الصين تفرض رسوماً انتقامية 15 % على الصادرات الأميركية الزراعية

قيمتها نحو 21 مليار دولار... ووضع 25 شركة تحت قيود التصدير والاستثمار

آلاف الحاويات في طريقها إلى التصدير بميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
آلاف الحاويات في طريقها إلى التصدير بميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تفرض رسوماً انتقامية 15 % على الصادرات الأميركية الزراعية

آلاف الحاويات في طريقها إلى التصدير بميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
آلاف الحاويات في طريقها إلى التصدير بميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

أكدت الصين، الثلاثاء، أنها مستعدة للرد «حتى النهاية» بعدما فرضت رسوماً جمركية على مجموعة من السلع الأميركية، رداً على رسوم جديدة فرضتها واشنطن على منتجات صينية. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال واصلت واشنطن شن «حرب الرسوم الجمركية وحرب تجارية أو أي شكل من أشكال النزاعات ستكون الصين مستعدة لمجاراتها حتى النهاية».

وردَّت الصين بسرعة، يوم الثلاثاء، على الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة، معلنةً زيادات في رسوم الاستيراد تغطي منتجات زراعية وغذائية أميركية بقيمة 21 مليار دولار، مما يدفع أكبر اقتصادين في العالم خطوةً نحو حرب تجارية شاملة.

كما وضعت بكين 25 شركة أميركية تحت قيود التصدير والاستثمار لأسباب تتعلق بالأمن القومي، لكنها امتنعت عن معاقبة أي أسماء معروفة، كما فعلت عندما ردت على الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الرابع من فبراير (شباط) الماضي.

وفي مؤتمر صحافي بالعاصمة بكين، قالت وزارة الخارجية الصينية إن البلاد لم تستسلم أبداً للابتزاز أو الإكراه، وإن «محاولة ممارسة ضغوط شديدة على الصين هي سوء تقدير وخطأ».

وقالت وزارة التجارة الصينية، في بيان منفصل: «الرسوم الجمركية أحادية الجانب التي فرضتها الولايات المتحدة تنتهك على نحو خطير قواعد منظمة التجارة العالمية، وتقوِّض أساس التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والولايات المتحدة». وأضاف البيان: «ستحافظ الصين بقوة على حقوقها ومصالحها المشروعة».

جاء أحدث التدابير الانتقامية الصينية في الوقت الذي دخلت فيه الرسوم الجمركية الإضافية البالغة 10 في المائة -التي هدد بها الرئيس الأميركي ثاني أكبر اقتصاد في العالم الأسبوع الماضي- حيِّز التنفيذ في الساعة 05:01 بتوقيت غرينتش يوم 4 مارس (آذار)، مما أدى إلى فرض تعريفة تراكمية بنسبة 20 في المائة رداً على ما يعده البيت الأبيض تقاعساً صينياً بشأن تدفقات المخدرات.

واتهمت الصين البيت الأبيض بـ«الابتزاز» بشأن زيادة الرسوم الجمركية، قائلةً إنها لديها واحدة من أكثر سياسات مكافحة المخدرات صرامةً في العالم.

ويقول المحللون إن بكين لا تزال تأمل في التفاوض على هدنة مع إدارة ترمب، حيث حددت عمداً زيادات التعريفات الجمركية إلى أقل من 20 في المائة لترك مساحة للمفاوضين الصينيين للتوصل إلى اتفاق، لكن كل تصعيد يقلل من فرصة التقارب.

وقال إيفن باي، محلل الزراعة في «تريفيوم تشاينا»: «تشير حكومة الصين إلى أنها لا تريد التصعيد». وأضاف: «من العدل أن نقول إننا في الأيام الأولى من الحرب التجارية الثانية»، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك وقت لتجنب حرب تجارية مطولة إذا تمكَّن ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ من التوصل إلى اتفاق.

وتمثل التعريفات الجمركية الأميركية الجديدة زيادة إضافية للرسوم الجمركية المفروضة مسبقاً على آلاف السلع الصينية. وتحمَّل بعض هذه المنتجات العبء الأكبر من الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة بشكل حاد في عهد الرئيس السابق جو بايدن العام الماضي، بما في ذلك مضاعفة الرسوم الجمركية على أشباه الموصلات الصينية إلى 50 في المائة، ومضاعفة الرسوم الجمركية على المركبات الكهربائية الصينية إلى أكثر من 100 في المائة.

