في ظل تراجع الصناعة... ألمانيا تغفل فرص النمو بقطاع الخدمات

البيروقراطية الثقيلة ونقص العمالة من بين أبرز التحديات

منظر لمطعم في ماربورغ (رويترز)
منظر لمطعم في ماربورغ (رويترز)
TT

في ظل تراجع الصناعة... ألمانيا تغفل فرص النمو بقطاع الخدمات

منظر لمطعم في ماربورغ (رويترز)
منظر لمطعم في ماربورغ (رويترز)

ربما تكون السياسات الألمانية، التي ركزت بشكل أساسي على محاولة إنقاذ الشركات الصناعية الكبرى في البلاد، قد تجاهلت إمكانات النمو غير المستغَلة في قطاع الخدمات. ورغم أن ألمانيا كانت تُعد محرك النمو الاقتصادي في أوروبا، فإن أداءها كان أضعف من نظيراتها بمنطقة اليورو منذ عام 2018، وتواجه تحديات اقتصادية متزايدة، حيث تخطط شركة «فولكس فاجن» لإغلاق بعض مصانعها في الداخل.

وفي ظل هذه الصعوبات، انهار الائتلاف الحاكم في ألمانيا، يوم الأربعاء، بعد أن أقال المستشار أولاف شولتس وزير ماليته، مما أنهى أشهراً من التوترات والصراعات بشأن السياسات المالية واتجاه الاقتصاد، وفق «رويترز».

وفي حين كان شولتس يميل إلى خفض تكاليف الطاقة، وتمويل تدابير الدعم الحكومي لإنقاذ الوظائف في قطاع السيارات المتعثر، كان الوزير المؤيد للسوق كريستيان ليندنر يدعو إلى خفض الإنفاق والضرائب، وتقليص التنظيم؛ من أجل الحفاظ على «قلب الصناعة الألمانية».

ومع ذلك يعتقد كثيرون أن ألمانيا بحاجة لبدء التركيز على قطاع الخدمات، الذي يُعد أصغر من قطاعات الاقتصادات الأوروبية الأخرى، ولكنه ينمو بشكل أسرع من قطاع التصنيع في البلاد، وفقاً لمقابلات أجرتها «رويترز» مع 12 من المديرين التنفيذيين ورجال الأعمال والاقتصاديين.

وقال غونترام وولف، وهو زميل بارز بمعهد «بروغل» للأبحاث وأستاذ الاقتصاد بجامعة بروكسل الحرة: «إذا تمكنا من تعزيز قطاع الخدمات إلى حد ما، فقد يؤدي ذلك إلى تعويض التراجع في التصنيع». وسجل قطاع الخدمات، الذي يشمل مجالات مثل الضيافة والتمويل وتكنولوجيا المعلومات، نمواً بنسبة 1.6 في المائة، خلال النصف الأول من هذا العام، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين انكمش قطاع التصنيع بنسبة 2.8 في المائة، وفقاً لبيانات المعهد الاقتصادي الألماني «آي دبليو».

وأسهم قطاع الخدمات بنحو 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا، العام الماضي، مقارنة بنحو 78 في المائة في فرنسا، و72 في المائة في إيطاليا، و75 في المائة في إسبانيا، وفقاً لبيانات «يوروستات».

ويدعو عدد من المديرين التنفيذيين ومؤسسي الشركات إلى وضع حد لما يصفونه بالبيروقراطية المفرطة وثقافة التنظيم الثقيل، التي تخنق نمو الأعمال الجديدة وخلق فرص العمل، وخاصة لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تشكل 55 في المائة من القوى العاملة بالبلاد.

وقال رائد الأعمال المشارك والمؤسس المشارك لشركة «سيلينا فاينانس»، الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية، ليونارد بينينغ: «في المملكة المتحدة، كان من السهل جداً بدء شركتي؛ حيث كان بإمكاني إعدادها عبر الإنترنت، والحصول على رقم تعريف ضريبي في غضون أيام. في ألمانيا، عندما أسست شركة لشراء وتشغيل آلات البيع تحت اسم (داب جي إم بي إتش)، استغرقت العملية أكثر من أربعة أشهر من الأعمال الورقية مع السلطات والمحاسبين، وتكلفت آلاف اليورو، مقارنة بمبلغ 50 جنيهاً إسترلينياً فقط (64.57 دولار) في المملكة المتحدة».

