اختبار حاسم للمالية العامة البريطانية... والمستثمرون يتوقعون صدمة سوقية

منظر عام لمدينة لندن (رويترز)
منظر عام لمدينة لندن (رويترز)
TT

اختبار حاسم للمالية العامة البريطانية... والمستثمرون يتوقعون صدمة سوقية

منظر عام لمدينة لندن (رويترز)
منظر عام لمدينة لندن (رويترز)

تواجه المالية العامة البريطانية، المثقلة بالديون المتزايدة وتباطؤ النمو، اختباراً حاسماً هذا الشهر، حيث يتوقع المستثمرون أن يتسبب التحديث المزمع من وزيرة المالية راشيل ريفز، في 26 مارس (آذار)، في صدمة إضافية للأسواق التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الأموال الأجنبية المتقلبة.

وسيعتمد التحديث على تقييم أجراه مكتب مسؤولية الموازنة، الجهة الرقابية المالية البريطانية. وتؤكد ريفز أن القواعد المالية التي وضعتها، والتي تهدف إلى موازنة الإنفاق اليومي مع الإيرادات، وخفض صافي الالتزامات المالية للقطاع العام، كنسبة من الاقتصاد في السنوات المقبلة، هي قواعد غير قابلة للتفاوض، وفق «رويترز».

ومع ذلك، يخشى المستثمرون من أن هذه القواعد قد تدفع بريطانيا إلى الوقوع في فخ مؤلم، إذ قد يؤدي تطبيقها -سواء عبر خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب- إلى إلحاق الضرر بالاستثمار الضروري لتحفيز النمو طويل الأجل.

وتعاني بريطانيا من أكبر عجز في الحساب الجاري بين الاقتصادات المتقدمة، باستثناء الولايات المتحدة. كما اتخذت تدفقات رأس المال من بقية العالم في الآونة الأخيرة شكل أموال قصيرة الأجل، بدلاً من استثمارات رأس المال الثابتة مثل الاستثمار المباشر. وتُظهر بيانات «رويترز» أن اعتماد بريطانيا على رأس المال قصير الأجل، الذي يمكن سحبه بسهولة في عمليات البيع، أكبر من أي اقتصاد متقدم رئيسي آخر يعاني من عجز في الحساب الجاري.

وقال كمال شارما، الخبير الاستراتيجي في «بنك أوف أميركا»، إن القواعد المالية التي وضعتها ريفز قد تصبح هدفاً للمتداولين، على غرار ربط أسعار الصرف خلال الأزمة الآسيوية في أواخر التسعينات. وأضاف: «السؤال المهم هو: كيف يمكن لبريطانيا تنمية اقتصادها بما يكفي لتقليص مستوى ديونها؟ الآن، المملكة المتحدة تُعد في طليعة هذه القضية».

وتتفق هذه الرؤية مع ما قاله فيليبي فيلارويل، الشريك في إدارة المحافظ الاستثمارية في «توينتي فور»، الذي أشار إلى وجود بعض أوجه التشابه بين القواعد المالية البريطانية ونظام ربط العملات، على الرغم من أن المقارنات مع الأسواق الناشئة قد تكون مبالغاً فيها. وشرح فيلارويل قائلاً: «الأمر مثير للاهتمام، ولكن المملكة المتحدة لا تزال دولة ذات سيادة ولها تصنيف ائتماني عالٍ»، لكنه أضاف أن الأسواق لا تزال قادرة على اختبار هذه القواعد.

وأشار فيلارويل إلى أن القواعد المالية البريطانية، رغم قوتها، قد تؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق إذا تم التراجع عنها أو تعديلها، مما قد تترتب عليه عواقب وخيمة.

أما فيما يتعلق بالأداء الاقتصادي، فقد نما الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.1 في المائة فقط في الربع الأخير من عام 2024، كما شهد الناتج انكماشاً غير متوقع في يناير (كانون الثاني). في الوقت ذاته، خفض بنك إنجلترا، الشهر الماضي، توقعاته للنمو لعام 2025 إلى 0.75 في المائة، مما يثير القلق حول قدرة الاقتصاد البريطاني على استعادة النمو.

