الصين تفرض رسوماً انتقامية 15 % على الصادرات الأميركية الزراعية

قيمتها نحو 21 مليار دولار... ووضع 25 شركة تحت قيود التصدير والاستثمار

آلاف الحاويات في طريقها إلى التصدير بميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
آلاف الحاويات في طريقها إلى التصدير بميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تفرض رسوماً انتقامية 15 % على الصادرات الأميركية الزراعية

آلاف الحاويات في طريقها إلى التصدير بميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
آلاف الحاويات في طريقها إلى التصدير بميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

أكدت الصين، الثلاثاء، أنها مستعدة للرد «حتى النهاية» بعدما فرضت رسوماً جمركية على مجموعة من السلع الأميركية، رداً على رسوم جديدة فرضتها واشنطن على منتجات صينية. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال واصلت واشنطن شن «حرب الرسوم الجمركية وحرب تجارية أو أي شكل من أشكال النزاعات ستكون الصين مستعدة لمجاراتها حتى النهاية».

وردَّت الصين بسرعة، يوم الثلاثاء، على الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة، معلنةً زيادات في رسوم الاستيراد تغطي منتجات زراعية وغذائية أميركية بقيمة 21 مليار دولار، مما يدفع أكبر اقتصادين في العالم خطوةً نحو حرب تجارية شاملة.

كما وضعت بكين 25 شركة أميركية تحت قيود التصدير والاستثمار لأسباب تتعلق بالأمن القومي، لكنها امتنعت عن معاقبة أي أسماء معروفة، كما فعلت عندما ردت على الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الرابع من فبراير (شباط) الماضي.

وفي مؤتمر صحافي بالعاصمة بكين، قالت وزارة الخارجية الصينية إن البلاد لم تستسلم أبداً للابتزاز أو الإكراه، وإن «محاولة ممارسة ضغوط شديدة على الصين هي سوء تقدير وخطأ».

وقالت وزارة التجارة الصينية، في بيان منفصل: «الرسوم الجمركية أحادية الجانب التي فرضتها الولايات المتحدة تنتهك على نحو خطير قواعد منظمة التجارة العالمية، وتقوِّض أساس التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والولايات المتحدة». وأضاف البيان: «ستحافظ الصين بقوة على حقوقها ومصالحها المشروعة».

جاء أحدث التدابير الانتقامية الصينية في الوقت الذي دخلت فيه الرسوم الجمركية الإضافية البالغة 10 في المائة -التي هدد بها الرئيس الأميركي ثاني أكبر اقتصاد في العالم الأسبوع الماضي- حيِّز التنفيذ في الساعة 05:01 بتوقيت غرينتش يوم 4 مارس (آذار)، مما أدى إلى فرض تعريفة تراكمية بنسبة 20 في المائة رداً على ما يعده البيت الأبيض تقاعساً صينياً بشأن تدفقات المخدرات.

واتهمت الصين البيت الأبيض بـ«الابتزاز» بشأن زيادة الرسوم الجمركية، قائلةً إنها لديها واحدة من أكثر سياسات مكافحة المخدرات صرامةً في العالم.

ويقول المحللون إن بكين لا تزال تأمل في التفاوض على هدنة مع إدارة ترمب، حيث حددت عمداً زيادات التعريفات الجمركية إلى أقل من 20 في المائة لترك مساحة للمفاوضين الصينيين للتوصل إلى اتفاق، لكن كل تصعيد يقلل من فرصة التقارب.

وقال إيفن باي، محلل الزراعة في «تريفيوم تشاينا»: «تشير حكومة الصين إلى أنها لا تريد التصعيد». وأضاف: «من العدل أن نقول إننا في الأيام الأولى من الحرب التجارية الثانية»، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك وقت لتجنب حرب تجارية مطولة إذا تمكَّن ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ من التوصل إلى اتفاق.

وتمثل التعريفات الجمركية الأميركية الجديدة زيادة إضافية للرسوم الجمركية المفروضة مسبقاً على آلاف السلع الصينية. وتحمَّل بعض هذه المنتجات العبء الأكبر من الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة بشكل حاد في عهد الرئيس السابق جو بايدن العام الماضي، بما في ذلك مضاعفة الرسوم الجمركية على أشباه الموصلات الصينية إلى 50 في المائة، ومضاعفة الرسوم الجمركية على المركبات الكهربائية الصينية إلى أكثر من 100 في المائة.

