رسوم ترمب تشعل حروباً تجارية وسط تنامي مخاطر التباطؤ العالمي

الصين طالبت بـ«إلغاء فوري» وتوعدت بالرد... وأوروبا أعلنت تجهيز تدابير مضادة... وخسائر فادحة في الأسواق

TT

رسوم ترمب تشعل حروباً تجارية وسط تنامي مخاطر التباطؤ العالمي

الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً بالرسوم الجديدة بعد توقيعه في حديقة البيت الأبيض (منصة إكس)
الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً بالرسوم الجديدة بعد توقيعه في حديقة البيت الأبيض (منصة إكس)

شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، هجوماً على النظام التجاري العالمي، وفرض سلسلة من الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية، في خطوة أدت إلى اضطراب الأسواق المالية وتعميق المخاوف بشأن صحة الاقتصاد العالمي، واشتعال صراعات وحرب تجارية عالمية مع أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

وفرض ترمب نوعين من الرسوم التي شملت مجتمعةً 180 دولة: الأول عبارة عن رسوم جمركية أساسية بنسبة 10 في المائة على الواردات الأميركية، والآخر رسوم جمركية متبادلة مع الدول التي لدى أميركا تبادل تجاري معها، حيث تراوحت بين 10 في المائة و49 في المائة.

ردود أفعال

أثارت الرسوم الجمركية الجديدة الشاملة استياءً وتهديدات باتخاذ تدابير مضادة ودعوات لإجراء مزيد من المفاوضات، لجعل قواعد التجارة أكثر عدلاً. لكن الردود كانت مدروسة، مما يسلط الضوء على عدم وجود شهية بين الشركاء التجاريين الرئيسيين لحرب تجارية صريحة مع أكبر اقتصاد في العالم.

وحذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الرسوم الجمركية ستُوجّه «ضربة قوية» للاقتصاد العالمي، وقالت إن الاتحاد يُجهّز تدابير مضادة. وطالبت وزارة التجارة الصينية واشنطن بأن «تلغي فوراً» الرسوم الجمركية. وتوعدت بكين باتخاذ إجراءات مضادة لحماية مصالحها، محذّرة من أنّ هذه التعريفات «تُعرّض التنمية الاقتصادية العالمية للخطر»، وتضرّ بالمصالح الأميركية وبسلاسل التوريد الدولية.

وعدّت تايوان الرسوم الجمركية عليها «غير معقولة»، وقالت إن الحكومة تخطط لإجراء «مفاوضات جادة» مع واشنطن، موضحةً أنها ستُقدّم احتجاجاً رسمياً لدى الولايات المتحدة.

وأعلنت الهند أنها تدرس تأثير رسوم واشنطن الجمركية بنسبة 27 في المائة على صادراتها، وتعهَّدت بالدفع نحو اتفاق تجاري هذا العام، في إشارة إلى نبرة تصالحية رغم فشلها في الحصول على إعفاء من سياسة ترمب التجارية.

واعترف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بأن الرسوم الجمركية الأميركية سيكون لها «تأثير» على الاقتصاد البريطاني. وقال: «من الواضح أن القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة سيكون لها تأثير اقتصادي، على الصعيدَين المحلي والعالمي. لكنني أريد أن أكون واضحاً؛ نحن مستعدون، لأن إحدى نقاط القوة التي يتميز بها بلدنا هي قدرتنا على الحفاظ على الهدوء». فيما قال وزير الأعمال البريطاني جوناثان رينولدز، إن تأثير الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب على صناعة السيارات في البلاد كان من أبرز مخاوف الحكومة.

وقال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، يوشيماسا هاياشي، إن اليابان، أقرب حلفاء أميركا في آسيا، تخطط لتحليل الرسوم الجمركية الأميركية وتأثيرها من كثب، بينما امتنع عن الحديث عن الانتقام. لكنه قال إن هذه التحركات سيكون لها تأثير كبير على العلاقات مع الولايات المتحدة.

وقالت رئيسة الوزراء الإيطالية المحافظة جيورجيا ميلوني، إن الرسوم الجمركية المرتفعة لن تفيد أياً من الجانبين.

وقالت البرازيل، التي تضررت من فرض تعريفة جمركية بنسبة 10 في المائة، إنها تفكر في اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية.

وقد أقر الكونغرس البرازيلي بالإجماع مشروع قانون يسمح بالرد على أي رسوم جمركية على السلع البرازيلية.

أطفال يشاهدون المنطقة من نقطة مراقبة فوق الرافعات والحاويات في ميناء كيلونغ بتايوان (رويترز)

ضربة للاقتصاد العالمي

وعلى وقع هذه الرسوم، تراجعت الأسواق الأميركية والعالمية. إذ تراجعت «وول ستريت» بشكل حاد يوم الخميس، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 3.4 في المائة قبل بدء التداول، بينما انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 2.8 في المائة. وتراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بنسبة 3.8 في المائة.

