«المركزي» السعودي يستكشف إمكانات العملات الرقمية لتسهيل المدفوعات عالمياً

«باينانس» لـ«الشرق الأوسط»: «إم بريدج» قد يقدّم حلول تسوية جديدة إلى صادرات النفط والغاز

انضم البنك المركزي السعودي إلى مشروع «إم بريدج» بصفته «مشاركاً كاملاً» (البنك المركزي)
انضم البنك المركزي السعودي إلى مشروع «إم بريدج» بصفته «مشاركاً كاملاً» (البنك المركزي)
TT

«المركزي» السعودي يستكشف إمكانات العملات الرقمية لتسهيل المدفوعات عالمياً

انضم البنك المركزي السعودي إلى مشروع «إم بريدج» بصفته «مشاركاً كاملاً» (البنك المركزي)
انضم البنك المركزي السعودي إلى مشروع «إم بريدج» بصفته «مشاركاً كاملاً» (البنك المركزي)

مع تخلي كثير من المستهلكين عن النقد المادي، وفي ظل تسارع تطور العملات المشفرة، راحت المصارف المركزية في العالم تتحرك كي تضمن عدم تخلّفها من جهة وتوفير غطاء قانوني وآمن لاستخدام هذا الشكل من العملات غير الورقية، أو ما يُعرف بـ«العملات الرقمية»، من جهة أخرى.

وفقاً لـ«بنك التسويات الدولية» فإن 135 دولة واتحاداً نقدياً، تمثّل 98 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تعمل على استكشاف العملات الرقمية للمصارف المركزية. وكان هذا العدد 35 دولة فقط في عام 2020. وحالياً هناك 68 دولة في مرحلة متقدمة من الاستكشاف؛ التطوير أو التجربة أو الإطلاق. في حين وصلت 19 دولة من دول مجموعة العشرين الآن إلى مراحل متقدمة من تطوير العملات الرقمية للمصارف المركزية، وفق خدمة تعقّب العملة الرقمية للمصرف المركزي التابع لـ«المجلس الأطلسي».

كما تولي المصارف المركزية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى اهتماماً متزايداً بدراسة العملات الرقمية؛ إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن نحو ثلثي بلدان هذه المنطقة تدرس اعتماد العملات الرقمية لمصارفها المركزية، بوصفها وسيلة لتعزيز الشمول المالي وتحسين كفاءة المدفوعات العابرة للحدود.

وحسب إحصائية صندوق النقد الدولي، فإن 19 بلداً من منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تعمل على اعتماد عملات رقمية لمصارفها المركزية.

وكان آخر من أعلن دراسة اعتماد هذا النوع من العملات، البنك المركزي السعودي (ساما)، وذلك في ظل تنامي اهتمام المملكة بأشكال النقود المستقبلية؛ إذ انضم المركزي السعودي بصفته «مشاركاً كاملاً» إلى مبادرة متعددة للبلدان للعملة الرقمية، معروفة باسم مشروع «إم بريدج»، الذي وُضع بوصفه بديلاً محتملاً لنظام الدفع «سويفت» لتمكين عمليات دفع دولية أسرع وربما أرخص.

المصدر: صندوق النقد الدولي

وشرح رئيس قسم التطوير لدى «بينانس» في السعودية، رئيس العلاقات المؤسسية للشركة في الإمارات بندر التونسي، لـ«الشرق الأوسط»، بأن مشروع «إم بريدج» هو عبارة عن مبادرة تعاونية يقودها «بنك التسويات الدولية» لاستكشاف إمكانات العملات الرقمية الصادرة عن المصارف المركزية في تسهيل التجارة والمدفوعات الفورية عبر الحدود.

ويضم هذا المشروع المصارف المركزية في كل من الصين، وتايلاند، وهونغ كونغ، والإمارات، والسعودية.

بالإضافة إلى المصارف المركزية الخمسة المشاركة، يضم المشروع 27 كياناً رسمياً آخر بصفة مراقب، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمصارف المركزية في دول كثيرة، منها النرويج، وكوريا الجنوبية، وتركيا، وفق ما قال التونسي. وأوضح أن هذه المشاركة المتنوعة ستسهّل تجربة التعامل مع تكنولوجيا العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، ضمن آلية الحماية المشتركة المعروفة بـ«صندوق الرمل»؛ مما يشجع على مزيد من الرؤى والمدخلات القيّمة والابتكار من كل من القطاعين العام والخاص، لمواصلة تطوير هذه التجربة، وتسليط الضوء على قدراتها على نطاق عالمي.