وأظهرت الأسواق العالمية، من خلال عمليات البيع الحادة للسندات والجنيه الإسترليني في يناير، نقاط ضعف في الأسواق البريطانية. كما ارتفعت تكاليف الاقتراض على السندات الحكومية البريطانية في ضوء ارتفاع عوائد السندات الحكومية الألمانية. إضافة إلى ذلك، أظهرت بيانات «ليبر» أن التدفقات الخارجة من صناديق الأسهم البريطانية وصلت إلى أعلى مستوى لها في ثمانية أشهر في فبراير (شباط)، في حين انخفض مؤشر «فوتسي 250» للأسهم البريطانية -الذي يركز على السوق المحلية- بنسبة 5 في المائة منذ نهاية يناير.

وفي حين ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية، إلا أن السندات الحكومية البريطانية شهدت عمليات بيع، مما دفع بعض المستثمرين إلى مقارنة الوضع البريطاني بالاضطرابات التي شهدتها أسواق أخرى مثل أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي و«الموازنة المصغرة» لعام 2022 في عهد رئيسة الوزراء السابقة ليز تروس. ومن المتوقع أن يسعى رئيس الوزراء كير ستارمر وريفز إلى إعادة الاستقرار قبل الانتخابات المرتقبة في يوليو (تموز) 2024. لكن عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات أظهرت أيضاً تقلبات أكبر خلال الأشهر الستة الماضية مقارنةً بأي نظير آخر في أوروبا الغربية.

وعندما سُئلت ريفز عمَّا إذا كانت قلقة من رد فعل السوق المحتمل على بيانها في 26 مارس، قالت إنها لن تُدلي بتعليق مستمر بشأن الاستعدادات. وأشارت لـ«رويترز»، على هامش قمة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا، إلى أنه «تم اتخاذ الإجراءات اللازمة في أكتوبر (تشرين الأول) لضمان استقرار المال العام». وأكدت ريفز أنها ستتخذ الخطوات الضرورية لتحقيق التوازن المالي إذا لزم الأمر.

من جهته، حذر بنك «بي إن بي باريبا» من أن السوق قد يرى الإجراءات الصارمة في 26 مارس على أنها خطوة مفرطة قد تؤدي إلى حالة من الذعر، بينما قد تفضل الحكومة خفض الإنفاق في المستقبل القريب، وربما تتبنى تدابير ضريبية لاحقاً في البرلمان. وفي هذا السياق، أشار فان لو، رئيس استراتيجية العملات والدخل الثابت في «راسل للاستثمارات»، إلى أن الجنيه الإسترليني والسندات الحكومية ستستجيبان بشكل أفضل لتخفيضات الإنفاق مقارنةً بزيادة الضرائب. وأضاف أن «هذا هو الخيار السياسي الذي ستتخذه الحكومة، لكن المشاركين في السوق سيكونون بالتأكيد أكثر تفضيلاً لخفض الإنفاق». وأوضح ليام أودونيل، مدير الدخل الثابت في «أرتميس»، أن السندات الحكومية البريطانية تبدو جاذبة بعوائدها الحالية، لكن العنصر الأهم يبقى في محدودية الحيز المالي المتاح لحكومة حزب العمال.


