«الفيدرالي» يتجه لخفض الفائدة... دوافع متعددة وقرار وشيك

هل ينجح «المركزي الأميركي» في موازنة التضخم وسوق العمل؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يتجه لخفض الفائدة... دوافع متعددة وقرار وشيك

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

حتى ما قبل شهرين ونصف، لم يكن معظم صناع السياسات في «المصرف المركزي الأميركي» يرون أن خفض أسعار الفائدة في اجتماعهم يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول) الحالي أمر محتمل. لكن بحلول نهاية الشهر الماضي، عندما قال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، إن الوقت حان لبدء خفض تكاليف الاقتراض، كانت أغلبية جميع زملائه يعتقدون ذلك أيضاً.

كان ذلك، إلى حد كبير، بسبب مجموعة واسعة من البيانات التي تحركت في اتجاه واحد، مما دفع بصناع السياسات في «الاحتياطي الفيدرالي» إلى إعادة تقييم المخاطر على توقعاتهم، بما في ذلك ما إذا كان ينبغي أن يكون شاغلهم الرئيسي هو التضخم المستمر، أو ضعف سوق العمل، أو تدهور الأوضاع المالية للشركات أو الأسر، أو خطأً في السياسة النقدية، أو مزيجاً من هذه العوامل، وفق «رويترز».

وقالت أستاذة الاقتصاد بكلية «سلون» للإدارة في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» العضو السابقة في لجنة تحديد السياسة النقدية في «بنك إنجلترا»، كريستين فوربس: «ليس هناك سبب واحد يجعل الجميع يتحركون، فالأشخاص المختلفون يركزون على بيانات مختلفة، ومؤشرات مختلفة، ومخاطر مختلفة، ثم ينتهي بهم الأمر جميعاً في المكان نفسه».

جاء هذا التصريح خلال حديثها على هامش الندوة الاقتصادية السنوية لـ«بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كانساس سيتي في «جاكسون هول» بولاية وايومينغ الشهر الماضي، حيث أعلن باول أن الوقت قد حان لخفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة. وأضافت فوربس: «وهنا يظهر دور رئيس (الاحتياطي الفيدرالي) الجيد في جمع الناس معاً لتحقيق النتيجة المطلوبة، ولكن غالباً ما يكون ذلك عبر الاستناد إلى دوافع مختلفة لتحقيق أهداف مختلفة».

يبدو أن هناك على الأقل بعض صناع السياسات في «الاحتياطي الفيدرالي» لا يزالون مترددين، حيث يعتمد دعمهم لتخفيف السياسة النقدية على مزيد من المؤشرات على تباطؤ التضخم أو ضعف سوق العمل.

لكن بالنسبة إلى أغلبية كبيرة من صناع السياسات في «الاحتياطي الفيدرالي»، فإن أول خفض لأسعار الفائدة بعد معركة طويلة مع التضخم يكاد يكون مؤكداً هذا الشهر. وستحدد المعلومات الواردة، مدعومة برؤيتهم للبيانات التي جرى الاطلاع عليها بالفعل، مدى حجم التحرك الذي يفضلونه في الاجتماع خلال أسبوعين: هل سيكون خفضاً تقليدياً بمقدار ربع نقطة مئوية، أم خفضاً أكبر بمقدار نصف نقطة مئوية؟

لم يرفع صناع السياسات في «الاحتياطي الفيدرالي» راية «المهمة أُنجزت» للاحتفال بالنصر على ما كان قبل عامين أعلى معدل تضخم في 40 عاماً. لكنهم يعتقدون أن الضغوط التضخمية، بعد أن زادت في وقت سابق من عام 2024، تتباطأ الآن، حيث تباطأ التضخم من شهر لآخر على مدى الأشهر الثلاثة الماضية إلى معدل سنوي أقل من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ اثنين في المائة.

وقالت رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في بوسطن، سوزان كولينز، لـ«رويترز» الشهر الماضي، في «جاكسون هول»: «أصبحت أكثر ثقة بأن المسار (التضخمي) موجود».