وقال التونسي: «يشكّل مشروع (إم بريدج)، الذي جرى إطلاقه في 2021، حلاً مبتكراً لمعالجة الثغرات وتحديات عدم المساواة في الإجراءات الحالية المتبعة للمدفوعات عبر الحدود».

وأشار إلى أن هذا المشروع يهدف إلى استكشاف واختبار استخدامات العملات الرقمية الصادرة عن المصارف المركزية، لتسهيل التجارة والمدفوعات عبر الحدود، بجانب تعزيز سرعة وكفاءة المعاملات.

تكلفة منخفضة

ويرى التونسي أن نجاح هذا المشروع سيُسهم في تسريع المدفوعات عبر الحدود وخفض تكلفتها؛ ما سيؤدي بالتالي إلى تعزيز آفاق التجارة عبر الحدود وتحسينها.

أما بالنسبة إلى أهمية هذا المشروع للسعودية، فيعتقد أنه قد يقدم حلول تسوية جديدة لصادرات النفط والغاز؛ ما يسمح بالتسوية الفورية بالعملات الرقمية الصادرة عن المصارف المركزية للدول المشاركة. وعلى نطاق أشمل، ستصبح التجارة مع هذه الدول أكثر كفاءة، لتنعكس الفائدة في نهاية المطاف على جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك المستهلك النهائي.

كما أن الخبرات الإضافية في مجال «البلوكتشين» وتقنية السجلات الموزعة التي سيجلبها مشروع «إم بريدج» ستمنح الجهات التنظيمية في السعودية مزيداً من الراحة والسهولة في إتاحة تنظيم وتطبيق أوسع نطاقاً للعملات المشفرة، وغيرها من الحلول الأخرى القائمة على تقنية «البلوكتشين».

بين العملات الرقمية والمشفرة

من جهة أخرى، تحدّث التونسي عن الفرق بين العملات الرقمية التي تدرس المصارف المركزية اعتمادها وتلك المشفرة مثل «البتكوين» و«الإيثريوم»، فقال إن هناك أنواعاً كثيرة ومختلفة من العملات الرقمية، ولكل منها خصائص واستخدامات خاصة، وإن العملات المشفرة، مثل «البتكوين» و«الإيثريوم»، هي عملات لا مركزية تستخدم تقنيات التشفير لتعزيز أمن المعاملات والتحكم بإنشاء وحدات جديدة من تلك العملات، وتعتمد على تقنية «البلوكتشين»؛ لضمان الشفافية وعدم قابلية تغيير سجلات المعاملات.

وتُعرف تقنية «البلوكتشين» أو «سلسلة الكتل» بأنها آلية متقدمة لقواعد البيانات تسمح بمشاركة المعلومات بشكل شفاف داخل شبكة أعمال، وتخزّن قاعدة بيانات «سلسلة الكتل» البيانات في كتل مرتبطة ببعضها في سلسلة. وتُعد هذه البيانات متسقة زمنياً؛ لأنه لا يمكن حذف السلسلة أو تعديلها من دون توافق من الشبكة.

بينما العملات الرقمية هي عبارة عن نُسخ رقمية عن العملات الورقية التي تصدرها وتنظّمها المصارف المركزية، وفق التونسي.

«بعكس العملات المشفرة، فإن هذه العملات الرقمية تُعد عملات مركزية، وتهدف عادة إلى تحسين كفاءة أنظمة الدفع، وتعزيز الشمول المالي، وتزويد الحكومات بأدوات أفضل للسياسات النقدية»، قال التونسي.

وذكر أن هذه العملات تختلف عن طرق الدفع الرقمية التقليدية من خلال المسؤولية المباشرة للمصرف المركزي؛ ما يضمن الثقة والاستقرار. وقال إنها «لا تزال تُعد عملات ناشئة، وتتباين في تصميماتها، بدءاً من العملات الرقمية للمصارف المركزية المخصصة لتعاملات الجملة بين المؤسسات المالية، وصولاً إلى العملات الرقمية للمصارف المركزية الخاصة بتعاملات الأفراد التي يمكن لعامة الناس الوصول إليها لإنجاز معاملاتهم اليومية».