وستطبَّق الرسوم الجمركية بنسبة 20 في المائة على كثير من واردات الإلكترونيات الاستهلاكية الأميركية الرئيسية من الصين التي لم يتم المساس بها من قبل، بما في ذلك الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة ألعاب الفيديو والساعات الذكية ومكبرات الصوت وأجهزة البلوتوث.

واستجابت الصين فور انتهاء الموعد النهائي، معلنةً أنها ستفرض رسوماً جمركية إضافية بنسبة 15 في المائة على الدجاج والقمح والذرة ومنتجات القطن الأميركية، وضريبة إضافية بنسبة 10 في المائة على فول الصويا والذرة الرفيعة ولحم الخنزير ولحم البقر والمنتجات المائية والفواكه والخضروات ومنتجات الألبان الأميركية، وذلك اعتباراً من 10 مارس الجاري.

وستؤثر الرسوم الإضافية في نحو 15 في المائة من صادرات الولايات المتحدة إلى الصين، أو ما قيمته 21 مليار دولار من التجارة، وفقاً لحسابات «رويترز» استناداً إلى بيانات الجمارك الأمريكية لعام 2024.

كما أضافت بكين 15 شركة أميركية إلى قائمة الرقابة على الصادرات، والتي تحظر على الشركات الصينية تزويد الشركات الأميركية بتقنيات ذات استخدام مزدوج، و10 شركات أميركية إلى قائمة الكيانات غير الموثوقة لبيع الأسلحة إلى تايوان، التي تدَّعي الصين أنها أراضيها الخاصة.

قال كاميرون جونسون، خبير سلسلة التوريد في «تيدالويف سولوشنز»، في إشارة إلى تهديدات ترمب خلال حملته الانتخابية: «ما زلنا على المسار الصحيح للوصول إلى 60 في المائة من التعريفات الجمركية».

وأضاف: «في الوقت الحالي، مع 20 في المائة، بالكاد يحرك ذلك بوصلة الشركات التي تريد نقل سلاسل التوريد المحتملة خارج البلاد. عند 35 في المائة، نبدأ في رؤية أن الشركات ستبدأ في التحرك أو النظر في استراتيجيات أخرى».

والصين هي أكبر سوق للمنتجات الزراعية الأميركية، وكان القطاع لفترة طويلة عُرضة للضغوط في أوقات التوترات التجارية. وانخفضت واردات الصين من السلع الزراعية الأميركية للعام الثاني على التوالي إلى 29.25 مليار دولار في عام 2024، مقارنةً بـ42.8 مليار دولار في عام 2022.

كانت أسواق العقود الآجلة في الصين مستقرة بعد الإعلان. وشهدت العقود الآجلة لفول الصويا وبذور اللفت الأكثر تداولاً لأكبر مستورد زراعي في العالم زيادة بنسبة 2.5 في المائة يوم الاثنين، بعد أن ذكرت صحيفة «غلوبال تايمز» أن بكين تخطط لضرب الصادرات الزراعية الأميركية.

وتهدد التوترات التجارية بتفاقم التضخم في الولايات المتحدة والجهود المستمرة التي تبذلها الصين لتحقيق تعافٍ اقتصادي دائم بعد كوفيد، والذي كان يعتمد بشكل كبير على الصادرات.

وأشاد مجلس الأعمال الأميركي - الصيني يوم الثلاثاء، بهدف ترمب المتمثل في معالجة التجارة غير القانونية في الفنتانيل، لكنه قال إن رفع الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية «ليس الطريقة لتحقيق هذا الهدف... ستضر الرسوم الجمركية الشاملة بالشركات والمستهلكين والمزارعين الأميركيين وتقوض قدرتنا التنافسية العالمية».

وقال رئيس مجلس الأعمال الأميركي الصيني شون شتاين، في بيان: «إن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة قد تفيد دولاً ثالثة». ومنذ فرضت الولايات المتحدة والصين تعريفات جمركية متبادلة خلال ولاية ترمب الأولى، اتخذت بكين خطوات للحد من اعتمادها على السلع الزراعية الأميركية من خلال تعزيز الإنتاج في الداخل وشراء المزيد من دول مثل البرازيل. ويمكن للمصدرين الزراعيين الأميركيين أيضاً تكثيف الجهود لاستبدال السوق الصينية من خلال شحن المزيد إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا والهند.