وفي الوقت نفسه، ترى كولينز أن سوق العمل لا تزال صحية، وتواصل سماع تقارير من جميع أنحاء نيو إنغلاند حول التأثير الذي يتركه التضخم. هذا المزيج، كما قالت، يعني أن «نهجاً تدريجياً ومنهجياً» لخفض أسعار الفائدة هو النهج الصائب.

رأيها، الذي يزداد إيمانها فيه بتباطؤ التضخم مع قليل من القلق بشأن تباطؤ مكاسب الوظائف، يشترك فيه زملاء آخرون؛ بمن فيهم رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في فيلادلفيا، باتريك هاركر، الذي قال لـ«راديو بلومبرغ» الشهر الماضي إنه يريد «وتيرة منهجية» لخفض الفائدة تبدأ بـ25 نقطة أساس.

نقطة التحول في سوق العمل

تشعر رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرنسيسكو، ماري دالي، وهي اقتصادية مختصة في سوق العمل، بالراحة كذلك بسبب تراجع الضغوط السعرية، لكنها ترى أن هناك مخاطر كبيرة تهدد التوظيف.

وقالت دالي، الأسبوع الماضي، إنها لم ترَ أي تدهور في سوق العمل حتى الآن. ومع ذلك، حذرت قبل شهر فقط بأنه «من المهم للغاية» عدم السماح لسوق العمل بالتحول إلى الركود، وقالت إن هناك حاجة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة إذا بدأ ذلك يحدث.

أحد المؤشرات التي تراقبها دالي من كثب هو البيانات التي تُظهر أن التباطؤ في سوق العمل حتى الآن هو نتيجة لتباطؤ التوظيف وليس لزيادة في عمليات التسريح.

من جانبه، يصف رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في ريتشموند، توماس باركين، ذلك بأنه «وضعٌ قليل التوظيف، قليل التسريح».

وقال في «بودكاست بلومبرغ» الشهر الماضي: «لا يبدو أن هذا سيستمر»، مضيفاً: «لذلك سيتحرك يساراً أو يميناً».

أما عضو مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، أدريانا كوجلر، التي هي أيضاً اقتصادية مختصة في سوق العمل، فقالت في مؤتمر «جاكسون هول» إن نقطة التحول ربما قد تم الوصول إليها بالفعل، حيث انخفض عدد الوظائف المتاحة لكل باحث عن عمل إلى مستوى يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع في البطالة، التي تبلغ حالياً 4.3 في المائة.

وهذه نقطة يراقبها من كثب أيضاً عضو «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، كريستوفر والر، الذي لم يتحدث علناً عن السياسة النقدية منذ الاجتماع الأخير لـ«المصرف المركزي» في نهاية يوليو (تموز) الماضي، لكنه من المقرر أن يعطي تحديثاً يوم الجمعة بعد أن تنشر وزارة العمل الأميركية تقريرها عن التوظيف لشهر أغسطس (آب) الماضي.

أصوات من الميدان

قال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في أتلانتا، رافاييل بوستيك، منذ أشهر إنه يعتقد أن «المركزي» سيحتاج إلى خفض أسعار الفائدة مرة واحدة فقط هذا العام، وليس حتى الربع الرابع.

ومثل كثير من زملائه، شهد بوستيك انخفاضاً في التضخم أسرع من المتوقع. في أواخر أغسطس الماضي، قال بوستيك لـ«ياهو فاينانس» إنه يريد الآن خفض أسعار الفائدة في وقت أقرب مما كان يتوقع في السابق لمنع «أضرار غير مبررة» في سوق العمل. وهناك سبب آخر لتغيير رأيه: ما يقوله له قادة الأعمال.

قال بوستيك: «كانت هناك جهات في منطقتي تقول لي إنه يجب أن نفعل شيئاً في يوليو... في يناير (كانون الثاني) الماضي، لم يكن أحد يقول ذلك».