وقال التونسي إنه يُستفاد من كل نوع من العملات الرقمية لأغراض مختلفة، بدءاً من المعاملات اللامركزية المباشرة بين الأفراد (P2P) (العملات المشفرة) وصولاً إلى الأدوات المالية التي تنظّمها الحكومات (العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية)؛ إذ يلبي كل منها احتياجات متنوعة ضمن منظومة الاقتصاد الرقمي.


مقالات ذات صلة

سرقة بيانات 200 ألف عميل من شركة إسرائيلية للعملات المشفرة

شؤون إقليمية صورة تعبيرية لعملة «بينانس» المشفرة (رويترز)

سرقة بيانات 200 ألف عميل من شركة إسرائيلية للعملات المشفرة

أعلنت شركة «Bits of Gold» للوساطة في العملات المشفرة، سرقة بيانات شخصية لنحو 200 ألف من عملائها على يد قراصنة، إثر اختراق أمني طال شبكة خارجية لتحليل البيانات.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد رجل يدفع ثمن مشترياته على شاطئ كوباكابانا باستخدام نظام الدفع الفوري «بيكس» البرازيلي في ريو دي جانيرو (رويترز)

«بيكس» تشعل مواجهة بين أميركا والبرازيل على مستقبل المدفوعات الرقمية

لم تعد المواجهة التجارية بين الولايات المتحدة والبرازيل تقتصر على السلع والرسوم الجمركية، بل امتدت إلى قطاع المدفوعات الرقمية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برازيليا)
الاقتصاد رسم توضيحي يظهر دونالد ترمب وهو يحمل عملة بتكوين معروض خارج متجر لتداول العملات المشفرة في هونغ كونغ بالصين (رويترز)

إفصاحات ترمب المالية تكشف تحويل عوائد العملات المشفرة إلى أصول تقليدية

حصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أكثر من 1.4 مليار دولار العام الماضي من مشاريع العملات المشفرة التابعة لعائلته

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مئات السيارات المعدة للتصدير في ميناء لياينغانغ شرق الصين (. ف.ب)

الصين تُعزّز استخدام اليوان عالمياً وتتعهد باليقظة تجاه المخاطر

أعلنت الصين، الأربعاء، عن إجراءات جديدة لتعزيز استخدام اليوان عالمياً، وكشفت عن خطط لتحسين إدارة سيولة سوق المال المحلية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الولايات المتحدة​ بانكمان فرايد يسير خارج محكمة مانهاتن الفيدرالية في مدينة نيويورك في 30 مارس 2023 (رويترز)

محكمة استئناف تؤيد إدانة قطب العملات المشفرة السابق بانكمان فرايد

أيدت محكمة استئناف أميركية إدانة قطب العملات المشفرة السابق سام سام بانكمان فرايد، بتهم الاحتيال.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«بورصة تكساس» تبدأ أول إدراجاتها الرئيسية في مسعى لمنافسة هيمنة نيويورك

شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
TT

«بورصة تكساس» تبدأ أول إدراجاتها الرئيسية في مسعى لمنافسة هيمنة نيويورك

شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

أعلنت بورصة تكساس أول إدراجاتها الرئيسية، يوم الثلاثاء، في خطوة جديدة ضمن مساعي البورصة الناشئة لتعزيز حضورها، ومنافسة البورصات الكبرى في نيويورك.

وقالت شركة الخدمات المالية «تكساس كابيتال بانكشيرز» إنَّ صندوقين متداولين في البورصة تابعَين لها سيُدرجان في بورصة تكساس بوصفها منصة التداول الرئيسية لهما، اعتباراً من 16 سبتمبر (أيلول)، رهناً بالحصول على الموافقات التنظيمية. ويُتداول الصندوقان حالياً في بورصة «نيويورك أركا» التابعة لمجموعة بورصة نيويورك.

وتُشكِّل هذه الخطوة اختباراً مبكراً لطموح بورصة تكساس في إقامة مركز جديد للشركات والمنتجات الاستثمارية خارج المراكز المالية التقليدية في نيويورك، وفق «رويترز».

وعلى الرغم من أنَّ البورصة نجحت بالفعل في استقطاب إدراجات ثانوية لعدد من الشركات، فإنَّ الإدراج الأولي يمنحها دوراً أكبر بوصفها المنصة الرئيسية للصندوقين المتداولين، ويعزِّز حضورها في نشاط التداول.

