إليك كل ما تحتاج لمعرفته عن الاقتصاد الصيني راهناً

رجل يزور متجراً للسلع الهندية في سوق ييوو بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
رجل يزور متجراً للسلع الهندية في سوق ييوو بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

إليك كل ما تحتاج لمعرفته عن الاقتصاد الصيني راهناً

رجل يزور متجراً للسلع الهندية في سوق ييوو بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
رجل يزور متجراً للسلع الهندية في سوق ييوو بمقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

لقد كان شهراً قاتماً بالنسبة للاقتصاد الصيني؛ فقد كشفت مجموعة من البيانات الأخيرة عن تباطؤ ثاني أكبر اقتصاد في العالم بشكل أسرع من المتوقَّع، مما دفع المحللين إلى التنبؤ بأنه لن يتمكن من تحقيق هدف النمو المتواضع نسبياً البالغ 5 في المائة هذا العام.

لقد تباطأ نمو الناتج الصناعي ومبيعات التجزئة، في حين هبطت سوق الأوراق المالية والاستثمار في العقارات بشكل حادّ. وارتفعت معدَّلات البطالة، ويظل الانكماش قضية ملحَّة، وفقاً لتقرير صحيفة «واشنطن بوست». ومع ذلك، لا يزال المسؤولون الصينيون مترددين في اتخاذ إجراءات لتنشيط الاقتصاد من خلال حزم التحفيز الضخمة التي استخدمت بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، والتي يقول كثير من خبراء الاقتصاد إنها ضرورية مرة أخرى لوقف التباطؤ.

وبدلاً من ذلك، تواصل الحكومة الصينية مضاعفة استراتيجيتها للاستثمار في التصنيع المتقدم والنمو القائم على التصدير، حتى مع تقويض التوترات التجارية المتصاعدة مع الولايات المتحدة وأوروبا لقدرتها على بيع بعض صادراتها الأكثر قيمة في الخارج.

فيما يلي أبرز المعلومات حول الوضع الحالي للاقتصاد الصيني:

1- لماذا يواجه الاقتصاد الصيني مشكلة؟

لقد كافحت الصين للتعافي من 3 سنوات عقابية من سياسات «صفر كوفيد»، خلال الوباء، التي أعطت الأولوية للصحة والأمن على النمو. توقع خبراء الاقتصاد أن الطلب المكبوت الذي تم إطلاقه عندما انتهت هذه السياسات رسمياً قبل ما يقرب من عامين سيضخ زخماً جديداً في الاقتصاد الصيني، إلا أن هذا لم يحدث. وبدلاً من ذلك، ظل النمو باهتاً - مع تحرك معظم المؤشرات في الاتجاه الخاطئ.

موظفون يعملون في مصنع بلاستيك بييوو في مقاطعة تشجيانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

وتظهر الأرقام الأخيرة تباطؤ الزخم الاقتصادي في جميع المجالات في أغسطس (آب). كما نمت مبيعات التجزئة بمعدل أبطأ مما كانت عليه في يوليو (تموز)، وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء، حيث ادخرت الأسر الصينية بدلاً من إنفاقها.

كان هذا في جزء كبير منه لأن سوق العمل لا تزال تعاني من الكساد. وارتفع معدل البطالة في المناطق الحضرية إلى 5.3 في المائة، الشهر الماضي، وهو أعلى معدل في ستة أشهر.

كما أن الحصول على وظيفة يشكل تحدياً خاصاً للشباب؛ فبعد أن بلغ معدل البطالة بين الشباب مستويات قياسية، العام الماضي، توقف المسؤولون الصينيون مؤقتاً عن إصدار الإحصاءات، وتوصلوا إلى مقياس جديد أكثر ملاءمة. ولكن حتى المقياس الجديد يبدو الآن قاتماً؛ ففي يوليو، بلغ معدل البطالة بين الشباب في المناطق الحضرية 17 في المائة.