ورغم أن البيروقراطية مشكلة تؤثر على جميع قطاعات الاقتصاد، فإن 56 في المائة من المشاركين في استطلاع أجرته غرفة التجارة والصناعة الألمانية، في 29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أشاروا إلى أن اللوائح كانت شاغلهم الرئيسي. وفي المقابل، قال المشاركون من القطاع الصناعي إن مخاوفهم الرئيسية تركز على المخاطر المتعلقة بالطلب المحلي وأسعار الطاقة، وفق الاستطلاع نفسه.

كما أن إجراءات التصديق والاعتماد الطويلة والمكلِّفة تعوق أيضاً دخول الشركات الصغيرة والشابة السوق الألمانية، وخاصة في القطاعين المالي والصحي، وفقاً لدانييل بريتينغر، أحد المسؤولين التنفيذيين في «بيتكوم»؛ رابطة صناعة تكنولوجيا المعلومات الألمانية.

وأوضح بريتينغر، الذي تمثل جمعيته 2200 شركة، أن «النتيجة هي أن الابتكار يحدث في بلدان أخرى».

العوائق مستمرة

يؤدي الإفراط في التنظيم إلى تفاقم أزمة نقص العمالة، حيث أفادت 50 في المائة من الشركات بقطاع الخدمات في ألمانيا بأنها تواجه صعوبة في العثور على موظفين، وفقاً لتقرير غرفة التجارة والصناعة لعام 2023.

ويتطلب عدد من المهن في قطاع الخدمات، مثل القانون والمحاسبة والطب، معايير وشهادات قانونية محددة للعمل. لكن في ألمانيا، هذه المتطلبات أكثر صرامة وتغطي مجموعة واسعة من الوظائف. ووفقاً لتقرير المفوضية الأوروبية لعام 2021، فإن ألمانيا لديها 33 في المائة من إجمالي قوتها العاملة في المهن المنظمة، وهو ما يفوق متوسط ​​الاتحاد الأوروبي البالغ 21 في المائة، وأعلى حصة بين دول الاتحاد الأوروبي.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «بريتيوم أسوشيتس»، وهي شركة استشارات مالية للشركات المتوسطة الحجم، مارسيل كريب، إن «ألمانيا بلد العناوين الرئيسية»؛ وذلك بسبب متطلبات التأهيل الصارمة التي تجعل من الصعب العثور على موظفين شباب لشركته.

ووفق تقرير نشرته غرفة المحاسبين العموميين الألمانية، في يوليو (تموز) الماضي، فإن 1.4 في المائة فقط من المحاسبين في ألمانيا تقل أعمارهم عن 30 عاماً، في حين أن 31 في المائة تتراوح أعمارهم بين 50 و59 عاماً.

ولتجاوزِ هذه العوائق، يتطلب الأمر جذب انتباه صانعي السياسات.

لكن في حين يمكن للمصنعين الاعتماد على جماعة الضغط التجارية الألمانية القوية «بي دي آي»، المعروفة باسم «صوت الصناعة الألمانية»، فإن قطاع الخدمات المحلية لا يزال مجزأ جداً ويمثله كثير من الجمعيات الصغيرة، كما اشتكى كريب وغيره من المديرين التنفيذيين.

ينشر المكتب الإحصاء الاتحادي الألماني أكثر من 20 مجموعة بيانات شهرية عن القطاع الصناعي، بما في ذلك أرقام مفصّلة لقطاعات السيارات والمواد الكيميائية والأدوية. وقال خبراء الاقتصاد في بنك «هامبورغ التجاري»، سايروس دي لا روبيا: «إنه دليل على رؤية منحازة للاقتصاد». لكن الأرقام الشهرية للخدمات محدودة وتقتصر على مبيعات التجزئة وعدد الأشخاص العاملين بالقطاع والإيرادات في أماكن الإقامة والضيافة. ويرى دي لا روبيا أن ندرة البيانات تشكل مثالاً بارزاً على قلة الاهتمام السياسي بهذا الجزء الحيوي من الاقتصاد الألماني.