وأكدت «تكساس كابيتال» أنَّ رموز التداول واستراتيجيات الاستثمار الخاصة بالصندوقين ستظلُّ دون تغيير.

وتحظى بورصة تكساس للأوراق المالية (TXSE) بدعم عدد من المستثمرين، من بينهم «بلاك روك»، و«سيتادل سيكيوريتيز»، و«تشارلز شواب».

وبدأت البورصة عمليات التداول الكاملة في يوليو (تموز)، وأعلنت أنَّها تتوقع بدء استقبال طلبات الاكتتابات العامة الأولية العام المقبل.


السوق السعودية تغلق قرب أعلى مستوياتها في شهرين بدعم «معادن»

رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

السوق السعودية تغلق قرب أعلى مستوياتها في شهرين بدعم «معادن»

رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الثلاثاء على ارتفاع طفيف بنحو 4 نقاط، ليغلق عند 10912 نقطة، محافظاً على تداولاته قرب أعلى مستوياته منذ يونيو (حزيران) الماضي، وسط نشاط على أسهم المواد الأساسية والطاقة، بينما بلغت قيمة التداولات نحو 4.9 مليار ريال.

وسجَّل المؤشر أعلى مستوى خلال الجلسة عند 10967 نقطة، وهو الأعلى منذ يونيو الماضي، بينما بلغ أدنى مستوى 10898 نقطة.

ودعم أداء السوق ارتفاع سهم «أرامكو السعودية» بأقل من 1 في المائة إلى 26.58 ريال، بينما صعد سهم «معادن» بنسبة 2 في المائة إلى 66 ريالاً، مُسجِّلاً أعلى إغلاق منذ مايو (أيار) الماضي، وسط تداولات تجاوزت 100 مليون ريال.

كما تصدَّر سهم «كيمانول» قائمة الأسهم المرتفعة بالنسبة القصوى عند 30.24 ريال، بينما ارتفعت أسهم «التصنيع»، و«تنمية»، و«جاهز»، و«لوبريف»، و«ساسكو»، و«سابك للمغذيات الزراعية»، و«أديس»، و«سيسكو القابضة»، و«المواساة»، و«نايس ون» بنسب تراوحت بين 2 و5 في المائة.

في المقابل، تراجع سهم «جرير» بنسبة 4 في المائة إلى 16.59 ريال عقب نهاية أحقية توزيعات نقدية بواقع 0.20 ريال للسهم.

كما انخفضت أسهم «بي إس إف»، و«مكة»، و«كابلات الرياض»، و«طيران ناس»، و«الكيميائية»، و«الصناعات الكهربائية» بنسب تراوحت بين 1 و3 في المائة.

وفي قطاع الصناديق العقارية المتداولة، أغلق صندوق «سدكو كابيتال ريت» منخفضاً بنسبة 3 في المائة عند 7.33 ريال.


زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

تواصل السعودية تعزيز جاذبيتها الاستثمارية، عبر مزيج من التَّوسُّع في إصدار التراخيص، إذ قفزت نحو 252 في المائة خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي، إلى جانب تطوير البيئة التنظيمية، وإطلاق المبادرات القطاعية، بالتوازي مع نمو ملحوظ في تكوين رأس المال والاستثمار الأجنبي المباشر.

ويُظهِر «راصد الاقتصاد والاستثمار السعودي» للرُّبع الثاني من عام 2026 أنَّ هذه المسارات بدأت تُشكِّل قاعدةً أوسع لنمو النشاط الاستثماري وتنويع الاقتصاد، بما يتسق مع مستهدفات «رؤية 2030».

وسجَّلت التراخيص الاستثمارية الصادرة خلال الرُّبع الثاني قفزةً لافتةً بلغت 252 في المائة على أساس سنوي، لتتجاوز 9 آلاف ترخيصاً، مقارنة مع 2.5 ألف ترخيص في الفترة المماثلة من 2025.

ويعكس هذا الارتفاع تنامي ثقة المستثمرين، واستمرار جاذبية البيئة الاستثمارية في المملكة، بما يدعم توجه السعودية نحو ترسيخ مكانتها وجهةً استثماريةً رائدةً.