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من جهات الاتصال لم تكن تطالب بالمساعدة قبل الاجتماع الأخير لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، فإن بوستيك قال إنه يخطط لمواصلة الحديث مع هذه الجهات عن كيفية تطور الوضع على أرض الواقع، وليس فقط بناءً على بيانات الحكومة.

وتظهر أحدث استطلاعات ثقة المستهلكين تدهوراً في الثقة بشأن الوظائف، وهي تتبع تاريخياً ارتفاع معدلات البطالة.

ويقدم رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في شيكاغو، أوستان غولسبي، حجة أخرى لخفض أسعار الفائدة: مقياس التضخم المستهدف من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» على أساس سنوي قد انخفض إلى 2.5 في المائة خلال يوليو الماضي، من 3.3 في المائة قبل عام، حتى في الوقت الذي حافظ فيه «الاحتياطي الفيدرالي» على سعر سياسته في نطاق بين 5.25 في المائة و5.50 في المائة.

يعتقد غولسبي أن الفجوة المزدادة بين تلك المعدلات تعني أن تكاليف الاقتراض أصبحت أعلى بشكل مستمر من الناحية الحقيقية، وهو ضغط مناسب إذا كان الاقتصاد يتصاعد، لكنه خانق بشكل مفرط إذا لم يكن كذلك. قد يكون هذا أفضل صحةً، إذا كانت سوق العمل، كما قال في أواخر أغسطس، تتباطأ غالباً «وفقاً لجميع المقاييس».


مقالات ذات صلة

عوائد سندات اليورو تتراجع للجلسة الثانية مع آمال باستئناف المحادثات

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو تتراجع للجلسة الثانية مع آمال باستئناف المحادثات

تراجعت عوائد سندات منطقة اليورو للجلسة الثانية على التوالي، يوم الأربعاء، مع تصاعد الآمال باستئناف محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد يسير الناس على طول أحد الشوارع التجارية في العاصمة الرياض (أ.ف.ب)

التضخم السنوي في السعودية يسجل 1.8% في مارس

سجل الرقم القياسي لأسعار المستهلك في السعودية ما نسبته 1.8 في المائة خلال مارس مقارنة بـ1.7 في المائة في فبراير.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ صورة لمحطة وقود تابعة لشركة «لوك أويل» في نيوآرك بولاية نيو جيرسي الأميركية 3 مارس 2022 (رويترز)

أميركا تمدّد إعفاء شركة النفط الروسية «لوك أويل» من العقوبات

أعلن مسؤولون أميركيون، الثلاثاء، تمديد إعفاء شركة النفط الروسية العملاقة «لوك أويل» من العقوبات بما يشمل محطات الوقود التابعة لها خارج روسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوستن غولسبي خلال ندوة جاكسون هول الاقتصادية 2025 في الولايات المتحدة (رويترز)

رئيس «فيدرالي شيكاغو»: خفض الفائدة قد يُرجأ حتى 2027

قال أوستن غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، يوم الثلاثاء، إن خفض أسعار الفائدة قد يتأجل حتى عام 2027.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو)
الاقتصاد رفوف مكدّسة بالبضائع داخل مركز توزيع تابع لشركة «وول مارت ستورز إنك» في مدينة بينتونفيل بولاية أركنساس (أرشيفية - رويترز)

تضخم المنتجين الأميركيين يقفز 4 % في أكبر زيادة سنوية منذ 3 سنوات

سجّل التضخم في أسعار المنتجين في الولايات المتحدة ارتفاعاً ملحوظاً خلال الشهر الماضي، في ظل صعود تكلفة الطاقة المرتبط بتطورات الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أوروبا تتحرك لتأمين وقود الطائرات وتفادي أزمة صيفية

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

أوروبا تتحرك لتأمين وقود الطائرات وتفادي أزمة صيفية

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

يعكف الاتحاد الأوروبي على صياغة خطط طوارئ عاجلة لمعالجة أزمة وشيكة في إمدادات وقود الطائرات، وسط تحذيرات من شركات الطيران الأوروبية من نفاد المخزونات خلال أسابيع نتيجة الحرب الدائرة مع إيران، مما يهدد بتعطيل حركة السفر قبل موسم الصيف المزدحم.