2- ما الدور الذي يلعبه سوق العقارات في كل هذا؟

يُعدّ الانهيار في قطاع العقارات، الذي كان حتى وقت قريب يشكل ربع الاقتصاد تقريباً، وكان محركاً رئيسياً لثروة الطبقة المتوسطة، في قلب الصعوبات الاقتصادية بالصين. فبعد أن حدّت الحكومة من قدرة مطوِّري العقارات على اقتراض الأموال في عام 2020. أدت سلسلة من حالات التخلُّف عن السداد من جانب المطوِّرين إلى اندلاع أزمة متموجة عبر اقتصاد الصين. ومنذ يناير (كانون الثاني)، انخفض الاستثمار في العقارات بأكثر من 10 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. وأدى انخفاض أسعار العقارات إلى استنزاف مدخرات الأسرة وتقييد قدرة الحكومات المحلية على جمع الأموال من خلال مبيعات الأراضي، أحد مصادر إيراداتها الرئيسية.

امرأة تسير بجوار مجمع سكني تابع لمجموعة «إيفرغراند» يسمى «قصر إيفرغراند» في بكين (أ.ف.ب)

وقال فيكتور شيه، مدير مركز الصين للقرن الحادي والعشرين بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، لـ«واشنطن بوست»، إن انخفاض استثمار الحكومة المحلية والاستثمار العقاري يشكل ضربة مزدوجة للاقتصاد. وأضاف: «من الصعب استبدال هذين المحركين المتوقفين للنمو».

وتعكس الأسواق الصينية هذه المخاوف؛ فقد انخفض مؤشر الأسهم الصينية القياسي على مدى الأشهر الخمسة الماضية، بنحو 14 في المائة منذ أعلى مستوى له في مايو (أيار). وقال لوغان رايت، مدير أبحاث أسواق الصين في «مجموعة روديوم للأبحاث»: «منذ إعادة فتح الصين بعد الوباء، كانت هناك نوبات مؤقتة من التفاؤل، ولكن بشكل عام، لم تكن هناك قصة أو سرد واضح جعل المستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب، أكثر اهتماماً بنشر المزيد من رأس المال في السوق».

ولكن من الواضح أن الديموغرافيا لا تساعد التوقعات الاقتصادية للصين في الأمد البعيد؛ ففي مواجهة الشيخوخة السكانية وانخفاض معدلات المواليد، أعلنت الحكومة الصينية، الأسبوع الماضي، أنها سترفع سن التقاعد 3 سنوات (إلى 63 عاماً) للرجال، و5 سنوات (إلى 55 عاماً) للنساء، في الوظائف اليدوية، في محاولة لتعزيز قوة العمل المتقلصة.

لقد أصبحت قدرة الصين على تحقيق هدف النمو هذا العام (بنحو 5 في المائة) موضع شك الآن. ففي خطاب ألقاه يوم الخميس الماضي، حث الزعيم الصيني شي جينبينغ المسؤولين على «السعي إلى استكمال أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية السنوية». ولكن بعض البنوك الغربية بعيدة كل البعد عن الاقتناع؛ فقد خفَّض كل من «غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» توقعاتهما للنمو الاقتصادي الصيني هذا العام إلى 4.7 في المائة، في حين تتوقع «مورغان ستانلي» 4.6 في المائة فقط.

3- ماذا عن القطاع الخاص؟

على مدى العقد الماضي، قامت الحكومة الصينية بتحويل بيئة الأعمال بشكل أساسي في الدولة الأكثر سكاناً في العالم. بعد توليه السلطة في عام 2013، أطلق شي حملة شاملة لمكافحة الفساد. ورغم أن الجهود كانت تركز بشكل أساسي على المسؤولين الفاسدين في البداية، فإنها توسَّعت منذ ذلك الحين إلى القطاع الخاص، مع تحرُّك الحكومة لاحتجاز المصرفيين الخارقين والتحقيق مع المليارديرات، مثل شو جياين، مؤسس شركة العقارات المتعثرة «إيفرغراند». وفي عام 2020، ألغت الهيئات التنظيمية الطرح العام الأولي لشركة التكنولوجيا المالية العملاقة «أنت غروب» التابعة لجاك ما، لتبدأ حملة صارمة استمرت لسنوات على صناعة التكنولوجيا الصينية المزدهرة ذات يوم، التي تعتبرها الحكومة احتكارية.