وتشير البيانات إلى أنَّ النمو لم يكن محصوراً في نشاط واحد، بل امتدَّ إلى مجموعة واسعة من القطاعات، حيث استحوذت أنشطة التشييد، وتجارة الجملة والتجزئة، والصناعات التحويلية على نحو 66 في المائة من إجمالي التراخيص الاستثمارية الصادرة خلال الرُّبع الثاني.

وجاء قطاع التشييد في الصدارة بـ2.6 ألف ترخيص مقابل 827 ترخيصاً قبل عام، بنمو بلغ 218 في المائة، تلاه قطاع تجارة الجملة والتجزئة بـ2.3 ألف ترخيص مقابل 607 تراخيص، وبنمو 285 في المائة، ثم الصناعات التحويلية بأكثر من ألف تراخيص مقابل 263 ترخيصاً، وبنمو 284 في المائة.

كما سجَّلت قطاعات أخرى زيادات قوية، من بينها النقل والتخزين الذي ارتفع عدد تراخيصه إلى 494 ترخيصاً بنمو 443 في المائة، وخدمات الإقامة والطعام إلى 705 تراخيص بنمو 393 في المائة، والعقارات إلى 118 ترخيصاً بنمو 436 في المائة، بينما سجَّلت الزراعة والغابات وصيد الأسماك أعلى معدل نمو بلغ 736 في المائة.

إصلاحات تنظيمية

بالتوازي مع زيادة التراخيص، واصلت المملكة تحديث البيئة التنظيمية بهدف جعل الاستثمار أكثر مرونة وتنافسية. وشملت أبرز التشريعات الداعمة خلال الرُّبع الثاني إلغاء عدد من الوثائق المتعلقة بالأنشطة التجريبية السياحية، بما في ذلك بعض القرارات واللوائح والأدلة الإجرائية المرتبطة بهذه الأنشطة.

كما جرى تمديد العمل بمبادرة إلغاء الغرامات والإعفاء من العقوبات المالية عن المكلفين لمدة 6 أشهر إضافية، اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) 2026، في خطوة تستهدف تخفيف الأعباء وتحسين البيئة التنظيمية أمام المكلفين.

وتعكس هذه الإجراءات اتجاهاً أوسع نحو تطوير الأنظمة والإجراءات الاستثمارية بما يقلل التعقيدات، ويرفع كفاءة ممارسة الأعمال، ويعزِّز قدرة الاقتصاد السعودي على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

الاستثمار الرياضي

برز «منتدى الاستثمار الرياضي 2026» بوصفه إحدى المبادرات التي تستهدف توسيع قاعدة الاستثمار في القطاعات الواعدة. واستقطب المنتدى أصحاب الأعمال والمستثمرين والخبراء التنفيذيِّين وصُنَّاع القرار من مختلف دول العالم، في وقت يشهد فيه القطاع الرياضي السعودي تحولاً سريعاً، مدفوعاً بالإصلاحات التنظيمية وتطوير البنية التحتية.

ويعكس المنتدى تَوجُّه المملكة إلى تحويل الرياضة إلى أحد روافد الاقتصاد، إذ أشار التقرير إلى أنَّ الاستثمارات المستهدفة في القطاع تصل إلى 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار)، مع التأكيد على دور الإجراءات الحكومية والجهود الجارية في دفع نمو القطاع ورفع مشاركة القطاع الخاص.

البلاستيك والبتروكيماويات

كما سلَّط التقرير الضوء على «المعرض السعودي للبلاستيك والبتروكيماويات 2026»، الذي جمع بين الجهات الحكومية والمستثمرين وصُنَّاع القرار في قطاع يُعدُّ من الركائز الصناعية للمملكة. واستقطب المعرض 498 شركة عارضة من 24 دولة، بهدف تعزيز الشراكات وسلاسل الإمداد ورفع كفاءة الإنتاج ودعم نمو الصناعات التحويلية.

وفي قطاع الخدمات اللوجستية، جاء «المعرض السعودي للخدمات اللوجستية الذكية 2026» ليبرز الفرص المرتبطة بالتَّحوُّل نحو الخدمات اللوجستية الذكية، وتوظيف الأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي في النقل والتخزين وسلاسل الإمداد، بما يعزِّز موقع المملكة مركزاً لوجستياً في المنطقة.

