هل تتعرض حظوظ كامالا هاريس للخطر بسبب الوضع الاقتصادي؟

مخاوف الركود بعد هبوط سوق الأسهم تلقي بظلالها على حملة المرشحة الديمقراطية

نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس تتحدث خلال فعالية في هيوستن 25 يوليو (أ.ب)
نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس تتحدث خلال فعالية في هيوستن 25 يوليو (أ.ب)
TT

هل تتعرض حظوظ كامالا هاريس للخطر بسبب الوضع الاقتصادي؟

نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس تتحدث خلال فعالية في هيوستن 25 يوليو (أ.ب)
نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس تتحدث خلال فعالية في هيوستن 25 يوليو (أ.ب)

استيقظ الأميركيون، صباح الاثنين، على هبوط حاد في سوق الأسهم، وهو ما أطلق عليه البعض «الاثنين الأسود»، وسط مخاوف من دخول الاقتصاد الأميركي في حالة ركود، مدفوعاً بتراجع نمو الوظائف، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الاحتياطي الفيدرالي عن خفض أسعار الفائدة الأسبوع الماضي. وتتزامن هذه العوامل مع التأثيرات السابقة الناجمة عن تداعيات تفشي فيروس كوفيد – 19، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، والمشهد الجيوسياسي المتقلب الذي يهدد بإشعال حرب في الشرق الأوسط.

وشهد يوم الاثنين هبوط المؤشرات كافة، حيث انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز» بنسبة 3 في المائة، ومؤشر «داو جونز» بنسبة 2.6 في المائة، ومؤشر «ناسداك» بنسبة 3 في المائة. وبلغت خسائر «ناسداك» وحده ما يقرب من تريليون دولار من القيمة السوقية. وأدى انخفاض سوق الأسهم إلى مخاوف سياسية ألقت بظلال قاتمة على المرشحة الديمقراطية المحتملة كامالا هاريس مقارنةً بالمرشح الجمهوري دونالد ترمب.

ما الركود؟

حسب كبير خبراء الاقتصاد في «غولدمان ساكس»، جان هاتزيوس -الذي يُنسب إليه التنبؤ بالركود في عام 2008- فإنه يتوقع تباطؤاً اقتصادياً على مدى الأشهر الـ12 المقبلة، مشيراً إلى تباطؤ في نمو الوظائف (أضاف الاقتصاد 114 ألف وظيفة، أي أقل من 175 ألف وظيفة متوقعة، وارتفع معدل البطالة إلى 4.3 في المائة من 4.1 في المائة) -وهو مستوى لم نشهده منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021. لكنه أكد أن الاقتصاد الأميركي يتمتع بصحة جيدة بشكل عام، وأن خطر الركود محدود، وأن «الفيدرالي» لديه كثير من الحرية لخفض أسعار الفائدة، بسرعة إذا لزم الأمر.

وأشار هاتزيوس إلى تعريف الرئيس هاري ترومان للركود، الذي وصفه مازحاً على النحو التالي: «إنه ركود عندما يفقد جارك وظيفته، وهو كساد عندما تفقد وظيفتك».

وبعيداً عن المزاح الشائع، يرتبط الركود عادةً بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 2 في المائة، وتراجع النشاط الاقتصادي في جميع القطاعات، وقد يستمر لعدة أشهر، تصل في بعض الأحيان إلى عام كامل. ولا يتوقف الأمر على أرقام الوظائف ومعدلات البطالة فقط، بل يعتمد أيضاً على قياسات الدخل الشخصي الحقيقي، والمبيعات، والإنتاج الصناعي، والإنفاق الاستهلاكي، بالإضافة إلى النظرة الشاملة للبيانات الاقتصادية. وكان الركود الاقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة في عام 2008 واستمر حتى عام 2009 (الأطول والأشد حدةً منذ عام 1960) سببه المباشر انهيار سوق الرهن العقاري، وفشل بنك «ليمان براذرز»، حيث كان التعافي منه بطيئاً مع استمرار مستويات البطالة المرتفعة.

الركود ليس حتمياً

فتحت أسواق الأسهم، يوم الثلاثاء، على نوع من الاستقرار واستعادة التوازن. وفي هذا السياق، شددت كلوديا ساهم، الخبيرة الاقتصادية في «الاحتياطي الفيدرالي»، التي طوَّرت أداةً للتنبؤ بالركود تُعرف باسم «SAHM»، على أن الركود ينشأ عندما يكون متوسط معدل البطالة في الولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر أعلى بنصف نقطة مئوية على الأقل من أدنى مستوى له خلال الـ12 شهراً السابقة. ووفقاً لهذه المعادلة، بلغ معدل البطالة في يوليو (تموز) 2023 نحو 3.5 في المائة. وأكدت ساهم لشبكة «سي إن بي سي» أن هذا يعني أن الاقتصاد الأميركي لا يواجه حالة ركود حالياً، وأن الركود ليس حتمياً.

