رسوم ترمب الجمركية تهدد بحرب تجارية عالمية

كندا والمكسيك ردّتا بالمثل... والصين تستعد لرفع دعوى... وصدمة متوقعة في الأسواق الاثنين

سفن إمداد تخدم منصات النفط البحرية على الساحل الشرقي لكندا تحمل بضائع في سانت جونز بعد قرار ترمب (رويترز)
سفن إمداد تخدم منصات النفط البحرية على الساحل الشرقي لكندا تحمل بضائع في سانت جونز بعد قرار ترمب (رويترز)
TT

رسوم ترمب الجمركية تهدد بحرب تجارية عالمية

سفن إمداد تخدم منصات النفط البحرية على الساحل الشرقي لكندا تحمل بضائع في سانت جونز بعد قرار ترمب (رويترز)
سفن إمداد تخدم منصات النفط البحرية على الساحل الشرقي لكندا تحمل بضائع في سانت جونز بعد قرار ترمب (رويترز)

يُتوقع على نطاق واسع أن تتلقى الأسواق العالمية صدمة جديدة يوم الاثنين، بعد إطلاق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، حرباً تجارية بفرض رسوم جمركية شاملة على كندا والمكسيك والصين، وهو ما يهدد بتقويض النمو الاقتصادي وإعادة إشعال التضخم.

ومع تعهد المكسيك وكندا - أكبر شريكين تجاريين للولايات المتحدة - بالرد الفوري، وإعلان الصين أنها ستتخذ «تدابير مضادة»، أصبح المشهد مهيئاً لجولة من الاضطرابات.

وكان ترمب أصدر يوم السبت أوامر تنفيذية بتطبيق رسوم جمركية إضافية بنسبة 25 في المائة على جميع الواردات من كندا والمكسيك، باستثناء النفط الكندي ومنتجات الطاقة الكندية، التي ستواجه ضريبة بنسبة 10 في المائة. وتعدّ كندا أكبر مورد للنفط الأجنبي إلى الولايات المتحدة، حيث تمثل مصدراً لنحو 60 في المائة من وارداتها من النفط الخام. وستواجه الواردات من الصين زيادة في الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة بالإضافة إلى الرسوم الجمركية الأميركية الحالية.

هذه الرسوم الجمركية، التي يُتوقع أن تدخل حيز التنفيذ يوم الثلاثاء، تهدد بإحداث اضطرابات في سوق النفط التي تتسم بترابط شديد في أميركا الشمالية، وبدفع أسعار البنزين للارتفاع بالنسبة إلى المستهلك الأميركي.

«لا نحتاج أحداً»

وفي منشور له على منصته «تروث سوشيال» الخاصة به، قال ترمب إنه استخدم «سلطات الطوارئ» لإصدار الرسوم الجمركية «بسبب التهديد الكبير الذي يشكله الأجانب غير الشرعيين والمخدرات القاتلة التي تقتل مواطنينا؛ بما في ذلك (الفنتانيل)».

ثم كتب بعد يوم من إصداره الأوامر التنفيذية: «نحن ندفع مئات المليارات من الدولارات لدعم كندا. لماذا؟ لا يوجد سبب. نحن لا نحتاج إلى أي شيء لديهم. لدينا طاقة غير محدودة، ويجب أن نصنع سياراتنا الخاصة، ولدينا مزيد من الأخشاب أكثر مما يمكننا استخدامه على الإطلاق. من دون هذا الدعم الضخم، تتوقف كندا عن الوجود بصفتها دولة قابلة للحياة. قاسٍ؛ لكنه حقيقي! لذلك، يجب أن تصبح كندا ولايتنا رقم 51 العزيزة: ضرائب أقل بكثير، وحماية عسكرية أفضل بكثير لشعب كندا؛ ولا تعريفات!».

وأضاف: «أميركا تعاني من عجز تجاري كبير مع كندا والمكسيك والصين... وديونها نحو 36 تريليون دولار»، لافتاً إلى أن «أميركا تخسر تريليونات الدولارات في دعم الدول الأخرى». وختم قائلاً: «سنتحمل بعض الألم حتى يعود العصر الذهبي لأميركا».

