السعودية تحوّل قصورها ومقراتها التاريخية إلى فنادق راقية بمعايير عالمية

الرئيس التنفيذي لـ«بوتيك»: هناك فجوة في الضيافة الفاخرة نسدّها بتجارب ملكية

TT

السعودية تحوّل قصورها ومقراتها التاريخية إلى فنادق راقية بمعايير عالمية

القصر الأحمر في العاصمة الرياض (مجموعة بوتيك)
القصر الأحمر في العاصمة الرياض (مجموعة بوتيك)

على مر العقود، شكلت القصور التاريخية في السعودية مسرحاً لأحداث كبرى، واستضافت زعماء وقادة عالميين، مما جعلها جزءاً لا يتجزأ من الإرث السياسي والثقافي للمملكة.

ففي قصر الحمراء في جدة مثلاً، عُقدت محادثات مفصلية حول الغزو العراقي للكويت، حيث التقى الرئيس الأميركي جورج بوش وأمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح لمناقشة أزمة غيرت ملامح المنطقة.

وفي القصر ذاته، قبلها بسنوات، حظيت الأميرة البريطانية ديانا باستقبال يعكس مكانة السعودية في المشهد الدولي.

أما القصر الأحمر في الرياض، فشهد قرار وقف تصدير النفط عام 1956، وكان مجلساً للوزراء في عهد الملك فيصل والملك خالد وسنوات من عهد الملك فهد.

اليوم، تستعيد هذه القصور مجدها، ليس فقط بوصفها رموزاً تاريخية، بل كونها وجهات ضيافة فاخرة تقدم تجربة ملكية أصيلة من خلال مجموعة «بوتيك»، المملوكة لـ«صندوق الاستثمارات العامة».

ويشهد قطاع الضيافة العالمي تحولات كبيرة، فلم يعد المسافرون يبحثون فقط عن الإقامة الفاخرة، بل عن تجارب متكاملة تمزج بين الفخامة والثقافة، بحسب ما ذكره الرئيس التنفيذي لمجموعة «بوتيك» كريستوف ماريس لـ«الشرق الأوسط».

القصور التاريخية تتحول إلى فنادق فاخرة

شارك ماريس رؤيته حول مستقبل الضيافة في السعودية، والتحديات التي تواجه القطاع، والفرص الاستثمارية المتاحة. وأكد أن «بوتيك» تقدم تجارب غير مسبوقة من خلال تحويل القصور التاريخية إلى فنادق فاخرة، مما يمنح الزوار فرصة العيش في أماكن ذات طابع ملكي أصيل.

وتعمل «بوتيك» حالياً على تطوير ثلاثة قصور تاريخية:

*القصر الأحمر في الرياض هو أول قصر خرساني في العاصمة، وشكّل معلماً تاريخياً استضاف على مدار عقود شخصيات بارزة من مختلف أنحاء العالم، وكان شاهداً على لقاءات ملوك ورؤساء الدول والحكومات. من أبرز زواره في ذلك الوقت، الرئيسان المصريان جمال عبد الناصر وأنور السادات، وملك الأردن طلال بن عبد الله، والرئيس السوري شكري القوتلي، وثاني رئيس للبنان بعد الاستقلال كميل شمعون، ورئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو.

  • صورة تجمع الملك سعود بن عبد العزيز ورئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو في القصر الأحمر في الرياض (مؤلف كتاب القصر الأحمر)

    *لاحقاً، أصبح القصر مقراً لمجلس الوزراء لأكثر من ثلاثة عقود حتى 1988، قبل أن يتحول إلى ديوان المظالم حتى عام 1997، وفق ما أكده المؤلف عبد الله بن ناصر اليامي في كتابه «القصر الأحمر».

  • وقال اليامي في حوار مع «الشرق الأوسط» إن القصر بني عام 1942 بأمر من الملك عبد العزيز لابنه الملك سعود حين كان ولياً للعهد آنذاك، وذلك بعد احتراق قصره. ويقع القصر على مساحة 38139 متراً مربعاً، ويمتاز بتصميم معماري فريد يضم مصاعد كهربائية وسلالم تصل إلى بقية الأدوار، فضلاً عن أعمال الديكور الداخلي والنقوش الخارجية المتميزة. وتحيط به شرفات تمتد في جميع أجزائه، تطل على حدائق غنّاء موزعة بين مقدمة القصر وباحته الخلفية، مما يضفي عليه طابعاً فخماً يجمع بين العراقة والجمال.