مقالات ذات صلة

اجتماعات الربيع تنطلق في واشنطن على وقع فشل «دبلوماسية إسلام آباد»

الاقتصاد تظهر لافتات اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي لعام 2026 خارج مقر الصندوق في واشنطن (أ.ف.ب)

اجتماعات الربيع تنطلق في واشنطن على وقع فشل «دبلوماسية إسلام آباد»

يشد صناّع السياسة الاقتصادية العالمية الرحال إلى واشنطن، يوم الاثنين، لتقييم ومعالجة الأضرار الجسيمة التي خلّفتها الحرب على إيران في مفاصل النمو العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بانغا يلقي كلمة في منتدى عُقد بمبنى المجلس الأطلسي بواشنطن في 7 أبريل (رويترز)

رئيس البنك الدولي: تداعيات الحرب «متسلسلة» حتى لو صمد وقف إطلاق النار

حذر رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، من أن الحرب في الشرق الأوسط سيكون لها تأثير متسلسل على الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار بنك كوريا على قمة مبناه في سيول (رويترز)

بنك كوريا يثبّت الفائدة ويحذّر من ضبابية اقتصادية بسبب الحرب

أبقى البنك المركزي الكوري الجنوبي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، يوم الجمعة، محذّراً من مسار اقتصادي شديد الضبابية، في ظل اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد ميناء الحاويات في لونغ بيتش كاليفورنيا (رويترز)

بعد تخفيض التقديرات... الاقتصاد الأميركي ينمو 0.5 % في الربع الأخير

أعلنت وزارة التجارة الأميركية، الخميس، أن الاقتصاد الذي تباطأ نموه نتيجة الإغلاق الحكومي خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي ضعيف بلغ 0.5% خلال الربع الأخير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفن هاسيت خلال مقابلة تلفزيونية مباشرة في البيت الأبيض (رويترز)

هاسيت: أزمة الشرق الأوسط لا تستدعي رفع الفائدة

رفض كيفن هاسيت، مدير «المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي»، الخميس، فكرة أن أزمة الشرق الأوسط قد تستدعي رفع أسعار الفائدة، مؤكداً أن تأثيرها سيكون محدوداً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجدعان: «اجتماعات الربيع» تناقش آفاق الاقتصاد العالمي في ظل التطورات الجيوسياسية

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أ.ف.ب)
TT

الجدعان: «اجتماعات الربيع» تناقش آفاق الاقتصاد العالمي في ظل التطورات الجيوسياسية

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أ.ف.ب)

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين تمثل منصة مهمة لمناقشة آفاق الاقتصاد العالمي في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة، مشدداً على أهمية التعاون الدولي لمواجهة التحديات الاقتصادية المتسارعة.

ويتوجه الجدعان، برفقة محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري، للمشاركة في اجتماعات الربيع لعام 2026، بالإضافة إلى الاجتماع الأول لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين الذي يعقد تحت رئاسة الولايات المتحدة.

وتأتي مشاركة الجدعان في هذه المحافل الدولية بصفته رئيساً للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة لصندوق النقد الدولي، وهو المنصب الذي يعكس ثقل المملكة وتأثيرها في رسم السياسات المالية والنقدية العالمية، حيث تقود اللجنة النقاشات حول استقرار النظام المالي الدولي ومواجهة الأزمات الاقتصادية العابرة للحدود.


وزير الطاقة السعودي يبحث مع مسؤول كوري تعزيز استقرار الإمدادات

وزير الطاقة السعودي ملتقياً رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية (وزارة الطاقة)
وزير الطاقة السعودي ملتقياً رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية (وزارة الطاقة)
TT

وزير الطاقة السعودي يبحث مع مسؤول كوري تعزيز استقرار الإمدادات

وزير الطاقة السعودي ملتقياً رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية (وزارة الطاقة)
وزير الطاقة السعودي ملتقياً رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية (وزارة الطاقة)

التقى وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في الرياض، يوم الأحد، رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية، كانغ هون سيك.

وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في مختلف مجالات الطاقة، مع التركيز بشكل خاص على الجهود الرامية إلى دعم استقرار الأسواق وضمان موثوقية الإمدادات، وفق بيان وزارة الطاقة.

يأتي هذا اللقاء رفيع المستوى في توقيت مهم، حيث تعاني سلاسل توريد الطاقة العالمية من ضغوط شديدة نتيجة تعطل الملاحة في مضيق هرمز.