لكن المخاوف من ارتفاع معدلات التضخم دفعت أكثر من 62 في المائة من الناخبين الأميركيين إلى القلق المتزايد بشأن البرامج الاقتصادية للمرشحين في سباق الرئاسة الأميركي، وتقييم قدرتهم على تحقيق انفراجة اقتصادية. وبغضّ النظر عن العوامل الاجتماعية والسياسية، فإن عديداً من الناخبين ينظرون إلى شؤونهم المالية ووضعهم الوظيفي عند اتخاذ قرارهم بدعم المرشح الذي يعتقدون أنه قادر على إصلاح الاقتصاد.

وتُظهر تقديرات وزارة الزراعة الأميركية أن تكلفة بند الطعام للأسرة المكونة من 4 أفراد ارتفعت بشكل ملحوظ في عهد الرئيس بايدن، حيث ارتفعت من 675 دولاراً شهرياً في عام 2021 إلى 975 دولاراً حالياً، بزيادة هائلة بنسبة 44 في المائة. هذه الزيادة الكبيرة تضع ضغوطاً حقيقية على الأسر الفقيرة وذات الدخل المتوسط في بند الطعام فقط. وفي الولايات المتأرجحة التي تُعد ساحات معركة انتخابية، يلوم 66 في المائة من الناخبين إدارة الرئيس بايدن ونائبته كامالا هاريس على هذه الزيادة.

ويقول خبراء الاقتصاد والمحللون إن الركود من شأنه أن يزيد من احتدام السباق نحو البيت الأبيض ويضيف مستويات جديدة من الارتباك حول من يستحق قيادة البلاد وإنقاذها من التدهور الاقتصادي.

وينظر المحللون إلى عام 2008 بوصفه إحدى أسوأ فترات الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة، حيث أثرت الأزمة الاقتصادية المترتبة على انهيار الأسواق المالية وأزمة الرهون العقارية بشكل كبير على حظوظ المرشحين الرئاسيين في ذلك الوقت. فقد أصر المرشح الجمهوري آنذاك، جون ماكين، على أن الاقتصاد الأميركي قوي، إلا أن الأميركيين لم يصدقوا ذلك، مما أضر بحملة ماكين وأسهم في دفع المرشح الديمقراطي آنذاك، باراك أوباما، نحو تحقيق النصر.

هاريس وترمب

يُبرز المرشح الجمهوري دونالد ترمب قدرته على تحقيق اقتصاد قوي، حيث يَعِد بزيادة الأجور وخلق مزيد من الوظائف. ومع ذلك، يشير المحللون إلى أن معدل التضخم كان مرتفعاً بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية ترمب السابقة التي امتدت لأربع سنوات. ويشكك البعض في وعوده الاقتصادية، التي تبدو كأنها تتلاعب بأحلام الناخب الأميركي.

في المقابل، فشل الرئيس جو بايدن في تحسين الاقتصاد لصالح عشرات الملايين من الأميركيين ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. ولم يحقق برنامجه الاقتصادي، والترويج لقوة الاقتصاد، أي ردود فعل إيجابية من الناخبين الذين لم يصدقوا دعاية الديمقراطيين بأن الاقتصاد يعمل بقوة. وكانت الخطة التي اتبعها بايدن لمحاولة لخفض إيجارات المنازل وإعفاء قروض الطلبة محاولة ضعيفة لجذب أصوات هذه الفئة من الأميركيين ذوي الدخل المنخفض.

ويقول المحللون إن إدارة بايدن فشلت في كبح جماح مستويات العجز الكبيرة في الموازنة، حيث ارتفع الدين الوطني إلى أكثر من 35 تريليون دولار ويواصل الزيادة. كما ظل معدل التضخم مرتفعاً طوال فترة ولاية بايدن في البيت الأبيض، مما جعل المستهلكين يشعرون بأن أسعار السلع والخدمات اليومية أصبحت أكثر تكلفة. بالإضافة إلى ذلك، أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة العبء على أي شخص يرغب في شراء منزل أو سيارة.

