التجارة العالمية في مهب النزاع الأميركي الصيني

«الشرق الأوسط» تستعرض آراء مختصين: تحالفات جديدة في الأفق... وترقبٌ لما بعد قرار التعليق

العلمان الأميركي والصيني في رسم توضيحي (رويترز)
العلمان الأميركي والصيني في رسم توضيحي (رويترز)
TT

التجارة العالمية في مهب النزاع الأميركي الصيني

العلمان الأميركي والصيني في رسم توضيحي (رويترز)
العلمان الأميركي والصيني في رسم توضيحي (رويترز)

عقب القرارات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن فرض رسوم جمركية على عشرات الدول، وتصعيد الصين وعدد من الدول الأخرى رداً على هذه الإجراءات، استطلعت «الشرق الأوسط» آراء عدد من المختصين حول التداعيات السلبية المحتملة، وما إذا كانت تلك التطورات تنذر بركود اقتصادي عالمي في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت تفتح الباب أمام تشكيل تحالفات تجارية جديدة لمواجهة التحديات المستقبلية والقرارات الأحادية التي قد تُلحق ضرراً باقتصادات الدول وبالاقتصاد العالمي ككل.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تعليق فوري للرسوم الجمركية لمدة 90 يوماً على عدد من الشركاء التجاريين، باستثناء الصين، حيث قرر الإبقاء على جزء من الرسوم المفروضة، مع تقليصها إلى نسبة 10 في المائة فقط، وذلك لإتاحة المجال أمام مزيد من المفاوضات.

ويرى مختصون أن تطبيق حرب الرسوم الجمركية بشكل كامل قد يُلحق بالأسواق خسائر تُقدَّر بتريليونات الدولارات، ويقوّض الثقة في الاقتصادات الكبرى، فضلاً عن تأثيره السلبي على سوق السندات وإضعاف قيمة الدولار الأميركي. كما يُرجَّح أن تُسهم هذه السياسات في تسريع تشكيل تحالفات تجارية جديدة لمواجهة التداعيات المحتملة.

وأكد المختصون في تصريحهم إلى «الشرق الأوسط» أن جميع الدول ستتأثر سلباً بالحرب التجارية، نظراً لأن الولايات المتحدة والصين تمثلان اثنين من أكبر الاقتصادات في العالم، وأي مواجهة اقتصادية بينهما ستُفضي إلى تداعيات واسعة النطاق تطول الاقتصاد العالمي بأسره.

الرسوم الانتقامية

وقال عضو مجلس الشورى السعودي فضل البوعينين لـ«الشرق الأوسط»، إن الولايات المتحدة هي من أطلقت الرصاصة الأولى في هذه الحرب التجارية، وهي الجهة الوحيدة القادرة على وضع حد لها. وأوضح أن نحو 185 دولة تتضرر من هذه الرسوم، رغم أن الصين تُعد الهدف الرئيسي لها، وهو ما يؤكده قرار تعليق الرسوم الجمركية الذي استثنى الصين من التخفيف المؤقت. وأضاف أن قرار التعليق قد يُتبع بإجراءات أخرى من شأنها أن تسهم في احتواء التصعيد والحد من تداعيات الحرب التجارية الراهنة.

وأوضح البوعينين أن تصاعد الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، من خلال تبادل الرسوم الجمركية والإجراءات الانتقامية، يمثل سابقة غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر التداعيات القوية التي طالت الأسواق المالية، وتسببت بخسائر تُقدّر بتريليونات الدولارات، كما زعزعت الثقة في الاقتصادات الكبرى وأضعفت مكانة الدولار الأميركي كملاذ آمن. وقد انعكس ذلك بوضوح على سوق السندات، لا سيما السندات الأميركية التي شهدت موجة تسييل غير مسبوقة خلال فترة زمنية قصيرة. وأضاف أن هذه التطورات فتحت الباب واسعاً أمام تشكيل تحالفات تجارية جديدة لمواجهة التحديات المستقبلية والتصدي للقرارات الأحادية التي تضر باقتصادات الدول والاقتصاد العالمي ككل.

واستطرد قائلاً: «من المؤكد أن جميع الدول، سواء كانت متقدمة أو نامية، ستتأثر بالحرب التجارية والرسوم الجمركية الأميركية. ولن يقتصر التأثير على الجوانب الاقتصادية والمالية فحسب، بل سيمتد إلى الجوانب السياسية، وقد يتطور إلى نزاعات عالمية في المستقبل. فالاقتصادان الصيني والأميركي يمثلان أكبر اقتصادات العالم، وأي مواجهة بينهما ستنجم عنها تداعيات اقتصادية تؤثر على الجميع دون استثناء. من بين هذه التداعيات: الركود التضخمي، وتباطؤ عجلة الإنتاج، وتراجع النمو العالمي، وانقطاع سلاسل الإمداد، وتعثر تدفق الاستثمارات، وانخفاض الأصول الاستثمارية، ودخول العالم في أزمة ثقة تجارية واستثمارية يصعب الخروج منها بسهولة».

