقتصادات بطرق مختلفة:

أولاً: الاقتصادات المتقدمة

  • من المتوقع أن يتباطأ النمو في الاقتصادات المتقدمة بشكل ملحوظ. على سبيل المثال، من المتوقع أن تواجه الولايات المتحدة تباطؤاً في النمو، ليصل إلى 1.8 في المائة في عام 2025.
  • من المتوقع أيضاً أن تشهد منطقة اليورو تباطؤاً في النمو، متوقعاً أن يبلغ 0.8 في المائة، مما يعكس الآثار السلبية للتوترات التجارية.

ثانياً: الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية

  • من المرجح أن تواجه هذه الاقتصادات، التي غالباً ما تكون مواردها واحتياطاتها المالية أقل، اختباراً قاسياً بسبب السياسات التجارية الجديدة. وقد تواجه تقلبات مالية مزدادة وتحديات تهدد استقرارها الاقتصادي.
  • من المتوقع أن تشهد هذه الاقتصادات انخفاضاً في النمو إلى 3.7 في المائة في عام 2025، و3.9 في المائة في عام 2026، مع مواجهة الدول الأكثر تأثراً بالتعريفات تخفيضات كبيرة في تصنيفاتها الائتمانية.
  • خفض توقعات لنمو الناتج المحلي الإجمالي السعودي لعام 2025، إلى 3 في المائة، مُقارنةً بتقديرات يناير التي كانت تُشير إلى زيادة بنسبة 3.3 في المائة. كما خفض توقعاته للنمو في عام 2026 إلى 3.7 في المائة.
  • في المقابل، يتوقع ارتفاع نمو اقتصاد مصر إلى 3.8 في المائة في العام المالي 2024-2025 مقارنة بتوقعات سابقة عند 3.6 في المائة. ورفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.3 في المائة في العام المالي المقبل، مقارنة بـ 4.1 في المائة سابقاً.
  • قد يؤدي ازدياد حالة عدم اليقين والانخفاض المحتمل في التجارة، إلى تفاقم نقاط الضعف الاقتصادية القائمة، لا سيما بالنسبة للدول التي تواجه بالفعل ضائقة مالية، مما يؤدي إلى تراجع آفاق النمو.
  • قد تتأثر أيضاً بتدفقات رأس المال إلى الخارج، أو انخفاض الاستثمار، بسبب زيادة عدم اليقين الناجم عن التعريفات الجمركية والتدابير الانتقامية اللاحقة.
  • إن قدرة اقتصادات الأسواق الناشئة الكبيرة قد تُختبر على الصمود مع ازدياد صعوبة خدمة الديون المرتفعة، في ظل الظروف المالية العالمية غير المناسبة. وقد يُثقل انخفاض المساعدات الإنمائية الدولية كاهل الدول منخفضة الدخل، مما قد يؤدي إلى أزمات ديون، أو تعديلات مالية حادة ذات عواقب سلبية على النمو ومستويات المعيشة.

ثالثاً: تأثيرات قطاعية

  • قد تعاني الصناعات المعتمدة بشكل كبير على التجارة، مثل الصناعة والزراعة، بشكل مباشر نتيجةً لارتفاع التكاليف المرتبطة بالرسوم الجمركية. على سبيل المثال، قد تؤدي الرسوم الجمركية على الواردات من الصين، وعلى الصلب والألمنيوم، إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وانخفاض القدرة التنافسية للشركات في الاقتصادات المتقدمة.
  • يواجه قطاع السيارات، على وجه التحديد، اضطراباتٍ ناجمة عن الرسوم الجمركية التي قد تزيد أسعار السيارات وتؤثر على المبيعات، مما يؤثر سلباً على الاقتصادات المعتمدة على تصنيع السيارات.

رابعاً: الآثار على الاستقرار المالي

قد يؤدي ازدياد حالة عدم اليقين بشأن السياسات، واحتمال إعادة تسعير الأصول إلى زعزعة استقرار مالي أوسع نطاقاً. وقد تواجه الاقتصادات ذات مستويات الديون المرتفعة تحدياتٍ في خدمة التزاماتها، لا سيما في ظل الظروف المالية العالمية المتشددة، مما قد يؤدي إلى أزمة سيولة.

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تلقي كلمة خلال خطاب افتتاح اجتماعات الربيع (إ.ب.أ)

توصيات

وحدد تقرير صندوق النقد الدولي توصيات رئيسية بشأن السياسات، استجابةً للتحديات الاقتصادية الحالية التي تُشكلها الرسوم الجمركية واضطرابات التجارة، أبرزها:

