هل فشلت الصين في التعامل مع التهديد الرئيسي للنمو؟

إرشادات لتعزيز التوظيف... و«بنك الشعب» يخفّض نطاقاً واسعاً من أسعار الفائدة

رجل يسير أمام محل للصيرفة في الحي المالي بمدينة هونغ كونغ (أ.ب)
رجل يسير أمام محل للصيرفة في الحي المالي بمدينة هونغ كونغ (أ.ب)
TT

هل فشلت الصين في التعامل مع التهديد الرئيسي للنمو؟

رجل يسير أمام محل للصيرفة في الحي المالي بمدينة هونغ كونغ (أ.ب)
رجل يسير أمام محل للصيرفة في الحي المالي بمدينة هونغ كونغ (أ.ب)

أصدر مجلس الوزراء الصيني يوم الأربعاء إرشادات لتعزيز التوظيف عالي الجودة والكافي، وتعهّد بإعطاء الأولوية للتوظيف أثناء التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتحسين النمو المعقول لمكافأة العمل، حسبما ذكرت وسائل إعلام رسمية.

ويأتي ذلك بينما تحوّل البنك المركزي الصيني إلى موقف تيسير أكثر قوةً، لكن أسلحته لا تستهدف التهديد الرئيسي للنمو الاقتصادي، وهو الطلب الاستهلاكي الضعيف باستمرار، بحسب تحليل لـ«رويترز».

ورفعت عمليات ضخ السيولة وانخفاض تكاليف الاقتراض، التي أشار إليها بنك الشعب الصيني يوم الثلاثاء، معنويات السوق، لكن السبب الرئيسي وراء ذلك هو أنها رفعت التوقعات بأن السلطات ستُتبع ذلك قريباً بحزمة مالية لتكملة التدابير النقدية والمالية.

وخفّض بنك الشعب الصيني يوم الأربعاء سعر قروض تسهيل الإقراض المتوسط ​​الأجَل لمدة عام واحد لبعض المؤسسات المالية إلى 2.00 في المائة، من 2.30 في المائة.

ويواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم ضغوطاً انكماشية قوية، ويخاطر بتفويت هدف النمو هذا العام البالغ حوالي 5 في المائة بسبب الانحدار الحادّ في سوق العقارات، وضعف ثقة المستهلك، والذي يقول المحللون إن السياسات المالية التي تضع الأموال في جيوب المستهلكين - من خلال معاشات تقاعدية أعلى، وغيرها من المزايا الاجتماعية - هي وحدها القادرة على معالجته.

وقال شوانغ دينغ، كبير الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى وشمال آسيا في «ستاندرد تشارترد»: «تجاوزت سياسات البنك المركزي التوقعات، لكن المشكلة الرئيسية في الاقتصاد اليوم ليست نقص السيولة... من حيث مساعدة الاقتصاد الحقيقي، أعتقد أنه ستكون هناك حزمة سياسات أخرى، وخصوصاً السياسات المالية».

واتفق فريد نيومان، كبير الاقتصاديين في «إتش إس بي سي» في آسيا، قائلاً إن السلطات يجب أن تعزّز الطلب الذي يمكن أن «يتم من خلال تدابير سياسية أخرى مثل السياسة المالية».

وبينما يطلق بنك الشعب الصيني مجموعة أكثر جرأةً من التدابير منذ الوباء، يظل الحجم الإجمالي للتحفيز صغيراً، ويشكّ المحلِّلون في فاعليته الإجمالية.

وفي ضوء ضعف الطلب على الائتمان من جانب الأسر والشركات، فإن مبلغ تريليون يوان (142 مليار دولار)، الذي سيتم إطلاقه في النظام المالي من خلال خفض متطلَّبات الاحتياطي المصرفي، قد يحفز شراء المزيد من السندات السيادية أكثر من الإقراض في الاقتصاد الحقيقي.

وقال «كتاب الصين البيج» في مذكرة، إن الشركات «لم تكن راغبة لسنوات في الاقتراض، بغضّ النظر عن ظروف الائتمان؛ لأن معنويات الشركات ضعيفة للغاية، ولن تستجيب الأسر لعائدات أسوأ على المدخرات بأن تتحوّل لتصبح أكثر تفاؤلاً فجأةً».

ومن شأن التخفيضات في أسعار الرهن العقاري الحالية أن تطلق 150 مليار يوان إضافية سنوياً للأُسَر، ولكن هذا يعادل 0.12 في المائة فقط من الناتج الاقتصادي السنوي، وقد يتم ادّخار بعضه لسداد الرهن العقاري المبكر.

ويقدّر ريموند يونغ، كبير خبراء الاقتصاد في بنك «إيه إن زد»، أن المستهلكين الصينيين يُنفقون 35 يواناً فقط من أي 100 يوان إضافية يتلقّونها.

ويُعدّ خفض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 20 نقطة أساس أكبر من المعتاد، ولكنه أصغر مما تفعله معظم البنوك المركزية عادةً، حيث خفض بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس الأسبوع الماضي.

