رسوم ترمب الجمركية تهدد منطقة اليورو بالانهيار

فقدان الفائض التجاري مع الولايات المتحدة قد يؤدي إلى ركود أوروبي

أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
TT

رسوم ترمب الجمركية تهدد منطقة اليورو بالانهيار

أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

في ظل تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، يواجه الاقتصاد الأوروبي تهديداً كبيراً، نتيجة السياسات الحمائية التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فقد أدى العجز التجاري الكبير بين الجانبين إلى تصعيد محتمل في الرسوم الجمركية، ما قد يُحدِث هزة عنيفة في الأسواق الأوروبية. وبينما يسعى ترمب إلى إعادة التوازن التجاري من خلال فرض قيود صارمة على الواردات الأوروبية، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مأزق؛ حيث تبدو خياراته محدودة بين زيادة الواردات من أميركا، أو البحث عن أسواق بديلة، أو محاولة تعزيز الطلب المحلي وسط أزمات مالية متراكمة.

وفي ظل هذه المعطيات، يلوح في الأفق سيناريو قاتم قد يُدخل أوروبا في حالة ركود اقتصادي عميق، مع تداعيات يصعب التنبؤ بها.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن مكتب الإحصاء الألماني أن الفائض التجاري بين ألمانيا والولايات المتحدة قد بلغ مستوى قياسياً جديداً قدره 70 مليار يورو (58 مليار جنيه إسترليني) في العام الماضي، متجاوزاً بسهولة الفائض البالغ 63 مليار يورو المسجل في عام 2023. لكن هذا الوضع لن يدوم طويلاً، وفق صحيفة «التلغراف».

فدونالد ترمب لن يتسامح مع استمرار الاتحاد الأوروبي في بيع مزيد من السلع إلى الولايات المتحدة مقارنة بما يشتريه منها لفترة أطول. وبطرق مختلفة، سيعمل الرئيس الأميركي على إعادة التوازن في العلاقات التجارية، وستؤدي الحرب التجارية المحتومة إلى سحق الاقتصاد الأوروبي.

ولم يكن هذا مفاجئاً. فخلال حملته الانتخابية، وعد ترمب مراراً بفرض تعريفة جمركية شاملة؛ بل إنه اقترح أن الرسوم على الواردات قد تحل محل ضرائب الدخل. وبمجرد توليه منصبه، وفى بوعده. فقد فرض رسوماً بنسبة 25 في المائة، ثم علَّقها، على الواردات من كندا والمكسيك، بالإضافة إلى رسوم بنسبة 10 في المائة على البضائع الصينية.

ويوم الخميس، صعَّد ترمب الأمور خطوة أخرى إلى الأمام؛ حيث تعهد بفرض تعريفة جمركية متبادلة على أي دولة تفرض أي نوع من الرسوم على السلع الأميركية. ومع اعتبار ضريبة القيمة المضافة، رغم احتسابها بشكل غير دقيق رسوماً جمركية، فإن المملكة المتحدة ومعظم الاقتصادات الأوروبية الكبرى قد تواجه رسوماً تصل إلى 20 في المائة أو أكثر، على أي شيء تبيعه إلى أكبر اقتصاد في العالم.

وقد تكون هذه مجرد ورقة ضغط، وربما يتم التراجع عنها قبل أبريل (نيسان)، الموعد المستهدف للرسوم الجديدة. وقد وعد الاتحاد الأوروبي بالرد، ومن المحتمل أن يفرض تعريفات انتقامية، كما حدث في المرة السابقة، أو -على الأرجح- فرض مزيد من الغرامات والضرائب الضخمة على شركات التكنولوجيا العملاقة في أميركا.

ومع ذلك، من الصعب تصديق أن ترمب سيتراجع. فقد بلغ الفائض التجاري الإجمالي للاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة 235 مليار دولار (186 مليار جنيه إسترليني) سنوياً، وارتفع بمقدار 20 مليار دولار العام الماضي فقط. وعلى نحو أو آخر، يبدو أن ترمب عازم على القضاء على هذا الفائض.

وسيتم فرض الرسوم الجمركية، وتطبيق الحصص حتى تتم إعادة التوازن التجاري. ولسوء حظ منطقة اليورو، فهي ببساطة لا تستطيع تحمل خسارة هذا الفائض البالغ 235 مليار دولار.

