الصين تتجاوز أسوأ انهيار تكنولوجي عالمي... وشركاتها تروج لبرامجها السيبرانية

خبراء: عطل «كراود سترايك» قد يستغرق أسابيع لحله

مسافر يستريح في مطار مقاطعة ديترويت ميتروبوليتان واين بانتظار إعادة جدولة الرحلات (أ.ف.ب)
مسافر يستريح في مطار مقاطعة ديترويت ميتروبوليتان واين بانتظار إعادة جدولة الرحلات (أ.ف.ب)
TT

الصين تتجاوز أسوأ انهيار تكنولوجي عالمي... وشركاتها تروج لبرامجها السيبرانية

مسافر يستريح في مطار مقاطعة ديترويت ميتروبوليتان واين بانتظار إعادة جدولة الرحلات (أ.ف.ب)
مسافر يستريح في مطار مقاطعة ديترويت ميتروبوليتان واين بانتظار إعادة جدولة الرحلات (أ.ف.ب)

بينما كان معظم العالم يتصارع مع الشاشة الزرقاء جراء انقطاع أجهزة الكومبيوتر غير المسبوق بسبب تحديث برنامج خاطئ يوم الجمعة، كانت الصين إحدى الدول التي تمكنت من الهروب سالمة إلى حد كبير. فيما حذّر خبراء تكنولوجيا المعلومات من أن كثيراً من الشركات قد تستغرق أياماً أو حتى أسابيع للتعافي بشكل كامل من هذا الخلل الذي قدّرت شركة «مايكروسوفت» أنه تسبب بتعطيل 8.5 مليون جهاز كومبيوتر حول العالم.

وكان الخلل جاء من شركة أمنية تدعى CrowdStrike (كراود سترايك)، إحدى أكبر الشركات المصنعة للحلول الأمنية في العالم، والتي ألقت باللوم على تحديث برنامج «فالكون» الخاص بها في حدوث الخلل الذي أدى إلى تعطل عدد لا يحصى من أجهزة الكومبيوتر والخوادم التي تعمل بنظام التشغيل ويندوز، وتأجيل الطائرات، وتأجيل مواعيد المستشفيات، وإبعاد المذيعين عن البث في جميع أنحاء العالم.

وصنّف الخلل على أنه من أسوأ الحوادث السيبرانية في التاريخ، حيث شلّ الحركة الجوية في كثير من الأماكن تقريباً. كما تأثرت المتاجر الكبيرة والبنوك والمستشفيات ومحطات التلفزيون ومؤسسات أخرى.

وقالت «كراود سترايك»، التي يقع مقرها في أوستن بولاية تكساس، إن لديها أكثر من 29 ألف عميل تجاري في نهاية عام 2023، وادعت في مواد تسويقية أن أكثر من نصف شركات «فورتشن 500» تستخدم برامجها.

بكين... مستفيدة

ويضيف هذا الحادث إلى قائمة الأسباب التي تدفع بكين إلى الابتعاد عن التكنولوجيا الأجنبية في وقت تسعى إلى الاعتماد على الذات التكنولوجية في مواجهة قيود التصدير والعقوبات المتزايدة من واشنطن.

ولم تتأثر البنية التحتية الرئيسية إلى حد كبير في الصين، حيث تضررت فقط الشركات الأجنبية والفنادق الفاخرة.

والسبب في أنه نادراً ما يتم استخدام «كراود سترايك» هناك. بالإضافة إلى ذلك، لا تعتمد الصين على «مايكروسوفت» مثل بقية العالم. الشركات المحلية مثل «علي بابا»، و«تنسنت»، و«هواوي» هي المزودة السحابية المهيمنة.

ويقول جوش كينيدي وايت، خبير الأمن السيبراني المقيم في سنغافورة: «إنها شهادة على التعامل الاستراتيجي للصين مع عمليات التكنولوجيا الأجنبية. تعمل (مايكروسوفت) في الصين من خلال شريك محلي، 21Vianet، الذي يدير خدماته بشكل مستقل عن بنيته التحتية العالمية. وهذا الإعداد يعزل الخدمات الأساسية في الصين - مثل الخدمات المصرفية والطيران - عن الاضطرابات العالمية».

وذكرت صحيفة «ساوث تشاينا» أن شركات الأمن السيبراني الصينية ستستفيد من الانقطاع الهائل لنظام ويندوز من خلال الترويج لبرامجها الخاصة، حيث تسعى بكين إلى خفض اعتماد البلاد على الموردين الأجانب.