الرئيس الأميري دونالد ترمب يتحدث للصحافيين (أرشيفية- أ.ف.ب)

ردود

وردت كندا بإعلانها أنها ستفرض رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على بضائع أميركية بقيمة 155 مليار دولار؛ وأنها ستبدأ بفرض رسوم جمركية على بضائع بقيمة 30 مليار دولار من يوم الثلاثاء، و125 مليار دولار بعد 21 يوماً.

رئيس الوزراء الكندي يتحدث لوسائل الإعلام عقب قرار ترمب (د.ب.أ)

وأعلنت الرئيسة المكسيكية، كلاوديا شينباوم، على الفور، عن «تدابير جمركية وغير جمركية دفاعاً عن مصالح المكسيك» التي تذهب 83 في المائة من صادراتها إلى جارتها الأميركية؛ من سيارات وأجهزة كومبيوتر ومنتجات زراعية. غير أن الرئيسة؛ القومية اليسارية، لم تكشف عن أي تفاصيل بشأن هذه «التدابير الجمركية»، كما أنّها لم تحدّد جدولاً زمنياً، على عكس رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو.

في حين عبرت بكين عن استيائها الشديد ورفضها القوي للقرار، وقالت إنها ستتقدم بشكوى إلى «منظمة التجارة العالمية» وستتخذ التدابير المضادة المناسبة لحماية حقوقها ومصالحها، وفقاً لما ذكره متحدث باسم وزارة التجارة في بيان.

وعبرت السفيرة الكندية لدى الولايات المتحدة، كريتين هيلمان، في حديث إلى شبكة «إي بي سي» الأميركية، عن أملها بألا تدخل الرسوم حيز التنفيذ يوم الثلاثاء.

الرئيسة كلاوديا شينباوم خلال مؤتمر «الإسكان من أجل الرفاهية» بمدينة مكسيكو (أ.ب)

تأثير الرسوم على الدول الـ4

وشرح «مجلس العلاقات الخارجية»، في تقرير مفصل، التأثيرات الاقتصادية المحتملة لهذه التعريفات الجمركية على البلدان الأربعة:

أولاً: تأثير الرسوم الجمركية على الولايات المتحدة

- يأتي نحو نصف جميع واردات الولايات المتحدة - أكثر من 1.3 تريليون دولار - من كندا والصين والمكسيك. ومع ذلك، يُظهر التحليل الذي أجرته «بلومبرغ إيكونوميكس» أن التعريفات الجمركية الجديدة يمكن أن تقلل من إجمالي الواردات الأميركية بنسبة 15 في المائة. في حين تقدر «مؤسسة الضرائب»، ومقرها واشنطن العاصمة، أن التعريفات الجمركية ستولد نحو 100 مليار دولار سنوياً في عائدات ضريبية فيدرالية إضافية، إلا إنها قد تفرض أيضاً تكاليف كبيرة على الاقتصاد الأوسع: تعطيل سلاسل التوريد، ورفع التكاليف أمام الشركات، والقضاء على مئات الآلاف من الوظائف، وفي نهاية المطاف رفع أسعار المستهلك.

- سوف تتأثر قطاعات معينة من الاقتصاد الأميركي بشدة؛ بما في ذلك قطاعات السيارات والطاقة والأغذية. وقد ترتفع أسعار البنزين بما يصل إلى 50 سنتاً للغالون في الغرب الأوسط، حيث تزود كندا والمكسيك مصافيَ التكرير الأميركية بأكثر من 70 في المائة من واردات النفط الخام. كما تتعرض السيارات والمركبات الأخرى للخطر، حيث تستورد الولايات المتحدة نحو نصف قطع غيار السيارات من جارتَيها الشمالية والجنوبية.

- فرض تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على كندا والمكسيك من شأنه أن يرفع تكاليف الإنتاج أمام شركات صناعة السيارات الأميركية، مما يضيف ما يصل إلى 3 آلاف دولار إلى سعر بعض السيارات البالغ عددها نحو 16 مليون سيارة، التي تباع في الولايات المتحدة كل عام. وقد ترتفع تكاليف البقالة أيضاً؛ إذ تعدّ المكسيك أكبر مصدِّر للمنتجات الطازجة إلى الولايات المتحدة، فهي تزودها بأكثر من 60 في المائة من واردات الخضراوات الأميركية ونحو نصف واردات الفاكهة والمكسرات.