وسعت وزارة الخزانة خلال فترة ولاية بايدن إلى التستر على الوضع الاقتصادي غير المريح من خلال تمويل الإنفاق بالاقتراض قصير الأجل وطرح سندات خزانة قصيرة الأجل بدلاً من سندات ذات آجال استحقاق تمتد من عشر سنوات إلى ثلاثين عاماً. ومع انسحاب بايدن من السباق الرئاسي، ترث كامالا هاريس هذا الوضع الاقتصادي، بما في ذلك المخاوف من احتمال الدخول في مرحلة ركود قد تؤثر بشكل كبير على قرارات الناخبين في الانتخابات المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

القرار

يتعلق قرار الناخب الأميركي في اختيار المرشح الرئاسي بنظرة وبرنامج الجمهوريين والديمقراطيين بشكل عام تجاه الاقتصاد. ويميل الديمقراطيون عادةً إلى فرض مزيد من الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي، وقد اتَّبع بايدن هذا النهج، ولا يتوقع المحللون نمطاً مختلفاً من المرشحة المحتملة كامالا هاريس. من جهة أخرى، يميل الجمهوريون إلى إلغاء القيود التنظيمية وخفض الضرائب على الأغنياء لزيادة فرص خلق الوظائف، متَّبعين قاعدة حرية العرض والطلب في التأثير على السوق بشكل طبيعي. ومع ذلك، انحرف الرئيس ترمب عن هذا المسار عندما أطلق حزم التحفيز لمواجهة جائحة كوفيد ورفع من الأنفاق الحكومي، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم، كما فرض تعريفات جمركية على الواردات بما يتعارض مع مبادئ السوق الحرة، وأدى أيضاً إلى مزيد من الارتفاع في التضخم. ويبدو أن كلا المرشحين الرئاسيين، ترمب وهاريس، قد فشل في كبح جماح الإنفاق الحكومي وتقليص العجز في الموازنة.


مقالات ذات صلة

إغلاق قياسي لمؤشر «نيكي» مع تفوق أرباح التكنولوجيا على مخاوف حرب إيران

الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ ب أ)

إغلاق قياسي لمؤشر «نيكي» مع تفوق أرباح التكنولوجيا على مخاوف حرب إيران

سجل مؤشر «نيكي» الياباني مستوى قياسياً جديداً عند الإغلاق يوم الجمعة، مختتماً بذلك مكاسبه الأسبوعية الثالثة على التوالي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مستثمر يتابع تحركات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

مؤشر السوق السعودية يواصل هبوطه للجلسة السادسة على التوالي

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي)، جلسة الخميس، على تراجع بنسبة 1.2 في المائة ليغلق عند 11110 نقاط بتداولات بلغت قيمتها نحو 6 مليارات ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد المتداولين يعمل في سوق دبي المالي في دبي (د.ب.إ)

تراجع معظم أسواق الخليج بسبب تعثُّر جهود السلام الأميركية الإيرانية

تراجعت معظم أسواق الأسهم في الخليج في بداية تداولات يوم الخميس، في أعقاب تعثُّر محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الاقتصاد ركاب ينشغلون بهواتفهم الذكية في حافلة عامة في جاكرتا (أ.ف.ب)

الروبية الإندونيسية تهوي لمستوى قياسي وسط اضطرابات الشرق الأوسط

هبطت الروبية الإندونيسية بشكل حاد يوم الخميس لتسجل أدنى مستوى لها على الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتربع على قمة 10 أيام مع اشتعال أزمة «هرمز»

استقر الدولار الأميركي بالقرب من أعلى مستوياته في أسبوع ونصف يوم الخميس، مدفوعاً بزيادة الطلب عليه كملاذ آمن.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.


محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع
TT

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، مدفوعاً ببرامج «رؤية 2030» التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي.

وتواصل السعودية مسارها التحولي ضمن «رؤية 2030»، مع دخولها مرحلة جديدة تركز على استدامة النمو وتعزيز المكتسبات، بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي أعادت تشكيل الاقتصاد الوطني.

ويُظهر التقرير السنوي لعام 2025 أنَّ المملكة نجحت في ترسيخ نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً ومرونة، مدعوماً بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتوسع قاعدة الإنتاج والاستثمار.

وأسهمت هذه الرؤية التي تضمَّنت تنفيذ أكثر من 1000 إصلاح تشريعي، في تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز جاذبية السعودية، وبناء قطاعات اقتصادية فاعلة ومتنامية؛ ما وضع المملكة ضمن أسرع الاقتصادات نمواً على مستوى العالم، معزِّزةً قدرتها على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

كما نجحت «رؤية 2030» في رسم أهداف استراتيجية واضحة لتفعيل مكامن القوة الاقتصادية في السعودية، عبر تطوير قطاعات رئيسية تشمل الطيران، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة والتعدين، وغيرها، مدعومة باستثمارات ضخمة ومشروعات كبرى أعادت تشكيل هيكل الاقتصاد

وعملت الأنشطة غير النفطية في تدعيم الاقتصاد السعودي بوصفها «المحرك الرئيسي للنمو»، وهو ما أسهم في تعزيز تنافسيته ووضعه في صدارة الاقتصادات النشطة إقليمياً وعالمياً.