واغتنمت شركة «360 Security Technology»، أكبر شركة للأمن السيبراني في الصين، الفرصة للترويج لمنتجاتها، التي زعمت أنها «أكثر موثوقية واستقراراً وشمولاً وذكاءً».

وقالت في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «عند اختيار برنامج أمان نقطة النهاية، من المهم إجراء تقييم كامل لقدراته الدفاعية لتجنب المخاطر الأمنية المحتملة، والتأكد من عدم تعرض استمرارية الأعمال وأمن البيانات للتهديد».

وكتبت شركة « QAX»، وهي شركة أخرى معروفة في هذا القطاع، في تدوينة أن «بائعي البرامج المشاركين في استقرار النظام بحاجة إلى رقابة أكثر صرامة على جودة برامجهم».

«مايكروسوفت»: تضرر 8.5 مليون جهاز

وقال محللون إن انقطاع الخدمة كان أكثر إثارة للصدمة نظراً لسمعة «كراود سترايك» القوية بوصفها خط الدفاع الأول لكثير من الشركات ضد الهجمات السيبرانية، وفق صحيفة «فاينانشيال تايمز».

وقالت «مايكروسوفت»، التي تساعد العملاء على التعافي، في منشور بالمدونة: «نحن نقدر حالياً أن تحديث (كراود سترايك) أثّر على 8.5 مليون جهاز يعمل بنظام ويندوز».

ويعني الرقم الذي قدمته «مايكروسوفت» أنه ربما يكون أكبر حدث إلكتروني على الإطلاق، متجاوزاً جميع الاختراقات وانقطاع التيار الكهربائي السابقة. والأقرب إلى ذلك هو الهجوم السيبراني WannaCry في عام 2017، الذي يقدر أنه أثر على نحو 300 ألف جهاز كومبيوتر في 150 دولة. وكان هناك هجوم مماثل مكلف ومدمر يسمى NotPetya بعد شهر.

وكان هناك أيضاً انقطاع كبير لمدة ست ساعات في عام 2021 في شركة «ميتا»، التي تدير «إنستغرام»، و«فيسبوك»، و«واتساب». ولكن تم احتواء ذلك إلى حد كبير على عملاق وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الشركاء المرتبطين به.

وقد أثار الانقطاع الهائل أيضاً تحذيرات من قبل خبراء ووكالات الأمن السيبراني في جميع أنحاء العالم بشأن موجة من محاولات القرصنة الانتهازية المرتبطة بانقطاع تكنولوجيا المعلومات.

يقول منشور ديفيد ويستون، نائب رئيس «مايكروسوفت»، إن هذا العدد أقل من واحد في المائة من جميع أجهزة ويندوز في جميع أنحاء العالم، لكن «التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الواسعة تعكس استخدام (كراود سترايك) من قبل الشركات التي تدير كثيراً من الخدمات الحيوية».

وقال نيل ماكدونالد، المحلل في شركة «غارتنر» لاستشارات تكنولوجيا المعلومات: «هذه هي المرة الأولى التي يتسبب فيها وكيل أمني منتشر على نطاق واسع مصمم لحماية الأجهزة في تعطيلها».

يتضمن «العلاج» الوحيد لمستخدمي ويندوز المتأثرين بخطأ «شاشة الموت الزرقاء» إعادة تشغيل الكومبيوتر، وحذف تحديث ملف «كراود سترايك» الفاشل يدوياً، مما يتطلب الوصول العملي إلى كل جهاز.

ويقول الخبراء إن هذا يعني أن الأمر قد يستغرق أياماً أو أسابيع لتطبيقه في الشركات التي بها آلاف من أجهزة «ويندوز»، أو نقص في العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات لإدارة التغيير.

ونقلت «فاينانشيال تايمز» عن ميكو هيبونين، كبير مسؤولي الأبحاث في شركة «ويذ سيكيور»، وهي شركة للأمن السيبراني، قوله: «يبدو أنه سيتعين إصلاح الملايين من أجهزة الكومبيوتر يدوياً... لقد تم بالفعل إصلاح الأجهزة الأكثر أهمية مثل الكومبيوتر المحمول الخاص بالرئيس التنفيذي - ولكن بالنسبة إلى الموظف العادي في مجال التمويل، سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى يأتي شخص ما لإصلاح الكومبيوتر المحمول الخاص بك».