القصر الأحمر في العاصمة الرياض (مجموعة بوتيك)

  • قصر طويق في الرياض: جوهرة معمارية في حي السفارات، بتصميمه المتناغم مع الطبيعة، وقد حاز على جائزة آغا خان العالمية للعمارة. ويحتل القصر موقعاً متميزاً على هضبة صخرية في الطرف الشمالي الغربي لحي السفارات، ممتداً على مساحة 77 ألف متر مربع، ويطل على وادي حنيفة، حيث يحيط به فرعان صغيران من الوادي. ويتميز موقعه بالطبيعة الصحراوية، بينما تزخر حديقته الداخلية بالأشجار الكثيفة التي تضفي عليه لمسة من الخضرة والحيوية.

قصر طويق في حي السفارات (مجموعة بوتيك)

  • قصر الحمراء في جدة: مطل على الكورنيش، وكان مقراً لاستضافة الشخصيات العالمية منذ عام 1971 من ضمنها الأميرة ديانا. ويتميز بتصميمه الإسلامي التقليدي.

قصر الحمراء في جدة (مجموعة بوتيك)

الثقافة جوهر التجربة السياحية

يرى الرئيس التنفيذي لمجموعة «بوتيك» كريستوف ماريس أن الثقافة السعودية ليست مجرد عنصر جانبي، بل هي جوهر الضيافة. وقال: «المملكة تشهد انفتاحاً مذهلاً، مما يزيد من اهتمام المسافرين باكتشافها. وتستغل (بوتيك) هذه الفرصة لتقديم ضيافة راقية تعكس أصالة التراث السعودي».

وفيما يخص تطوير الكوادر الوطنية، قال: «أبناء وبنات المملكة هم أفضل سفراء لضيافتها... ومن واجبنا تمكينهم ليكونوا قادة الضيافة في المستقبل ونعمل على ذلك من خلال التدريب والشراكات العالمية. وهذه أولوية ليس فقط لمجموعة (بوتيك)، بل للقطاع بأكمله، إذ إن تنمية الكفاءات المحلية ستترك أثراً إيجابياً كبيراً على مستقبل السياحة في المملكة».

تطور توقعات المسافرين

بحسب ماريس، فإن قطاع الضيافة يتغير بسرعة، ولم يعد كافياً تقديم غرف فندقية فاخرة فقط. فقد «سئم المسافرون اليوم من الوجهات التقليدية... ويبحثون عن شيء جديد كلياً». وبالنسبة لهم، تمثل السعودية حدوداً جديدة، وأرضاً غنية بالثقافة والتراث وتحمل شيئاً من الغموض لمن لم تتح لهم فرصة زيارتها من قبل.

ويضيف هنا أن المسافرين يبحثون عن نافذة حقيقية على الثقافة السعودية، فهم يريدون اكتشاف هذا البلد الواسع من خلال تجارب ضيافة شاملة. وهذا يعني أن الإقامة، والأنشطة، والطعام، والأشخاص الذين يلتقون بهم يجب أن يعكسوا الهوية الحقيقية للمملكة.

وشرح «أن النموذج التقليدي الموحد الذي تتبعه السلاسل الدولية لم يعد يجذب المسافرين المعاصرين. إذ يجب على هذه العلامات التجارية التفكير في كيفية تقديم تجارب فريدة تتناسب مع مواقعها الخاصة. وفي الوقت ذاته، يجب على المشغّلين المحليين الذين يقدمون عروضاً فريدة بالفعل أن يضمنوا توافقها مع المعايير العالمية المتوقعة. ومن لا يتكيف مع هذا التوجه سيجد نفسه متأخراً عن الركب... لذلك جاءت (بوتيك) لتلبي تحديات هذا المشهد من خلال تقديم تجارب تعكس التراث والثقافة السعودية».