عميلة تفتح باب فرع بنك مينشنغ الصيني في بكين (رويترز)

يقول تشين تشي وو، أستاذ التمويل في جامعة هونغ كونغ، إن هجوم الحكومة على القطاع الخاص هو السبب الجذري للمشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الصين. ويضيف: «هناك اعتقاد عميق بأن أصحاب الأعمال الخاصة والشركات الخاصة يتنافسون على السلطة والنفوذ في المجتمع الصيني الأوسع مع الحزب الشيوعي الصيني».

ولم يقتصر الضرر على الشركات الصينية؛ فوفقاً لتقرير أصدرته غرفة التجارة الأميركية في شنغهاي، الأسبوع الماضي، أدى تباطؤ الاقتصاد وبيئة الأعمال المقيدة إلى انخفاض أرباح الشركات الأميركية العاملة في الصين إلى مستويات قياسية في عام 2023، كما أدى ذلك إلى انخفاض التفاؤل بشأن السوق الصينية؛ إذ شعر أقل من نصف المشاركين في الاستطلاع بالتفاؤل بشأن آفاق الأعمال في الصين على مدى السنوات الخمس المقبلة، في حين خفّض عدد قياسي من الشركات استثماراتها في الصين، العام الماضي، وسط خطط لنقل الاستثمارات إلى جنوب شرقي آسيا والهند.

4- هل ستدعم الحكومة الصينية الاقتصاد؟

لم تكن الحكومة الصينية مستعدة بعد لتطبيق سياسات تحفيزية قوية لتعزيز الطلب الاستهلاكي، على الرغم من الدعوات المتزايدة إلى اتخاذ تدابير، مثل تعزيز أنظمة الرعاية الاجتماعية، أو استقرار سوق العقارات، أو تقديم مدفوعات نقدية للأسر المتعثرة لتشجيعها على الخروج والإنفاق.

«هناك إجماع متزايد بين خبراء الاقتصاد، بمن فيهم أنا، على ضرورة صرف مدفوعات نقدية للناس، وهو ما لا أعتقد أنه سيحدث»، كما قال تشو نينغ، أستاذ التمويل في جامعة شنغهاي جياو تونغ، مشيراً إلى الحواجز العملية والتكاليف الهائلة المترتبة على توزيع الشيكات على عدد كبير من السكان.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ملتقياً الملك الماليزي السلطان إبراهيم سلطان إسكندر في قاعة الشعب الكبرى (رويترز)

ويستشهد تشو أيضاً بسبب فلسفي: «أعتقد أن صنَّاع السياسات متشككون في الطريقة التي تعامل بها الغرب مع (كوفيد)، بتوزيع النقود، ولا يريدون اتباع مثاله». بدلاً من ذلك، ركزت الحكومة الصينية على تمويل التصنيع، ويرجع ذلك جزئياً إلى أولوية رئيسية للحزب الشيوعي لتصبح مكتفية ذاتياً في التقنيات الحيوية، مثل أشباه الموصلات. في مارس (آذار)، أعلن رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ عن أكثر من مليار دولار من الاستثمارات الحكومية لترقية تصنيع التقنيات الأساسية وسلاسل التوريد الصناعية. هنا، كان هناك بعض النجاح: فمنذ يناير، نما الاستثمار في التصنيع بنسبة 9 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وفقاً للإحصاءات الرسمية.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت صادرات الصين العالمية للشهر الخامس على التوالي في أغسطس (آب)، وفقاً لبيانات الجمارك الصينية، حيث زادت بأكثر من 8 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها في عام 2023.