- مع ذلك، فإن الولايات المتحدة تعتمد بشكل أقل على التجارة مقارنةً بكثير من الاقتصادات الصناعية الأخرى؛ بما فيها ألمانيا واليابان والمملكة المتحدة. وتشكل الواردات والصادرات الربع فقط من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وتحصل الولايات المتحدة على ما تستورده من مجموعة واسعة، إلى حد ما، من الدول.

ثانياً: تأثير الرسوم الجمركية على كندا والمكسيك

- ستؤثر الرسوم الجمركية على كندا والمكسيك بشكل أكبر، حيث تشكل التجارة نحو 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكلا الاقتصادين. فأكثر من 80 في المائة من صادرات المكسيك؛ بما فيها السيارات والآلات والفواكه والخضراوات والمعدات الطبية، تتجه شمالاً، وهو ما يمثل 15 في المائة من إجمالي الواردات الأميركية. ويتجلى هذا الاعتماد بشكل خاص على الحدود الشمالية للمكسيك؛ فهناك، تمثل الولايات الصناعية؛ شيواوا، وكواهويلا، ونويفو ليون، وباخا كاليفورنيا، نحو نصف صادرات المكسيك إلى الولايات المتحدة؛ إذ تصدّر بما يزيد على 200 مليار دولار من أجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات ومعدات النقل... وغيرها من المنتجات كل عام.

- إن فرض تعريفات جمركية أحادية الجانب بنسبة 25 في المائة على هذه السلع من شأنه أن يخفض الناتج المحلي الإجمالي للمكسيك بنحو 16 في المائة، وفقاً لـ«بلومبرغ»، مع تحمل صناعة السيارات في المكسيك العبء الأكبر. ترسل المكسيك نحو 80 في المائة من السيارات التي تنتجها إلى الولايات المتحدة وحدها، أي ما يعادل نحو 2.5 مليون سيارة سنوياً.

- ستهدد الرسوم قطاع الطاقة في المكسيك؛ إذ تستقبل الولايات المتحدة نحو 60 في المائة من صادرات المكسيك من النفط، ومعظمها من النفط الخام المتجه إلى مصافي التكرير الأميركية. وفي الوقت نفسه، تعدّ المكسيك الوجهة الأولى لصادرات النفط المكرر الأميركية، التي تلبّي أكثر من 70 في المائة من الطلب المحلي. ومن المرجح أن تؤدي التعريفات الجمركية الأميركية إلى زيادة تكلفة الوقود، مما يرفع الأسعار في المضخة ويضغط على الاقتصاد الأوسع في المكسيك.

- تواجه كندا تحدياً مماثلاً؛ إذ تشتري الولايات المتحدة أكثر من 70 في المائة من صادرات كندا، وتشكل هذه السلع 14 في المائة من إجمالي واردات الولايات المتحدة. وبموجب التعريفات الجمركية الجديدة، سوف يتضرر قطاع الطاقة الكندي بشكل أكبر، حيث يرسل المصدرون 80 في المائة من نفطهم إلى الجنوب.

ثالثاً: تأثير الرسوم الجمركية على الصين

- الصين أقل اعتماداً، نسبياً، على الولايات المتحدة، وأقل اعتماداً على التجارة بشكل عام. فعلى مدى العقدين الماضيين، قلّلت بشكل مطَّرد من أهمية التجارة لاقتصادها مع قيام بكين بتكثيف الإنتاج المحلي. واليوم، لا تمثل الواردات والصادرات سوى نحو 37 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصين، مقارنةً بأكثر من 60 في المائة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

- في السنوات الأخيرة، تراجعت التجارة بين الولايات المتحدة والصين، خصوصاً في القطاعات التي تضررت من التعريفات الجمركية السابقة وضوابط التصدير، مثل: قطع غيار السيارات، وخوادم البيانات، والأثاث، وأشباه الموصلات. وبدلاً من ذلك؛ عززت الصين التجارة مع شركاء آخرين؛ بمن فيهم الاتحاد الأوروبي والمكسيك وفيتنام. وارتفعت حصة البلاد من التجارة العالمية بنحو 4 في المائة منذ عام 2016، عندما تولى ترمب منصبه أول مرة، مع انخفاض حصة الولايات المتحدة. وستعمل هذه العوامل مجتمعة على تخفيف صدمة التعريفات الجمركية الإضافية بنسبة 10 في المائة على الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة.

