في جاكسون هول: «الفيدرالي» يغير استراتيجيته لحماية الوظائف

مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

في جاكسون هول: «الفيدرالي» يغير استراتيجيته لحماية الوظائف

مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

في عام 2022 عندما تحول تركيز بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى مكافحة التضخم، كان عليه رفع أسعار الفائدة بسرعة لمواكبة السياسة النقدية لارتفاع الأسعار بسرعة.

وبعد مرور عامين، تحول التركيز مرة أخرى، هذه المرة إلى حماية سوق العمل، كما قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في خطابه يوم الجمعة في مؤتمر بنك الاحتياطي الفيدرالي السنوي في جاكسون هول. ويبدو أن اللحاق بالركب في السياسات أصبح في محله، في الاتجاه الآخر، وإن كان بوتيرة أقل جنوناً، وفق «رويترز».

وأكملت إشارة باول إلى تخفيضات أسعار الفائدة المقبلة التحول الذي قام به بنك الاحتياطي الفيدرالي، والذي بدأ في يناير (كانون الثاني) عندما اعترف بمخاطر سوق العمل الناشئة، وجعل الآن معالجة تلك المخاطر أهم وظيفة لديه.

ويبقى السؤال المفتوح: هل يُشكّل ضعف سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة دليلاً على أن الاقتصاد يستقر في مكان صحي من النمو المطرد مع وجود مخاطر ضئيلة على معدل البطالة أم أنه جزء من انزلاق سوف يكتسب سرعة؟

وسوف تظهر الإجابة في تقارير التوظيف المقبلة، وسوف تحدد مدى السرعة التي يخفض بها «الفيدرالي» أسعار الفائدة لمنع ما سمّاه باول «الضعف غير المرغوب فيه في ظروف سوق العمل».

وقال باول: «نحن لا نسعى ولا نرحب بمزيد من تخفيف ظروف سوق العمل»، وهي التصريحات التي بدت وكأنها تحدد معدل البطالة الحالي البالغ 4.3 في المائة بوصفه مستوى قد يكون على استعداد للدفاع عنه، حيث أقر بأن «الظروف أصبحت الآن أقل صرامة مما كانت عليه قبل جائحة (كوفيد - 19)».

وكان معدل البطالة 4.1 في المائة، وكان في انخفاض عندما تولى باول منصبه في عام 2018، وانخفض إلى 3.5 في المائة في عام 2019 دون إثارة مخاوف التضخم، وهي الظروف التي قال باول إنه يأمل أن يتمكن من إعادة إنشائها بعد أن دفع «كوفيد - 19» الاقتصاد إلى حالة من الانهيار.

ويُنظر إلى معدل الفائدة الحالي الذي يطبقه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عند 5.25 في المائة - 5.50 في المائة على أنه مقيد للاقتصاد، ويعرض الوظائف للخطر، وهو أعلى بكثير من متوسط ​​تقديرات المسؤولين البالغ 2.8 في المائة لمعدل «محايد» على المدى الأطول. وبافتراض أن التضخم سيستمر في التراجع نحو هدف بنك الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة، فإن التغيرات في سوق العمل سوف تحدد مدى سرعة تحرك المسؤولين نحو هذا المستوى المحايد وما إذا كانوا بحاجة إلى خفضه لاستعادة التشغيل الكامل.

وقالت نيلا ريتشاردسون، كبيرة الاقتصاديين في معهد أبحاث «إيه دي بي»، على هامش المؤتمر: «نحن بالتأكيد نشهد تبريداً، ولكن هل نشهد تبريداً إلى النقطة التي سنستقر عندها... أم أن هذه مجرد محطة توقف قبل تبريد أقوى؟».

تزعم ريتشاردسون، إلى جانب كثير من مسؤولي بنك الاحتياطي الفيدرالي وغيرهم من الحاضرين، أن الاقتصاد لا يزال قوياً، ومن المرجح أن يستقر على اتجاهاته الأساسية «التطبيع» من أقصى درجات الوباء. لكن الشعور بالإلحاح حول التوظيف قد اشتد.