وتقول زوي ليو، زميلة الدراسات الصينية في مجلس العلاقات الخارجية: «إن الصينيين سوف يستشهدون بقدرتهم على الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والمركبات الكهربائية، وعلى وجه الخصوص سوف يذكرون هيمنتهم على سلاسل التوريد. لذا أعتقد أن القصة الإجمالية أن النمو يتباطأ، ولكن ليس كل شيء ضائعاً».

5- ولكن ماذا يعني تباطؤ الصين بالنسبة للعالم؟

تثير الطفرة الصناعية الناجحة في الصين ردود فعل عكسية. ففي الأشهر الأخيرة، تصاعدت التوترات الاقتصادية بين الصين وبقية العالم، بسبب الزيادة الحادة في الصادرات الصينية. وتخشى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن تستخدم الصين ممارسات تجارية غير عادلة، مثل الإعانات الحكومية الضخمة، لدعم هذه الصناعات، مما يؤدي إلى تدفق المنتجات الصينية، مثل المركبات الكهربائية والألواح الشمسية والصلب إلى السوق العالمية، مما قد يلحق الضرر بالصناعات والوظائف في بلدان أخرى.

إن تباطؤ الاقتصاد الصيني قد يؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة، لأن انخفاض عدد العملاء في الداخل سيجبر الشركات الصينية على مضاعفة الجهود في الخارج. قال رايت من «روديوم»: «القلق بالنسبة للولايات المتحدة أن ضعف الطلب المحلي الصيني يعني المزيد من الصادرات الصينية إلى بقية العالم. تسعى الصين إلى استراتيجية مواجهة بشكل متزايد مع بقية العالم».

حاولت الحكومة الأميركية معالجة هذه الاستراتيجية بتدابير تجارية، مثل التعريفات الجمركية، وكذلك الدبلوماسية. في مايو (أيار)، أعلنت إدارة بايدن عن زيادات في التعريفات الجمركية على السلع المصنوعة في الصين، بما في ذلك تعريفة بنسبة 100 في المائة على المركبات الكهربائية، وتعريفة بنسبة 50 في المائة على الألواح الشمسية وتعريفة بنسبة 25 في المائة على السلع الفولاذية. ومن المقرر أن تبدأ التدابير في سريانها، في نهاية سبتمبر (أيلول).

يوم الخميس، التقى وفد أميركي بقيادة جاي شامبو، وكيل وزارة الخزانة للشؤون الدولية، نظراءهم الصينيين في بكين، وناقش المخاوف بشأن فائض الصادرات الصينية، وفقاً لمسؤول في وزارة الخزانة.


مقالات ذات صلة

الصين تُرسّخ مكانتها قوة اقتصادية مستقرة في عالم مضطرب

الاقتصاد عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)

الصين تُرسّخ مكانتها قوة اقتصادية مستقرة في عالم مضطرب

طمأن قادة الصين المديرين التنفيذيين للشركات العالمية بأن بكين لا تزال ركيزة موثوقة في ظل التقلبات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين العالمي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مصفاة نفطية جنوبي العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اليابان تعلن عزمها استخدام احتياطيات النفط الوطنية و«المخزونات المشتركة»

أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية أن اليابان ستستخدم مخزونات النفط المشتركة التي تحتفظ بها الدول المنتجة للنفط في البلاد، بحلول نهاية مارس الحالي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد نادل يحمل طبق برياني لتقديمه للزبائن داخل مطعم في كولكاتا بالهند (رويترز)

تراجع نمو القطاع الخاص في الهند إلى أدنى مستوى خلال 3 سنوات

أظهر مسح نشر يوم الثلاثاء، أن نمو القطاع الخاص في الهند سجل أبطأ وتيرة له منذ أكثر من 3 سنوات في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (بنغالورو )
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في مدينة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

أسهم الصين ترتفع بعد تأجيل ترمب ضربة شبكة الكهرباء الإيرانية

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ يوم الثلاثاء، بعد أن أرجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديده بضرب شبكة الكهرباء الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