مقالات ذات صلة

العجز التجاري للمغرب يرتفع 5.2 % في الأشهر العشرة الأولى من العام

الاقتصاد يمر الناس أمام محلات الهدايا التذكارية في مراكش (رويترز)

العجز التجاري للمغرب يرتفع 5.2 % في الأشهر العشرة الأولى من العام

أشار مكتب الصرف، الهيئة المنظمة للصرف الأجنبي بالمغرب، في تقريره الشهري، إلى أن العجز التجاري السنوي للبلاد قد ارتفع بنسبة 5.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الاقتصاد متسوقون في السوق المصرية بإسطنبول (إعلام تركي)

تركيا: تضخم إسطنبول يعطي مؤشراً على استمرار الاتجاه الصعودي في نوفمبر

سجل معدل التضخم في أسعار المستهلكين بمدينة إسطنبول التي تعد كبرى مدن تركيا 57.99 % خلال نوفمبر على أساس سنوي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد رئيس الوزراء الفرنسي ميشال بارنييه يتحدث خلال جلسة الأسئلة الموجهة إلى الحكومة في الجمعية الوطنية (رويترز)

بارنييه يقدّم تنازلاً جديداً لتمرير الموازنة... والأسواق الفرنسية تتفاعل

ارتفعت الأسهم الفرنسية اليوم الاثنين، عاكسةً بذلك الانخفاضات السابقة، إذ مثّلت تنازلات الموازنة الجديدة التي قدمتها الحكومة لحزب التجمع بارقة أمل للمستثمرين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد عامل يفحص بعض الماكينات في مصنع صغير بمدينة هيغاشيوساكا اليابانية (رويترز)

تسارع الإنفاق الرأسمالي الياباني في الربع الثالث

تسارع إنفاق الشركات اليابانية على المصانع والمعدات في الربع الثالث؛ مما يشير إلى أن الطلب المحلي القوي يدعم التعافي الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد علم الصين أمام لوحة إلكترونية مصنعة محلياً (رويترز)

أميركا توجه ضربة جديدة لقطاع الرقائق الإلكترونية الصيني

قال مصدران مطلعان إن الولايات المتحدة ستطلق حملة إجراءات صارمة هي الثالثة لها خلال ثلاث سنوات على قطاع أشباه الموصلات في الصين

«الشرق الأوسط» (عواصم)

«كوب 16 الرياض» يجمع صناع السياسات لإعادة تأهيل الأراضي ومكافحة التصحر

الوزير السعودي يتسلم رئاسة السعودية رسمياً لمؤتمر «كوب 16» في الرياض (الشرق الأوسط)
الوزير السعودي يتسلم رئاسة السعودية رسمياً لمؤتمر «كوب 16» في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«كوب 16 الرياض» يجمع صناع السياسات لإعادة تأهيل الأراضي ومكافحة التصحر

الوزير السعودي يتسلم رئاسة السعودية رسمياً لمؤتمر «كوب 16» في الرياض (الشرق الأوسط)
الوزير السعودي يتسلم رئاسة السعودية رسمياً لمؤتمر «كوب 16» في الرياض (الشرق الأوسط)

اجتمع عدد كبير من صنُاع السياسات والمنظمات الدولية والشركات والمؤسسات والدوائر غير الحكومية وكبرى الجهات المعنية، الاثنين، في الرياض، للبحث عن حلول عاجلة للأزمات العالمية الملحة المتمثلة في تدهور الأراضي والجفاف والتصحر، وذلك خلال مؤتمر الأطراف السادس عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (كوب 16).

وانتُخبت السعودية رسمياً رئيساً لمؤتمر الأطراف السادس عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، خلال الجلسة العامة الافتتاحية للمؤتمر، حيث تبدأ فترة ولايتها لمدة عامين لدفع العمل الدولي بشأن إعادة تأهيل الأراضي واستصلاحها واستعادة خصوبتها وحيويتها ومقاومة التصحر والجفاف.

جانب من حضور المسؤولين في مؤتمر «كوب 16» بالرياض (الشرق الأوسط)

يأتي مؤتمر «كوب 16» في الرياض فرصةً لتوعية المجتمع الدولي حول علاقة الترابط القوية بين الأراضي والمحيطات والمناخ، والتحذير من أن 75 في المائة من المياه العذبة تنشأ من الأراضي المزروعة، فيما تسهم النباتات في حماية 80 في المائة من التربة العالمية.