الاتحاد الأوروبي «يأسف»

وانتقد «الاتحاد الأوروبي»، الأحد، قرار ترمب، واصفاً الخطوة بأنها «مؤذية لجميع الأطراف». وقال ناطق باسم «المفوضية الأوروبية» إن «(الاتحاد الأوروبي) يأسف لقرار الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية على كندا والمكسيك والصين».

وكان ترمب هدد يوم الجمعة بفرض رسوم جمركية على «الاتحاد الأوروبي»، وقال في مؤتمر صحافي إن بعض الدول تتعامل مع بلاده «بشكل سيئ في العلاقات التجارية؛ مما يجعلها تخسر المال». وأضاف: «حتما سأفرض رسوماً على (الاتحاد الأوروبي)؛ فأوروبا تعاملت معنا بشكل سيئ».

من جهته، قال عضو مجلس محافظي «البنك المركزي الأوروبي»، كلاس كنوت، إنه يتوقع أن «تؤدي الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترمب إلى ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة في الولايات المتحدة؛ مما سيضعف اليورو على الأرجح».


مقالات ذات صلة

الصين وسويسرا تبرمان اتفاقاً تجارياً يلغي معظم الرسوم الجمركية

الاقتصاد رافعات جسرية بالقرب من حاويات شحن مكدسة في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)

الصين وسويسرا تبرمان اتفاقاً تجارياً يلغي معظم الرسوم الجمركية

أشاد الرئيس الصيني ونظيره السويسري، في بكين، بمراجعة اتفاق تجاري مهم ينص على إلغاء الرسوم الجمركية على جلّ الصادرات السويسرية إلى الصين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد حاويات شحن وشاحنات نقل في ميناء مونتريال (رويترز)

كارني: التقدم التجاري مع واشنطن يعود إلى الاقتراب من مطالب كندا

قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، إن وتيرة المحادثات التجارية مع إدارة ترمب تسارعت قليلاً، ولكن أي تقدم تحقق يعود إلى اقتراب واشنطن من تلبية مطالب كندا.

«الشرق الأوسط» (تورونتو (كندا))
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في ميشيغان (رويترز)

ترمب يرجّح التوصل إلى اتفاق تجاري قريب مع كندا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إن التوصل إلى اتفاق تجاري مع كندا بات وشيكاً، قبل نحو تسعة أيام من انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد علما الولايات المتحدة وكندا قرب كوبري المياه الزرقاء الحدودي في أونتاريو (أ.ف.ب)

ترمب يخفف الرسوم على سلع كندية مع احتدام سباق انتخابي في مين

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً بإعفاء مجموعة من المنتجات الزراعية والغابية الكندية من الرسوم الجمركية البالغة 50 في المائة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تُظهر لقطة جوية بطائرات مسيّرة حاويات شحن وشاحنات نقل في ميناء مونتريال (رويترز)

كارني: الرسوم الأميركية ترفع تكاليف الأسر وتدفع كندا إلى تنويع شراكاتها

قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الأربعاء، إن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفعت تكاليف الأسر الأميركية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا - أنقرة)

البنك الدولي: الهند تنتشل 496 مليوناً من براثن الفقر خلال 12 عاماً

منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)
منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)
TT

البنك الدولي: الهند تنتشل 496 مليوناً من براثن الفقر خلال 12 عاماً

منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)
منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)

أفاد البنك الدولي بأنَّ الهند شهدت انتشال نحو 496 مليون شخص من براثن الفقر بين عامَي 2011 و2023، وذلك في واحد من أسرع معدلات الانخفاض لهذا المؤشر على مستوى العالم، رغم أن هذه المكاسب ما زالت غير متكافئة بين جميع الفئات والمناطق.

وانخفضت نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر «أصحاب الدخل الأدنى من المتوسط» (المحدَّد بـ4.20 دولار يومياً) من 57.7 في المائة إلى 16.1 في المائة، مما يعني أن نحو نصف مليار شخص تجاوزوا هذا المستوى، وفقاً لوكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وأشار البنك في تقرير نُشر هذا الشهر، إلى أن الانخفاض كان أكثر تسارعاً في فئة الفقر المدقع (المُقاس بـ3 دولارات يومياً) حيث تراجعت النسبة من 27.1 في المائة إلى 2.6 في المائة.

وكتب خبراء اقتصاد الفقر بجنوب آسيا في البنك الدولي، بقيادة أياغو وامبيلي، في التقرير أن هذا التَّحسُّن يعود «بالشكل الأساسي إلى النمو القوي في الاستهلاك، وارتفاع معدلات التوظيف، خصوصاً بين النساء، والتَّوسُّع في التحويلات الاجتماعية بما في ذلك دعم المواد الغذائية».