ارتباك بالأسواق اليابانية وسط شكوك حول مصير أزمة إيران

تذبذبت الأسهم اليابانية، الثلاثاء، حيث ظل المستثمرون غير مقتنعين بأن تصريحات ترمب ستؤدي إلى انفراجة في أزمة إيران

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
TT

من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)

تسبَّبت حرب إيران، التي دخلت أسبوعها الرابع، في أزمة كبيرة في إمدادات الطاقة تؤثر على جميع قطاعات الاقتصاد العالمي. لكن من الواضح أن بعض الدول إما أكثر عرضةً لهذا التأثير، أو أقل قدرةً على التعامل معه.

وبالنظر إلى الوضع في أوروبا، فهناك صدمة جديدة في قطاع الطاقة تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية قبل 4 سنوات، والتي سلَّطت الضوء بشكل حاد على اعتماد المنطقة على واردات الطاقة الروسية.

ومن المتوقع أن يرتفع التضخم مجدداً، ويتوقع المتداولون أن يضطر البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى رفع أسعار الفائدة هذا العام.

وأظهرت بيانات، الثلاثاء، أنَّ النشاط التجاري قد تأثَّر بالفعل بالنزاع؛ مما ينذر بتباطؤ النمو الاقتصادي.

ألمانيا

يُعدُّ اقتصاد ألمانيا، الذي يعتمد بشكل كبير على الصناعة، من أبرز الاقتصادات المُعرَّضة لخسائر جراء ارتفاع تكلفة الطاقة، وأي انكماش عالمي قد يؤثر على مُصدِّريها.

لكن في الوقت الراهن، يحافظ النشاط التجاري الألماني على استقراره نسبياً، ويواصل قطاع التصنيع نموه بعد انكماش دام قرابة 4 سنوات. ومن المتوقع أن يساعد برنامج التحفيز الضخم الذي أعلنته ألمانيا، العام الماضي، على تخفيف بعض الآثار.

إيطاليا

تُعدُّ إيطاليا موطناً أيضاً لقطاع تصنيع كبير، علاوة على ذلك، يُعدُّ النفط والغاز من بين أعلى مصادر استهلاك الطاقة الأولية في أوروبا.

ففي هذه الحالة قد تكون إيطاليا أيضاً مُعرَّضةً لتحديات جمة مع استمرار حرب إيران.

بريطانيا

تعتمد بريطانيا على الطاقة المُولَّدة بالغاز بشكل أكبر من نظيراتها الأوروبية، في إنتاج الكهرباء. وتحدِّد أسعار الغاز أسعار الكهرباء لديها في أغلب الأحيان، وهي حالياً ترتفع بوتيرة أسرع من أسعار النفط منذ بداية الحرب.

ومن شأن تخفيف تحديد سقف لأسعار الطاقة من الأثر التضخمي الأولي، إلا أنَّ رفع أسعار الفائدة سيزيد من معاناة المقترضين، إذ تعاني بريطانيا بالفعل من أعلى تكاليف اقتراض في مجموعة السبع في ظلِّ ارتفاع معدلات البطالة.

وتحدُّ الضغوط على الميزانية وسوق السندات من خيارات الحكومة لمساعدة الشركات والأسر.

اليابان

تستورد اليابان نحو 95 في المائة من نفطها من الشرق الأوسط، ويمرُّ نحو 90 في المائة منه عبر مضيق هرمز. لذلك هي الأخرى في دائرة الخطر.

وتُضاف ذلك إلى الضغوط التضخمية التي تعاني منها اليابان بالفعل نتيجة ضعف الين، مما يؤثر على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية اليومية نظراً لاعتمادها الكبير على المواد الخام المستوردة.

الهند

تُعدُّ الهند أيضاً مُعرَّضةً للخطر؛ لأنَّها تستورد نحو 90 في المائة من نفطها الخام ونحو نصف غازها المسال، ويمرُّ عبر مضيق هرمز نحو نصف ما تحتاج إليه نيودلهي تقريباً.