متداولون في بورصة نيويورك قبل لحظات من قرع جرس الإغلاق وبدء المؤتمر الصحافي لترمب (أ.ف.ب)

وتراجع مؤشر طوكيو القياسي بنسبة 3.1 في المائة ليقود الخسائر في آسيا. وانخفضت أسعار النفط لفترة وجيزة بأكثر من دولارين للبرميل. وانخفضت أسعار النفط بأكثر من 4 في المائة، وبلغ الدولار الأميركي أدنى مستوى له مقابل الين الياباني منذ أوائل أكتوبر (تشرين الأول).

مقامرة عالية المخاطر

ووصف خبراء إقدام ترمب على هذه الخطوة بانها أكبر مقامرة سياسية بالاقتصاد الأميركي يقوم بها رئيس أميركي، وأشاروا إلى أنه يلعب لعبة عالية المخاطر يخاطر فيها بتأجيج دوامة تضخم على أمل استعادة الوظائف والصناعة إلى الولايات المتحدة. وأشار هؤلاء إلى أن إعلان ترمب يعد نقطة انطلاق، ومن المرجح أن تتبعه أشهر من المفاوضات مما سيؤدي إلى استمرار حالة القلق وعدم اليقين في الأسواق، وهو أسوأ سيناريو تتوقعه الأسواق المالية.

وفي خطابه بحديقة الزهور بالبيت الأبيض مساء الأربعاء، وصف ترمب التعريفات الجمركية بأنها عادلة، مؤكداً أنها متبادلة، وتعد رداً على الرسوم الجمركية والحواجز المفروضة على السلع الأميركية. وقال في خطابه المطوّل إنّ قراره هذا إنما هو بمثابة «إعلان استقلال اقتصادي» للولايات المتحدة و«يوم تحرير» لها.

تظهر الرافعات وحاويات الشحن بميناء في تشيناي بالهند (أ.ب)

وأعلن ترمب تعريفات جمركية أساسية بنسبة 10 في المائة على واردات معظم الدول، وتعريفات أعلى بكثير على 60 دولة تعد من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة مثل الاتحاد الأوروبي (20 في المائة)، واليابان (24 في المائة)، وتايوان (32 في المائة)، والهند (26 في المائة)، وفيتنام (46 في المائة). إضافةً إلى الصين التي تواجه الآن تعريفة جمركية تبلغ 54 في المائة، وهي الأعلى في قائمة الدول، تليها كمبوديا في المركز الثاني بتعريفة بلغت 49 في المائة.

وتوقعت شركة «كايوان» للأوراق المالية أن تؤدي التعريفات الجمركية إلى خفض الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 30 في المائة، وهو ما قد يقوّض جهود الصين في مكافحة الانكماش الاقتصادي، ويجعل من الصعب تحقيق هدف نمو بنسبة 5 في المائة الذي تستهدفه.

وحسب مسؤولي البيت الأبيض، فإنّ الرسوم الجديدة ستدخل حيّز التنفيذ على مرحلتين: منتصف ليل السبت 5 أبريل (نيسان) للتعريفات البالغة نسبتها 10 في المائة، وفي 9 منه لتلك التي تزيد على هذا الحدّ.

ودخلت الرسوم الجمركية على السيارات المصنعة في الخارج حيز التنفيذ الفوري، إضافةً إلى التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب قبل أيام على الفولاذ والألمنيوم.

ويدافع أنصار ومؤيدو ترمب عن هذه الخطوة مشيرين إلى أنها أداة لتأكيد قوة الولايات المتحدة، وإحياء التصنيع داخل الولايات المتحدة، وإعادة بناء القاعدة الصناعية وخلق فرص عمل، وانتزاع تنازلات جيوسياسية.

ورأى ترمب أن خططه التجارية ستعطي دفعة للعمال ذوي الياقات الزرقاء خصوصاً العمال في مجال صناعة السيارات. وأعلن حالة الطواري الوطنية بسبب حجم العجز التجاري، وهي الخطوة التي سمحت له باستخدام صلاحيات خاصة لفرض الرسوم الجمركية، يستهدف منها جمع تريليونات الدولارات من عوائد التعريفات الجديدة. لكن ما إن وقّع ترمب أمره التنفيذي بهذه التعريفات حتى انقلبت أسواق المال، وتراجع سعر الدولار أمام العملات الرئيسية، وارتفع سعر الذهب إلى مستوى قياسي، وتهاوت البورصات الآسيوية عند الافتتاح صباح الخميس.

الركود والتضخم

وأعرب المحللون عن وجهة نظر متشائمة، وتوقعوا زيادة مخاطر الركود في الولايات المتحدة، وأشار معظم المراقبين إلى أن التعريفات الجمركية سترفع أسعار السلع والخدمات إلى مستويات غير مسبوقة.

وتوقع المحللون في «بنك باركليز» حدوث ركود في الولايات المتحدة، وارتفاع معدلات التضخم إلى 4 في المائة وارتفاع مستويات البطالة. وحذر المحللون في بنك «جي بي مورغان تشيس» من دخول الاقتصاد في حافة الركود بشكل خطير. فيما قال «بنك أوف أميركا»: «إذا استمرت التعريفات الجمركية، نعتقد أنها ستضيف ما بين نقطة مئوية ونقطة ونصف إلى التضخم على المدى القريب، وستخصم مبلغاً مماثلاً من الناتج المحلي الإجمالي، مما يدفع الاقتصاد إلى حافة الركود».