ويستند هذا الزخم إلى توسُّع قطاعات واعدة، متنوعة تشمل السياحة والترفيه، إلى الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية وغيرها؛ بما عزَّز مساهمتها في الناتج، بعد أن سجَّلت الأنشطة غير النفطية في 2024 مستوى تاريخياً عند 2.6 تريليون ريال (693 مليار دولار) بنمو 6 في المائة.

تحول الهيكل الاقتصادي

ويؤكد رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، حمزة دويك، أن نتائج «رؤية 2030» أظهرت بوضوح «تحول الهيكل الاقتصادي للمملكة بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط»، مشيراً إلى التوسع الملحوظ في القطاعات غير النفطية وارتفاع الإيرادات الحكومية غير النفطية، وهو ما أسهم في تقليص حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية، بما في ذلك تطوير بيئة الأعمال والأسواق المالية وتعزيز مشاركة القوى العاملة وجذب الاستثمار الأجنبي، أسهمت في زيادة تدفق رؤوس الأموال المحلية والدولية، وهو ما يٌعدُّ عنصراً أساسياً في تحقيق التنويع الاقتصادي. وأضاف أن هذه التحولات غيَّرت النظرة الاستثمارية إلى السعودية، حيث باتت تُرى بوصفها اقتصاداً متعدد القطاعات، مدعوماً بعمق الأسواق المالية وازدياد الطروحات العامة الأولية.

ولفت دويك إلى أنَّ عملية التنويع لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن النفط سيظل عاملاً مهماً في تمويل التنمية، متوقعاً أن تركز المرحلة المقبلة على تعزيز الإنتاجية والكفاءة، وضمان استدامة القطاعات الناشئة دون الاعتماد على الدعم الحكومي، مؤكداً أن جودة هذا التنويع ستكون المقياس الحقيقي للنجاح مستقبلاً.

نمو متسارع للقطاعات غير النفطية

من جهته، يقول المدير الإقليمي لشركة «مايلستون سيستمز» في السعودية، فراس البيروتي، إن ملامح الاقتصاد الجديد تتجلى في «النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية، وازدياد الاستثمارات، والتطوير المستمر للبنية التحتية الحديثة»، مشيراً إلى أنَّ هذه العوامل تعكس «تخطيطاً استراتيجياً يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة».

وأضاف أن «رؤية 2030» فتحت آفاقاً واسعة أمام قطاعات حيوية مثل السياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والترفيه، إلى جانب تعزيز بيئة الاستثمار والابتكار، مع تنامي دور القطاع الخاص بوصفه محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

وأكد البيروتي لـ«الشرق الأوسط» أن التقنيات الذكية المدعومة بالبيانات ستلعب دوراً محورياً في المرحلة المقبلة، سواء في دعم البنية التحتية أو تعزيز الأمن والكفاءة التشغيلية، لافتاً إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً في بناء مدن ومؤسسات أكثر كفاءة وأماناً.

المشروعات الكبرى

بدوره، يرى المدير الإقليمي لشركة «يورو سيستمز» في السعودية، أسرار خازي، أنَّ التحول الاقتصادي يتجسَّد أيضاً في «إعادة صياغة شاملة للبيئة العمرانية»، مشيراً إلى أنَّ المشروعات الكبرى في المملكة تجاوزت الأطر التقليدية لتدفع بحدود التصميم والهندسة والاستدامة إلى مستويات غير مسبوقة.

وأوضح أنَّ هذه المشروعات تمثِّل منظومات اقتصادية متكاملة تسهم في جذب الاستثمارات وتحفيز قطاعات جديدة، ما يعزِّز النمو المستدام، إلى جانب تشكيل هوية معمارية حديثة تمزج بين التقنيات المتقدمة والبعد الثقافي، مستشهداً بمشروعات مثل الدرعية.

وأشار خازي إلى أنَّ هذا التوجه يعزِّز الطلب على الحلول الهندسية المتقدمة، ويسهم في تطوير القدرات المحلية وسلاسل التوريد، ما يخلق قيمةً اقتصاديةً طويلة الأمد، ويعزِّز دور القطاع العمراني بوصفه أحد روافد التنويع الاقتصادي.