وإذا كان لدى أي شخص فكرة جادة عن الكيفية التي قد يتعامل بها الاقتصاد الأوروبي مع ضربة بهذا الحجم، فهي فكرة تبقى سرية؛ إذ لا توجد خيارات جيدة. وربما تتمكن أوروبا من محاولة إعادة التوازن إلى علاقاتها التجارية من خلال استيراد مزيد من السلع من الولايات المتحدة.

ويناقش الاتحاد الأوروبي بالفعل خفض الرسوم الجمركية البالغة 10 في المائة التي يفرضها على السيارات الأميركية، وقد يساعد ذلك قليلاً؛ لكن من الصعب تصور أن الأوروبيين سيستبدلون بسياراتهم الصغيرة شاحنات «البيك أب» الضخمة المصنَّعة في فرجينيا وأوهايو.

وقد تكون هناك بعض التعديلات الطفيفة على ضرائب الخدمات الرقمية التي أغضبت الأميركيين بشكل خاص؛ لكن الحكومات الأوروبية المثقلة بالديون لا تستطيع التخلي عن كثير من العائدات.

وستظل الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية في مكانها؛ لأن إلغاءها سيتسبب في ضرر بالغ للمزارعين، كما ستثير الجماعات البيئية غضباً شديداً بسبب مسألة الدجاج المعقم بالكلور. لذا، لا يوجد كثير من المجال لزيادة الواردات.

أو ربما تحاول الاقتصادات الأوروبية تعويض المبيعات الأميركية المفقودة في أسواق أخرى. فبعد كل شيء، سيكون لديها فجأة طاقة إنتاجية فائضة. وربما تكون الصين مستعدة لشراء مزيد من السلع الأوروبية؛ لكنها ستسعى أيضاً لتصريف المنتجات التي لم يعد بإمكانها دخول السوق الأميركية إلى أسواق أخرى؛ لكن كل ذلك لن يُحدث فارقاً كبيراً.

وبدلاً من ذلك، يمكن للاقتصادات الأوروبية تعزيز الطلب المحلي، وهو أفضل وسيلة لإعادة التوازن التجاري. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك؟

وباستثناء ألمانيا، المقيَّدة بفرامل الديون الدستورية، أنفقت جميع الدول الأوروبية الكبرى العقد الماضي في تراكم ديون ضخمة وزيادة الضرائب. ولا تستطيع فرنسا وإيطاليا وإسبانيا -وبالطبع المملكة المتحدة- تحفيز اقتصاداتها لزيادة الطلب المحلي. فالقيام بذلك سيؤدي ببساطة إلى إفلاسها، وسيواجه قادتها غضب الأسواق المالية إذا حاولوا التفكير في هذا الاتجاه. ومع انعدام النمو الاقتصادي تقريباً في القارة، لا يوجد ما يدفع الطلب للنمو من تلقاء نفسه.

ولا يوجد حل واضح. ففي الوقت الحالي، تتجاهل أسواق الأسهم تهديد التعريفات الجمركية الشاملة، بافتراض أنها لن تحدث أبداً. ويؤكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن هذه ستكون بمثابة جرس إنذار يدفع أوروبا أخيراً إلى الإصلاح واستعادة قدرتها التنافسية. لكن مثل هذه الدعوات تكررت مراراً في السنوات الأخيرة، ولا يوجد ما يبرر الاعتقاد بأن هذه المرة ستكون مختلفة.

وحسب «التلغراف»، لا يزال البيروقراطيون في بروكسل، بقيادة أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، يعيشون في عالم خيالي يعود إلى السبعينات؛ حيث يعتقدون أن الاتحاد الأوروبي يمتلك القوة الاقتصادية الكافية لإجبار الولايات المتحدة على التفاوض، وأن التهديد بفرض تعريفات متبادلة سيحل المشكلة.

لكن هذا السيناريو لن يحدث. فالفائض التجاري لن يختفي إلا من خلال تقليص الإنتاج بنحو مائتي مليار دولار أو أكثر، وهو ما سيؤدي حتماً إلى سحق الاقتصاد الأوروبي. ألمانيا -على سبيل المثال- تتجه بالفعل نحو ركود عميق؛ حيث تواجه ارتفاعاً حاداً في تكاليف الطاقة، وتراجعاً حتمياً في صناعات السيارات والكيماويات.

