ماذا لو توقف نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا إلى أوروبا؟

كييف ترفض تجديد صفقة عبور الإمدادات مع موسكو

محطة معالجة الغاز التابعة لشركة «غازبروم» بأورينبورغ في روسيا (رويترز)
محطة معالجة الغاز التابعة لشركة «غازبروم» بأورينبورغ في روسيا (رويترز)
TT

ماذا لو توقف نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا إلى أوروبا؟

محطة معالجة الغاز التابعة لشركة «غازبروم» بأورينبورغ في روسيا (رويترز)
محطة معالجة الغاز التابعة لشركة «غازبروم» بأورينبورغ في روسيا (رويترز)

قالت روسيا، الاثنين، إن الوضع المتعلق بالدول الأوروبية التي تستورد الغاز الروسي من خلال صفقة عبور عبر أوكرانيا، أصبح معقداً للغاية ويحتاج إلى مزيد من الاهتمام، وذلك بعد المحادثات التي جرت بين الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيكو. وأكدت أوكرانيا أنها لن تجدد صفقة عبور الغاز الروسية إلى أوروبا، التي تستمر لمدة خمس سنوات وتنتهي بنهاية العام الحالي، بسبب رفضها تقديم أي دعم للجهود العسكرية الروسية.

وقال دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، إنه لا يستطيع تقديم مزيد من التفاصيل حول محادثات يوم الأحد بين بوتين وفيكو. لكن بيسكوف أوضح أن فيكو أكد في لقائه مع بوتين استعداد روسيا لاستمرار توريد الغاز إلى سلوفاكيا، رغم أن رئيس الوزراء السلوفاكي أشار إلى أن هذا سيكون «مستحيلاً عملياً» بمجرد انتهاء اتفاقية نقل الغاز بين روسيا وأوكرانيا، وفق «رويترز».

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد قال يوم الخميس إن كييف قد تدرس استمرار عبور الغاز الروسي، ولكن بشرط عدم تلقي موسكو أي مدفوعات حتى انتهاء الحرب، وهو شرط من غير المرجح أن تقبله روسيا. وفي اليوم نفسه، صرّح بوتين أنه من الواضح أنه لن يكون هناك اتفاق جديد مع كييف لنقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا إلى أوروبا.

فماذا سيحدث إذا توقفت تماماً إمدادات الغاز الروسي عبر أوكرانيا ومن سيتأثر أكثر؟

- حجم الإمدادات: تعد إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا صغيرة نسبياً. ففي عام 2023، شحنت روسيا نحو 15 مليار متر مكعب من الغاز عبر أوكرانيا، وهو ما يمثل 8 في المائة فقط من ذروة تدفقات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر طرق مختلفة في 2018 - 2019، وقد أمضت روسيا نصف قرن في بناء حصتها في سوق الغاز الأوروبية، التي بلغت ذروتها عند 35 في المائة. ومع ذلك، فقدت موسكو حصتها لصالح منافسين مثل النرويج والولايات المتحدة وقطر منذ الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتماده على الغاز الروسي.

وشهدت أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي ارتفاعاً قياسياً في عام 2022 بعد فقدان الإمدادات الروسية، لكن هذا الارتفاع لن يتكرر نظراً للكميات المحدودة من الغاز التي يتلقاها الاتحاد الأوروبي من روسيا، وفقاً لمسؤولي الاتحاد الأوروبي والتجار.

- مسار أوكرانيا: يربط خط أنابيب يورنغوي - بوماري - أوزغورود، الذي يعود إلى الحقبة السوفياتية، الغاز من سيبيريا عبر بلدة سودزا (التي تخضع الآن لسيطرة القوات العسكرية الأوكرانية) في منطقة كورسك الروسية، ثم يتدفق عبر أوكرانيا إلى سلوفاكيا. وفي سلوفاكيا، ينقسم الخط إلى فروع متجهة إلى جمهورية التشيك والنمسا.

وعلى الرغم من توقف تدفقات غازبروم إلى شركة «أو إم في» النمساوية في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) بسبب نزاع تعاقدي، لا تزال النمسا تتلقى معظم غازها عبر أوكرانيا، في حين تمثل روسيا نحو ثلثي واردات المجر من الغاز. وتستورد سلوفاكيا نحو 3 مليارات متر مكعب من غازبروم سنوياً، وهو ما يمثل نحو ثلثي احتياجاتها. أما جمهورية التشيك، فقد قطعت تقريباً وارداتها من الغاز الروسي العام الماضي، لكنها عادت لاستيراد الغاز من روسيا في العام الحالي.