التحول

شهدت معركة بنك الاحتياطي الفيدرالي ضد التضخم التي استمرت عامين ارتفاع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى لها في ربع قرن من الزمن دون أي تداعيات ملموسة على سوق العمل. ويجتمع المسؤولون مرة أخرى في 17 و18 سبتمبر (أيلول) على أساس مختلف تماماً عما كانت عليه الحال قبل بضعة أسابيع فقط، حيث يستعدون لخفض أسعار الفائدة، ومناقشة ما إذا كانت سوق العمل تتباطأ فقط أم أنها على حافة الهاوية.

وبدأت لغة بنك الاحتياطي الفيدرالي حول المخاطر تتغير بشكل مطرد هذا العام.

وحتى يناير، قالت بيانات السياسة في بنك الاحتياطي الفيدرالي إن المسؤولين «منتبهون للغاية» لمخاطر التضخم. ثم قال في ذلك الشهر إن «المخاطر التي تهدد تحقيق أهداف التوظيف والتضخم تتحرك نحو توازن أفضل».

وقالوا في يونيو (حزيران) إن المخاطر «تحركت نحو توازن أفضل»، وفي يوليو (تموز) قالوا إن المخاطر «تستمر في التحرك نحو توازن أفضل»، مضيفين أنهم أصبحوا الآن «منتبهين» لكل من سوق العمل والتضخم.

وقال باول إن «توازن المخاطر التي تهدد ولايتنا قد تغير»، وإن صناع السياسات «سيبذلون كل ما في وسعهم لدعم سوق العمل القوية». والآن يأتي اللحاق بالركب.

في سبتمبر، سيقوم المسؤولون بتحديث توقعات أسعار الفائدة لإظهار شعورهم بوتيرة التخفيضات المقبلة. وحتى يونيو، كانوا لا يزالون قلقين بشأن التضخم الثابت، وتوقعوا ثبات معدل البطالة عند 4 في المائة، وخفض أسعار الفائدة مرة واحدة فقط بمقدار ربع نقطة مئوية هذا العام.

وقال كبير خبراء الاقتصاد في «بانثيون ماكرو»، إيان شيبردسون، الذي كان يتوقع انزلاق سوق العمل، إن نبرة باول «مذهلة» مقارنة بتوقعاته في يونيو، ورأى فيها دليلاً على أن «الفيدرالي»، «انتظر طويلاً» لتغيير مساره.

من ناحية أخرى، يخشى كبير خبراء الاقتصاد في شركة «أبولو غلوبال مانجمنت»، تورستن سلوك، من أن يظل «الفيدرالي الأميركي» معرضاً لخطر التضخم إذا خفض أسعار الفائدة بسرعة كبيرة، في ظل بقاء معدلات تسريح العمال منخفضة.

صورة مختلفة جداً

يخوض بنك الاحتياطي الفيدرالي معاركه الخاصة بشأن البيانات.

وكانت مكاسب الوظائف في يوليو التي بلغت 114 ألف وظيفة فقط أضعف بشكل ملحوظ من المتوسط ​​في عصر الجائحة، ولكنها كانت متماشية مع ما كان يعد وتيرة معقولة قبل الجائحة لمواكبة النمو السكاني.

ومن بين المقاييس الأخرى التي تحظى بمتابعة وثيقة، نسبة الوظائف المفتوحة إلى العاطلين عن العمل، والتي انخفضت من مستوى قياسي بلغ 2 إلى 1 أثناء الجائحة إلى 1.2 إلى 1، وهو ما يشبه مستويات ما قبل الوباء في علامة أخرى على أن الاقتصاد يعود إلى وضعه الطبيعي.

حتى إن باول خفض معدل البطالة إلى 4.3 في المائة يوم الجمعة، ووصفه بأنه نتيجة لارتفاع المعروض من العمالة وتباطؤ التوظيف، وليس خسائر مباشرة في الوظائف.