«المركزي» اللبناني يبحث مع المصارف في باريس إعادة الرسملة وآليات استرداد الودائع

مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)
مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)
TT

«المركزي» اللبناني يبحث مع المصارف في باريس إعادة الرسملة وآليات استرداد الودائع

مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)
مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)

بحث مصرف لبنان المركزي مع عدد من المصارف اللبنانية، خلال اجتماعات تشاورية مغلقة عقدت في باريس يومَي 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول)، متطلبات إعادة رسملة القطاع المصرفي، ومعالجة الخسائر، إلى جانب تقييم السيولة المتاحة حالياً، والمتوقعة مستقبلاً، في إطار التحضير لتطبيق أي قانون مرتقب للاستقرار المالي، واسترداد الودائع.

وقال المصرف المركزي، في بيان السبت، إن الاجتماعات عقدت بمشاركة مصارف اختارتها جمعية مصارف لبنان، وبحضور مستشاريه الماليين من مؤسسة «روتشيلد وشركاه»، وتركزت على محورين رئيسين يتعلقان بقدرة المصارف على استئناف نشاطها مستقبلاً، وتحديد الموارد المتاحة للوفاء بالتزامات إعادة الودائع إلى أصحابها.

وأوضح أن المحور الأول تناول متطلبات إعادة رسملة المصارف بما يتيح لها استئناف نشاطها، فضلاً عن استيعاب الخسائر الناجمة عن الاختلالات والمطالبات غير المنتظمة التي سبق لمصرف لبنان تحديدها، على أن يجري تحديدها وفق أحكام القانون المرتقب.

أما المحور الثاني، فقد تناول مستويات السيولة الحالية والمستقبلية في النظام المصرفي، بما يشمل الأصول التي يمتلكها مصرف لبنان المركزي، والمصارف، ويمكن تحويلها إلى سيولة نقدية، بهدف تحديد الموارد الفعلية المتاحة لتسديد الودائع.

ونفى مصرف لبنان ما وصفه بـ«معلومات مغلوطة» تداولتها بعض وسائل الإعلام بشأن مشاركة أطراف أخرى في الاجتماعات، موضحاً أن طبيعتها لم تستدعِ حضور أي جهات إضافية، وأن الموضوعات المطروحة تندرج حصراً ضمن نطاق اهتمام المصرف المركزي، والمصارف.

وأضاف أن هذه الاجتماعات تأتي ضمن عملية مراجعة وتقييم تحوطي يجريها مصرف لبنان المركزي لتحديد حجم المبالغ التي يمكن إعادتها إلى المودعين، والمهل الزمنية الواقعية اللازمة لذلك، استناداً إلى أسس وصفها بالموثوقة، والعقلانية، والقابلة للتنفيذ، تفادياً لإطلاق وعود تتجاوز الإمكانات الفعلية.

وأكد المصرف المركزي أن المصارف تمثل شريكاً كاملاً في عملية إعادة الودائع، إلى جانب الدولة اللبنانية، ومصرف لبنان، كما وصفها بأنها المحرك الأساسي للتعافي الاقتصادي المستقبلي، مشدداً على أن تحقيق النمو المستدام يتطلب دورة ائتمانية فاعلة تتيح للمؤسسات والأفراد الحصول على التمويل اللازم للاستثمار، والإنتاج، والنشاط الاقتصادي.

وفي سياق متصل، أشار البيان إلى أن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، الذي شارك في جزء من الاجتماعات، أجرى في باريس مشاورات ولقاءات رفيعة المستوى شملت حاكم مصرف فرنسا، ومسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية معنيين بمكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب.

كما التقى الحاكم ممثلين عن عدد من مكاتب المحاماة التي تتولى، بالنيابة عن مصرف لبنان المركزي، متابعة دعاوى قضائية في فرنسا ودول أخرى ضد مسؤولين سابقين في المصرف، وأعوانهم، على خلفية قضايا تتعلق باختلاس أموال من المصرف، والاحتيال، والإثراء غير المشروع.