وقد بدأ الاقتصاديون خفض توقعات النمو الاقتصادي للبلاد، وانخفضت قيمة الروبية إلى مستوى قياسي.

وفي المطاعم والمطابخ في جميع أنحاء الهند، تختفي الأطعمة والمشروبات الساخنة - حتى السمبوسة والدوسا والشاي - من قوائم الطعام، لأن ارتفاع أسعار الغاز أدى إلى تقنين غير رسمي.

تركيا

تتشارك تركيا حدوداً مع إيران، وتستعدُّ لتدفق محتمل للاجئين ومزيد من عدم الاستقرار الجيوسياسي. وفي غضون ذلك، يُعدُّ التأثير الاقتصادي الرئيسي على البنك المركزي.

ويشعر البنك المركزي بالفعل بتكرار أزمات التضخم السابقة. فقد اضطر إلى إيقاف دورة خفض أسعار الفائدة للمرة الثانية في غضون عام، وباع ما يصل إلى 23 مليار دولار من احتياطاته الثمينة لتعزيز عملته.

الدول الهشة

هناك أيضاً عدد قليل من الدول التي تبدو عرضةً للخطر بشكل خاص، بعد أن مرَّت مؤخراً - أو كادت تمر - بأزمات اقتصادية شاملة.

فقد أعلنت سريلانكا مؤخراً، يوم الأربعاء، عطلةً رسميةً للعاملين في القطاع الحكومي في محاولة للحد من تكاليف الطاقة. ويتم إغلاق المدارس والجامعات والمؤسسات العامة، وتعليق وسائل النقل العام غير الضرورية، ويتعيَّن على السائقين الآن التسجيل للحصول على تصريح وقود وطني يقيد مشتريات الوقود.

باكستان

كانت باكستان على حافة أزمة قبل عامين، فرفعت أسعار البنزين وأغلقت المدارس لمدة أسبوعين.

وخفَّضت مخصصات الوقود للدوائر الحكومية إلى النصف، وتم منع الجهات الحكومية من شراء مكيفات الهواء وأثاث جديد، وأمرت بسحب عدد كبير من مركباتها من الخدمة.

مصر

تواجه مصر، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية الأساسية، احتمال انخفاض حاد في عائدات قناة السويس والسياحة، التي ضخَّت نحو 20 مليار دولار في اقتصادها العام الماضي.

كما ازداد عبء سداد ديونها، التي يُشكِل الدولار معظمها، صعوبةً؛ بسبب انخفاض قيمة عملتها بنسبة نحو 9 في المائة منذ بدء الحرب.


آيرلندا تخفض ضريبة الوقود حتى مايو لامتصاص صدمة الأسعار التاريخية

وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)
وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)
TT

آيرلندا تخفض ضريبة الوقود حتى مايو لامتصاص صدمة الأسعار التاريخية

وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)
وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)

أعلنت آيرلندا، يوم الثلاثاء، خفض ضريبة الإنتاج على الوقود حتى نهاية مايو (أيار)، ضمن حزمة بقيمة 250 مليون يورو (290 مليون دولار)؛ بهدف التخفيف من الأثر الاقتصادي الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.

وجاء القرار بعد موافقة مجلس الوزراء، في ظلِّ ارتفاع حاد بأسعار النفط الخام، الذي دفع أسعار البنزين الخالي من الرصاص في بعض محطات الوقود الآيرلندية لتجاوز 2 يورو للتر الواحد، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ عام 2022 مع بداية الأزمة في أوكرانيا، وفق «رويترز».

وأوضحت الحكومة أنَّ خفض ضريبة الإنتاج سيبلغ 15 سنتاً للتر الواحد من البنزين و20 سنتاً للتر من الديزل، ويُطبق اعتباراً من منتصف ليل الثلاثاء.