وقال إن هناك «سبباً وجيهاً للاعتقاد بأن الاقتصاد سيعود إلى معدل التضخم بنسبة 2 في المائة مع الحفاظ على سوق العمل القوية».

وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن سوزان كولينز في مقابلة إنها تشعر بوجود «مرونة عامة» في سوق العمل، مع احتمال استقرار معدل البطالة.

وأضافت: «لقد رأيت بعض الأدلة على الوصول إلى مرحلة الثبات»، كما قالت: «وليس التعافي السريع».

ومع ذلك، هناك مخاوف من أن سوق العمل قد تكون أضعف مما تبدو عليه، وهي المخاطر التي قد تتجلى في الأشهر المقبلة، وتدفع بنك الاحتياطي الفيدرالي نحو تخفيضات أسرع أو أعمق في أسعار الفائدة للدفاع عن هدفه «الحد الأقصى للتوظيف».

وقالت محافظة بنك الاحتياطي الفيدرالي، أدريانا كوغلر، وهي خبيرة اقتصادية في مجال العمل، في مناقشة بحثية في المؤتمر إن الجانبين من نسبة فرص العمل إلى البطالة ربما يكونان أقل من العدد الحقيقي - مع وجود عدد أقل من الوظائف الشاغرة مقارنة بالمسح الشهري لفرص العمل ودوران العمالة، وزيادة عدد العاطلين عن العمل إذا تم النظر في تدابير بديلة للبطالة تشمل العمال المحبطين، على سبيل المثال.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة الوظائف إلى البطالة قد انخفضت بالفعل إلى 1.1، وهو ما يقترب بالفعل من نقطة التعادل، وربما أقل من ذلك.

وقالت: «هناك الآن مزيد من حالات التسريح من العمل التي تتحول إلى البطالة مقارنة بالمقاييس القياسية للبطالة. وإذا أضفنا تدابير أخرى للبطالة فربما نتمكن من الحصول على صورة مختلفة للغاية لسوق العمل».


مقالات ذات صلة

حرب إيران تخفض توقعات النمو الاقتصادي في مصر

الاقتصاد تشير التوقعات إلى أن التضخم في مصر سيبلغ 13.5 % في المتوسط بالعام المالي الحالي و12 % العام المالي المقبل (الشرق الأوسط)

حرب إيران تخفض توقعات النمو الاقتصادي في مصر

خفض محللون توقعاتهم للنمو الاقتصادي في مصر باستطلاع أجرته «رويترز» لهذا العام والعام المقبل، بعدما دفعت حرب إيران إلى ارتفاع أسعار الطاقة وضغطت على التضخم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

تحليل إخباري «الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن حزمة قرارات جديدة لتحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال (الرئاسة التركية)

تركيا: حزمة قرارات لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال

أعلنت تركيا حزمة قرارات جديدة لتعزيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال من الخارج لدعم الاقتصاد وتعزيز مكانتها مركزاً مالياً عالمياً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

هدوء حذر في «المركزي الأوروبي»: الفائدة تراقب مضيق هرمز

يدخل البنك المركزي الأوروبي اجتماعه يوم الخميس وسط إخفائه قدراً كبيراً من الهشاشة، مع استمرار الضبابية بشأن الحرب.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في موسكو (رويترز)

«المركزي الروسي» يخفض الفائدة 50 نقطة أساس وسط تباطؤ اقتصادي

خفّض البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 50 نقطة أساس ليصل إلى 14.5 في المائة يوم الجمعة، في خطوة جاءت متوافقة مع توقعات السوق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

وصول أول شحنة نفط أميركي إلى اليابان منذ حرب إيران

ناقلة نفط تبحر باتجاه المحيط الهادئ بالقرب من قناة بنما يوم 12 مارس 2026 (رويترز)
ناقلة نفط تبحر باتجاه المحيط الهادئ بالقرب من قناة بنما يوم 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