وأظهرت مسودة مقترح اطلعت عليها «رويترز» أن المفوضية الأوروبية ستطلق، ابتداءً من الشهر المقبل، عملية مسح شاملة لطاقة التكرير في دول الاتحاد.

وتهدف الخطة إلى وضع تدابير تضمن «استغلال طاقة التكرير الحالية وصيانتها بالكامل» لتعظيم الإنتاج المحلي، في محاولة لتقليل الاعتماد على الواردات التي توفر عادةً 75 في المائة من احتياجات وقود الطائرات في أوروبا، ومعظمها يأتي من الشرق الأوسط.

تحذيرات من توقف الرحلات الجوية

حذرت شركات الطيران من قفزات حادة في الأسعار، وإلغاء رحلات، وتوقف طائرات عن العمل إذا لم تنتهِ الحرب قريباً. وفي حين لمح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكانية انتهاء النزاع قريباً، مشيراً إلى «يومين مذهلين» قادمين، إلا أن الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية لا يزال يعيق تدفق الشحنات عبر مضيق هرمز، الشريان الرئيسي لإمدادات الوقود.

توقعات بنقص حاد قبل موسم العطلات

توقعت وكالة الطاقة الدولية حدوث نقص في وقود الطائرات بحلول شهر يونيو (حزيران) المقبل إذا تمكنت أوروبا من تعويض نصف الإمدادات المفقودة فقط. وأشارت الوكالة إلى أن المصافي الأوروبية تعمل بالفعل بأقصى طاقتها، وأن زيادة الواردات من أفريقيا والولايات المتحدة لن تغطي العجز بالكامل، خاصة مع تحذير بعض المطارات من احتمال نفاد مخزونها خلال ثلاثة أسابيع فقط.

تباين المخزونات بين دول الاتحاد

تظهر البيانات تفاوتاً كبيراً في قدرة الدول الأوروبية على الصمود أمام الأزمة. فبينما تعد إسبانيا مصدراً صافياً لوقود الطائرات بفضل امتلاكها 8 مصافي تكرير، تعتمد بريطانيا بشكل كبير على الاستيراد لتغطية أكثر من 60 في المائة من احتياجاتها علماً أن القواعد الأوروبية الجديدة لن تشملها لخروجها من الاتحاد.

وصرحت المديرة التقني لشركة «لوفتهانزا»، غرازيّا فيتاديني، بأن الموردين بدأوا في تقليص فترات توقعاتهم لتصبح شهراً واحداً فقط، نظراً لضبابية المشهد.

مطالب بشراء جماعي وتأمين المخزون

طالبت شركات الطيران الأوروبية الاتحاد بتحسين مراقبة مخزونات الوقود والنظر في آلية «شراء جماعي» للكيروسين. وبينما يلزم الاتحاد أعضاءه بالاحتفاظ بـ90 يوماً من احتياطيات النفط للطوارئ، إلا أن هذه القواعد لا تفرض حداً أدنى خاصاً بوقود الطائرات بشكل منفصل، مما دفع المفوضية للتحرك لسد هذه الثغرة التنظيمية وتأمين موسم السياحة القادم.


«المركزي الأوروبي» يفضل «التريث» حتى يونيو لحسم قرار رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» يفضل «التريث» حتى يونيو لحسم قرار رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

أعلن عضو مجلس المحافظين في البنك المركزي الأوروبي، ماديس مولر، أن البنك قد لا يمتلك الأدلة الكافية في اجتماعه المقرر في 30 أبريل (نيسان) الجاري لاتخاذ قرار برفع أسعار الفائدة. وأشار إلى أن اجتماع شهر يونيو (حزيران) المقبل سيوفر قاعدة بيانات ومعلومات أكثر شمولاً لتقييم الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة قفزة التضخم.