وقال رئيس الوزراء، مايكل مارتن، في مؤتمر صحافي إن هذه الإجراءات «محددة الأهداف ومؤقتة»، مشيراً إلى أنها ستخضع للمراجعة وفقاً لتطورات السوق.

وأعلنت الحكومة تعليق ضريبة وكالة احتياطات النفط الوطنية (NORA) لمدة شهرين، ما سيخفِّض سعر وقود السيارات وزيت التدفئة المنزلية بمقدار سنتين إضافيَّين للتر الواحد، إلا أنَّ ذلك يتطلب إقرار تشريع إضافي. وتتولى الوكالة مسؤولية صيانة الإمدادات الاستراتيجية من النفط في آيرلندا، ويتم تمويلها من خلال هذه الضريبة.

وستُمدِّد الحكومة أيضاً مدفوعات التدفئة لمستفيدي الضمان الاجتماعي لمدة 4 أسابيع، مع تحسين برنامج الخصومات المُخصَّص لشركات النقل.

وأشار وزير المالية، سيمون هاريس، يوم الأحد إلى أن الحكومة ستحدِّد الحزمة الأولية لتوفير المجال لمزيد من الدعم إذا استمرَّ ارتفاع أسعار الطاقة.

وكانت المفوضية الأوروبية قد أوصت بتخفيض الضرائب الوطنية على الوقود بوصفه إحدى الوسائل التي يمكن للدول الأعضاء من خلالها كبح جماح ارتفاع أسعار الطاقة. وفي هذا الإطار، خفَّضت إيطاليا مؤقتاً الرسوم الجمركية، بينما اقترحت إسبانيا، يوم الجمعة، إجراءات أوسع بقيمة 5 مليارات يورو تشمل تخفيضات في أسعار الوقود وفواتير الكهرباء.


ارتباك وحذر في الأسواق العالمية بعد «مناورة» ترمب ونفي طهران

زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)
زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)
TT

ارتباك وحذر في الأسواق العالمية بعد «مناورة» ترمب ونفي طهران

زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)
زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية، يوم الثلاثاء، حالة من الارتباك والحذر، عقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل قصف شبكة الكهرباء الإيرانية. وبينما حاول الإعلان عن تقدم في المحادثات مع طهران تهدئة الأسواق، سارعت إيران إلى نفي أي مفاوضات مباشرة، مما أضاف مزيداً من الغموض والتقلب للمستثمرين.

في هذه الأجواء، حققت الأسهم العالمية مكاسب محدودة، فيما حافظت أسعار النفط على تداولاتها فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية واستعاد الدولار جزءاً من قوته، مع تزايد الشكوك بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية سريعة للحرب في الشرق الأوسط.

وقال استراتيجي العملات في بنك أستراليا الوطني، رودريغو كاتريل، إن هذه التصريحات «تساهم في تهدئة التقلبات إلى حدّ ما، لكنها لا تكفي للإشارة إلى تحول واضح نحو المخاطرة». وأضاف أن سجل ترمب الحافل بالسياسات غير المتوقعة أبقى الأسواق في حالة ترقب؛ إذ لا يزال المتعاملون غير متأكدين مما إذا كانت هناك مفاوضات فعلية أم مجرد تراجع تكتيكي عن تهديدات سابقة أثارت تقلبات حادة في الأسواق.

متداول في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

الدولار: تعافٍ جزئي

ارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، بنسبة 0.1 في المائة ليصل إلى 99.293 نقطة، بعد أن تراجع بنسبة 0.4 في المائة يوم الاثنين، مسجلاً أدنى مستوى له منذ نحو أسبوعين.

وتراجع اليورو بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.1593 دولار، بعد أن سجل مكاسب في الجلسة السابقة، فيما انخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.3406 دولار بعد قفزة قوية بلغت 0.9 في المائة، يوم الاثنين.

ورأى تومي فون برومسن، استراتيجي العملات في «بنك هاندلسبانكن»، أن تصريحات ترمب تعكس رغبة في إنهاء النزاع، مضيفاً: «في حال انتهاء الحرب، من المرجح أن نشهد انعكاساً في اتجاهات سوق الصرف، ما يعني ضعف الدولار».