وقال مارشال لوكس، الزميل الزائر في كلية «ماكدونو لإدارة الأعمال» بجامعة جورج تاون: «على الرغم من كون كراود سترايك في الواقع شركة كبيرة إلى حد ما، فإن فكرة أنها ستغلق العالم هي فكرة غير عادية».

وأضاف لوكس أن التأثير المضاعف العالمي يوضح «الترابط بين كل هذه الأشياء ومخاطر التركيز في هذه السوق».

من الواضح أن بائعي البرمجيات «أصبحوا كباراً ومترابطين للغاية» لدرجة أن إخفاقاتهم يمكن أن تلحق الضرر بالنظام الاقتصادي العالمي، كما كتبت المحللة في «سيتي» فاطمة البولاني في مذكرة للعملاء. وهذا يمكن أن يدعو إلى مزيد من التدقيق السياسي والتنظيمي.

وتشير تقديرات «غارتنر» إلى أن حصة «كراود سترايك» من الإيرادات في السوق العالمية لأمن النقاط النهائية للمؤسسات - التي تتضمن فحص أجهزة الكومبيوتر والجوالات وغيرها من الأجهزة بحثاً عن الهجمات السيبرانية - هي أكثر من ضعف حصة أقرب منافسيها الثلاثة: «تريليكس»، و«تريند مايكرو»، و«سوفوس». «مايكروسوفت» فقط هي الأكبر.

في آخر مكالمة لأرباح «كراود سترايك» في يونيو (حزيران)، قال الرئيس التنفيذي جورج كورتز إن هناك «أزمة ثقة واسعة النطاق بين فرق الأمن وتكنولوجيا المعلومات داخل قاعدة عملاء (مايكروسوفت) الأمنيين» في أعقاب سلسلة من الحوادث السيبرانية البارزة التي أثرت على عملاق التكنولوجيا الكبير.

وفي يوم الجمعة، عندما اعتذر كورتز لعملاء «كراود سترايك»، أكد أن الحادث «لم يكن هجوماً إلكترونياً»، وأصر على أن عملاء «كراود سترايك» «يظلون محميين بالكامل».

لكنّ الباحثين الأمنيين حذروا من أن المحتالين قد يستغلون الفوضى لانتحال شخصية عملاء «مايكروسوفت»، أو «كراود سترايك» للقيام بعمليات التصيد الاحتيالي.


مقالات ذات صلة

«ميتا» تطلق نموذج «ميوز سبارك» للذكاء الاصطناعي المتقدم

تكنولوجيا يستطيع نموذج «ميوز سبارك» الجديد تحليل الصور وعرض البيانات الصحية المرتبطة بالوجبات (ميتا)

«ميتا» تطلق نموذج «ميوز سبارك» للذكاء الاصطناعي المتقدم

«ميتا» تطلق نموذج «ميوز سبارك» لتطوير مساعد ذكي شخصي متعدد الوسائط يدعم الفهم والاستدلال والتجارب الرقمية عبر منصاتها المختلفة.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا تدمج الشركة «غروك» داخل وظائف يومية في المنصة وليس فقط بوصفه روبوت محادثة منفصلاً (أ.ف.ب)

«إكس» توسّع استخدام «غروك» بترجمة المنشورات وتعديل الصور

«إكس» تدمج «غروك» في ترجمة المنشورات وتحرير الصور في خطوة توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المنصة وتثير أسئلة حول الدقة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا طوَّر الباحثون نظاماً يجعل العضلات المخبرية «تتدرّب ذاتياً» عبر انقباض متبادل يزيد قوتها بمرور الوقت (NUS)

روبوت سبّاح بعضلات مخبرية يتدرّب ذاتياً

الروبوت «OstraBot» يعمل بعضلات مخبرية تتدرّب ذاتياً؛ ما يحقِّق سرعةً قياسيةً، ويفتح تطبيقات طبية وبيئية للروبوتات الحيوية المتقدمة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعاني مراكز البيانات من هدر في الأداء بسبب تفاوت غير مرئي بين وحدات التخزين (شاترستوك)

نظام برمجي يعزّز كفاءة مراكز البيانات دون الحاجة لأجهزة جديدة

جامعة «MIT» تطور نظاماً يحسن كفاءة وحدات التخزين بمراكز البيانات عبر موازنة الأحمال وتقليل التفاوت دون الحاجة لأجهزة جديدة.