تضخم الطاقة وضغوط «الجولة الثانية»

في الشهر الماضي، قفز معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.5 في المائة، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط. ويدور النقاش حالياً بين صناع السياسات حول ضرورة التدخل لمنع تحول هذه القفزة السعرية إلى دوامة تضخمية مستمرة، وهو ما يُعرف بـ«تأثيرات الجولة الثانية». ومع ذلك، يرى مولر أن اجتماع أبريل قد يكون مبكراً جداً لرصد هذه التأثيرات، حيث لا تتوفر «بيانات صلبة» حتى الآن.

غموض المشهد الجيوسياسي ومصير المفاوضات

مولر، وهو حاكم المصرف المركزي الإستوني، أكد في تصريحاته على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، أن البنك المركزي الأوروبي يجب أن يبقي جميع الخيارات مفتوحة. وحذر من أن أي انتكاسة في مفاوضات السلام أو تغير في مسار الحرب قد يغير التوقعات الاقتصادية جذرياً، قائلاً: «مدة الحرب هي المتغير الأكبر الذي سيقود أسعار الطاقة ويؤثر على النمو والتضخم».

مخاطر استمرار الصدمة التضخمية

شدد المسؤول الأوروبي على أن الخطأ الأكبر سيكون في افتراض أن صدمة التضخم الحالية هي مجرد سحابة صيف عابرة. وأوضح أن البنك يجب أن يكون مستعداً للتحرك إذا بدأت الضغوط التضخمية في التجذر في الاقتصاد، مشيراً إلى أن بيانات يونيو ستتضمن أرقام تضخم إضافية، وتوقعات جديدة، ومؤشرات أفضل حول تطور توقعات التضخم لدى المستهلكين والشركات.

توقعات الأسواق المالية

تُظهر تحركات الأسواق حالياً احتمالاً ضئيلاً (بنسبة 1 إلى 5) لقيام البنك المركزي الأوروبي برفع الفائدة هذا الشهر. في المقابل، يرجح المستثمرون بشكل شبه كامل رفع الفائدة في يونيو، مع توقعات بزيادة ثانية خلال فصل الخريف، وذلك لضمان استقرار الأسعار في ظل البيئة الجيوسياسية المتوترة.


ترمب يتوعد باول بالإقالة... وتحقيقات جنائية «تقتحم» حصن «الفيدرالي»

صورة مركبة لكل من ترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركبة لكل من ترمب وباول (أ.ف.ب)
TT

ترمب يتوعد باول بالإقالة... وتحقيقات جنائية «تقتحم» حصن «الفيدرالي»

صورة مركبة لكل من ترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركبة لكل من ترمب وباول (أ.ف.ب)

تصاعدت حدة المواجهة بين البيت الأبيض ومجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى مستويات غير مسبوقة، حيث لوّح الرئيس دونالد ترمب بإقالة رئيس البنك جيروم باول من منصبه كعضو في مجلس المحافظين إذا رفض مغادرة المؤسسة تماماً بحلول منتصف مايو (أيار) المقبل. وتأتي هذه التهديدات تزامناً مع خطوة تصعيدية أخرى تمثلت في زيارة مفاجئة قام بها مدعون عامون لمقر البنك للتحقيق في مشروع تجديدات ضخم.

«سأضطر لإقالته»

في مقابلة مثيرة للجدل مع شبكة «فوكس بيزنس»، أكد ترمب أنه لن يتوانى عن إقالة باول إذا أصر الأخير على البقاء في مقعده داخل مجلس المحافظين بعد انتهاء ولايته كرئيس للبنك في 15 مايو. ورغم أن ولاية باول كرئيس تنتهي قريباً، إلا أنه يشغل مقعداً منفصلاً في مجلس المحافظين يمتد قانونياً حتى عام 2028.

وعند سؤاله عما إذا كان يريد إزاحة باول من الطريق، أجاب ترمب: «إذا لم يغادر في الوقت المحدد.. فقد تراجعت عن إقالته سابقاً لأنني أكره إثارة الجدل، لكنه سيُقال».