أما فرنسا، فقد تخلت تماماً عن أي محاولات للإصلاح الاقتصادي، وأصبحت تركز بدلاً من ذلك على رفع الضرائب، ويزداد العجز المالي بشكل مستمر. وفي المملكة المتحدة، دخلت البلاد في حلقة مفرغة من زيادة الضرائب وضعف النمو الاقتصادي، مما يعمق من أزمتها الاقتصادية.

إيطاليا -بدورها- تبدو على وشك إتمام عقدها الثالث دون أي نمو اقتصادي ملموس. ورغم النمو الذي تحقق في إسبانيا، فإن ذلك يُعزى في الغالب إلى الزيادة المستمرة في معدلات الهجرة.

وكان الاقتصاد الأوروبي في حالة سيئة بالفعل، وعليه فإن خسارة فائضه التجاري مع الولايات المتحدة، والذي يقدر بنحو 235 مليار دولار، سيقوده إلى الركود، وهو ما تترتب عليه تداعيات لا يمكن لأحد التنبؤ بها في الوقت الحالي.


مقالات ذات صلة

تاكايتشي تتعهد بضبط الدين الياباني مع ارتفاع تكلفة الاقتراض

الاقتصاد رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

تاكايتشي تتعهد بضبط الدين الياباني مع ارتفاع تكلفة الاقتراض

تعهدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بضبط إصدارات السندات والحفاظ على استدامة المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)

التضخم التركي دون 30 % للمرة الأولى منذ 5 سنوات

سجل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في تركيا في سبتمبر (أيلول) الماضي أكبر تراجع له في نحو 5 سنوات مسجلاً 29.73 في المائة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد آلاف الحاويات المُعدة للتصدير في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

أوروبا والصين أمام مفاوضات حاسمة لتجنب حرب تجارية

يتوجه مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي إلى بكين، الخميس، لإجراء محادثات تستمر يومين مع مسؤولين صينيين، في محاولة لتجنب تصعيد الخلافات إلى حرب تجارية

«الشرق الأوسط» (بروكسل-بكين)
الاقتصاد مشاة في أحد المتنزهات بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

قطاع الخدمات الياباني يفقد زخمه خلال سبتمبر

تباطأ نمو قطاع الخدمات الياباني خلال سبتمبر بعدما فقد النشاط التجاري والطلبيات الجديدة جزءاً من زخمهما

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أفق الحي المصرفي بفرنكفورت خلال غروب الشمس في ألمانيا (رويترز)

معنويات المستثمرين في منطقة اليورو تتراجع خلال أكتوبر

تراجعت معنويات المستثمرين في منطقة اليورو، خلال أكتوبر الحالي، مع انخفاض التوقعات بشأن خفض أسعار الفائدة، ما أثار شكوكاً حول إمكانية حدوث تحسن اقتصادي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الخليج يؤكد أولوية الربط الكهربائي والمائي لمواجهة التحديات

وزراء الطاقة والنفط بدول مجلس التعاون خلال اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)
وزراء الطاقة والنفط بدول مجلس التعاون خلال اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)
TT

الخليج يؤكد أولوية الربط الكهربائي والمائي لمواجهة التحديات

وزراء الطاقة والنفط بدول مجلس التعاون خلال اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)
وزراء الطاقة والنفط بدول مجلس التعاون خلال اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)

أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم البديوي، أن قطاعي الكهرباء والماء يمثلان أولوية استراتيجية في مسيرة العمل الخليجي المشترك، لدورهما في تعزيز استدامة الموارد وتأمين احتياجات دول المجلس ورفع الجاهزية لمواجهة التحديات والمتغيرات.

جاء ذلك خلال الاجتماع الـ31 للجنة التعاون الكهربائي والمائي بدول مجلس التعاون، الذي عُقد الاثنين في المنامة، برئاسة وزير شؤون الكهرباء والماء البحريني ياسر حميدان، وبمشاركة أعضاء اللجنة من دول المجلس.

الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي (مجلس التعاون الخليجي)

وقال البديوي إن مخرجات اللقاء التشاوري التاسع عشر للمجلس الأعلى، الذي عُقد بجدة في أبريل (نيسان) الماضي، شددت على تعزيز جاهزية دول المجلس لمواجهة الأزمات والتحديات، بما يشمل دراسة مشاريع للربط المائي والاستمرار في تطوير الربط الكهربائي، داعياً إلى ترجمة هذه التوجيهات إلى مبادرات عملية تدعم التكامل الخليجي.

وأوضح أن دول المجلس تواجه نمواً متزايداً في الطلب على الكهرباء والماء، مشيراً إلى أن إنتاج الكهرباء الخليجي بلغ نحو 876 ألف غيغاواط/ساعة خلال عام 2025، بزيادة 9.6 في المائة مقارنة بالعام السابق، في حين بلغ إنتاج المياه المحلاة 8.5 مليار متر مكعب، بنمو 10.8 في المائة.

وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب رفع كفاءة منظومات الكهرباء والماء عبر تطوير مرافق الإنتاج والنقل والتوزيع، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة والحلول الذكية، بما يسهم في خفض الفاقد وتحسين الكفاءة التشغيلية.

جانب من أعمال الاجتماع الـ31 للجنة التعاون الكهربائي والمائي بدول مجلس التعاون في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)

وفي ملف الربط الكهربائي الخليجي، قال البديوي إن الوفر المالي المحقق من المشروع خلال عام 2025 تجاوز 952 مليون دولار، في حين تخطى إجمالي الوفر منذ انطلاقه 5.2 مليار دولار؛ ما يعكس دوره في تعزيز أمن الطاقة ورفع كفاءة منظومة الكهرباء والتوسع في تجارة الطاقة بين دول المجلس.

وفي قطاع المياه، أكد أن أمن الإمدادات والجاهزية للطوارئ يظلان من الأولويات الرئيسية، مشيراً إلى أهمية مواصلة دراسة مشاريع الربط المائي بين دول المجلس، إلى جانب مشروعات الربط الثنائية القائمة، لتعزيز القدرة على التعامل مع الظروف الاستثنائية وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المائية.


تاكايتشي تتعهد بضبط الدين الياباني مع ارتفاع تكلفة الاقتراض

رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
TT

تاكايتشي تتعهد بضبط الدين الياباني مع ارتفاع تكلفة الاقتراض

رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

تعهدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، الاثنين، بضبط إصدارات السندات والحفاظ على استدامة المالية العامة، مع الاستعداد للتحرك سريعاً إذا شهد الاقتصاد أو الأسواق اضطرابات غير متوقعة، في محاولة لطمأنة المستثمرين بعدما دفعت المخاوف من زيادة الدين والتضخم عائد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً إلى مستوى قياسي.

وقالت تاكايتشي، في خطاب سياسي أمام البرلمان خلال افتتاح دورة استثنائية، إن «استدامة المالية العامة شرط أساسي بالطبع» لتنفيذ سياسة حكومتها المالية التي تصفها بأنها «مسؤولة واستباقية». وتكتسب تصريحاتها أهمية خاصة بعدما ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً، الاثنين، إلى مستوى قياسي بلغ 4.235 في المائة، وسط قلق من احتمال زيادة إصدارات الدين، إلى جانب تصاعد المخاوف التضخمية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.

وتواجه اليابان عبئاً مالياً متنامياً، إذ يبلغ الدين العام نحو مثلي حجم الاقتصاد، وهو الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة. وفي الوقت نفسه، ترتفع تكاليف تمويل هذا الدين مع زيادة بنك اليابان أسعار الفائدة وتقليص مشترياته من السندات في إطار الخروج التدريجي من عقود من التحفيز النقدي واسع النطاق.

ورغم تعهدها بالانضباط المالي، أكدت تاكايتشي أن الحكومة ستستخدم الإنفاق العام لدعم إمكانات النمو وجذب الاستثمارات الخاصة إلى القطاعات ذات الأولوية. وقالت إن الحكومة ستعتمد «إنفاقاً مالياً ضخماً وطويل الأجل يجري تنفيذه بطريقة مخططة ويمكن التنبؤ بها»، بهدف تحفيز استثمارات القطاع الخاص في مجالات النمو. لكنها شددت في المقابل على أن الحكومة ستعمل على كبح حجم إصدارات السندات السنوية، على أن تحدد مستويات الاقتراض وفق تطورات الإيرادات الضريبية وأسعار الفائدة وتكاليف خدمة الدين والظروف الاقتصادية والمالية.