وستطبَّق الرسوم الجمركية بنسبة 20 في المائة على كثير من واردات الإلكترونيات الاستهلاكية الأميركية الرئيسية من الصين التي لم يتم المساس بها من قبل، بما في ذلك الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة ألعاب الفيديو والساعات الذكية ومكبرات الصوت وأجهزة البلوتوث.

واستجابت الصين فور انتهاء الموعد النهائي، معلنةً أنها ستفرض رسوماً جمركية إضافية بنسبة 15 في المائة على الدجاج والقمح والذرة ومنتجات القطن الأميركية، وضريبة إضافية بنسبة 10 في المائة على فول الصويا والذرة الرفيعة ولحم الخنزير ولحم البقر والمنتجات المائية والفواكه والخضروات ومنتجات الألبان الأميركية، وذلك اعتباراً من 10 مارس الجاري.

وستؤثر الرسوم الإضافية في نحو 15 في المائة من صادرات الولايات المتحدة إلى الصين، أو ما قيمته 21 مليار دولار من التجارة، وفقاً لحسابات «رويترز» استناداً إلى بيانات الجمارك الأمريكية لعام 2024.

كما أضافت بكين 15 شركة أميركية إلى قائمة الرقابة على الصادرات، والتي تحظر على الشركات الصينية تزويد الشركات الأميركية بتقنيات ذات استخدام مزدوج، و10 شركات أميركية إلى قائمة الكيانات غير الموثوقة لبيع الأسلحة إلى تايوان، التي تدَّعي الصين أنها أراضيها الخاصة.

قال كاميرون جونسون، خبير سلسلة التوريد في «تيدالويف سولوشنز»، في إشارة إلى تهديدات ترمب خلال حملته الانتخابية: «ما زلنا على المسار الصحيح للوصول إلى 60 في المائة من التعريفات الجمركية».

وأضاف: «في الوقت الحالي، مع 20 في المائة، بالكاد يحرك ذلك بوصلة الشركات التي تريد نقل سلاسل التوريد المحتملة خارج البلاد. عند 35 في المائة، نبدأ في رؤية أن الشركات ستبدأ في التحرك أو النظر في استراتيجيات أخرى».

والصين هي أكبر سوق للمنتجات الزراعية الأميركية، وكان القطاع لفترة طويلة عُرضة للضغوط في أوقات التوترات التجارية. وانخفضت واردات الصين من السلع الزراعية الأميركية للعام الثاني على التوالي إلى 29.25 مليار دولار في عام 2024، مقارنةً بـ42.8 مليار دولار في عام 2022.

كانت أسواق العقود الآجلة في الصين مستقرة بعد الإعلان. وشهدت العقود الآجلة لفول الصويا وبذور اللفت الأكثر تداولاً لأكبر مستورد زراعي في العالم زيادة بنسبة 2.5 في المائة يوم الاثنين، بعد أن ذكرت صحيفة «غلوبال تايمز» أن بكين تخطط لضرب الصادرات الزراعية الأميركية.

وتهدد التوترات التجارية بتفاقم التضخم في الولايات المتحدة والجهود المستمرة التي تبذلها الصين لتحقيق تعافٍ اقتصادي دائم بعد كوفيد، والذي كان يعتمد بشكل كبير على الصادرات.

وأشاد مجلس الأعمال الأميركي - الصيني يوم الثلاثاء، بهدف ترمب المتمثل في معالجة التجارة غير القانونية في الفنتانيل، لكنه قال إن رفع الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية «ليس الطريقة لتحقيق هذا الهدف... ستضر الرسوم الجمركية الشاملة بالشركات والمستهلكين والمزارعين الأميركيين وتقوض قدرتنا التنافسية العالمية».

وقال رئيس مجلس الأعمال الأميركي الصيني شون شتاين، في بيان: «إن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة قد تفيد دولاً ثالثة». ومنذ فرضت الولايات المتحدة والصين تعريفات جمركية متبادلة خلال ولاية ترمب الأولى، اتخذت بكين خطوات للحد من اعتمادها على السلع الزراعية الأميركية من خلال تعزيز الإنتاج في الداخل وشراء المزيد من دول مثل البرازيل. ويمكن للمصدرين الزراعيين الأميركيين أيضاً تكثيف الجهود لاستبدال السوق الصينية من خلال شحن المزيد إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا والهند.

وقال دينيس فوزنيسينكي، المحلل في بنك الكومنولث في سيدني: «يجب أن تكون التعريفات الجمركية الصينية على واردات القمح والذرة الأميركية داعمةً للطلب على صادرات القمح والشعير الأسترالية... ومع ذلك، فإن تباطؤ الصين الأخير في واردات الحبوب العلفية من جميع المناشئ من شأنه أن يخفف من الضغوط».