وخلال الافتتاح الرسمي للمؤتمر، أكد وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، رئيس الدورة الـ16 للمؤتمر، المهندس عبد الرحمن الفضلي، أن استضافة المملكة لهذه الدورة تمثل امتداداً لاهتمامها بالمحافظة على البيئة محلياً وإقليمياً ودولياً، حيث تشير التقارير الدولية إلى تدهور أكثر من 100 مليون هكتار من الأراضي الزراعية والغابات والمراعي سنوياً، ويتأثر نتيجة لذلك أكثر من 3 مليارات إنسان حول العالم، كما تقدّر الخسائر السنوية الناجمة عن تدهور الأراضي بأكثر من 6 تريليونات دولار.

التحديات البيئية

وقال إن المملكة تسعى إلى تعزيز العمل وتكثيف الجهود تحت مظلة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر؛ لمواجهة التحديات البيئية الرئيسة، وتعزيز التكامل بين الاتفاقيات البيئية الدولية الأخرى، خصوصاً اتفاقيات (ريو) المعنية بتغير المناخ والتنوع الأحيائي؛ للوصول إلى مخرجات طموحة تُحدث نقلةً نوعيةً في تعزيز المحافظة على الأراضي، والحد من تدهورها، وبناء القدرات لمواجهة الجفاف.

وأضاف الفضلي أن منطقة الشرق الأوسط تُعد من أكثر مناطق العالم تأثراً من تدهور الأراضي والجفاف والتصحر، إذ تسعى المملكة باستمرار إلى مواجهة التحديات البيئية بالشراكة مع المجتمع الدولي.

وفي سبيل تحقيق هذه المستهدفات، أبان الفضلي أن الحكومة اعتمدت الاستراتيجية الوطنية للبيئة، وأنشأت صندوقاً وخمسة مراكز متخصصة، وجرى تحديث الأنظمة لتتماشى مع أفضل المعايير والممارسات الدولية، ووضعت المبادرات والخطط والبرامج؛ لتعزيز الالتزام بالضوابط البيئية، والحد من التلوث، وتنمية الغطاء النباتي والحياة الفطرية، وتعزيز إدارة النفايات وخدمات الأرصاد والدراسات المناخية.

وذكر أن مبادرة «السعودية الخضراء» تستهدف إعادة تأهيل 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وزيادة مساحة المناطق المحمية وصولاً إلى 30 في المائة مناطق محمية عام 2030، وهذا المستهدف أعلنته المملكة في 2021، قبل أكثر من عام على إعلان المستهدف العالمي بنهاية 2022 في مونتريال.

الطاقة المتجددة

كما يجري العمل على رفع نسبة الطاقة المتجددة لتصل إلى 50 في المائة من مزيج الطاقة في المملكة بحلول عام 2030، وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مشيراً إلى أن المملكة اعتمدت استراتيجية وطنية للمياه؛ لتعزيز المحافظة على مصادر المياه واستدامتها، ونفَّذت كثيراً من المبادرات والمشاريع في مجال إعادة التدوير؛ لتحقيق الاستدامة.

وحسب الفضلي، اعتمدت السعودية كذلك استراتيجية وطنية للزراعة؛ تهدف إلى تعزيز كفاءة الإنتاج، والإدارة المستدامة للأراضي الزراعية، واستراتيجية وطنية للأمن الغذائي، من شأنها خفض الفقد والهدر في الغذاء.

ولفت رئيس مؤتمر «كوب 16» إلى أن فقدان التنوع الأحيائي، وزيادة تداعيات التغير المناخي، يؤثر على عناصر الحياة الأساسية من هواء وماء وغذاء، والتي تؤثر بدورها على أكثر من 1.8 مليار نسمة حول العالم، وتزيد من معدلات الهجرة، ما يتوجب العمل معاً لتعزيز الجهود الدولية على الأصعدة كافة لمواجهة هذه التحديات العالمية.

وأكمل أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر تعد إطاراً للعمل الجماعي والتعاون الدولي، والتقيد بالسياسات لتحقيق المستهدفات لإعادة تأهيل الأراضي، والاستثمار في زيادة الرقعة الخضراء، والابتكار لتنفيذ الحلول المستدامة، والتعاون على نقل التجارب والتقنيات الحديثة، وتبني مبادرات وبرامج لتعزيز الشراكات بين الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمعات المحلية، ومؤسسات التمويل، والمنظمات غير الحكومية، والتوافق حول أدوات ملزمة تعزز العمل الدولي المشترك.