متداول في بورصة نيويورك (رويترز)

حرب العملات

وواصل عضو مجلس الشورى قائلاً: «هناك تحدٍّ آخر مرتبط بحرب العملات وتسييل السندات الأميركية، حيث يمكن استغلالها كأداة من أدوات المواجهة مع أميركا. فالصين تستثمر نحو 761 مليار دولار في السندات الأميركية، وتسييل هذه السندات سيؤدي إلى أزمة مالية عالمية، لا تقتصر على واشنطن وحدها، بل ستطول العالم بأسره. وأوضح أن حرب العملات ستؤثر على جميع الدول، وستحدث خللاً كبيراً في النظام النقدي العالمي، مما يزيد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية والمالية على المستوى العالمي».

وأردف البوعينين قائلاً: «لا خلاف على أن أميركا قد تضررت من اتساع العجز التجاري مع الصين ودول العالم، حيث بلغ العجز مستويات قياسية تصل إلى 1.2 تريليون دولار. ومن واجب الرئيس الأميركي معالجة هذا الخلل، ولكن يجب أن تكون الوسائل المستخدمة منطقية وتعتمد على مباحثات بينية تؤدي إلى حل المشكلة بشكل فعّال، بدلاً من خلق مزيد من التداعيات الاقتصادية والمالية. أعتقد أن ترمب بدأ في العودة إلى المنطق بعد تداعيات مدمرة للأسواق المالية، ولا سيما الأسواق الأميركية، ومواجهته لانتقادات حادة من الداخل».

وأضاف أن الصين والاتحاد الأوروبي ودولاً أخرى أدركت قدرة ترمب على تنفيذ تهديداته، وأن قراراته أحدثت تداعيات مدمرة على الاقتصاد العالمي. وهذا من شأنه أن يدفع جميع الأطراف للتفاوض من أجل إيجاد صيغة مناسبة بشأن الرسوم الجمركية، والعمل على معالجة العجز الأميركي بشكل فعّال.

إنقاذ الاقتصاد العالمي

وبيّن أن رسوم ترمب الجمركية تشبه «القنبلة الذرية» التي أوقفت الحرب العالمية، حيث قد تكون تداعياتها الكبرى هي السبب في عودة الجميع إلى طاولة المفاوضات، وذلك من أجل إنقاذ الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى الاقتصادين الأميركي والصيني اللذين دخلا مرحلة «كسر العظم» التي ستنتهي بتضرر الجميع. وأكد أنه إذا لم يتم اتخاذ خطوات عقلانية لمعالجة أزمة الرسوم، فإن الأضرار المستقبلية ستكون فادحة ومدمرة للجميع.

وتابع عضو مجلس الشورى بأن الصين أعلنت عن نيتها اتخاذ إجراءات مضادة، مما يعني أن حرب الرسوم التجارية مع أميركا ستستمر، وهو ما سينعكس سلباً على التجارة العالمية وعلى جميع الدول. وأضاف أن ذلك سيتسبب في تضخم الأسعار، بدءاً من السوق الأميركية، حيث سيتضرر المستهلكون بشكل كبير. وأوضح أن هذه الأضرار هي من بين الأسباب التي أدت إلى خروج مظاهرات ضد ترمب، بالإضافة إلى ظهور انتقادات مباشرة من بعض أعضاء فريقه، ومن بينهم إيلون ماسك.

ووفقاً للبوعينين، فإن المستهلكين يشكلون الحلقة الأضعف والأكثر تضرراً من حرب الرسوم. كما أن اقتصادات العالم ستكون تحت ضغط هائل بسبب حرب الرسوم، ما سيؤدي إلى تداعيات كبيرة يصعب حصرها. وأوضح أنه رغم محدودية الأضرار المباشرة للاقتصادات الخليجية جراء الرسوم الجمركية، فإن الأضرار غير المباشرة ستكون أكثر عمقاً وتأثيراً. ومن أبرز هذه التأثيرات انخفاض أسعار النفط، وهو ما سينعكس سلباً على الملاءة المالية ويزيد من العجوزات في ميزانيات دول الخليج.