وأضافت: «إذا شهد الاقتصاد والأسواق تحركات غير متوقعة، فسندرس تأثيرها ونتحرك بمرونة عند الحاجة»، من دون تحديد طبيعة الإجراءات التي يمكن اتخاذها. وتشير هذه اللهجة إلى حساسية لدى الحكومة تجاه سوق السندات، بعدما أصبحت خطط الإنفاق التي تتبناها تاكايتشي موضع تدقيق من المستثمرين.

• خفض الضرائب تحت المجهر

ومن المتوقع أن تحتل السياسة المالية صدارة النقاشات في الدورة البرلمانية الجديدة، في وقت تزداد فيه المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة في الاقتصادات المتقدمة، وهو ما أسهم في موجة أوسع من ارتفاع عوائد السندات العالمية. وتتمثل إحدى الأولويات العاجلة للحكومة في تمرير تشريع يدعم خطة تاكايتشي لخفض الضريبة على المواد الغذائية لمدة عامين بدءاً من أبريل (نيسان) المقبل. وكانت الخطة قد أثارت موجة بيع في سوق السندات بسبب غياب تفاصيل واضحة بشأن كيفية تعويض النقص المتوقع في الإيرادات الحكومية.

وفي الوقت نفسه، تعمل الحكومة على إعداد موازنة السنة المالية المقبلة، بعدما قدمت الوزارات طلبات إنفاق عند مستويات قياسية. وقالت تاكايتشي إن طوكيو ستخصص أيضاً تمويلاً يمتد لعدة سنوات للمبادرات ذات الأهمية الاستراتيجية للأمن الاقتصادي، مؤكدة أن الحكومة ستنفذ سياساتها بصورة تدريجية، وستحرص على شرح خطواتها بعناية للمواطنين والأسواق. وأضافت: «سننفذ السياسات بثبات، وننجز الأمور واحداً تلو الآخر، ونشرحها بعناية للجمهور والأسواق». وتعتزم الحكومة كذلك مراجعة الإعفاءات الضريبية وبرامج الدعم القائمة، في محاولة لإيجاد موارد لتمويل الأولويات الجديدة من دون الاعتماد بصورة مفرطة على الاقتراض.

• طوكيو تنفي العودة إلى سياسات الإنعاش

وتسعى إدارة تاكايتشي إلى تبديد الانطباع بأنها تتبنى نهجاً «إنعاشياً» يقوم على التوسع المالي والنقدي الواسع، أو أنها تضغط على بنك اليابان لمنعه من مواصلة رفع أسعار الفائدة. وقالت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، السبت، إن الحكومة بدأت تحسين طريقة عرض رسالتها الاقتصادية لطمأنة المستثمرين بأن تاكايتشي لا تتبنى سياسات إنعاشية.

وكان وزير الاقتصاد مينورو كيوتشي قد أكد، الجمعة، أن اليابان لم تعد تعاني من الانكماش، ولا تحتاج إلى سياسة نقدية مفرطة في التيسير بهدف دفع التضخم إلى الارتفاع، في تحول واضح عن السياسات التي ارتبطت بحقبة «أبينوميكس». لكن الخلاف بشأن أسباب ارتفاع عوائد السندات لم ينته داخل دوائر صنع السياسة. وقال نائب محافظ بنك اليابان السابق ماسازومي واكاتابي، وهو أكاديمي معروف بتأييده للسياسات الإنعاشية وعضو حالياً في المجلس الاقتصادي الرئيسي للحكومة، إن ارتفاع عوائد السندات الأخير يعود إلى توقعات تنفيذ بنك اليابان مزيداً من زيادات الفائدة، وليس إلى المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة. كما شدد واكاتابي، وفق محضر اجتماع المجلس، على أن الحكومة تتحمل المسؤولية النهائية عن توجيه السياسة الاقتصادية، ودعا إلى تنسيق وثيق بينها وبين بنك اليابان بشأن السياسة النقدية.

