هل تسرّع الرسوم الجمركية اتفاقيات التجارة الحرة في ظل تراجع المنظمة العالمية؟

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: قرارات ترمب تفاوضية… وتأثيرها محدود على الخليج

سفن شحن محملة بالحاويات أثناء رسوها في ميناء بانكوك (رويترز)
سفن شحن محملة بالحاويات أثناء رسوها في ميناء بانكوك (رويترز)
TT

هل تسرّع الرسوم الجمركية اتفاقيات التجارة الحرة في ظل تراجع المنظمة العالمية؟

سفن شحن محملة بالحاويات أثناء رسوها في ميناء بانكوك (رويترز)
سفن شحن محملة بالحاويات أثناء رسوها في ميناء بانكوك (رويترز)

تنتظر أكثر من 70 دولة حول العالم دورها للجلوس على طاولة المفاوضات مع المسؤولين الأميركيين، في مسعى لتفادي الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترمب بنسب متفاوتة، في إطار استراتيجية وصفها البيت الأبيض بـ«إعادة تصحيح ميزان التجارة العالمية».

وفيما تعكف الوفود الدبلوماسية والتجارية على ترتيب لقاءات عاجلة في واشنطن، تبرز تساؤلات جوهرية حول الخيارات المتاحة أمام هذه الدول لتفادي التصعيد التجاري، وتأمين استثناءات محتملة من الرسوم الجديدة.

وبينما تحاول بعض الدول استخدام أوراق الضغط التجاري، أو التحالفات الاقتصادية للرد، يذهب مراقبون إلى أن ما تصفه الإدارة الأميركية بـ«الحرب التجارية الوقائية» قد تفضي إلى تحولات جذرية في بنية التجارة العالمية.

أما على صعيد منطقة الخليج، فمحللون يرون أن تأثير القرارات الأميركية يظل محدوداً، حيث تمتلك هذه الدول هامشاً من الحركة يسمح لها بإعادة تموضعها، لمواجهة تأثيرات القرار وتداعياته.

حاويات في ميناء جدة الإسلامي (واس)

لا ترتيبات نهائية

يعتقد الخبير الاقتصادي السعودي الدكتور إحسان أبو حليقة أنه من المبكر الحديث عن الترتيبات النهائية، وكيف سيعاد ترتيب انسياب التجارة العالمية، مبيناً أن «قرارات الرئيس ترمب تبدو مواقف تفاوضية أكثر منها سياسات نهائية غير قابلة للتراجع».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العديد من الدول والتكتلات، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، في حالة ترقب قبل اتخاذ رد فعل قد يؤدي لاستفزاز الرئيس ترمب كما كان قد هدد، وما حدث بالفعل مع الصين.

وأشار إحسان، وهو رئيس مركز «جواثا» الاستشاري، إلى أن «رفع الرئيس ترمب للتعرفة الجمركية أضر بمستوى الثقة بين الولايات المتحدة وأهم شركائها التجاريين، وهم الصين، والمكسيك، وكندا، والاتحاد الأوروبي». وقال: «إن منطلق ترمب هو أن تحقق الخزانة الأميركية مكاسب مما يستورد من سلع، دون النظر لما هو أبعد من ذلك، وجاءت النتيجة سريعاً بتقلبات عنيفة ليس فقط في أسواق الأسهم، بل كذلك في سوق السندات، ولا سيما سندات الحكومة الأميركية».

الدكتور إحسان أبو حليقة رئيس مركز «جواثا» الاستشاري (الشرق الأوسط)

تأثير محدود على دول الخليج

رغم أن أثر التعريفة الأميركية على دول الخليج سيكون محدوداً –وفقاً للخبراء– فإنهم يستبعدون أن تسرّع «الحرب التجارية» التوصل لاتفاقات تجارة حرة بين دول مجلس التعاون والتكتلات الاقتصادية الأخرى.