نسيم رمضان (لندن)
صحتك فشل القلب يُعدّ من الحالات الصحية الخطيرة التي تؤثر على أكثر من 60 مليون شخص حول العالم (بيكسلز)

قبل 5 سنوات من حدوثه... أداة ذكاء اصطناعي تتنبأ بخطر فشل القلب

توصّل علماء من جامعة أكسفورد في بريطانيا إلى أداة ذكاء اصطناعي بسيطة يمكنها الكشف عن خطر الإصابة بفشل القلب قبل نحو خمس سنوات من حدوثه.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«وول ستريت» تترقب المسار الدبلوماسي وسط تذبذب في الأسهم

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

«وول ستريت» تترقب المسار الدبلوماسي وسط تذبذب في الأسهم

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

شهدت «وول ستريت» تذبذباً في أداء الأسهم يوم الجمعة، فيما استقرت أسعار النفط وسط اتفاق هشّ لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.1 في المائة خلال تعاملات الصباح، متجهاً نحو تحقيق مكاسب للأسبوع الثاني على التوالي، في حين تراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 212 نقطة، أو 0.4 في المائة، بحلول الساعة 9:56 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة. وارتفع مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 0.6 في المائة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وسجلت المؤشرات الرئيسية مكاسب خلال الأسبوعين الماضيين، مدفوعة بتفاؤل حذر بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية للحرب مع إيران، رغم استمرار تعرّض الأسواق لتقلبات حادة مرتبطة بتطورات الصراع.

وكانت أسعار النفط في صدارة العوامل المحركة للأسواق؛ إذ ارتفعت بشكل ملحوظ مع تعطّل حركة الشحن عبر مضيق هرمز الحيوي منذ اندلاع الحرب.

وارتفع خام «برنت»، المعيار الدولي، من نحو 70 دولاراً للبرميل قبل الحرب في أواخر فبراير (شباط) إلى أكثر من 119 دولاراً في بعض الفترات، قبل أن يسجل ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.1 في المائة، ليبلغ 96 دولاراً للبرميل يوم الجمعة.

كما صعد الخام الأميركي بنسبة 0.4 في المائة، ليصل إلى 98.27 دولاراً للبرميل.

ويستعد المفاوضون من الولايات المتحدة وإيران لعقد محادثات رفيعة المستوى يوم السبت، في ظل استمرار حالة من عدم اليقين. وكانت «وكالة أنباء تسنيم» الإيرانية قد أفادت بأن المحادثات لن تُعقد ما لم تتوقف إسرائيل عن هجماتها في لبنان.

ويعزو مراقبون ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة خلال مارس (آذار) إلى تداعيات الصراع؛ إذ سجلت الحكومة أكبر زيادة في التضخم منذ أربع سنوات مدفوعة بارتفاع أسعار البنزين، رغم أن الزيادة جاءت أقل قليلاً من توقعات الاقتصاديين.

وفي المقابل، حققت أسواق الأسهم في آسيا وأوروبا مكاسب خلال التداولات.


المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض يتوقع خفض الفائدة مع تراجع أسعار الطاقة

كيفن هاسيت يسير خارج البيت الأبيض في واشنطن (أ.ب)
كيفن هاسيت يسير خارج البيت الأبيض في واشنطن (أ.ب)
TT

المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض يتوقع خفض الفائدة مع تراجع أسعار الطاقة

كيفن هاسيت يسير خارج البيت الأبيض في واشنطن (أ.ب)
كيفن هاسيت يسير خارج البيت الأبيض في واشنطن (أ.ب)

قال كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، يوم الجمعة، إن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي سيكون في وضع يسمح له بخفض أسعار الفائدة بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تراجع سريع في أسعار الطاقة.

وفي مقابلة مع شبكة «فوكس بيزنس»، أوضح هاسيت: «سيكون هناك انخفاض سريع في أسعار الطاقة بمجرد فتح المضيق. ومع بدء تراجع أسعار الطاقة، لا تنسوا أن ذلك سيضغط على التضخم نحو الانخفاض... وأعتقد أن توقعات قدرة (الاحتياطي الفيدرالي) على خفض أسعار الفائدة ستكون قوية للغاية».