عملة التجارة الدولية

من ناحيته، قال المستشار وأستاذ القانون التجاري الدولي الدكتور أسامة العبيدي، إن حرب الرسوم التجارية بين أميركا و الصين تحديداً وواشنطن ودول العالم الأخرى، ستؤدي بلا شك الى الإسراع في ظهور تكتلات و تحالفات تقودها بكين تسعى لإظهار نفسها كبديل موثوق به بلا منازع.وستسعى الصين الى الانفكاك عن أميركا وتقليص اعتمادها عليها، لكن، بنظر العبيدي، لن يكتب النجاح لهذا السعي على المدى القصير و المتوسط نظراً لاعتماد كل من الصين و أميركا على بعضهما البعض بشكل كبير و بالتالي اعتماد العالم على علاقة تجارية صحية بين الدولتين.وأشار إلى أن الشركات الأميركية تعتمد على سلاسل الإمداد الصينية، كما تبيع بكين الكثير من المنتجات والخدمات في واشنطن التى تعدّ سوقاً لا غنى عنها. اضافة الى ان أميركا لن تقف موقف المتفرج من أي تحالفات قد تتم مع شركائها التجاريين سواء في أوروبا أو آسيا وغيرها.وأكد أن واشنطن ستزيد الرسوم الجمركية بنسبة أكبر على أي دول تدخل في تحالفات مع الصين رداً على ذلك، خاصة وأن دول العالم ليس من مصلحتها أي تصعيد تجاري مع أميركا.

ترقب المستثمرين

من جهته، أشار المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الجبير لـ«الشرق الأوسط» إلى أن القرارات الأميركية المتعلقة بالرسوم الجمركية ستؤدي إلى تشكيل تحالفات تجارية جديدة، مبيناً أن تأثيراتها باتت واضحة على الأسواق العالمية.

سفينة الحاويات «إيفر غودز» التي ترفع علم بنما تُرى في محطة الشحن «بورخاردكاي» بميناء هامبورغ (رويترز)

وبحسب الجبير، فإن التصعيد الأميركي الصيني في الحرب التجارية، والذي قد يهز أسواق العالم، بلغ ذروته بعد أن تجاوز إجمالي الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب على الصين 125 في المائة، فيما قامت بكين برفع رسومها إلى 84 في المائة. وتعد هذه القرارات مؤثرة بشكل كبير في المشهد الاقتصادي العالمي، ما قد يؤدي إلى تشكيل تحالفات تجارية جديدة.

وأضاف أن الأسواق العالمية تنفست الصعداء بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق الرسوم، مشيراً إلى أن المستثمرين الآن يترقبون التطورات الاقتصادية والتصاعد المستمر للتهديدات بين واشنطن وبكين.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد مقر البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)

«المركزي السويدي» يُثبّت الفائدة... ويتحصّن بـ«الانتظار» لمواجهة ضبابية الحرب

أبقى البنك المركزي السويدي سعر الفائدة الرئيسي عند 1.75 في المائة يوم الخميس، كما كان متوقعاً على نطاق واسع.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم )
الاقتصاد خزانات ووحدات تبريد الغاز في «فري بورت» ثاني أكبر مصدر أميركي للغاز الطبيعي المسال بتكساس (رويترز)

اتفاق «المعادن والطاقة»: إندونيسيا تمنح واشنطن موطئ قدم بوجه الصين

وافقت إندونيسيا على توسيع نطاق الوصول أمام المستثمرين الأميركيين في قطاع المعادن الحيوية، وزيادة مشترياتها من النفط الخام وغاز البترول المسال الأميركي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
الاقتصاد الرئيسان الصيني والأميركي في لقاء سابق بكوريا الجنوبية (رويترز)

تأجيل قمة ترمب وشي يُلقي بظلاله على الهدنة التجارية بين أميركا والصين

قال محللون إن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل القمة المُقررة في بكين مع الرئيس الصيني شي جينبينغ يُلقي بظلاله على العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (بكين-واشنطن)
الاقتصاد يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)

«المركزي السويسري» يواجه «رسوم ترمب» بتدخلات قياسية في سوق الصرف

ضاعف البنك الوطني السويسري مشترياته من العملات الأجنبية بأكثر من أربعة أضعاف خلال العام الماضي، في مسعى لكبح ارتفاع الفرنك السويسري.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ )

اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
TT

اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)

حذّر رؤساء شركات الغاز، الأربعاء، من احتمال انخفاض الطلب على الغاز في اليابان إذا استمرت الحرب على إيران في الحد من إمدادات النافثا لمصانع البتروكيماويات، مما يؤثر سلباً على مبيعاتها من الراتنجات، بما في ذلك البلاستيك، لمجموعة واسعة من المصنّعين.