البلدان المتضررة

من ناحيته، أكَّد الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إبراهيم ثياو، أن العالم يمر بمرحلة مفصلية؛ كون تواتر حالات الجفاف وعدم القدرة على التنبؤ بها، يجعلها تحدياً متزايداً بالنسبة إلى النظم الزراعية والغذائية في البلدان المتضررة، مشيراً إلى أن إصلاح الأراضي من الأدوات الأكثر فاعلية في مواجهة التحديات في العالم.

وتطرق في كلمته خلال الجلسة العامة الافتتاحية إلى مؤتمر الأطراف «كوب 16» إلى جهود المملكة في دعم أعمال مكافحة الجفاف وإصلاح الأراضي عبر مبادرة «السعودية الخضراء‬»، و‫مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر»‬.

الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر متحدثاً إلى الحضور خلال الكلمة الافتتاحية (الشرق الأوسط)

وأكد ثياو أن استعادة الأراضي المتدهورة في العالم وكبح جماح صحاريه سيتطلب استثمارات بقيمة 2.6 تريليون دولار على الأقل بحلول نهاية العقد الحالي، مقدراً التكلفة للمرة الأولى.

مشاريع الرياض البيئية

من جهته، أشار أمين منطقة الرياض الأمير الدكتور فيصل بن عبد العزيز بن عياف، إلى أهمية الدور الحيوي للمدن في مواجهة التحديات البيئية، مسلِّطاً الضوء على جهود خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد، رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، اللذين حرصا على وضع العاصمة مدينةً رائدةً في التنمية الحضرية المستدامة.

وفي مقدمة مشاريع العاصمة السعودية، «الرياض الخضراء» الذي يهدف إلى زراعة 7.5 مليون شجرة؛ لتحسين جودة الهواء وخفض درجات الحرارة وتعزيز التنوع البيئي، بالإضافة إلى مشروع إعادة تأهيل وادي حنيفة الذي يمتد على مساحة 4000 كيلومتر مربع؛ ليكون نموذجاً في استعادة التوازن البيئي وتحويله إلى وجهة سياحية فريدة، موضحاً الجهود المبذولة في إنشاء أكثر من 100 حديقة كبرى، مثل: «حديقة الملك سلمان» و«حديقة الملك عبدالله»، التي تسهم في تحسين جودة الحياة للسكان وتوفير متنفس طبيعي يعزز رفاهيتهم.

أمين منطقة الرياض يتحدث إلى الحضور (الشرق الأوسط)

وحول الجهود الداعمة للاستدامة، تحدث الأمين عن المبادرات والمشاريع التي تدعم عمليات التشجير من خلال إنشاء مشاتل جديدة، واعتماد منهجيات تخطيط حضري مستدام مثل التطوير الموجه بالنقل (TOD) بالتكامل مع شبكة مترو الرياض، وما لها من أثر في تقليل الانبعاثات الكربونية وتحقيق التكامل بين النقل العام والمساحات الحضرية.

وأضاف أن استراتيجية الرياض البيئية تضم أكثر من 68 مبادرة وتغطي محاور الطاقة والمياه وإدارة النفايات والتنوع الحيوي والمناطق الطبيعية، وهي بدورها تعكس رؤية المملكة الطموحة لتحقيق التنمية المستدامة، ليس فقط على المستوى المحلي، بل تعد مثالاً يُحتذى به عالمياً.

إشراك القطاع الخاص

بدوره، ذكر وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية، الدكتور أسامة فقيها، لـ«الشرق الأوسط»، أن السعودية تسعى لتكون الدورة السادسة عشرة من «مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (كوب 16)» نقطة تحول تاريخية في مسيرة الاتفاقية، مع العمل على زيادة التزامات الدول لمكافحة تدهور الأراضي وإعادة تأهيلها.

كما أشار فقيها، خلال مؤتمر صحافي على هامش اليوم الأول من مؤتمر «كوب 16»، إلى أن هناك نحو 1.5 مليار هكتار من الأراضي المتدهورة حول العالم، «وهو ما يتطلب مزيداً من العمل الجاد على الصعد كافة».