وقال محلّلون من «جافيكال دراغونوميكس» في مذكرة، إن «كلاً من التدابير الرئيسية للسياسة النقدية التي أعلن عنها بنك الشعب الصيني استُخدِمت بالفعل في الماضي، وكان لها تأثير اقتصادي ضئيل من قبل»، ووصفوا حجم الحزمة بأنه «متواضع»، وبالتالي فإن أهمية هذه الحزمة تكمن في الغالب فيما إذا كانت تفتح الباب أمام تحركات أخرى.

وقال نيومان إن بنك الشعب الصيني - من خلال ضخ السيولة - يوفر مساحة أكبر للحكومة لإصدار الديون لأي حافز إضافي. وأضاف: «ما تأمله السوق هو أن يشير ضخ السيولة إلى إعلان محتمل في الأسابيع المقبلة عن برنامج كبير لإصدار السندات».

وتقول لين سونغ، كبيرة الاقتصاديين في «آي إن جي»، إن الطريقة الأكثر مباشرةً لتحفيز الاقتصاد في الأمد القريب هي من خلال المزيد من الاستثمار الحكومي، على الرغم من أن الاقتصاديين يؤيدون بشكل متزايد دعم جانب الطلب الذي قد يأتي في شكل قسائم استهلاك أو سياسات مماثلة.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلنت بكين عن تريليون يوان إضافية في سندات الخزانة الخاصة لتمويل مشاريع البنية الأساسية المختلفة، وذلك لضمان تلبية هدف النمو لعام 2023، ومن غير الواضح إلى أي مدى قد يختلف أي حافز إضافي هذا العام.

وفي يوليو (تموز)، أشار المسؤولون إلى تحوّل طفيف في الإنفاق نحو المستهلكين، من خلال دعم مشتريات الأجهزة الجديدة والسلع الأخرى، وقد عُدّ هذا خطوةً صغيرة في الاتجاه الذي دعا عديداً من خبراء الاقتصاد لسنوات بكين إلى اتخاذه لمعالجة اختلال التوازن الواسع بين الاستثمار والاستهلاك.

وتُعدّ حصة استهلاك الأسر في الناتج الاقتصادي السنوي أقل بنحو 20 نقطة مئوية من المتوسط ​​العالمي، في حين أن حصة الاستثمار الذي تقوده الحكومة، ويموَّل بالديون ويدرُّ عائدات متناقصة، أعلى بنحو 20 نقطة مئوية، ويمكن معالجة هذا من خلال التحويلات من القطاع العام إلى المستهلكين.

وقال محلِّلو «نومورا» في مذكرة حول حزمة بنك الشعب الصيني، إن بكين قد ترفع معاشات التقاعد والفوائد الطبية للفئات ذات الدخل المنخفض، وتدعم ولادة الأطفال لتحقيق بعض التقدم في إعادة التوازن إلى اقتصادها، ولكنهم يحذِّرون من أن مثل هذه الخطوات قد لا تكون وشيكة. وأضافوا: «نحن لا نعتقد أن هذه السياسات النقدية والمالية وحدها كافية، لكن نعتقد أن التحفيز المالي ينبغي أن يحتلّ الصدارة، وإن كنا نشجّع المستثمرين على إدارة توقعاتهم».

وفي الأسواق، وسّعت أسهم الصين وهونغ كونغ مكاسبها يوم الأربعاء، على الرغم من أنها فقدت بعض الزخم في تعاملات بعد الظهر، حيث يواصل المستثمرون استيعاب حزمة تحفيز واسعة النطاق، أعلنت عنها بكين في اليوم السابق.

وقفز مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 1.5 في المائة، بعد ارتفاع بنسبة 4.3 في المائة بالجلسة السابقة، بينما أغلق مؤشر «هانغ سنغ» القياسي في هونغ كونغ مرتفعاً بنسبة 0.7 في المائة، مما أضاف إلى ارتفاع يوم الثلاثاء بنسبة 4.1 في المائة.


مقالات ذات صلة

الصين تطلب من «ميرسك» و«إم إس سي» التوقف عن تشغيل موانئ بنما

الاقتصاد ميناء بالبوا في بنما (أ.ف.ب)

الصين تطلب من «ميرسك» و«إم إس سي» التوقف عن تشغيل موانئ بنما

طلبت الصين من مجموعة الشحن الدنماركية «ميرسك» وشركة «إم إس سي» السويسرية التوقف عن تشغيل موانئ قناة بنما.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ناقلة نفطية عملاقة قبالة سواحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)

روسيا تؤكد استعدادها لمساعدة الصين في مجال الطاقة قبيل زيارة بوتين

قال وزير الخارجية الروسي إن روسيا مستعدة لزيادة إمدادات الطاقة إلى الصين قبيل الزيارة المرتقبة للرئيس فلاديمير بوتين.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد سفينة تبحر مقابل مصفاة نفطية في المنطقة الصناعية بمدينة كاوازاكي جنوب العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اليابان تعتزم ضخ 36 مليون برميل من احتياطياتها النفطية