وقال دينيس فوزنيسينكي، المحلل في بنك الكومنولث في سيدني: «يجب أن تكون التعريفات الجمركية الصينية على واردات القمح والذرة الأميركية داعمةً للطلب على صادرات القمح والشعير الأسترالية... ومع ذلك، فإن تباطؤ الصين الأخير في واردات الحبوب العلفية من جميع المناشئ من شأنه أن يخفف من الضغوط».

وفي الأسواق، قلص اليوان الصيني بعض مكاسبه السابقة مقابل الدولار يوم الثلاثاء، بعد فرض رسوم جمركية أميركية جديدة على السلع الصينية، مما أدى إلى تفاقم التوترات التجارية وهدد بفرض مزيد من الضغوط على الاقتصاد غير المتوازن.

لكنَّ سوق العملات بدت هادئة إلى حد كبير بعد الإجراءات الانتقامية الصينية، حسبما قال متعاملون، حيث لم يستعد اليوان المحلي سوى بعض مكاسبه الصباحية المتواضعة. وبحلول الساعة 05:51 بتوقيت غرينتش، ارتفع اليوان المحلي بنسبة 0.07 في المائة إلى 7.2826 يوان للدولار، وتداول نظيره الخارجي عند 7.2867 يوان للدولار.

وواصل بنك الشعب المركزي الصيني توجيه العملة بقوة قبل ساعات من فرض التعريفات الجمركية الأميركية المتوقعة. وكان البنك يقدم الدعم لسوق العملات من خلال تحديد نقاط منتصف ثابتة بشكل مستمر منذ منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث فسر التجار والمحللون هذه التحركات على أنها محاولة رسمية للحفاظ على ثبات اليوان.

ومع ذلك، «من المتوقع أن تسمح السلطات الصينية في النهاية لليوان بالتعديل استجابةً للتعريفات الجمركية الكبيرة، كما ظهر خلال تجارب الحرب التجارية السابقة في عامي 2018 و2019»، حسبما قال محللون في «نومورا» في مذكرة.


مقالات ذات صلة

الأسواق الآسيوية في «منطقة انتظار» قلقة وسط ترقب لمفاوضات التهدئة

الاقتصاد متداولو العملات يراقبون عبر الشاشات مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب «كوسبي» (أ.ب)

الأسواق الآسيوية في «منطقة انتظار» قلقة وسط ترقب لمفاوضات التهدئة

سيطرت حالة من الترقب والحذر على تعاملات الأسهم الآسيوية، الخميس، بينما تمسك الدولار بمكاسبه، حيث فضّل المستثمرون مراقبة التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مصفاة نفط في منطقة كيهين الصناعية في كاواساكي بجنوب طوكيو (رويترز)

النفط يرتفع مجدداً مع إعادة المستثمرين تقييم آفاق وقف إطلاق النار بالشرق الأوسط

ارتفعت أسعار النفط، يوم الخميس، معوضةً بعض خسائر اليوم السابق، مع إعادة المستثمرين النظر في آفاق خفض التصعيد في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
خاص تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

خاص من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

قطاع «الفنتك» في السعودية ينتقل من التبنِّي السريع إلى تحديات التنفيذ مع الحاجة لتحديث الأنظمة والبيانات لتعزيز الابتكار والتوسع المستدام.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد مخازن نفطية في مقاطعة تشيبا اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تكثف تحركاتها لتأمين الطاقة وسط مخاطر حرب إيران

تسارعت التحركات اليابانية لمواجهة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

أظهر محضر اجتماع شهر يناير أن عدداً من صانعي السياسة النقدية ببنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

الذهب يهبط بأكثر من 1 % مع تقييم الأسواق لفرص وقف إطلاق النار

سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة بشركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)
سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة بشركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)
TT

الذهب يهبط بأكثر من 1 % مع تقييم الأسواق لفرص وقف إطلاق النار

سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة بشركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)
سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة بشركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)

هبطت أسعار الذهب، يوم الخميس، متأثرةً بازدياد التوقعات برفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة هذا العام، في وقت أدت فيه أسعار النفط المرتفعة إلى تعزيز المخاوف من التضخم، في ظلِّ ترقب المستثمرين لتطور جهود خفض التصعيد في الشرق الأوسط.

وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 1.2 في المائة إلى 4451.47 دولار للأونصة بحلول الساعة 08:11 بتوقيت غرينتش، بينما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 2.3 في المائة إلى 4448 دولاراً، وفق «رويترز».

وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «تايستي لايف»: «نشهد تسارعاً في ترسيخ فكرة أن هذه الحرب ستؤدي إلى التضخم، والتضخم سيستدعي رداً من البنوك المركزية، ما يعني رفع أسعار الفائدة».

وعادت العقود الآجلة لخام برنت للارتفاع فوق 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من أنَّ استمرار القتال في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى مزيد من اضطراب تدفقات الطاقة.

وعادةً ما يعزِّز ارتفاع أسعار النفط التضخم، مما يجعل الذهب أداة تحوط جذابة، بينما تعمل أسعار الفائدة المرتفعة على تقليل الطلب على هذا الأصل الذي لا يُدرّ عائداً.

وتتوقَّع الأسواق احتمالاً بنسبة 37 في المائة لرفع أسعار الفائدة الأميركية بحلول ديسمبر (كانون الأول) من هذا العام، مع شبه استبعاد أي خفض لها في الوقت الراهن، وفقاً لأداة «فيد ووتش» بعد أن كانت التوقعات قبل اندلاع النزاع تشير إلى احتمال خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل.

وأشار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى أنَّ إيران تسعى للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء نحو 4 أسابيع من القتال، في مقابل تصريح وزير الخارجية الإيراني بأن بلاده تدرس مقترحاً أميركياً لكنها لا تعتزم إجراء محادثات لإنهاء النزاع.

وقال كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية في «كابيتال دوت كوم»: «خلال الـ24 إلى 48 ساعة المقبلة، ستتأثر أسعار الذهب فقط بالعناوين الرئيسية المتعلقة بالمفاوضات. ومن المرجح أن تحدث التحركات الكبرى في بداية الأسبوع المقبل، حين يتضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن غزواً برياً على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع».

وأضافت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، يوم الأربعاء، أن ترمب تعهد بضرب إيران بقوة أكبر إذا لم تعترف طهران بهزيمتها العسكرية.

كما هبط سعر الفضة الفوري بنسبة 2.7 في المائة إلى 69.36 دولار للأونصة، وسجَّل البلاتين الفوري تراجعاً بنسبة 2.3 في المائة إلى 1874.90 دولار، في حين انخفض البلاديوم بنسبة 2.5 في المائة إلى 1387.53 دولار.


«البنك الأوروبي لإعادة الإعمار» يحذر من تباطؤ نمو الأسواق النامية بسبب أسعار الطاقة

مقر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في لندن (رويترز)
مقر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في لندن (رويترز)
TT

«البنك الأوروبي لإعادة الإعمار» يحذر من تباطؤ نمو الأسواق النامية بسبب أسعار الطاقة

مقر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في لندن (رويترز)
مقر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في لندن (رويترز)

حذَّر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية»، يوم الخميس، من أنَّ توقعات النمو لبعض الأسواق النامية قد تُراجع بالخفض بنسبة تصل إلى 0.4 نقطة مئوية في التوقعات الاقتصادية الإقليمية المقبلة في يونيو (حزيران)، إذا استمرَّت أسعار الطاقة مرتفعة. ويأتي هذا بعد أن ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، التي ردَّت بإغلاق مضيق هرمز الحيوي فعلياً.

وفي الشهر الماضي، توقَّع البنك نمواً بنسبة 3.6 في المائة هذا العام و3.7 في المائة في 2027 لنحو 40 دولة يغطيها البنك. وأشار إلى أن تأثير الحرب على الاقتصاد سيعتمد على مدتها، ومدى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة، وفق «رويترز».

وأوضح البنك أن «الآثار السلبية المباشرة على نمو الناتج المحلي الإجمالي ستتفاقم عبر ارتفاع تكاليف الطاقة، وأسعار الأسمدة والمواد الغذائية الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد، وتراجع السياحة، والتحويلات المالية من دول مجلس التعاون الخليجي، ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم وزيادة الضغوط على الموازنات الحكومية، وتشديد شروط التمويل استجابةً لتفاقم التضخم».

وحذر البنك من أن استمرار أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، إلى جانب اضطراب سلاسل التوريد، قد يزيدان التضخم العالمي بأكثر من 1.5 نقطة مئوية.