وتعتبر كوريا الجنوبية من أكثر القوى الاقتصادية تأثراً بهذا الإغلاق، فهي تعتمد على مضيق هرمز لمرور نحو 70 في المائة من وارداتها النفطية، وتعتبر السعودية المصدر الأول والموثوق لهذه الإمدادات.

ومع تراجع حركة الملاحة في المضيق بنسبة 80 في المائة، تسعى سيول للحصول على ضمانات من شركائها الرئيسيين في منظمة «أوبك»، لتأمين مسارات بديلة أو جدولة شحنات طارئة من مواقع تخزين خارج منطقة النزاع.


وزير المالية السعودي يرأس وفد المملكة في «اجتماعات الربيع» بواشنطن

الجدعان مترئساً اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في الصندوق خلال اجتماعات الخريف (صندوق النقد)
الجدعان مترئساً اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في الصندوق خلال اجتماعات الخريف (صندوق النقد)
TT

وزير المالية السعودي يرأس وفد المملكة في «اجتماعات الربيع» بواشنطن

الجدعان مترئساً اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في الصندوق خلال اجتماعات الخريف (صندوق النقد)
الجدعان مترئساً اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في الصندوق خلال اجتماعات الخريف (صندوق النقد)

يترأس وزير المالية السعودي محمد الجدعان وفد المملكة المشارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026، والمقرر انعقادها في العاصمة الأميركية واشنطن بين 13 و18 أبريل (نيسان) الحالي.

وفق بيان صادر عن وزارة المالية، يضم الوفد السعودي محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري، ومساعد وزير المالية للسياسات المالية الكلية والعلاقات الدولية المهندس عبد الله بن زرعة، ووكيل رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية الدكتور رياض الخريّف، ووكيل محافظ البنك المركزي للاستثمار ماجد العواد، ووكيل وزارة المالية للعلاقات الدولية خالد باوزير، والرئيس التنفيذي للصندوق السعودي للتنمية سلطان المرشد، والرئيس التنفيذي للمركز الوطني لإدارة الدين هاني المديني، بالإضافة إلى عدد من المختصين من وزارة المالية، والبنك المركزي السعودي، والصندوق السعودي للتنمية، والمركز الوطني لإدارة الدين.

على هامش هذه الاجتماعات، يشارك الجدعان والسياري في الاجتماع الأول لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين، الذي يُعقد هذا العام تحت رئاسة الولايات المتحدة.

كما سيترأس الجدعان اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة لصندوق النقد الدولي، إذ ستناقش اللجنة أبرز تطورات الاقتصاد العالمي، وآفاق النمو، والتحديات التي تواجه الاقتصاد الدولي، إضافة إلى سبل تعزيز استقرار النظام المالي العالمي ودعم جهود التعاون متعدد الأطراف.

يشارك وزير المالية في اجتماع لجنة التنمية التابعة لمجموعة البنك الدولي، الذي سيناقش عدداً من القضايا الاقتصادية والتنموية ذات الأولوية، بما في ذلك التحديات التي تواجه الاقتصادات العالمية والناشئة، وتوجهات مجموعة البنك الدولي الاستراتيجية لتوفير فرص العمل.

ومن المقرر أن تُعقد على هامش هذه الاجتماعات عدد من النقاشات والجلسات الجانبية لبحث الموضوعات الاقتصادية والمالية ذات الأولوية، بما في ذلك آفاق النمو الاقتصادي العالمي في ظل التطورات الجيوسياسية، إلى جانب مناقشة تعزيز مرونة النظام المالي العالمي، ودور المؤسسات المالية الدولية في دعم الاستقرار الاقتصادي والتنمية، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف.

وتُعد اجتماعات الربيع منصةً دوليةً تجمع وزراء المالية، ومحافظي البنوك المركزية، وكبار المسؤولين من المؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص، لمناقشة أبرز القضايا المرتبطة بالاقتصاد العالمي، والنظام المالي الدولي، والتحديات الاقتصادية ذات الاهتمام المشترك.