20 دقيقة هزّت عالم العملات المشفرة... وفتحت معركة المليارات

شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
TT

20 دقيقة هزّت عالم العملات المشفرة... وفتحت معركة المليارات

شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)

في غضون نحو 20 دقيقة، اختفت أصول رقمية تتجاوز قيمتها 6.3 مليار دولار من محافظ مرتبطة بمنصة «باينانس»، أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم. إنها لم تكن مجرد عملية اختراق إلكتروني عابرة؛ بل واحدة من أضخم عمليات السرقة في تاريخ الأصول الرقمية، وكشفت ثغرات أمنية خطيرة في صناعة تسعى إلى ترسيخ حضورها داخل النظام المالي العالمي.

وتشير تقديرات شركات متخصصة في تحليل التعاملات عبر تقنية «البلوك تشين»، إلى أن الهجوم يقف وراءه قراصنة مرتبطون بكوريا الشمالية، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد الطريقة الدقيقة التي مكّنتهم من اختراق أنظمة المنصة والوصول إلى المحافظ الرقمية وتحويل الأموال.

تمثيل للعملات المشفرة في صورة توضيحية (رويترز)

اختراق بدأ من حاسوب مهندس

لم تتضح بعد جميع تفاصيل الهجوم، لكن التحقيق الأولي الذي أجرته «باينانس» أشار إلى احتمال تعرض حاسوب محمول تابع لأحد مهندسي الشركة للاختراق، قبل أن تكشف التحقيقات اللاحقة «نقاط اختراق إضافية».

وقال الرئيس المشارك للمنصة، ريتشارد تنغ، إن الهجوم كان معقداً ولم ينفذه شخص واحد، مشيراً إلى استخدام المهاجمين أساليب متطورة، من بينها آلية برمجية للتدمير الذاتي صعّبت مهمة تحديد مسار الاختراق وآثاره.

وبحسب شركة «تي آر إم لابس» المتخصصة في استخبارات «البلوك تشين»، جرى نقل نحو 6.36 مليار دولار من محافظ «باينانس» عبر عشر شبكات «بلوك تشين»، مع تنفيذ الجزء الأكبر من العملية خلال نحو 20 دقيقة.

وتشير هذه السرعة إلى أن المهاجمين لم يكتفوا بالوصول إلى الأنظمة؛ بل تمكنوا أيضاً من تنفيذ تحويلات واسعة قبل احتواء الاختراق، وهو ما يسلّط الضوء على أهمية أنظمة الرقابة والموافقات الأمنية التي تتحكم في حركة الأصول الرقمية.

أصابع الاتهام تشير إلى كوريا الشمالية

وجهت شركات تحليل العملات المشفرة، ومن بينها «تي آر إم لابس» و«تشين أناليسيس» و«إيليبتك»، أصابع الاتهام إلى مجموعة «تريدر ترايتور»، المعروفة أيضاً باسم «مجموعة لازاروس»، والمرتبطة بكوريا الشمالية.

وقالت «تي آر إم لابس» إنها توصلت إلى هذا التقييم بدرجة عالية من الثقة، مستندةً إلى أوجه تشابه بين الهجوم على «باينانس» وعمليات سابقة نُسبت إلى المجموعة نفسها.

وتُتهم كوريا الشمالية باستخدام عمليات القرصنة الإلكترونية وسرقة العملات المشفرة مصدراً للعملات الأجنبية، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها. وكانت مجموعة «تريدر ترايتور» قد اتُّهمت بالوقوف وراء اختراق منصة «بايبت» في فبراير (شباط) 2025، الذي أسفر عن سرقة نحو 1.5 مليار دولار، في واحدة من كبرى عمليات السطو السابقة على قطاع العملات المشفرة.

وتقول شركات تحليل «البلوك تشين» إن جزءاً من الأموال المسروقة من «باينانس» يتداخل مع أموال مرتبطة باختراق حديث لمنصة «بيتغيت»، كانت قد نسبت الهجوم فيه إلى بيونغ يانغ.

وعندما سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن احتمال تورط قراصنة كوريين شماليين في الهجوم، قال للصحافيين في البيت الأبيض، إن السلطات الأميركية «تبحث في الأمر»، من دون تأكيد المسؤولية.