تغيير قواعد اللعبة

وقالت أولو سونولا، رئيسة أبحاث الاقتصاد الأميركي في وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، إن هذه التعريفات من شأنها تغيير قواعد اللعبة ليس فقط للاقتصاد الأميركي بل للاقتصاد العالمي، ومن المرجح ان يدخل كثير من الدول في حالة ركود.

وقال تاي هوي، المحلل في «جي بي مورغان» لإدارة الأصول، إن هذه التعريفات الجمركية إذا استمرت ستؤثر على التضخم في وقت يكافح قطاع التصنيع الأميركي لزيادة طاقته الإنتاجية، كما تثير مخاوف بشأن مخاطر النمو. فقد يخفض المستهلكون الأميركيون إنفاقهم بسبب ارتفاع أسعار الواردات، وقد تؤجل الشركات إنفاقها الرأسمالي وسط حالة من عدم اليقين بشأن تأثيرات هذه التعريفات على المديين المتوسط والطويل، والردود الانتقامية من الشركاء التجاريين.

وقال ديفيد روزنبرغ، رئيس شرطة روزنبرغ للأبحاث: «إن الحرب التجارية التي أشعلها الرئيس ترمب لا رابح فيها، وسيتحمل المستهلك العبء الأكبر، لأن الشركات المستوردة هي التي تدفع الرسوم الجمركية وليست الدولة المصدِّرة، وسوف يؤثر ذلك على المستهلك، ولذا فنحن مقبلون على صدمة أسعار كبيرة للغاية ستستمر لعدة أشهر». وأكد ديفيد روش، الاستراتيجي في شركة «كوانتم»، أن هذه التعريفات تشير إلى التحول من العولمة إلى سياسات انعزالية وقومية قد تستمر عدة سنوات، وستكون لها آثار جانبية في مجالات سياسية متعددة مع ردود الفعل الانتقامية من الدول، وستسهم هذه التعريفات في ترسيخ سوق الهبوط، وتتسبب في ركود تضخمي عالمي وركود في الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.

وقال إيسوار براساد، أستاذ السياسة التجارية بجامعة كورنيل، لصحيفة «نيويورك تايمز»، إن ترمب كان بإمكانه إصلاح القواعد التي تحكم التجارة العالمية والتي يقول إن حلفاءه أساءوا استخدامها على حساب الاقتصاد الأميركي والمستهلكين الأميركيين لكنه اختار -بدلاً من ذلك- تفجير النظام الذي يحكم التجارة الدولية».

صراع وحروب

وأشار الملياردير راي داليو، أحد أكبر أقطاب الاستثمار ومؤسس صندوق التحوط «بريدجووتر أسوشيتس»، في منشور على «لينكد إن»، إلى أنه يعتقد أن العالم يتجه نحو حرب عالمية. وقال: «التعريفات الجمركية ليست مجرد مسألة تتعلق بالإيرادات، بل هي وسيلة للدول لإعداد اقتصاداتها لأوقات الصراع والحرب، وهي ضرورية في وقت الصراع بين القوى العظمى».

ولاقت تعليقات داليو الكثير من الاهتمام خصوصاً أنه نشر في عام 2021 كتاباً تنبأ فيه باندلاع صراع بين القوي العظمى، وتوقع أن تُحدث المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تغييرات جذرية وفوضوية في العالم.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد كيفن هاسيت خلال مقابلة تلفزيونية مباشرة في البيت الأبيض (رويترز)

هاسيت: أزمة الشرق الأوسط لا تستدعي رفع الفائدة

رفض كيفن هاسيت، مدير «المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي»، الخميس، فكرة أن أزمة الشرق الأوسط قد تستدعي رفع أسعار الفائدة، مؤكداً أن تأثيرها سيكون محدوداً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خطوط الإنتاج الحديثة في مصنع الصلب في غورغسماريينهوتّه (رويترز)

أداء متناقض لأكبر اقتصاد أوروبي... نمو الصادرات يقابله تراجع الإنتاج

تراجع الإنتاج الصناعي في ألمانيا بشكل غير متوقع خلال فبراير، في وقت سجَّلت فيه الصادرات أداءً أقوى من التوقعات، في إشارة إلى تباين في مؤشرات أكبر اقتصاد أوروبي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد عمال في خط إنتاج تابع لشركة «أجيليان» للتكنولوجيا في مدينة دونغقوان الصينية (رويترز)

مصانع الصين تتكيف مع ترمب والتعريفات الجمركية واضطرابات الأسواق

سعت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الإضرار بالصناعة الصينية، ولكن بعض الشركات أنهت العام بقوة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد دونالد ترمب يدخل صالة كروس في البيت الأبيض لإلقاء كلمته، 1 أبريل 2026 (أ ب)

ترمب يفرض تعريفات جديدة على الأدوية... ويعدّل رسوم المعادن

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليمات بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المائة على بعض واردات الأدوية ذات العلامات التجارية وإعادة هيكلة الرسوم على منتجات الصلب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.