وأشار البنك إلى أن لبنان والأردن والعراق ومصر وأوكرانيا ومنغوليا والسنغال وتونس ومولدوفا وكينيا وتركيا ومقدونيا الشمالية هي أكثر الاقتصادات تأثراً، نظراً لاعتمادها على الطاقة والغذاء، والقدرة المحدودة على امتصاص الصدمات الاقتصادية. كما تعاني مصر والمغرب والسنغال من عجز تجاري كبير في الطاقة واعتماد ملحوظ على واردات النفط.

على الجانب الآخر، تُظهر أذربيجان والعراق وكازاخستان ومنغوليا ونيجيريا فوائض في تجارة النفط والغاز تتراوح بين 11 في المائة و39 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن البنك لفت إلى انخفاض الإنتاج أو توقفه في أكبر حقول النفط العراقية.

وفي المقابل، قد تحقِّق روسيا «مكاسب غير متوقعة» من صادرات النفط والغاز والأسمدة، تُقدَّر بنحو 1.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025 مقابل كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط، وفقاً لتقديرات البنك.

كما أشار البنك إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 180 دولاراً للبرميل إذا استمرت محدودية الإمدادات من دول الخليج، نظراً لانخفاض مرونة الطلب على المدى القصير.


الحرب الإيرانية تعطل سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي وتضعف الطلب الآسيوي

خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)
خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)
TT

الحرب الإيرانية تعطل سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي وتضعف الطلب الآسيوي

خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)
خزانات الغاز الطبيعي المُسال في محطة بتروتشاينا بداليان - الصين (رويترز)

تُحدث الحرب مع إيران اضطراباً واسعاً في آفاق الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إذ أدَّت الأسعار المرتفعة، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للتصدير لدى قطر، واحتمالات تأخر الإمدادات الجديدة، إلى إثارة الشكوك حول الطلب المتوقع سابقاً من المشترين الآسيويين الحساسين للأسعار.

قبل الحرب، كان المحللون يتوقعون أن يرتفع المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنسبة تصل إلى 10 في المائة هذا العام ليصل إلى ما بين 460 مليون و484 مليون طن متري، مع توقع نمو الطلب بوتيرة مماثلة، وفق «رويترز».

لكن الآن، ومع قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز - الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية - إلى جانب الأضرار التي لحقت بوحدات التسييل في قطر، والتي أدَّت إلى خروج طاقة إنتاجية تبلغ 12.8 مليون طن سنوياً من الخدمة لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، قامت شركات الاستشارات «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي» و«آي سي آي إس» و«كبلر» و«رايستاد إنرجي» بخفض توقعاتها للإمدادات العالمية بما يصل إلى 35 مليون طن.

ويعادل هذا الحجم نحو 500 شحنة من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يكفي لتلبية أكثر من نصف واردات اليابان السنوية أو كامل واردات بنغلاديش لمدة خمس سنوات.

تمرّ سيارة بالقرب من منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المُسال التابعة لشركة قطر للطاقة في مدينة رأس لفان الصناعية (رويترز)

وقال لوسيان مولبرغ، المحلل في «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي»: «نتوقع أن تؤدي أزمة أسعار الغاز هذه إلى إعادة نظر بعض الدول في وتيرة نمو الطلب على الغاز مقارنة بتوقعاتنا السابقة، وبالتالي سيكون نمو الطلب على الغاز الطبيعي المسال أقل مما كنا نتوقع قبل الحرب».

وتتوقع «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي» انخفاض صادرات قطر والإمارات العربية المتحدة بمقدار 33 مليون طن هذا العام، كما خفّضت توقعاتها للإمدادات بنحو 19 مليون طن سنوياً خلال الفترة من 2027 إلى 2029، بسبب التأخيرات المتوقعة في توسعة حقل الشمال في قطر ومشروعات الرويس للغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «أدنوك»، والتي لا تزال قيد الإنشاء.

الأسعار تتجاوز نطاق الراحة للمشترين الآسيويين

في ظل صدمة الإمدادات، قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا بنسبة 143 في المائة منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير (شباط)، في ثاني موجة ارتفاع كبيرة خلال أربع سنوات بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

وعند مستوى يفوق 25.30 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، أصبحت الأسعار أعلى بكثير من عتبة 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وهي النقطة التي يبدأ عندها الطلب في الأسواق الناشئة بالانتعاش. ويتوقع المحللون أن تبقى الأسعار فوق هذا المستوى حتى عام 2027.