وفي الأسواق، قلص اليوان الصيني بعض مكاسبه السابقة مقابل الدولار يوم الثلاثاء، بعد فرض رسوم جمركية أميركية جديدة على السلع الصينية، مما أدى إلى تفاقم التوترات التجارية وهدد بفرض مزيد من الضغوط على الاقتصاد غير المتوازن.

لكنَّ سوق العملات بدت هادئة إلى حد كبير بعد الإجراءات الانتقامية الصينية، حسبما قال متعاملون، حيث لم يستعد اليوان المحلي سوى بعض مكاسبه الصباحية المتواضعة. وبحلول الساعة 05:51 بتوقيت غرينتش، ارتفع اليوان المحلي بنسبة 0.07 في المائة إلى 7.2826 يوان للدولار، وتداول نظيره الخارجي عند 7.2867 يوان للدولار.

وواصل بنك الشعب المركزي الصيني توجيه العملة بقوة قبل ساعات من فرض التعريفات الجمركية الأميركية المتوقعة. وكان البنك يقدم الدعم لسوق العملات من خلال تحديد نقاط منتصف ثابتة بشكل مستمر منذ منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث فسر التجار والمحللون هذه التحركات على أنها محاولة رسمية للحفاظ على ثبات اليوان.

ومع ذلك، «من المتوقع أن تسمح السلطات الصينية في النهاية لليوان بالتعديل استجابةً للتعريفات الجمركية الكبيرة، كما ظهر خلال تجارب الحرب التجارية السابقة في عامي 2018 و2019»، حسبما قال محللون في «نومورا» في مذكرة.


مقالات ذات صلة

طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع بما يدعم استقرار سوق العمل

الاقتصاد رجل يحمل شعار «وظائف أميركية» في مؤتمر سابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقر شركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان (رويترز)

طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع بما يدعم استقرار سوق العمل

أظهرت أحدث بيانات سوق العمل الأميركية صورة أكبر تماسكاً مما أوحت به أرقام الوظائف الضعيفة في يوليو (تموز) الماضي...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أعلام أميركا والصين (رويترز)

الرسوم على المسيَّرات تفتح جبهة توتر تجاري جديدة بين أميركا والصين

فتحت الولايات المتحدة جبهة جديدة في التوتر التجاري والتكنولوجي مع الصين بعدما قررت فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على واردات الطائرات المسيَّرة ومكوناتها

«الشرق الأوسط» (بكين - واشنطن)
الاقتصاد سفينة حاويات في ميناء العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

صادرات اليابان تقفز والوقود يرفع فاتورة الواردات

سجلت التجارة الخارجية اليابانية مستويات قياسية في يوليو (تموز) الماضي، مع قفزة قوية في الصادرات مدفوعة بالطلب العالمي على أشباه الموصلات...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

اليوان عند قمة 3 سنوات ونصف... وأسهم الصين تتعافى

استعادت الأسواق الصينية قدراً من توازنها، الخميس، مع ارتفاع الأسهم في الصين وهونغ كونغ بالتزامن مع صعود اليوان إلى أقوى مستوياته في ثلاثة أعوام ونصف.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد قطب الأعمال الصيني هوي كا يان والمعروف أيضاً باسم شو جياين مؤسس مجموعة «إيفرغراند» الصينية خلال محاكمته (أ.ف.ب)

من 45 مليار دولار إلى المؤبد... رحلة سقوط مؤسس «إيفرغراند»

تحولت قصة هوي كا يان، مؤسس مجموعة «إيفرغراند» الصينية، من واحدة من أبرز حكايات الصعود الاقتصادي في الصين إلى رمز صارخ للانهيار.

«الشرق الأوسط» (بكين)

عوائد السندات الأميركية تستأنف الصعود رغم دعم الخزانة للسيولة

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

عوائد السندات الأميركية تستأنف الصعود رغم دعم الخزانة للسيولة

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

استأنفت عوائد سندات الخزانة الأميركية صعودها الخميس، متخلية عن جزء كبير من تراجعات الجلسة السابقة، رغم إعلان وزارة الخزانة عن إجراءات لدعم السيولة في السندات والأوراق المالية الطويلة الأجل.

ويعكس ارتفاع العوائد استمرار الضغوط على تكاليف الاقتراض الطويلة الأجل في الولايات المتحدة، في وقت تجاوز فيه الدين السيادي الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى.