ومعظم الطرق الأخرى لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا مغلقة، بما في ذلك خط «يامال - أوروبا» عبر بيلاروسيا وخط «نورد ستريم» تحت بحر البلطيق. والمسار الوحيد الآخر الذي يعمل لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا هو خطا «بلو ستريم»، و«ترك ستريم» إلى تركيا عبر البحر الأسود. وترسل تركيا بعض الكميات من الغاز الروسي إلى أوروبا، بما في ذلك إلى المجر،

لكن لماذا لا يزال مسار أوكرانيا يعمل؟

على الرغم من أن كميات الغاز الروسي الحالية التي تصل لدول الاتحاد الأوروبي ضئيلة نسبياً، فإن القضية تظل معضلة للاتحاد الأوروبي. فقد قال كثير من أعضاء الاتحاد، مثل فرنسا وألمانيا، إنهم لن يشتروا الغاز الروسي بعد الآن، لكن موقف سلوفاكيا والمجر والنمسا - التي تربطها علاقات أوثق بموسكو - تتحدى النهج المشترك للاتحاد الأوروبي. وتدعي الدول التي لا تزال تتلقى الغاز الروسي أنه الوقود الأكثر اقتصاداً، متهمة الدول المجاورة في الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم عبور مرتفعة على الإمدادات البديلة. كما تواصل أوكرانيا تحقيق إيرادات تقدر بـ0.8 إلى 1 مليار دولار من رسوم عبور الغاز سنوياً. ووفقاً لحسابات «رويترز»، ارتفعت صادرات «غازبروم» عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا في 2024 إلى 32 مليار متر مكعب، بزيادة عن 28.3 مليار متر مكعب في 2023، وهو أدنى مستوى لها منذ السبعينات.

قد تحقق روسيا إيرادات تصل إلى نحو خمسة مليارات دولار من مبيعات الغاز عبر أوكرانيا هذا العام، استناداً إلى متوسط توقعات الحكومة الروسية لسعر الغاز الذي يُقدّر بـ339 دولاراً لكل ألف متر مكعب، وفقاً لحسابات «رويترز». وفي الوقت نفسه، سجلت شركة «غازبروم»، التي تحتكر تصدير الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، خسارة صافية تقدر بسبعة مليارات دولار في عام 2023، وهي أول خسارة سنوية لها منذ عام 1999، وذلك نتيجة لفقدان أسواق الغاز في الاتحاد الأوروبي.

ونتيجة لذلك أعلنت روسيا استعدادها لتمديد صفقة عبور الغاز، إلا أن كييف أكدت مراراً أنها لن توافق على ذلك. وفي المقابل، هناك خيار آخر يتمثل في توجيه بعض الغاز الروسي عبر طرق بديلة، مثل خط أنابيب «ترك ستريم»، أو عبر بلغاريا أو صربيا أو المجر، لكن القدرة الاستيعابية عبر هذه الطرق تظل محدودة.

وكانت المجر قد أعربت عن رغبتها في إبقاء الطريق الأوكرانية مفتوحة، إلا أنها أكدت أنها ستستمر في تلقي الغاز الروسي عبر «ترك ستريم» الممتد في قاع البحر الأسود.

وتحسباً لأي ردود فعل من جانب موسكو، طلب الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا من أذربيجان تسهيل المحادثات مع روسيا بشأن اتفاقية عبور الغاز. وقال مصدر رفيع في شركة الطاقة الأذربيجانية «سوكار» لـ«رويترز» يوم الجمعة، إن موسكو وكييف فشلتا في التوصل إلى اتفاق بشأن الصفقة التي توسطت فيها أذربيجان لاستمرار صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

الصين تعيد بيع كميات قياسية من الغاز المسال

الاقتصاد مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

الصين تعيد بيع كميات قياسية من الغاز المسال

تُعيد الشركات الصينية بيع كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال، مستفيدةً من ارتفاع أسعار السوق الفورية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ألمانيا تؤكد عدم وجود مخاوف بشأن الشحنات المستقبلية للغاز الطبيعي المسال من سلطنة عمان (رويترز)

بدء أولى شحنات الغاز الطبيعي من سلطنة عمان إلى ألمانيا

قال متحدث باسم شركة «سيفي»، مورد الغاز المملوكة للدولة الألمانية، الأربعاء، إن أولى شحنات الغاز الطبيعي المسال من سلطنة عُمان إلى شركة ألمانية قد بدأت.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد سيارة تُزود بالوقود في محطة بنزين في روزبانك - جوهانسبرغ (أ.ف.ب)

أفريقيا ترفع أسعار الوقود لمستويات قياسية لمواجهة تعطل الإمدادات

فرضت الحكومات الأفريقية زيادات حادة في أسعار الوقود مع تسبب الحرب الإيرانية في ارتفاع أسعار النفط العالمية.

«الشرق الأوسط» (أكرا)
الاقتصاد خطوط أنابيب الغاز بمحطة ضغط أتامانسكايا التابعة لمشروع «قوة سيبيريا» التابع لـ«غازبروم» بمنطقة أمور الروسية (رويترز)

صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب لأوروبا تقفز 22 % في مارس

ارتفع متوسط إمدادات الغاز الطبيعي اليومية التي تصدرها شركة «غازبروم» الروسية العملاقة للطاقة إلى أوروبا عبر خط أنابيب «ترك ستريم» 22 في المائة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد موظف يعد الجنيهات المصرية في مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

انتعاش قوي لسندات الدول المستوردة للطاقة مع ازدياد التفاؤل بالتهدئة الإقليمية

شهدت السندات السيادية الدولية للدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز، مثل باكستان ومصر وسريلانكا، ارتفاعاً ملحوظاً، يوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.