يقول الدكتور إحسان: «فيما يتصل بدول الخليج، فتأثير رفع التعريفة محدود، بما في ذلك على أكبر اقتصادين في الإقليم وهما السعودية والإمارات (...)، وليس وارداً أن تسرّع حرب التعريفات الجمركية التوصل لاتفاقيات بين دول مجلس التعاون والتكتلات الاقتصادية، ففي ذلك مخاطرة بأن تؤثر سلباً على علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع أميركا، وتحديداً في حال التوصل لاتفاقية مع الصين في هذا الوقت المفعم بالضبابية، والتجاذب بين الصين وأميركا».

وتابع بقوله: «اتضح أن المقصود بالدرجة الأهم من رفع الرسوم الجمركية هي الصين، فضلاً عن أن اتفاقات المجلس مع تلك التكتلات قد استغرقت عقوداً، ولا يلوح في الأفق أن اتفاقات ستوقّع».

3 مستويات للتجارة العالمية

من جهته، أوضح الخبير السعودي في التجارة العالمية الدكتور فواز العلمي أن دول العالم وافقت إبان تأسيس منظمة التجارة العالمية على تقسيم الدول الساعية للانضمام إلى ثلاثة مستويات تنموية.

وقال: «تشمل الدول ذات المستوى المتقدم -مثل الولايات المتحدة، وكندا، ودول الاتحاد الأوروبي، واليابان- التي التزمت بكافة أحكام وقواعد الاتفاقيات دون استثناء، والدول ذات المستوى النامي -مثل الصين، وتركيا، والسعودية، والدول العربية، ومعظم الدول الإسلامية- التي سُمح لها بالحصول على بعض الاستثناءات من أحكام وقواعد الاتفاقيات، إلى جانب الدول ذات المستوى الأقل نمواً -مثل معظم الدول الأفريقية- التي سمح لها بالحصول على العديد من الاستثناءات من أحكام وقواعد الاتفاقيات».

وأضاف العلمي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تحقيقاً لمبادئ العولمة التزمت الدول الأعضاء في المنظمة على فتح أسواقها أمام انسياب التجارة بينها، مع تثبيت رسومها الجمركية بنسب متفق عليها، وعدم استخدام العوائق الفنية أمام وارداتها».

الدكتور فواز العلمي الخبير السعودي في التجارة الدولية (الشرق الأوسط)

ممارسات مشوهة للتجارة

وفقاً للعلمي، فإن بعض الدول لجأت إلى ممارسات مشوهة للتجارة لجذب الاستثمارات، وتنمية الصادرات، وخفض الواردات، ومنها لجوء رابطة دول جنوب شرقي آسيا، ومجموعة «بريكس» إلى زيادة نسبة المتوسط المرجح لرسومها الجمركية أربعة أضعاف مثيلاتها في الولايات المتحدة الأميركية. «بالإضافة إلى تكاتف دول الاتحاد الأوروبي لحجب مبدأ المعاملة الوطنية عن الدول الأخرى، وقيام مجموعة دول جنوب أميركا بإلغاء أحكام حق الدولة الأولى بالرعاية من تعاملاتها مع دول شمال أميركا... كما لجأت الصين وبعض الدول الأخرى إلى استخدام الدعم المحظور لخفض قيمة منتجاتها، والتلاعب بقيمة العملة الصينية من خلال خفض قيمتها لدى التصدير، ورفع قيمتها لدى الاستيراد»، وفقاً للعلمي. وأوضح أنه نتيجة هذه السياسات المشوهة للتجارة «تمكنت الصين في عام 2024 من تربع المركز الأول عالمياً في الصادرات بقيمة تجاوزت 3.7 تريليون دولار، مما أدى إلى تفاقم العجز التجاري الأميركي الذي فاق 1.1 تريليون دولار في العام ذاته».

حاوية محملة على سفينة شحن أثناء رسوها في ميناء هاي فونغ في فيتنام (رويترز)

تراجع قدرات منظمة التجارة العالمية

وأشار العلمي إلى أن هذه النتائج «تزامنت مع تراجع قدرات المنظمات الدولية، وخاصة منظمة التجارة العالمية، التي أُرهق كاهلها عبر العقود الثلاثة الماضية بأكثر من 700 قضية لحسم المنازعات التجارية بين الدول الأعضاء، وهذا ما أثار حفيظة العديد من الدول الملتزمة باتفاقيات المنظمة، ومنها الولايات المتحدة، التي أقدمت مؤخراً على زيادة الرسوم الجمركية على وارداتها من الصين بنسبة 125 في المائة، ورفعتها مؤخراً إلى 145في المائة، لتواجهها الصين بزيادة رسومها الجمركية على واردتها من السلع الأميركية بنسبة 84 في المائة، والتي رفعتها إلى 125في المائة».