وكانت وزارة الخزانة أعلنت الأربعاء أنها ستضاعف «على الأقل» حجم عمليات إعادة شراء السندات الطويلة الأجل الهادفة إلى دعم السيولة، ما أدى في أعقاب الإعلان إلى انخفاض حاد في عوائد سندات الخزانة لأجل 10 و20 و30 عاماً، وساعد في تهدئة موجة بيع عالمية في أسواق السندات السيادية.

لكن العوائد عاودت الارتفاع الخميس؛ إذ صعد عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات 4.5 نقطة أساس إلى 4.698 في المائة، فيما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً 4.5 نقطة أساس إلى 5.239 في المائة. كما زاد عائد السندات لأجل عامين 1.5 نقطة أساس إلى 4.194 في المائة.

وقال روبرت تيب، كبير استراتيجيي الاستثمار ورئيس قسم السندات العالمية في «بي جي آي إم»، إن تحركات السوق الخميس تشير، في بعض جوانبها، إلى أن قرار الخزانة نجح في كبح وتيرة صعود العوائد الطويلة الأجل، حتى وإن لم يمنع ارتفاعها مجدداً.

وأضاف أن خفض العوائد الطويلة الأجل بصورة فعلية ليس هدفاً واقعياً في ظل أساسيات السوق، خصوصاً التضخم وتزايد الدين السيادي الأميركي.

وتأتي تحركات سوق السندات في وقت تواجه فيه الأسواق ضغوطاً إضافية من ارتفاع أسعار النفط والتوترات المرتبطة بالحرب مع إيران، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية ويعقد مسار السياسة النقدية الأميركية.

وفي مؤشر على توقعات التضخم، استقر معدل التعادل لعائد سندات الخزانة المحمية من التضخم لأجل 10 سنوات عند 2.316 في المائة، بما يشير إلى أن الأسواق تتوقع تضخماً متوسطه نحو 2.3 في المائة سنوياً خلال العقد المقبل.


المركزي المصري يثبّت أسعار الفائدة عند 19 و20 %

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

المركزي المصري يثبّت أسعار الفائدة عند 19 و20 %

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير في اجتماعه يوم الخميس، إذ ثبت سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19 في المائة، وسعر الإقراض لليلة واحدة عند 20 في المائة.

وقال البنك في بيان إن لجنة السياسة النقدية قررت الإبقاء على أسعار العائد الرئيسية عند مستوياتها الحالية، في وقت تواصل فيه السياسة النقدية موازنة تطورات التضخم والنشاط الاقتصادي والأوضاع المالية.

ويأتي القرار بعد أن خفض البنك المركزي أسعار الفائدة في اجتماعات سابقة، مع تراجع الضغوط التضخمية مقارنة بالمستويات المرتفعة التي شهدها الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية.


طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع بما يدعم استقرار سوق العمل

رجل يحمل شعار «وظائف أميركية» في مؤتمر سابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقر شركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان (رويترز)
رجل يحمل شعار «وظائف أميركية» في مؤتمر سابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقر شركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان (رويترز)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع بما يدعم استقرار سوق العمل

رجل يحمل شعار «وظائف أميركية» في مؤتمر سابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقر شركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان (رويترز)
رجل يحمل شعار «وظائف أميركية» في مؤتمر سابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقر شركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان (رويترز)

أظهرت أحدث بيانات سوق العمل الأميركية صورة أكبر تماسكاً مما أوحت به أرقام الوظائف الضعيفة في يوليو (تموز) الماضي، بعدما تراجع عدد المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانة البطالة خلال الأسبوع الماضي.

وتعزز الأرقام الاعتقاد بأن الشركات لا تزال مترددة في تسريح موظفيها، رغم أن رغبتها وقدرتها على إضافة وظائف جديدة تبدوان أكبر محدودية.

وقالت وزارة العمل الأميركية، الخميس، إن الطلبات الأولية للحصول على إعانات البطالة انخفضت بمقدار 6 آلاف طلب إلى 206 آلاف طلب بعد التعديل في ضوء العوامل الموسمية، خلال الأسبوع المنتهي في 15 أغسطس (آب) الحالي، مقارنة مع 212 ألفاً في الأسبوع السابق. وجاء الرقم أفضل من توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 210 آلاف طلب.