النفط يستأنف ارتفاعه

عاودت أسعار النفط الارتفاع، حيث صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 2.20 دولار ليصل إلى 90.33 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع خام برنت بمقدار 1.47 دولار ليبلغ 101.41 دولاراً للبرميل، بعد أن كان قد تراجع بنسبة تصل إلى 15 في المائة في جلسة الاثنين.

وقال بوب سافاج، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في «بنك نيويورك»: «تتأرجح الأسواق بين تفاؤل هش بإمكانية التوصل إلى هدنة، وبين واقع استمرار الصراع وتزايد الضغوط المالية».

ويستفيد الدولار من هذا الوضع؛ إذ تُعد الولايات المتحدة مُصدّراً صافياً للطاقة، ما يدعم العملة الأميركية في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز.

الأسواق العالمية: ارتياح حذر

شهدت الأسواق حالة من الارتياح الحذر، حيث ارتفع مؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 0.4 في المائة إلى 7759.97 نقطة، وصعد مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 0.2 في المائة إلى 22695.54 نقطة، بينما ارتفع مؤشر «فوتسي 100» البريطاني بشكل طفيف.

وفي آسيا، تعافت الأسواق من خسائرها السابقة؛ إذ ارتفع مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 1.4 في المائة ليغلق عند 52252.28 نقطة، مدعوماً بآمال التهدئة رغم استمرار المخاطر. كما ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز/إيه إس إكس 200» الأسترالي بنسبة 0.2 في المائة، وصعد مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 2.7 في المائة، فيما قفز مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 2.8 في المائة، وارتفع مؤشر «شنغهاي المركب» بنسبة 1.8 في المائة.

وسجل مؤشر «إم إس سي آي» العالمي للأسهم ارتفاعاً بنسبة 0.3 في المائة، لكنه لا يزال أقل بنحو 7 في المائة من ذروته القياسية المسجلة في فبراير (شباط)، وسط استمرار الحرب وتعطّل شحن نحو خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، ما يبقي أسعار الطاقة مرتفعة لفترة ممتدة.

السندات: ارتفاع العوائد

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بعد تراجع حاد في ظل غموض مسار النزاع وتزايد رهانات الأسواق على توجه أكثر تشدداً في السياسات النقدية العالمية.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر ارتباطاً بتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 5 نقاط أساس ليصل إلى 3.878 في المائة، بعد انخفاضه بأكثر من 6 نقاط أساس في الجلسة السابقة، فيما ارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى 4.36 في المائة بزيادة 3 نقاط أساس.

وقد أدى تسارع التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة إلى تراجع توقعات التيسير النقدي عالمياً، مع تحول الأسواق نحو توقع رفع أسعار الفائدة في معظم الاقتصادات المتقدمة.

ويتوقع أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير هذا العام مع احتمال ضعيف للرفع، بينما تشير التوقعات إلى إمكانية رفع الفائدة من قبل بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي.

وقال كيت جوكس، رئيس استراتيجية العملات الأجنبية في «سوسيتيه جنرال»: «إذا لم يُفتح مضيق هرمز سريعاً، فمن المرجح أن نشهد ارتفاعاً في أسعار الفائدة وزيادة ملموسة في تكاليف مستوردي النفط خلال الأسابيع المقبلة».

المعادن النفيسة

واستقر الذهب الفوري عند نحو 4400 دولار للأونصة، بعد أن سجل أدنى مستوياته في أربعة أشهر دون 4100 دولار قبل إعلان ترمب يوم الاثنين، وسط توقعات باستمرار ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية لفترة أطول.

كما ارتفع سعر الفضة الفوري بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 69.77 دولاراً للأونصة، بينما صعد البلاتين الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 1906.80 دولار، فيما انخفض البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1419.25 دولار.