وصول أول شحنة نفط أميركي إلى اليابان منذ حرب إيران

ناقلة نفط تبحر باتجاه المحيط الهادئ بالقرب من قناة بنما يوم 12 مارس 2026 (رويترز)
ناقلة نفط تبحر باتجاه المحيط الهادئ بالقرب من قناة بنما يوم 12 مارس 2026 (رويترز)

وصلت إلى طوكيو، الأحد، شحنة نفط خام استوردتها شركة «كوزمو أويل» اليابانية لتوزيع النفط من الولايات المتحدة، لأول مرة، بوصفها شحنة بديلة، بعد بدء الحرب الأميركية - الإيرانية في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

وأفادت وكالة «جي جي برس» اليابانية بوصول ناقلة محملة بـ910 آلاف برميل من النفط الخام الأميركي إلى رصيف بحري في خليج طوكيو، صباح الأحد، وسط مخاوف بشأن الإمدادات بسبب الحصار الفعلي لمضيق هرمز؛ الممر المائي الحيوي لنقل النفط.

وتسارع الحكومة اليابانية إلى زيادة مشترياتها من النفط الخام من موردين خارج الشرق الأوسط، في ظل التوترات المحيطة بإيران، بما أن هذه الكمية لا تغطي سوى أقل من استهلاك يوم واحد في اليابان.

وغادرت الناقلة ميناء في تكساس أواخر مارس (آذار) الماضي، ووصلت إلى اليابان عبر قناة بنما بعد رحلة استغرقت نحو شهر.


«استثمار القابضة» القطرية تتملك 49% من بنك سوري

تعمل «استثمار القابضة» من خلال عدة مجموعات تشمل الرعاية الصحية والخدمات والسياحة والتطوير العقاري (الموقع الإلكتروني لشركة استثمار)
تعمل «استثمار القابضة» من خلال عدة مجموعات تشمل الرعاية الصحية والخدمات والسياحة والتطوير العقاري (الموقع الإلكتروني لشركة استثمار)
TT

«استثمار القابضة» القطرية تتملك 49% من بنك سوري

تعمل «استثمار القابضة» من خلال عدة مجموعات تشمل الرعاية الصحية والخدمات والسياحة والتطوير العقاري (الموقع الإلكتروني لشركة استثمار)
تعمل «استثمار القابضة» من خلال عدة مجموعات تشمل الرعاية الصحية والخدمات والسياحة والتطوير العقاري (الموقع الإلكتروني لشركة استثمار)

أعلنت شركة «استثمار القابضة» القطرية، الأحد، عن إتمام توقيع اتفاقية للاستثمار في «شهبا بنك» السوري.

وأوضحت الشركة، في بيان نشر على موقع بورصة قطر أوردته «وكالة الأنباء القطرية»، أنه بموجب الاتفاقية التي تم توقيعها اليوم في العاصمة السورية دمشق، تتملك شركة «مصارف القابضة» التابعة لـ«استثمار كابيتال» حصة تبلغ 49 في المائة من «شهبا بنك»، في خطوة تعكس التزام «استثمار القابضة» بتعزيز حضورها الإقليمي وتوسيع استثماراتها في القطاع المالي.

ووقعت شركة «مصارف القابضة» الاتفاقية مع ممثلي كل من بنك «بيمو» السعودي الفرنسي و«بنك الائتمان الأهلي».

وأكد البيان أن إبرام الصفقة سيخضع لعدد من الشروط المسبقة التي يتوجب على الأطراف استكمالها، ومن أبرزها الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة من الجهات المختصة في سوريا، بما في ذلك مصرف سوريا المركزي، وهيئة الأسواق والأوراق المالية السورية، وهيئة حماية المنافسة ومنع الاحتكار.