  • استقرار السياسات التجارية وإرساء ترتيبات تجارية مُفيدة للطرفين.
  • ينبغي للبنوك المركزية تكييف سياساتها النقدية، لمعالجة التناقضات المعقدة بين التضخم والإنتاج في ضوء الرسوم الجمركية الجديدة واضطرابات سلاسل التوريد. قد تحتاج بعض الدول إلى تشديد سياستها النقدية، بينما قد تحتاج دول أخرى إلى خفض أسعار الفائدة لتحفيز النشاط الاقتصادي.
  • إدارة تقلبات سوق العملات: تُشجَّع الدول على السماح لعملاتها بالتكيف استجابةً للتغيرات الجوهرية في السياسات. ويُعد هذا النهج بالغ الأهمية لاقتصادات الأسواق الناشئة التي تواجه تحديات تقلبات العملات.
  • الدعم المالي المُستهدف: ينبغي للحكومات تقديم دعم مالي مُستهدف للمتضررين من تغييرات السياسات التجارية، ولكن تجب إدارته بعناية من خلال بنود انقضاء الأجل لمنع حدوث اختلالات مالية طويلة الأجل. يضمن هذا الاستدامة المالية مع تلبية الاحتياجات الفورية.
  • تعزيز النمو متوسط ​​الأجل: ينبغي التركيز على تعزيز الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج من خلال معالجة القيود الهيكلية، واستغلال التطورات التكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتعزيز البنية التحتية الرقمية واكتساب المهارات.
  • معالجة التحديات الديموغرافية وتحديات الهجرة: ينبغي أن تأخذ السياسات في الحسبان آثار شيخوخة السكان والهجرة، وتعزيز المشاركة في سوق العمل، وضمان الاندماج الفعال للمهاجرين لتعزيز المرونة الاقتصادية والنمو.

مقالات ذات صلة

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

الاقتصاد اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

أعلن وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مشاركون في الجلسة العامة للجنة التنمية التابعة لصندوق النقد والبنك الدوليين خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (د.ب.أ)

صندوق النقد والبنك الدوليان يعلنان استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا

أعلن صندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الخميس، استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا، التي كانت متوقفة منذ عام 2019.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ألفريد كامر يتحدث خلال مؤتمر صحافي ضمن اجتماعات الربيع السنوية لصندوق النقد والبنك الدولي لعام 2025 في واشنطن (رويترز)

«صندوق النقد» يحذر أوروبا من «المبالغة» في تعويض ارتفاع أسعار الطاقة

حذّر صندوق النقد الدولي من أن لجوء الحكومات الأوروبية إلى توسيع نطاق الدعم والتدخل لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة قد يكون مبالغاً فيه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الجدعان متحدثاً في اجتماع وزراء ومحافظي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان (صندوق النقد الدولي)

الجدعان: الإصلاحات الهيكلية عزَّزت استقرار السعودية في وجه الصدمات

أكَّد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة نجحت في الحفاظ على استقرارها الاقتصادي واستمرارية أنشطتها خلال الأزمات الراهنة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.


شركات تأمين في لندن توفر تغطية بمليار دولار لسفن الشحن بمضيق هرمز

سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)
TT

شركات تأمين في لندن توفر تغطية بمليار دولار لسفن الشحن بمضيق هرمز

سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة ساحل محافظة مسندم العُمانية (رويترز)

أعلنت شركات تأمين الشحن في لندن، في بيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية» يوم الجمعة، عن توفير تغطية إضافية بقيمة مليار دولار أميركي للسفن العابرة لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات التجارية العالمية، في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت شركة «بيزلي» للتأمين إنها ستقود «تحالفاً بحرياً للتأمين ضد مخاطر الحرب» عبر سوق «لويدز»، لتوفير هذه التغطية الإضافية.

وأضافت أن «هذا التحالف يهدف إلى تعزيز قدرة القطاع البحري على مواجهة مخاطر الحرب، في بيئة معقدة ومتغيرة في مضيق هرمز ومحيطه».

وستكون التغطية متاحة للسفن وشحناتها أثناء عبورها المضيق، بما يتماشى مع مستويات المخاطر التي تتحملها «بيزلي» ومع الالتزام التام بالعقوبات الدولية.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، أدريان كوكس، في البيان: «سيساعد هذا الترتيب في ضمان استمرار تدفق حركة التجارة العالمية».

وأشار محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن الحرب أدت إلى ارتفاع ملحوظ في أقساط التأمين، التي تُعد ركيزة أساسية في قطاع الشحن العالمي.

وكانت القوات الإيرانية قد أغلقت مضيق هرمز أمام معظم السفن منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) عقب ضربات أميركية - إسرائيلية على إيران.

ووفقاً لمركز عمليات التجارة البحرية البريطاني، فقد أبلغت نحو 30 سفينة عن تعرضها للاستهداف أو الهجوم في المنطقة.

وأكد مسؤولون تنفيذيون في لندن، أكبر سوق عالمية لتأمين الشحن، أن تراجع حركة الملاحة يعود إلى اعتبارات أمنية تدفع قادة السفن لتجنب المسار، وليس إلى نقص في التغطية التأمينية.

وقالت رابطة سوق «لويدز»، وهي هيئة تجارية مختصة بتأمين السفن، في تقريرها إن «المخاوف الأمنية، وليس توفر التأمين، هي العامل الرئيسي وراء انخفاض حركة السفن».

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في أواخر مارس (آذار) إن مبادرة أميركية لتأمين الشحن بهدف تعزيز عبور مضيق هرمز من المتوقع أن تبدأ العمل قريباً.