قال مسؤول رفيع في وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية، يوم الأربعاء، إن اليابان تخطط لضخ نحو 36 مليون برميل من احتياطياتها النفطية الوطنية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

«أسهم الصين» تنضم لموجة انتعاش عالمية وسط تفاؤل بشأن حرب إيران

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ، الأربعاء، لتنضم إلى موجة انتعاش في الأسواق العالمية وسط آمال بانتهاء أسوأ تداعيات صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«نيكي» يحلّق في قمة شهر وسط آمال المحادثات الأميركية - الإيرانية

أغلق مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم عند أعلى مستوى له في أكثر من شهر يوم الأربعاء، مع ارتفاع معنويات المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«السيادي» السعودي يُقر استراتيجية تعزز الاقتصاد


الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
TT

«السيادي» السعودي يُقر استراتيجية تعزز الاقتصاد


الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)

أقرّ مجلس إدارة «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الصندوق، استراتيجية جديدة للأعوام 2026 – 2030، في تحوّل نوعي من مرحلة «التوسّع السريع» إلى تركيز جوهري على تحقيق القيمة المستدامة وتعظيم الأثر الاقتصادي.

وترتكز الاستراتيجية الجديدة على ثلاث محافظ رئيسية: الأولى «محفظة الرؤية» لتطوير منظومات اقتصادية تشمل السياحة، والصناعة، والطاقة المتجددة، والتطوير الحضري، و«نيوم»، بينما تركز «محفظة الاستثمارات الاستراتيجية» على تعظيم عوائد الأصول ودعم تحوّل شركات الصندوق لكيانات عالمية رائدة. أما «محفظة الاستثمارات المالية» فتهدف إلى تحقيق عوائد مستدامة وتنويع الاستثمارات عالمياً.


صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن الصندوق لا يناقش حالياً زيادة برنامج القروض المقدم لمصر الذي يبلغ 8 مليارات دولار، والمُبرم منذ عامين، وذلك على الرغم من التأثير الشديد للحرب في الشرق الأوسط على اقتصاد البلاد.

وأوضحت في مؤتمر صحافي أن الصندوق قد ينظر في تقديم مزيد من المساعدات لمصر إذا ساءت الأوضاع أكثر. وأشادت بجهود السلطات المصرية في مجال الإصلاحات والسياسات.


وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
TT

وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

دعا وزراء مالية من نحو 12 دولة، بقيادة بريطانيا، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يوم الأربعاء، إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار. وأكد الوزراء أن الصراع سيظل يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي والأسواق حتى لو تم حله قريباً.

جاء هذا البيان المشترك، الذي وقّعه وزراء من أستراليا واليابان والسويد وهولندا وفنلندا وإسبانيا والنرويج وآيرلندا وبولندا ونيوزيلندا بالإضافة إلى بريطانيا، بعد يوم واحد من قيام صندوق النقد الدولي بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بسبب الحرب. ووصف البيان الخسائر في الأرواح الناجمة عن الحرب بأنها «غير مقبولة».

التهديدات الاقتصادية وأمن الطاقة

وجاء في البيان: «إن تجدد الأعمال العدائية، أو اتساع نطاق الصراع، أو استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز من شأنه أن يشكل مخاطر إضافية جسيمة على أمن الطاقة العالمي، وسلاسل التوريد، والاستقرار الاقتصادي والمالي».

وأشار الوزراء في البيان الصادر خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، إلى أنه «حتى مع وجود حل دائم للصراع، فإن التأثيرات على النمو والتضخم والأسواق ستستمر».

الالتزام بالمسؤولية المالية ورفض الحمائية

واستحضاراً لذكرى الارتفاع الهائل في الديون العامة خلال جائحة «كوفيد-19» والغزو الروسي لأوكرانيا، تعهَّد الوزراء بالتزام المسؤولية المالية في أي دعم جديد، على أن يكون موجهاً فقط إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه. كما دعوا جميع الدول إلى تجنب الإجراءات الحمائية، بما في ذلك ضوابط التصدير غير المبررة وتخزين السلع والعوائق التجارية الأخرى في سلاسل توريد الهيدروكربونات المتضررة من الأزمة.

التوترات السياسية

واصلت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، انتقاداتها للاستراتيجية الأميركية في حرب إيران، واصفةً إياها بـ«الحماقة»، ومؤكدةً ضرورة إنهاء الصراع الذي لم تدعمه لندن. وقالت ريفز في تصريح منفصل: «إن وقف إطلاق النار المستدام وتجنب ردود الفعل المتهورة هما المفتاح للحد من التكاليف على الأسر».

من جانبه، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الثلاثاء، من انتقاداته الحكومة البريطانية لعدم انضمامها إلى الحرب، ملمحاً إلى أن الاتفاق التجاري بين البلدين «يمكن دائماً تغييره». ومع ذلك، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم الأربعاء، أنه لن يرضخ لضغوط ترمب للانخراط في الصراع.