وشرح أن السعودية تدرك «الحاجة الماسة إلى عمل أكبر في المجال التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بوضع إطار دولي لمكافحة الجفاف، بالإضافة إلى ضرورة توفير التمويل اللازم لهذا القطاع الحيوي». كما شدد على «أهمية مشاركة القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية، فضلاً عن دور مؤسسات المجتمع المدني، في مواجهة تحديات تدهور الأراضي».

واستطرد فقيها: «استهلاك الفرد عالمياً أصبح حالياً 4 أضعاف ما كان عليه قبل عقود عدة من الزمن، مما يفاقم المشكلة، ويجعل من الضروري أن يتحمل الجميع مسؤولية العمل في الحفاظ على البيئة، بما في ذلك الحكومات والأفراد».

مبادرات دولية

وخلال المؤتمر، أعلنت السعودية ثلاث مبادرات دولية رئيسية في اليوم الأول فقط، وهي: «شراكة الرياض العالمية» لمكافحة الجفاف باستثمارات تتجاوز 150 مليون دولار، التي ستحشد العمل الدولي بشأن الارتقاء بمستوى الاستعداد لمواجهة الجفاف.

وفي الوقت نفسه، أُطلق المرصد الدولي لمواجهة الجفاف وأطلس الجفاف العالمي، وهما مبادرتان تهدفان إلى زيادة أعمال الرصد والتتبع، واتخاذ التدابير الوقائية، ونشر التوعية بين مختلف الشرائح والفئات المهتمة والمعنية حول الجفاف في جميع أنحاء العالم.

وكانت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر قد أصدرت عشية انطلاق المحادثات المتعددة الأطراف في الرياض، تقريراً جديداً يسلط الضوء على حالة الطوارئ العالمية المتزايدة الناجمة عن تدهور الأراضي.

وأشارت النتائج الرئيسية إلى الأضرار الناجمة عن الممارسات الزراعية غير المستدامة التي تسهم بما نسبته 80 في المائة من إزالة الغابات، وتستحوذ على 70 في المائة من استخدام المياه العذبة، في حين يأتي 23 في المائة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري من الزراعة والغابات واستخدام الأراضي.

ووفق أحدث تقرير لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، جرى تصنيف 46 في المائة من مساحات الأراضي العالمية ضمن الشريحة الجافة.

المنطقة الخضراء

يُذكر أن مؤتمر الأطراف «كوب 16» الرياض الذي يُعقد من 2 إلى 13 ديسمبر (كانون أول) الجاري، يعد أكبر دورة لمؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر حتى الآن، حيث يضم لأول مرة منطقة خضراء، وهو المفهوم المبتكر الذي استحدثته المملكة، لحشد العمل المتعدد الأطراف، والمساعدة في توفير التمويل اللازم لمبادرات إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة.

ومن خلال استضافتها مؤتمر الأطراف، تدعو السعودية المجتمع الدولي لزيادة قاعدة التعهدات بشأن تحييد أثر تدهور الأراضي بحلول عام 2030، إذ تعد استعادة الأراضي الحلَّ الفعال من حيث التكلفة لمواجهة تغير المناخ، الذي يحتاج إليه العالم، ولتحقيق استعادة الأراضي فوائد اقتصادية سنوية يصل حجمها إلى 1.4 تريليون دولار على مستوى العالم، وحماية الاستقرار العالمي من التهديد الناجم عن مزيد من فقدان الأراضي.

وتسعى الرياض من خلال «كوب 16» إلى أن تتحد الدول معاً لتغيير المسار ومعالجة كيفية استخدام الأراضي، والمساهمة في تحقيق أهداف المناخ، وسد فجوة الغذاء، وحماية البيئات الطبيعية، إذ يمكن للأراضي الصحية أن تساعد على تسريع وتيرة تحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر.

ويسلط «كوب 16» الضوء على حقيقة أن ما يصل إلى 40 في المائة من أراضي الكوكب تعاني حالة التدهور بالفعل، ما يؤثر على نصف البشرية، ويهدد ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وذلك حسب تقرير «توقعات الأراضي العالمية» في إصداره الأخير، مما يتطلب تدخلاً عاجلاً، إذ ستتحمل البشرية تكلفة باهظة جزاء التقاعس عن العمل.