ويرى الخبير في التجارة العالمية أن «الحرب التجارية الناتجة عن زيادة الرسوم الجمركية الأميركية على الألمنيوم والصلب بنسبة 25 في المائة ستؤدي إلى ارتفاع أسعار العديد من المنتجات، وخاصة في القطاعات الطبية، والعسكرية، والصناعية، والزراعية، مما سيفاقم التضخم العالمي، ويؤدي إلى تباطؤ أكبر في النمو الاقتصادي، وزيادة الضغوط على أسواق المال العالمية، مع انخفاض أسعار الطاقة نتيجة تباطؤ الإنتاج في القطاع الصناعي، وانخفاض الطلب على الطاقة».

وقال: «هذه الحروب التجارية تأتي لأن العالم في عصر العولمة أصبح أكثر ترابطاً، وتعقيداً، إذ لم يعد بإمكان أي دولة تصنيع أو إنتاج سلعة أو منتج بشكل كامل بمفردها مهما كانت قوة اقتصادها، ودائماً ما تجد الدول نفسها مضطرة لاستيراد الآلات والمعدات لتصنيع سلعها، أو استيراد المواد الخام اللازمة لتشغيل صناعاتها».

وأكد على «ضرورة مضي السعودية قدماً في بناء الشراكات الاستراتيجية الاقتصادية مع الدول الصديقة لتأمين سلاسل الإمداد، والاستمرار في الحصول على المواد اللازمة للإنتاج، ومعدات البناء، ومنتجات الغذاء، والدواء، وتخفيف حدة نتائج الحروب التجارية المحبطة».


مقالات ذات صلة

«المركزي الأوروبي»: المستهلكون والمستوردون الأميركيون الأكبر تضرراً من «الرسوم»

الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: المستهلكون والمستوردون الأميركيون الأكبر تضرراً من «الرسوم»

يتحمل المستهلكون والمستوردون الأميركيون الجزء الأكبر من الخسائر المالية الناتجة عن الرسوم الجمركية، فيما يتأثر حجم التجارة سلباً أيضاً.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت (ألمانيا) )
الاقتصاد وفود تحضر الاجتماع الوزاري الرابع عشر لمنظمة التجارة العالمية في ياوندي الكاميرون (رويترز)

البرازيل تعرقل تمديد تجميد الرسوم الإلكترونية في محادثات منظمة التجارة العالمية

انتهت محادثات منظمة التجارة العالمية إلى طريق مسدود بعد أن أعاقت البرازيل مساعي الولايات المتحدة ودول أخرى لتمديد تعليق الرسوم على الإرساليات الإلكترونية.

«الشرق الأوسط» (ياوندي )
الاقتصاد مندوبون يحضرون الاجتماع الوزاري الـ14 لمنظمة التجارة العالمية في ياوندي بالكاميرون يوم 28 مارس 2026 (رويترز)

تعثر مفاوضات منظمة التجارة العالمية وسط جمود بين أميركا والهند

قال دبلوماسيون إنَّ محادثات إصلاح منظمة التجارة العالمية وتمديد فترة الوقف المؤقت لفرض رسوم جمركية على المعاملات الإلكترونية دخلت يومها الأخير دون أي انفراجة.

«الشرق الأوسط» (ياوندي )
الاقتصاد أعضاء البرلمان الأوروبي يحضرون جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على المنتجات الأميركية في بروكسل (رويترز)

البرلمان الأوروبي يُصادق على اتفاقية ترمب الجمركية… مع إدراج ضمانات مشددة

وافق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس، بشروط، على اتفاقية الرسوم الجمركية التي أبرمها الاتحاد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)

بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

أبرم الاتحاد الأوروبي وأستراليا، يوم الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرة شاملة طال انتظارها، بعد مفاوضات استمرت 8 سنوات.

«الشرق الأوسط» (كانبرا )

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.