وكانت «استثمار القابضة» قد أعلنت في وقت سابق عن تأسيس مجموعتها الجديدة «استثمار كابيتال»، التي تتخصص في إدارة الاستثمارات المالية وتعزيز الحوكمة المؤسسية.

وتعمل «استثمار القابضة» من خلال عدة مجموعات تشمل مجموعة الرعاية الصحية ومجموعة الخدمات ومجموعة السياحة والتطوير العقاري، إضافة إلى مجموعة الصناعات والمقاولات التخصصية.


الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)
ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)
TT

الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)
ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

أفاد محللون بأن الهند كثّفت مشترياتها من النفط الروسي، وبأنها أعادت تنشيط مصادر بديلة من أفريقيا وإيران وفنزويلا للتخفيف من حدة النقص الحاد في النفط الخام الآتي من الشرق الأوسط؛ بسبب حرب إيران واضطرابات مضيق هرمز.

وتستورد الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، عادة نحو نصف احتياجاتها من النفط الخام عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لم يشهد سوى حركة مرور ضئيلة منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وقد دفع اعتماد الهند الكبير على الواردات، إلى جانب احتياطاتها النفطية المتواضعة مقارنة بمستهلكين رئيسيين مثل الصين، المحللين إلى التحذير بأن الهند قد تكون من بين أعلى الدول عرضة لارتفاع مفاجئ في أسعار النفط.

وفي حين تواجه الهند اضطرابات في إمدادات غاز الطهي، فقد تجنبت حتى الآن نقص البنزين الذي ضرب بعض الدول المجاورة.

انكماش فجوة الطاقة

وتظهر بيانات تتبع السفن والواردات أن الهند قد سدت جزءاً من فجوة نقص الطاقة لديها، باللجوء إلى حلفائها القدامى، وتوسيع العلاقات الواعدة، وإعادة تنشيط الموردين الذين لم تعتمد عليهم لسنوات.

وكان النفط الخام الروسي هو الضمانة الكبرى، وهو مصدر وقود سعت نيودلهي جاهدة خلال معظم العام الماضي إلى التحول عنه في ظل الرسوم الجمركية الأميركية الباهظة.

واستوردت مصافي التكرير الهندية نحو 1.98 مليون برميل يومياً من روسيا في مارس (آذار) الماضي، وفقاً لشركة «كبلر» المختصة في معلومات التجارة؛ مما يمثل قفزة كبيرة مقارنة بالشهرين السابقين.

ويقول المحللون إن هذه الزيادة الكبيرة ربما تكون قد تأثرت بإعفاء أميركي مؤقت مُنح في مارس الماضي يشمل النفط الروسي الموجود بالفعل في البحر.

وقال نيخيل دوبي، المحلل في «كبلر»: «ارتفعت الواردات من نحو مليون برميل يومياً في يناير (كانون الثاني) وفبراير» الماضيين.

وأضاف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يشير هذا التضاعف تقريباً إلى أن هذه الكمية الإضافية قد جرى التعاقد عليها على الأرجح بعد رفع العقوبات».

صفقة شراء مفيدة

رجح اثنان من محللي التجارة أن تكون الهند قد اشترت 60 مليون برميل إضافية من النفط الروسي، ستسلَّم خلال شهر أبريل (نيسان) الحالي.

وقد لاقت استثناءات واشنطن انتقادات من الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الذي يرى أنها تعقّد الجهود الرامية إلى تقليص عائدات روسيا بعد أكثر من 4 سنوات على الحرب مع موسكو.

لكن كييف لم تكتسب نفوذاً يذكر بعد أن مدّد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأسبوع الماضي، الإعفاء المفروض على النفط الروسي المنقول بحراً شهراً إضافياً.

وقال راهول تشودري، نائب رئيس شركة «ريستاد إنيرجي»: «يمنح هذا التمديد مصافي التكرير الهندية الوقت الذي كانت في أمسّ الحاجة إليه». وأضاف: «من المرجح أن تسارع مصافي التكرير الهندية إلى حجز البراميل الإضافية التي يتيحها التمديد قبل الموعد النهائي في 16 مايو (أيار)» المقبل.