وتكتسب البيانات أهمية خاصة بعد الانخفاض المفاجئ في الوظائف خلال يوليو الماضي، عندما خسر الاقتصاد الأميركي 23 ألف وظيفة. فرغم ضعف التوظيف، فإن طلبات الإعانة تشير إلى عدم حدوث موجة تسريح واسعة؛ إذ تتحرك منذ بداية العام قرب الطرف الأدنى من نطاق تراوح بين 189 ألفاً و230 ألف طلب أسبوعياً.

وتعكس هذه المفارقة ما يصفها اقتصاديون بأنها سوق عمل «لا توظّف ولا تسرّح»؛ فالشركات التي عانت نقص العمالة بعد جائحة «كوفيد19» تبدو أكبر حذراً من التخلي عن موظفيها الحاليين، لكنها في الوقت نفسه ليست مستعدة لتوسيع التوظيف بقوة في ظل أسعار الفائدة المرتفعة وعدم اليقين الاقتصادي.

وتدعم معدلات البطالة هذه القراءة، إذ تراجع المعدل إلى 4.1 في المائة خلال يوليو الماضي، وهو مستوى لا يزال منخفضاً تاريخياً. لكن انخفاض البطالة لا يعني بالضرورة أن سوق العمل قوية بالدرجة نفسها التي كانت عليها قبل سنوات، خصوصاً مع تقلص المعروض من العمالة... فقد خرج أكثر من 1.3 مليون شخص من قوة العمل الأميركية خلال العام الماضي، في ظل تقاعد أعداد متصاعدة من جيل طفرة المواليد، ووسط تشديد إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، سياسات الهجرة؛ مما يعني أن عدداً أقل من الأشخاص يتنافسون على الوظائف المتاحة.

وتبدو المشكلة أوضح بالنسبة إلى الباحثين عن وظيفة جديدة. فقد ارتفع عدد الأشخاص الذين استمروا في الحصول على إعانات البطالة بعد الأسبوع الأول بمقدار 18 ألفاً إلى 1.799 مليون شخص خلال الأسبوع المنتهي في 8 أغسطس الحالي. ويُنظر إلى هذا المؤشر على أنه مقياس لقدرة العاطلين على العثور على وظائف جديدة، وبالتالي؛ فإن ارتفاعه يشير إلى أن إعادة التوظيف أصبحت أصعب حتى مع بقاء عمليات التسريح محدودة.

كما تكشف الأرقام الأطول أجلاً عن تباطؤ واضح مقارنة بمرحلة ما بعد الجائحة. فقد أضاف أصحاب العمل نحو 61 ألف وظيفة شهرياً في المتوسط منذ بداية العام. ورغم أن ذلك يمثل تحسناً مقارنة بمتوسط 9.7 ألف وظيفة شهرياً خلال العام الماضي، فإنه يبقى أقل كثيراً من متوسط 166 ألف وظيفة شهرياً المسجل خلال عامي 2023 و2024، وبعيداً تماماً عن طفرة 2021 و2022 التي بلغ متوسط خلق الوظائف خلالها نحو 491 ألف وظيفة شهرياً.

ومن زاوية السياسة النقدية، قد تكون تركيبة البيانات الحالية مريحة نسبياً لـ«مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)». فغياب موجة تسريح واسعة يقلل الحاجة إلى خفض سريع للفائدة بهدف حماية سوق العمل، بينما تمنح مؤشرات اعتدال التضخم «البنك المركزي» مجالاً أكبر للانتظار ومراقبة البيانات.

وإذا استمر انخفاض طلبات الإعانة وبقي معدل البطالة قريباً من مستوياته الحالية، بالتزامن مع تضخم معتدل، فقد يتمكن «الاحتياطي الفيدرالي» من إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، بدلاً من التحرك استجابة إلى ضعف بيانات شهر واحد.

لكن التحدي يكمن في أن سوق العمل الأميركية تبدو مستقرة أكبر مما تبدو قوية. فالشركات تحتفظ بالعاملين لديها، لكنها لا تضيف أعداداً كبيرة من الموظفين، بينما يستغرق الباحثون عن العمل وقتاً أطول للعثور على وظائف جديدة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن أي صدمة اقتصادية جديدة قد تُحوِّل حالة «لا توظيف ولا تسريح» إلى ضعف أشد وضوحاً.

وعليه؛ تمنح بيانات إعانات البطالة الأخيرة صناع السياسة النقدية بعض الاطمئنان، لكنها لا تلغي الإشارات التحذيرية الآتية من تباطؤ خلق الوظائف. وستكون بيانات التوظيف والتضخم المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة أمام استقرار هادئ في سوق العمل، أم مرحلة انتقالية تسبق تباطؤاً أعلى حدة.