ويعكس هذا التصريح رغبة الإدارة في إخلاء مقاعد مجلس المحافظين لتمكين المرشح الجديد كيفين وورش من تنفيذ سياسات نقدية تتماشى مع رؤية البيت الأبيض، خاصة فيما يتعلق بخفض أسعار الفائدة.

زيارة مفاجئة للمدعين العامين لموقع التجديدات

وفي تطور ميداني زاد من توتر المشهد، قام مدعون عامون ومحقق من مكتب المدعية العامة جينين بيرو بزيارة غير معلنة لموقع إنشائي في مقر الاحتياطي الفيدرالي. وتتمحور التحقيقات حول مشروع تجديدات تبلغ تكلفته 2.5 مليار دولار، وسط اتهامات بوجود تجاوزات في التكاليف وتضليل في الشهادات التي أدلى بها باول أمام الكونغرس العام الماضي.

وأفادت تقارير بأن المقاولين في الموقع رفضوا دخول المدعين وأحالوهم إلى المحامين الرسميين للبنك.

من جانبه، وصف روبرت هير، محامي مجلس محافظي الفيدرالي، هذه الزيارة بأنها محاولة للالتفاف على القضاء، مستشهداً بقرار قاضٍ فيدرالي اعتبر أن التحقيق في مشروع التجديد هو مجرد «ذريعة» سياسية.

«لن أغادر قبل انتهاء التحقيق»

رداً على هذه الضغوط، أظهر باول موقفاً صارماً، مؤكداً أنه لا ينوي مغادرة مجلس المحافظين حتى ينتهي التحقيق الجنائي الموجه ضده «بشفافية ونهائية». ويهدف باول من هذا البقاء إلى حماية استقلالية المؤسسة ومنع ترمب من تعيين عضو جديد في المجلس المكون من سبعة أعضاء، وهو ما قد يعرقل خطط الإدارة للسيطرة على السياسة النقدية.

خلال الزيارة المفاجئة التي قام بها ترمب لتفقد أعمال تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يوليو الماضي (أ.ب)

انقسام داخل الحزب الجمهوري يهدد تعيين وورش

لم تقتصر الأزمة على المواجهة بين ترمب وباول، بل امتدت لتحدث انقساماً داخل الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ. فقد أعلن السناتور الجمهوري توم تيليس معارضته لتعيين كيفين وورش خلفاً لباول، واصفاً التحقيقات الجارية بأنها «وهمية وغير مدروسة». وبما أن لجنة المصارف في مجلس الشيوخ منقسمة بشدة، فإن صوت تيليس المعارض قد يكون كافياً لتعطيل تثبيت مرشح ترمب.

وانتقد تيليس أداء مكتب المدعية العامة، مشيراً إلى أن هذه التحقيقات أدت لنتائج عكسية، حيث دفعت باول للتمسك بكرسيه بدلاً من الرحيل الهادئ، مما حرم الرئيس من فرصة تعيين بديل له في مجلس المحافظين.

المحكمة العليا على الخط

تأتي تهديدات ترمب في وقت تنظر فيه المحكمة العليا الأميركية في محاولة أخرى للرئيس لإقالة محافظة أخرى في الاحتياطي الفيدرالي، وهي ليزا كوك. وتبحث المحكمة ما إذا كانت اتهامات «الاحتيال العقاري» (التي تنفيها كوك) سبباً كافياً لإقالتها، أم أنها مجرد ذريعة لفرض سيطرة سياسية على البنك المركزي الذي تصفه المحكمة بأنه «كيان فريد وشبه خاص».

ومع اقتراب موعد جلسة الاستماع للمرشح كيفين وورش في 21 أبريل (نيسان) الجاري، يبقى مستقبل القيادة في أقوى بنك مركزي في العالم معلقاً بين صراع الإرادات السياسية والتحقيقات القضائية المثيرة للجدل.