أسواق أخرى تدعم الهند

بلغ متوسط ​​واردات الهند من النفط الخام من أنغولا 327 ألف برميل يومياً في مارس الماضي، وفقاً لبيانات «كبلر»، أي نحو 3 أضعاف ما تسلمته الهند في فبراير الذي سبقه.

ويقول مراقبون في القطاع إن عمليات شراء النفط الخام الأفريقي جرت قبل الضربة الأميركية لإيران، وإنها أثبتت جدواها.

وقال مسؤول في مصفاة نفط حكومية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم الكشف عن هويته: «يعود جزء كبير من الزيادة الملحوظة في واردات النفط من أنغولا خلال مارس أو نيجيريا في أبريل إلى أننا كنا نبحث (مسبقاً) عن مصادر أخرى غير روسيا».

وأضاف: «وقد أثبتت هذه المصادر فائدتها الآن؛ نظراً إلى الانخفاض الحاد في الشحنات من العراق ومعظم دول الشرق الأوسط».

ووفقاً لشركة «كبلر»، فقد بدأ وصول النفط الخام من إيران وفنزويلا هذا الشهر. وبلغ متوسط ​​واردات النفط الخام من إيران 276 ألف برميل يومياً حتى منتصف أبريل، بينما بلغت الشحنات من فنزويلا نحو 137 ألف برميل يومياً.

وأثبتت هذه المشتريات أنها مكسب غير متوقع للمصافي التي كانت تتجنب التعامل مع كلا الموردين سابقاً لتفادي العقوبات الأميركية.

ارتفاع الأسعار

على الرغم من هذا التنويع، فإن الطريق أمام الهند تبدو صعبة، فقد انخفضت واردات الهند الإجمالية من النفط الخام في مارس الماضي، لتصل إلى 4.5 مليون برميل يومياً من 5.2 مليون برميل في فبراير السابق عليه، وفق شركة «كبلر».

كما حذر المحللون بأن النفط من الدول الأفريقية بوصفه بديلاً له حدود.

وقال دوبي: «في حال استمرار حرب إيران، فإنه يمكن للنفط الخام الأفريقي أن يسد جزءاً من النقص في الإمدادات. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يحل محل براميل الشرق الأوسط بشكل كامل من الناحية الهيكلية؛ نظراً إلى اختلاف أنواع النفط الخام»، موضحاً أن المصافي الهندية مُجهزة للتعامل مع أنواع مختلفة من النفط عن تلك الآتية من الدول الأفريقية.

وقال تشودري: «انتهى عصر النفط الرخيص مؤقتاً، لكن الوصول إليه ما زال قائماً. على أي حال، لا تملك الهند ترف الانسحاب أو التراجع عن الشراء تحت أي ظرف»، مشيراً إلى أن أسعار براميل أبريل تراوحت بين 5 دولارات و15 دولاراً فوق سعر «خام برنت» العالمي.

ولم ترفع شركات التجزئة الحكومية في الهند أسعار الوقود حتى الآن، بل خفضت الحكومة الرسوم الجمركية عليه.

ويحذر بعض المحللين من احتمال ارتفاع الأسعار بما يصل إلى 28 روبية (30 سنتاً) للتر الواحد بعد انتهاء التصويت في انتخابات الولايات الرئيسية خلال وقت لاحق من هذا الشهر.

وأقرت وزارة النفط، الخميس الماضي، بأن شركات الوقود الحكومية تتكبد خسائر، لكنها نفت أن يكون رفع الأسعار وشيكاً.

وقالت: «الهند هي الدولة الوحيدة التي لم ترتفع فيها أسعار البنزين والديزل خلال السنوات الأربع الماضية». وقد اتخذت الحكومة وشركات النفط الحكومية «خطوات حثيثة لحماية المواطنين الهنود من الارتفاعات الحادة في الأسعار العالمية».