سد الفجوات وخلق فرص جديدة

يشير ماريس إلى فجوة في قطاع الضيافة الفاخرة، إذ لم يتم استغلال التراث المعماري والثقافي بالكامل بعد. ويضيف: «قصورنا ليست في أماكن بعيدة، بل في قلب المدن الرئيسية، مما يجعلها نقطة انطلاق لاكتشاف الثقافة السعودية بأسلوب راقٍ. ومن خلال الطهي الفاخر والتجارب الأخرى، نعيد تعريف الضيافة في المملكة».

طفرة سياحية

وتشهد السعودية ازدهاراً في قطاع الضيافة بفضل الاستثمارات الضخمة. ومن المتوقع أن تصل الاستثمارات في السياحة والسفر بحلول 2030 إلى 6 تريليونات دولار، مع إضافة 320 ألف غرفة فندقية جديدة، وذلك بهدف المساهمة في 10 في المائة من الناتج المحلي بحلول نهاية العقد الحالي، بحسب ماريس. وقال: «بفضل هذا النمو، نشهد توسعاً غير مسبوق في عدد الرحلات الجوية المباشرة إلى الرياض من عدة أسواق رئيسية مثل آسيا وأوروبا وأفريقيا، مما يجعل المملكة أكثر سهولة للوصول من قبل المسافرين الدوليين، ويساهم في تحول قطاع السياحة».

رسالة إلى المستثمرين

يؤكد ماريس أن السعودية أصبحت وجهة جذابة للاستثمارات الفاخرة، قائلاً: «القطاع في مرحلة نمو متسارع، وهناك فرص غير مستغلة كبيرة للمستثمرين المحليين والدوليين».

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن «السعودية تتغير بسرعة غير مسبوقة، ومع انفتاحها على العالم، سيكون قطاع الضيافة في طليعة هذا التحول... هذه لحظة تاريخية للاستثمار في واحدة من أكثر الوجهات السياحية الواعدة عالمياً».


مقالات ذات صلة

ترمب يلتقي مسؤولي شركات طاقة لمناقشة قضايا الإنتاج

الاقتصاد ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط بالبيت الأبيض يوم 9 يناير 2026 (رويترز)

ترمب يلتقي مسؤولي شركات طاقة لمناقشة قضايا الإنتاج

قال مسؤول في البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب التقى كبار المسؤولين في شركة «شيفرون» وشركات طاقة أخرى لمناقشة مجموعة من الموضوعات، مثل الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد إحدى طائرات «السعودية للشحن» (الموقع الإلكتروني للشركة)

«الخطوط السعودية» تخفض تكاليف شحن الأدوية والمستلزمات الطبية 50 في المائة

أطلقت «الخطوط السعودية للشحن» مبادرة استراتيجية بالتعاون مع الهيئة العامة للغذاء والدواء لخفض تكاليف شحن الأدوية والمستلزمات الطبية بنسبة تصل إلى 50 في المائة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة الأسهم في «السوق المالية السعودية» بالعاصمة الرياض (أ.ف.ب)

«الأسهم السعودية» ترتفع 0.5 % عند 11238 نقطة بتداولات بلغت 1.5 مليار دولار

أغلق مؤشر «سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)» جلسة الأربعاء على ارتفاع بـ0.5 في المائة، مستقراً عند 11238 نقطة، فيما بلغت قيمة التداولات نحو 5.8 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أعمال «أماك» التعدينية في جويان (موقع الشركة الإلكتروني)

أرباح «أماك» السعودية تنمو 8.8 % إلى 16 مليون دولار في الربع الأول

ارتفعت أرباح شركة «المصانع الكبرى للتعدين (أماك)» بنسبة 8.8 في المائة، لتبلغ 60 مليون ريال (16 مليون دولار) في الربع الأول من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

السعودية تضيف خدمة شحن تربط ميناء جدة الإسلامي بالصين ومصر وماليزيا

عززت «الهيئة العامة للموانئ» شبكة الربط البحري للسعودية، بإضافة شركة «تشاينا يونايتد لاينز» خدمة الشحن الجديدة «إس جي إكس» إلى ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (جدة)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.