شاشة في بورصة «سي بي أو إي غلوبال ماركتس» تعرض أسعار عقود «البيتكوين» النقدية والمستقبلية - شيكاغو (أرشيفية - أ.ف.ب)

كيف تُسرق عملات لا يمكن تزوير سجلاتها؟

تكمن المفارقة في أن العملات المشفرة تقوم على تقنية «البلوك تشين»، وهي سجل رقمي موزع يوثق المعاملات ويجعل التلاعب بتاريخها بالغ الصعوبة، لكن ذلك لا يعني أن الأموال نفسها محصنة ضد السرقة.

فالعملات المشفرة لا تُخزّن فعلياً داخل المحافظ الرقمية، وإنما تسجل ملكيتها وحركتها على شبكة «البلوك تشين»، بينما تحتفظ المحافظ بالمفاتيح الخاصة، وهي رموز رقمية طويلة تتيح لصاحبها التصرف في الأصول ونقلها.

ومن يحصل على هذه المفاتيح يستطيع تحويل الأموال من دون الحاجة إلى اختراق سجل المعاملات أو تزويره. ولذلك يركز القراصنة على الوصول إلى المفاتيح الخاصة أو الأنظمة التي تمنح صلاحية تنفيذ التحويلات.

وتتنوع أساليب الهجوم بين استغلال الثغرات البرمجية، واستخدام البرمجيات الخبيثة، وخداع الموظفين عبر رسائل التصيد الإلكتروني أو أساليب الهندسة الاجتماعية، التي تعتمد على التلاعب بالأشخاص للحصول على بيانات الدخول أو صلاحيات الوصول.

وحتى المحافظ المادية غير المتصلة بالإنترنت ليست بمنأى عن المخاطر؛ إذ سبق أن تعرضت أصول بعض مستخدمي شركة «ليدجر» الفرنسية لسرقة عبر برمجيات خبيثة أُدرجت في أجهزة بيعت من خلال أحد الموزعين.

وفي حالة «باينانس»، أكد تنغ أن محفظة ساخنة تابعة للمنصة؛ أي محفظة متصلة بالإنترنت لتسهيل عمليات السحب والتحويل، تأثرت بالهجوم. وأوضح أن غالبية أصول المستخدمين محفوظة في محافظ باردة غير متصلة بالإنترنت، ولا تُنقل إلى المحافظ الساخنة إلا عند الحاجة إلى تنفيذ عمليات السحب.

3 مليارات دولار جُمّدت

قالت «باينانس» إنها خصصت أكثر من 6.34 مليار دولار من أموال الشركة لتغطية الأصول المسروقة، مؤكدة أنها بدأت العمل على استعادة الأصول لمصلحة المستخدمين.

وأوضحت أنها تمكنت، بالتعاون مع شركائها من شركات البنية التحتية ومصدري العملات الرقمية، من تجميد نحو 3 مليارات دولار من الأصول المتأثرة بالاختراق؛ أي ما يقارب نصف المبلغ.

وأعلنت شركة «تيذر»، المصدرة للعملة المستقرة «يو إس دي تي»، تجميد نحو 1.57 مليار دولار مرتبطة بالهجوم، فيما قالت شركة «سيركل» إنها جمدت 800 مليون دولار.

لكن تجميد الأموال لا يعني استعادتها فعلياً، كما أن جزءاً من الأصول التي لم يشملها التجميد بدأ بالفعل يتحرك عبر معاملات وتحويلات رقمية، وفقاً لمحللين.

وتكمن الصعوبة في أن القراصنة يستطيعون اللجوء إلى ما يُعرف بـ«خلاطات العملات المشفرة»، وهي أدوات تجمع أصولاً رقمية من مصادر متعددة ثم تعيد توزيعها، بهدف إخفاء مسارات التحويل وتعقيد تحديد مصدر الأموال.

كما يمكنهم تحويل الأصول المسروقة أو استخدامها في معاملات مع أطراف أخرى، بما يزيد صعوبة تعقبها واستعادتها.

وفي هذا السياق، يرى ستيفان إفره، المحلل في شركة «كوينهاوس»، أن القراصنة قد يلجأون إلى دفع العملات الرقمية المسروقة لشركاء في روسيا أو الصين، على أن يتولوا بدورهم إخفاء مصدرها غير المشروع.

مستثمر في العملات المشفرة يتابع أحدث أسعار «البيتكوين» عبر هاتفه الذكي - هانوي (أ.ف.ب)

المنصات المنافسة تتحرك لتعزيز دفاعاتها

لم تتوقف تداعيات الاختراق عند «باينانس»؛ إذ سارعت منصات منافسة إلى مراجعة أنظمتها الأمنية واتخاذ إجراءات احترازية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على قطاع العملات المشفرة لإثبات قدرته على حماية أموال المستخدمين، مع اتساع اندماجه في النظام المالي التقليدي.