• السكان «أزمة وطنية»

وإلى جانب الدين والنمو، وضع خطاب تاكايتشي التراجع الديمغرافي في قلب التحديات طويلة الأجل التي تواجه ثالث أكبر اقتصاد في آسيا. وقالت رئيسة الوزراء أمام البرلمان إن «تراجع عدد السكان أزمة وطنية تتقدم بهدوء»، متعهدة بوضع استراتيجية سكانية شاملة بحلول نهاية العام.

ويرتبط التحدي السكاني مباشرة بالسياسة الاقتصادية، إذ يفرض تقلص القوة العاملة ضغوطاً على قدرة الاقتصاد الإنتاجية والإنفاق الاجتماعي والمالية العامة على المدى الطويل. وبذلك حاول خطاب تاكايتشي الجمع بين رسالتين للأسواق، وهما مواصلة الإنفاق والاستثمار في القطاعات القادرة على تعزيز النمو والتنافسية، مع عدم السماح بتحول هذه السياسة إلى توسع غير منضبط في الاقتراض.

وسيكون الاختبار الفعلي لهذه التعهدات في تفاصيل مشروع الموازنة وخطة تمويل خفض ضريبة الغذاء وحجم إصدارات السندات الجديدة. ومع وصول عوائد الدين طويل الأجل إلى مستويات قياسية، أصبحت قدرة الحكومة على إقناع المستثمرين باستدامة سياستها المالية عاملاً حاسماً في تحديد تكلفة تنفيذ أجندة تاكايتشي الاقتصادية.


التضخم التركي دون 30 % للمرة الأولى منذ 5 سنوات

أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)
أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)
TT

التضخم التركي دون 30 % للمرة الأولى منذ 5 سنوات

أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)
أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)

سجل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في تركيا في سبتمبر (أيلول) الماضي أكبر تراجع له في نحو 5 سنوات، ليصل إلى 29.73 في المائة. فيما سجل التضخم الشهري زيادة بنسبة 1.48 في المائة دون تغيير عن شهر أغسطس (آب).

وأظهرت بيانات رسمية أصدرها معهد الإحصاء التركي، الاثنين، تراجع التضخم السنوي إلى مستوى أقل من 30 في المائة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. وكان التضخم السنوي سجل 31.51 في المائة في أغسطس.

وحسب البيانات، بلغ متوسط أسعار المستهلكين في 12 شهراً 31.49 في المائة، فيما بلغ متوسط أسعار المنتجين المحليين 27.81 في المائة.

وبناء على بيانات التضخم في سبتمبر، تحددت نسبة الزيادة السنوية في الإيجارات لشهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بنسبة 31.49 في المائة للمنازل، وأماكن العمل.

التغيرات الأساسية

وبالنسبة للتغيرات السنوية في مجموعات الإنفاق الرئيسة الثلاث ذات الوزن الأكبر، ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 27.62 في المائة، وأسعار النقل بنسبة 35.10 في المائة، وأسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 39.99 في المائة.

وبلغت مساهمة هذه المجموعات في التغير السنوي بنسبة 6.73 في المائة لنفقات الطعام، والمشروبات غير الكحولية، و5.96 في المائة لنفقات النقل، و4.84 في المائة لنفقات السكن، والمياه، والكهرباء، والغاز، وأنواع الوقود الأخرى.

أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)

وكانت التوقعات السابقة للاقتصاديين أشارت إلى ارتفاع التضخم الشهري بنسبة 2.18 في المائة، وتراجع التضخم السنوي إلى 30.16 في المائة، في حين بلغ متوسط ​​توقعات الاقتصاديين للتضخم بنهاية العام الحالي 29.66 في المائة.

وجاءت قراءة التضخم الشهرية أقل من توقعات الأسواق، إذ أظهر استطلاع أجرته «بلومبرغ» بمشاركة 19 مؤسسة أن متوسط التوقعات كان عند 2.2 في المائة، والتضخم السنوي عند 30.30 في المائة، وبلغت توقعات التضخم لنهاية العام 29.7 في المائة، وللعام 2027 نحو 24 في المائة.

وخلافاً للأرقام الرسمية الصادرة عن معهد الإحصاء التركي، أعلنت «مجموعة أبحاث التضخم» (إي إن إيه جي) -المؤلفة من اقتصاديين، وأكاديميين، وخبراء مستقلين- ارتفاع التضخم الشهري بنسبة 2.1 في المائة، والتضخم السنوي بنسبة 46.61 في المائة.