وعلى مستوى الاستثمار المحلي، ارتفع إجمالي تكوين رأس المال الثابت الاسمي خلال الرُّبع الأول من عام 2026 بنحو 5.1 في المائة على أساس سنوي، ليصل إلى 358 مليار ريال (95.4 مليار دولار).

وجاء النمو مدفوعاً بصورة رئيسية بتكوين رأس المال الثابت في القطاع غير الحكومي، الذي ارتفع بنحو 1.3 في المائة، مستحوذاً على نحو 89 في المائة من الإجمالي، بينما بلغت مساهمة تكوين رأس المال الثابت في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي نحو 28 في المائة.

جاذبية لرؤوس الأموال

وتكتسب هذه الأرقام أهميةً خاصةً في ظلِّ سعي السعودية إلى زيادة دور الاستثمار الخاص في النشاط الاقتصادي، إذ تشير البيانات إلى استمرار القطاع غير الحكومي في تشكيل الجزء الأكبر من قاعدة تكوين رأس المال، بما يعكس اتساع مساهمة القطاع الخاص في عملية النمو الاقتصادي.

وفي مؤشر آخر على تنامي جاذبية المملكة لرؤوس الأموال الدولية، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 1.1 تريليون ريال (293.3 مليار دولار) بنهاية عام 2025، مسجِّلاً ارتفاعاً بنحو 13 في المائة مقارنة بعام 2024، وأكثر من الضعف مقارنة برصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2017.

كما ارتفعت نسبة رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 28 في المائة خلال عام 2025.

وبحسب التقديرات الأولية للهيئة العامة للإحصاء، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025 نحو 136 مليار ريال (36.2 مليار دولار)، مُسجِّلة نمواً نحو 14 في المائة مقارنة بعام 2024.

وتكشف السلسلة الزمنية عن مسار تصاعدي واضح في رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ ارتفع من 502 مليار ريال (133.8 مليار دولار) في 2017 وصولاً إلى 1.1 تريليون ريال في 2025.

التوقعات الدولية

وفي هذا الإطار قال الأستاذ بجامعة الملك فيصل المتخصص في الاقتصاد، الدكتور محمد بن دليم القحطاني، إنه حين تتوقَّع المؤسسات الدولية أن يقفز نمو الاقتصاد السعودي في 2027 إلى 4.3 في المائة و4.9 في المائة طبقاً للبنك الدولي، و5.5 في المائة بحسب صندوق النقد الدولي؛ فالرسالة بين السطور واضحة، وهي أن ثمار التَّحوُّل الاقتصادي بدأت تنتقل من مرحلة البناء والاستثمار إلى مرحلة العوائد والنمو.

وأوضح الدكتور بن دليم في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن المؤسسات الـ3، رغم اختلاف تقديراتها، تتفق على اتجاه واحد وهو استمرار النمو بقوة في 2027. «وهنا تكمن القصة الحقيقية لرؤية المملكة، ليس أن ينمو الاقتصاد سنة واحدة، بل أن يصبح أكثر تنوعاً ومرونة وقدرة على صناعة النمو رغم اضطرابات العالم»، مؤكداً أن الرياض لا تنتظر مستقبل الاقتصاد العالمي، بل تبني موقعها فيه.

قراءة في الاتجاه العام

تعكس مؤشرات الرُّبع الثاني من 2026 انتقال البيئة الاستثمارية السعودية إلى مرحلة أكثر اتساعاً، لا تقتصر فيها الجهود على جذب رؤوس الأموال، وإنما تمتد إلى توسيع قاعدة القطاعات المستفيدة من الاستثمار، وتخفيف القيود التنظيمية، وتحفيز القطاع الخاص، ورفع مساهمة الاستثمارات المحلية والأجنبية في الاقتصاد.

وتبرز القفزة الكبيرة في التراخيص الاستثمارية، إلى جانب تجاوز رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز التريليون ريال، بوصفهما من أبرز مؤشرات التَّحوُّل في المشهد الاستثماري السعودي. كما أنَّ التركيز المتزايد على قطاعات التشييد والتجزئة والصناعة واللوجستيات والسياحة والرياضة يعكس اتساع نطاق الاقتصاد غير النفطي، وتوجُّه المملكة إلى بناء مصادر جديدة للنمو والاستثمار ضمن مستهدفات «رؤية 2030».