وقالت منصة «كوينبيس» إنها أجرت تعديلات على الأنظمة المستخدمة في تخزين مفاتيح العملات المشفرة غير المتصلة بالإنترنت، مؤكدة أن الخطوة جاءت من باب الاحتياط. كما أعلنت منصة «كراكن» أنها تراقب الحوادث الأمنية في القطاع لاستخلاص الدروس وتطبيقها على أنظمتها الدفاعية.

ودعا مسؤولون في القطاع إلى تعزيز تبادل المعلومات بين المنصات، وتطوير آليات مشتركة للكشف المبكر عن الاختراقات والاستجابة السريعة لها.

وقال ستار شو، الرئيس التنفيذي لمنصة «أو كي إكس»، إن القطاع يحتاج إلى نظام إنذار فوري يتيح للشركات تبادل المعلومات بمجرد وقوع الاختراق، وتنسيق الاستجابة، والتعاون في تجميد الأموال المشبوهة.

من جهته، قال كريس بيركنز، رئيس قطاع العملات المشفرة في شركة «فرنكلين تمبلتون»، إن تعزيز الأمن بات ضرورة ملحة حتى يتمكن القطاع من تحقيق إمكاناته الكاملة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه إدارة ترمب على توسيع حضور الأصول الرقمية داخل النظام المالي الأميركي، وهو ما يرفع أهمية حماية المنصات والبنية التحتية التي تتعامل معها، بالنظر إلى اتساع نطاق المخاطر المحتملة مع تزايد ارتباط العملات المشفرة بالمؤسسات المالية التقليدية.

هزة في السوق وأسئلة بشأن مستقبل الأمان

انعكست أنباء الاختراق سريعاً على أسواق العملات المشفرة؛ إذ تراجع سعر «بيتكوين» بأكثر من 4 في المائة، بينما هبطت «إيثريوم»، ثانية كبرى العملات الرقمية، بأكثر من 5 في المائة، قبل أن تستعيد العملتان جزءاً من خسائرهما خلال تداولات الجمعة.

ورغم حجم العملية، استبعد مسؤولون في القطاع أن تتسبب الواقعة في خسائر واسعة النطاق لبقية المنصات، معربين عن ثقتهم في قدرة «باينانس» على تغطية الأصول المتضررة.

لكن الحادثة أعادت طرح سؤال جوهري بشأن مدى قدرة صناعة العملات المشفرة على مواكبة المخاطر الأمنية المتصاعدة، خصوصاً مع تطور أساليب القرصنة والاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تنفيذ الهجمات.

وقال آندي وورد، نائب الرئيس الأول في شركة «أبسولوت سيكيوريتي»، إن الهجمات الإلكترونية بهذا المستوى باتت مسألة توقيت أكثر منها احتمالاً بعيداً، محذراً من أن تطور التهديدات واتساع نطاقها قد يقودان إلى عمليات اختراق أكبر وخسائر مالية أشد.

أما بالنسبة إلى «باينانس»، التي تقول إن قاعدة مستخدميها تبلغ 335 مليوناً، فإن التحدي لا يقتصر على تغطية الخسائر المالية، بل يمتد إلى استعادة ثقة المستخدمين، وإثبات أن أكبر منصة لتداول العملات المشفرة قادرة على حماية أصولهم في مواجهة هجمات بهذا الحجم.

حقائق

اختراق «باينانس» بالأرقام

  • ​ 6.36 مليار دولار: قيمة الأصول التي استولى عليها القراصنة.
  • 20 دقيقة: المدة التي نُقل خلالها الجزء الأكبر من الأموال من محافظ المنصة.
  • 10 شبكات «بلوك تشين»: امتدت إليها عمليات تحويل الأصول المسروقة.
  • نحو 3 مليارات دولار: قيمة الأصول التي جُمّدت بمساعدة شركاء في قطاع العملات المشفرة.
  • 6.34 مليار دولار: حجم الأموال التي خصصتها «باينانس» لتغطية الأصول المسروقة وتعويض المستخدمين.
  • 5 مليارات دولار: قيمة الأصول المتأثرة التي قالت الشركة إنها تحتفظ بها.