تفاؤل من الحكومة

وعلق وزير الخزانة، والمالية، محمد شيمشيك، على أرقام التضخم الرسمية، عبر حسابه في «إكس»، لافتاً إلى تراجع معدل التضخم السنوي إلى ما دون 30 في المائة للمرة الأولى منذ 57 شهراً (منذ نوفمبر 2021)، وإلى انخفاض التضخم في جميع القطاعات، باستثناء قطاع النقل.

وقال إن التضخم في أسعار المواد الغذائية تراجع في سبتمبر بمقدار 8.4 نقطة مئوية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إلى 27.6 في المائة على أساس سنوي. كما انخفض تضخم أسعار التعليم، بفضل اللوائح القائمة على القواعد، بمقدار 17.5 نقطة مئوية على أساس سنوي، إلى 48.6 في المائة، بينما تراجع تضخم الإيجارات بمقدار 27.8 نقطة مئوية إلى 41.3 في المائة، مضيفاً أن المؤشرات الرئيسة تظهر استمرار مسار الانخفاض.

وأضاف أنه للحد من تأثير الارتفاع الأخير في أسعار النفط على التضخم، تعمل السلطات تدريجياً على إلغاء آلية التسعير المتدرج للبنزين، باتباع إجراءات مماثلة لتلك المطبقة على الديزل. وأشار إلى أن تقديرات البنك المركزي كانت تشير إلى إمكانية انخفاض التضخم بمقدار 7 نقاط مئوية هذا العام لولا الحرب في إيران.

وأكد أن الحكومة تواصل سياساتها الرامية إلى زيادة المعروض من المساكن، والمواد الغذائية، وفي عام 2027، سيساهم انخفاض الجمود في تضخم الخدمات -وبخاصة في الإيجار، والتعليم- وضعف آثار ارتفاع أسعار السلع الأساسية في انخفاض التضخم.

تعهدات باستمرار التراجع

وبدوره، قال نائب الرئيس التركي جودت يلماظ، عبر حسابه في «إكس»، إن الحكومة تواصل معركتها ضد التضخم من خلال سياسات حازمة، وشاملة، ومنسقة، بما يعزز المكاسب المحققة في مسار خفض التضخم.

وأشار إلى أنه رغم الضغوط الناجمة عن التطورات الخارجية خلال الربع الثالث من العام، تسارع الاتجاه النزولي للتضخم، لافتاً إلى أن التضخم السنوي انخفض، للمرة الأولى منذ نحو خمس سنوات، إلى ما دون 30 في المائة، بما يتماشى مع المسار المستهدف في البرنامج متوسط الأجل.

وأضاف أن الحكومة تراقب من كثب التأثير المحتمل للتطورات الإقليمية والعالمية على الأسعار المحلية، ولا سيما من خلال تكاليف الطاقة، والسلع، وتواصل تنسيق السياسات النقدية، والمالية، وسياسات الدخل، للحد من انتقال هذه التطورات إلى الأسعار المحلية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.

وأكد أن الهدف الرئيس في المرحلة المقبلة يتمثل في ترسيخ الاتجاه النزولي للتضخم، ومواصلة خفضه دون انقطاع، بما يتماشى مع هدف الوصول به إلى معدلات من خانة واحدة، وتحقيق استقرار دائم في الأسعار.

وتابع يلماظ: «نواصل بحزم خطواتنا الرامية إلى رفع الإنتاجية، وتحسين تخطيط الإنتاج في القطاع الزراعي، وتعزيز أمن إمدادات الطاقة، وزيادة المعروض من المساكن، وخفض تكاليف الخدمات اللوجستية. ونتوقع أن يتسارع مسار انخفاض التضخم مع تراجع تأثير صدمات جانب العرض، وبالتوازي مع السياسات المنسقة التي ننفذها. ونستهدف، من خلال تعزيز استقرار الأسعار، زيادة القدرة على التنبؤ في اقتصادنا، ودعم النمو المستدام، وضمان أن ينعكس الازدهار الناجم عن النمو بصورة دائمة على مستويات معيشة مواطنينا».