قال ماساتاكا فوجيوارا، رئيس شركة «أوساكا غاز»، في مؤتمر صحافي: «تزود ​​(أوساكا غاز) المصانع بالغاز، وإذا اضطرت هذه المصانع إلى خفض الإنتاج بسبب نقص المواد الأساسية، فإن مبيعات الشركة من الغاز ستنخفض». وأضاف: «سيكون هناك تأثير إذا لم يتمكن عملاؤنا من التصنيع».

كما حذرت شركة «طوكيو غاز» من التداعيات المحتملة لنقص النافثا لدى المصنّعين.

وقال شينيتشي ساساياما، رئيس «طوكيو غاز»، في مؤتمر صحافي منفصل: «نظراً لوجود عدد من عملائنا الذين يستخدمون النافثا أو غيرها من المنتجات البترولية في عملياتهم التصنيعية، فإن أي خطوة لتقليص أنشطتهم أو عملياتهم قد تؤثر على مبيعاتنا من الغاز». وأضاف أنه حتى الآن، لم يجرِ رصد أي تأثير فوري.

وتحصل اليابان على نحو 6 في المائة من إمداداتها من الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز، المعطَّل حالياً بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكان نحو 90 في المائة من احتياجات اليابان من النفط تمر عبر هذا المضيق الضيق قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وقال فوجيوارا إن شركة «أوساكا غاز»، من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في اليابان إلى جانب شركتيْ «جيرا» و«طوكيو غاز»، أمّنت إمدادات كافية من الوقود لعملياتها، حيث يأتي معظم الغاز الطبيعي المسال من أستراليا والولايات المتحدة.

وأضاف: «نؤمّن غالبية احتياجاتنا من الغاز الطبيعي المسال عبر عقود طويلة الأجل، ولا توجد حالياً أي عقود طويلة الأجل لشراء الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز»، منوهاً بأن عقداً محدد المدة مع سلطنة عمان قد انتهى العام الماضي.

وانخفضت واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال، ثاني أكبر مستورد في العالم بعد الصين، بنسبة 1.4 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 64.98 مليون طن متري، وذلك مع إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الطاقة.

وأظهرت بيانات وزارة الصناعة، الصادرة الأربعاء، أن مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق اليابانية الكبرى ارتفعت إلى 2.39 مليون طن، للأسبوع المنتهي في 22 مارس (آذار) الحالي، بزيادة قدرها 5 في المائة عن الأسبوع السابق، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها هذا العام.


بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نُشر يوم الأربعاء، أن عدداً من صانعي السياسة النقدية في بنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة. ودعا البعضُ إلى اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، مما يسلّط الضوء على توجههم المتشدد، حتى قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما دعا أعضاء بالمجلس إلى زيادة اليقظة بشأن تأثير ضعف الين على التضخم، الذي رأوا أنه أصبح أكبر من ذي قبل مع قيام الشركات بتمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد والعمالة بشكل أكثر فاعلية.

ونُقل عن أحد الأعضاء قوله: «بالنظر إلى أن معالجة ارتفاع الأسعار تُعدّ أولوية مُلحة في اليابان، فينبغي لبنك اليابان المركزي ألا يُضيّع كثيراً من الوقت في دراسة آثار رفع أسعار الفائدة في الماضي، وأن يُباشر رفع سعر الفائدة التالي في الوقت المناسب».

وأظهرت محاضر الاجتماع أن عضواً آخر قال إن على بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة على فترات لا تتجاوز بضعة أشهر، مُضيفاً أن رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو الوصفة الوحيدة للسياسة النقدية لكبح ضعف الين غير المرغوب فيه، الذي يُؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وأظهرت المحاضر أيضاً أن «عدداً من الأعضاء قالوا إن آلية ارتفاع الأجور والأسعار بشكل مُعتدل مُتزامن أصبحت راسخة في اليابان، ومن المُرجّح أن تُسفر مفاوضات الأجور، هذا العام، عن زيادات كبيرة في الأجور لمجموعة واسعة من الشركات».

وتُؤكد هذه الملاحظات عزم بنك اليابان المركزي على المُضي قُدماً في تشديد السياسة النقدية، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الإدارة عن ثقتهم في أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيُسهم في تحسين الوضع. ولم تُشكّل الرسوم الجمركية ورفع أسعار الفائدة سابقاً عبئاً كبيراً على الاقتصاد حتى الآن.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع على أثر الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى تشويش التوقعات السياسية، حيث أضاف ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً تضخمية، وعاق، في الوقت نفسه، اقتصاداً يعتمد، بشكل كبير، على واردات الوقود.

وبعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أبقى سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 في المائة في يناير، لكنه أبقى على توقعاته المتشددة للتضخم. وأظهرت محاضر الاجتماع أن عدداً من الأعضاء أشاروا إلى أن التضخم الأساسي، أو تحركات الأسعار التي تعكس الطلب المحلي والتي يعدُّها بنك اليابان أساسية لتوقيت رفع أسعار الفائدة، يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وفي اجتماع لاحق خلال مارس (آذار) الحالي، أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على ميله نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية.

وظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لما يقرب من أربع سنوات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المواد الخام والعمالة، قبل أن يتباطأ إلى 1.6 في المائة خلال فبراير، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى الدعم الحكومي السخيّ للوقود. ومع وجود عوامل استثنائية متعددة تُشوّه مؤشر أسعار المستهلك، اقترح أحد الأعضاء إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات التضخم الأساسي، مثل وتيرة نمو الأجور وأسعار الخدمات، بالإضافة إلى توقعات التضخم، وفقاً لمحضر الاجتماع. كما اقترح عدد من الأعضاء تحسين التواصل بشأن كيفية تقييم بنك اليابان التضخم الأساسي وسعر الفائدة المحايد في اليابان، وفقاً لمحضر الاجتماع. ومن المرجح أن تكون هذه المقترحات قد أدت إلى قرار البنك في مارس بالكشف، بحلول الصيف، عن مؤشر جديد للتضخم وتقدير محدَّث من قِبل فريق العمل بشأن سعر الفائدة المحايد. وفي حين أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) المقبل.


الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً، ما بين توسيع الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا، وفي الوقت نفسه التشدد في مواجهة القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها. ففي يوم واحد، أعلنت بكين استعدادها لتعميق التعاون مع الكاميرون في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، بالتزامن مع إعلان كينيا استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بينما أكدت وزارة التجارة الصينية حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد رفع الرسوم الجمركية على واردات صينية.

هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس اتجاهاً أوضح في السياسة الاقتصادية الصينية يقوم على تعويض الضغوط الكبيرة في بعض الأسواق الخارجية عبر تعزيز الحضور في الأسواق النامية، خصوصاً في أفريقيا، مع الإبقاء على خيار الرد التجاري في مواجهة ما تعده بكين إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن منظور بكين، فإن القارة الأفريقية لم تعد مجرد شريك سياسي أو ساحة نفوذ جيوسياسي، بل باتت سوقاً واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالاً حيوياً لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، برز الإعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على القطاعات التقليدية التي لطالما شكلت أساس الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا. فالبنية التحتية تمنح الشركات الصينية فرص تنفيذ وتمويل كبيرة، والطاقة تمثل قطاعاً حيوياً في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية إلى تحسين الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية.

كما أن اختيار هذه القطاعات الثلاثة معاً يعكس مقاربة صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقبال نظيره الكيني ويليام روتو في بكين أبريل الماضي (رويترز)

• اتفاق كينيا

في شرق أفريقيا، جاءت كينيا لتضيف بُعداً آخر لهذا التوسع. فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت هذا الأسبوع مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 في المائة من صادرات كينيا دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً بالنسبة إلى نيروبي، التي تسعى إلى تقليص العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الضخمة. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعد أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مشيراً إلى أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، لا سيما في ظل اختلال الميزان التجاري لمصلحة بكين. كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى في 2025، بزيادة تتجاوز 15 في المائة عن العام السابق.

• صرامة مع المكسيك

لكن الوجه الآخر للتحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك. فقد خلصت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، إلى أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها مكسيكو تشكل عوائق أمام التجارة والاستثمار، مؤكدة أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة. ووفق التقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء. ويبدو أن أكثر القطاعات تعرضاً للضرر هو قطاع السيارات وقطع الغيار، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية في عام 2025. وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، ولا سيما في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة. وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 في المائة على معظم المنتجات. ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي شددت بدورها القيود التجارية على السلع الصينية. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد أوسع لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

سفينة بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

• إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصادياً، يكشف هذا المشهد عن أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية على نحو أكثر مرونة. فهي من جهة تدفع بقوة نحو ترسيخ حضورها في أفريقيا عبر اتفاقات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة، وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها... وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تصبح السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية خلال المرحلة المقبلة. وفي المحصلة، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة. فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف إلى حماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطاً كبيرة. وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعده ممارسات تجارية غير عادلة.