ويتوقع بنك «رابوبانك» أن يبلغ متوسط الأسعار في آسيا 16.62 دولار هذا العام و13.60 دولار في 2027، في حين رفع بنك «يو بي إس» توقعاته إلى 23.60 دولار هذا العام و14.50 دولار للعام المقبل.

وقالت لورا بيج، مديرة «إل إن جي إنسايت» في شركة «كبلر»: «على المدى القريب، يعاد توازن السوق بشكل أساسي من خلال ارتفاع الأسعار وتدمير الطلب في جنوب آسيا».

تراجع الطلب الصناعي

يذهب نحو 80 في المائة من إمدادات قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا. ويبحث المشترون الحساسون للأسعار مثل بنغلادش والهند عن بدائل، مع التحول إلى الفحم والغاز المحلي.

أما باكستان، التي تعتمد بشكل كبير على قطر في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، فقد بدأت في ترشيد الطاقة عبر اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام. كما يتراجع الطلب في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والمنسوجات.

وقال إقبال أحمد، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «باكستان غاز بورت»، التي تمتلك محطة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال: «هناك عملية تدمير للطلب جارية».

وفي الهند، تأثرت أيضاً صناعات البتروكيماويات والسيراميك، بحسب مصادر صناعية.

ومن غير المرجح أن تتمكن الولايات المتحدة، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، من سد فجوة الإمدادات، إذ تعمل محطات التصدير الأميركية بالقرب من طاقتها القصوى، كما أن معظم الكميات مرتبطة بعقود طويلة الأجل.

وقال سيب كينيدي، المحلل المستقل في «إنرجي فلوكس نيوز»: «لا توجد طريقة سهلة لتعويض الكميات المفقودة، ولا يمكن لأي تحسين في إدارة المحافظ أو تبادل الشحنات أن يسد الفجوة بين العرض المفقود والطلب الحالي... وهو ما يمثل ضربة كبيرة لأمن الطاقة للدول التي تعتمد على هذه الإمدادات».

وقد تدفع الأزمة إلى تسريع التوجُّه نحو بدائل الطاقة المحلية في آسيا، مما قد يؤدي إلى تدمير دائم للطلب على الغاز الطبيعي المسال، بحسب سام رينولدز، رئيس أبحاث الغاز الطبيعي المسال في معهد «اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي» الداعم للطاقة المتجددة.

مشترو الغاز في شمال آسيا غير متأثرين بشكل كبير

وكانت الصين، أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال، قد بدأت بالفعل في تقليل اعتمادها عليه. فقد شهدت وارداتها نمواً سريعاً على مدى عقد، قبل أن تتحول بكين إلى زيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز واردات الغاز عبر الأنابيب من روسيا، والاستثمار في الطاقة المتجددة.

وقال متداول غاز حكومي صيني إن النمو المستمر في الإنتاج المحلي، وزيادة الإمدادات عبر خط أنابيب «قوة سيبيريا»، واستمرار تدفقات «مشروع القطب الشمالي للغاز الطبيعي المُسال 2» الروسي، كفيلة بتعويض فقدان الإمدادات القطرية، التي تمثل نحو 6 في المائة فقط من استهلاك الصين السنوي من الغاز البالغ نحو 400 مليار متر مكعب.

خزانات ومرافق تخزين النفط في منشأة تابعة لشركة سينوبك في شنغهاي - الصين (رويترز)

أما في الأسواق الأقل حساسية للأسعار، مثل اليابان وكوريا الجنوبية - ثاني وثالث أكبر مستوردين - فمن غير المرجح أن تغيّر الحرب بشكل جوهري خطط شراء الغاز، نظراً لغياب إنتاج محلي كبير أو إمدادات عبر الأنابيب.

وأكدت شركة «جيرا»، أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال في اليابان، أن قطر لا تزال مورداً موثوقاً، وأن نهجها التعاقدي لن يتغير.

وقال المسؤول التنفيذي ريوسكي تسوغارو: «لا أعتقد أن الحقيقة الأساسية، وهي أن الشرق الأوسط - وقطر بشكل خاص - يلعب دوراً مهماً، ستتغير».