رئيسة «فيدرالي سان فرانسيسكو»: صدمة أسعار النفط تُطيل مسار خفض التضخم

ماري دالي خلال مقابلة مع «رويترز» داخل مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو (رويترز)
ماري دالي خلال مقابلة مع «رويترز» داخل مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي سان فرانسيسكو»: صدمة أسعار النفط تُطيل مسار خفض التضخم

ماري دالي خلال مقابلة مع «رويترز» داخل مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو (رويترز)
ماري دالي خلال مقابلة مع «رويترز» داخل مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو (رويترز)

قالت رئيسة بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو، ماري دالي، إن الاقتصاد الأميركي لا يزال متيناً في جوهره، وسوق العمل مستقرة، فيما تبقى السياسة النقدية في وضع مناسب، إذ تظل مقيدة بالقدر الكافي لكبح التضخم دون الإضرار بالتوظيف.

غير أن دالي أوضحت في مقابلة مع «رويترز» أن صدمة أسعار النفط الناتجة عن الحرب الإيرانية تُطيل الأفق الزمني اللازم لعودة التضخم إلى هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، وقد تدفع البنك المركزي إلى التريث في قرارات أسعار الفائدة. وأضافت: «كان أمامنا عمل لإنجازه قبل صدمة النفط، ومع هذه الصدمة أصبح الأمر يستغرق وقتاً أطول»، مشيرة إلى أن تراجع أسعار النفط عقب إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران خفّف الضغوط، «لكن لا أحد يعلم إلى متى سيستمر ذلك».

وكان «الاحتياطي الفيدرالي» قد أبقى على سعر الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة في اجتماعَيه هذا العام، في وقت كان فيه عدد من صناع السياسة، ومنهم دالي، يتوقعون تراجع التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية لاحقاً، ما قد يفسح المجال لخفض الفائدة مرة أو مرتين خلال العام.

إلا أن اندلاع الحرب الإيرانية غيّر المشهد، إذ قفزت أسعار النفط وارتفعت أسعار البنزين إلى أكثر من 4 دولارات للغالون، ما أعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.

وأوضحت دالي أن صدمات أسعار النفط إذا استمرت فستؤدي إلى ارتفاع التضخم وإبطاء النمو في الوقت نفسه، ما يفرض على صناع السياسة تحقيق توازن دقيق بين هدفي استقرار الأسعار ودعم التوظيف.

وفي الوقت الراهن، ترى دالي أن المخاطر التي تهدد هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي»، التوظيف الكامل واستقرار الأسعار، لا تزال متوازنة.

ورسمت دالي مسارين محتملين: السيناريو الأول هو أن تُحل هذه الأزمة سريعاً، ويتم تمديد وقف إطلاق النار، وينتهي الصراع بشكل أو بآخر، فتنخفض أسعار النفط، ويبدأ المستهلكون والشركات في التماس تراجع أسعار البنزين وتكاليف الطاقة الأخرى؛ وحينها نستأنف المسار الذي كنا عليه، وهو نمو جيد، وسوق عمل مستقر، وتراجع تدريجي في التضخم مع انتهاء مفعول الرسوم الجمركية. وأضافت أنه في حال تحقق تلك الأمور: «فإن خفض أسعار الفائدة للاستمرار في مسارنا نحو العودة إلى الأوضاع الطبيعية لن يكون أمراً مستبعداً».

لكن ثمة سيناريو آخر يستحوذ على اهتمامها أيضاً، وهو أن تعطل إمدادات النفط الناجم عن الحرب، حتى وإن انتهت، قد يبقي التضخم مرتفعاً لفترة أطول مما توقعه «الاحتياطي الفيدرالي». وقالت: «إذا كان الأمر كذلك، فسنبقى بالطبع على موقفنا (تثبيت الفائدة) حتى نتأكد من أننا أنجزنا المهمة».

وأشارت إلى أن احتمال رفع أسعار الفائدة أقل ترجيحاً من خياري الخفض أو التثبيت، قائلة: «أضع احتمالاً لرفع الفائدة أقل بكثير من الاحتمالين الآخرين».

وأوضحت أن استمرار الصراع وبقاء أسعار النفط مرتفعة سيؤديان إلى زيادة التضخم وتباطؤ النمو في آن واحد، وهو ما سيضع «الاحتياطي الفيدرالي» أمام «حسابات معقدة» لتحديد كيفية الاستجابة.

وأضافت: «أعتقد حقاً أن إعادة التضخم إلى مستوى 2 في المائة أمر بالغ الأهمية، لكن إذا فعلنا ذلك على حساب الوظائف، فإننا سنضع الأسر في مأزق صعب لا تستحقه».

وتحدثت دالي لـ«رويترز» عشية صدور تقرير حكومي من المتوقع على نطاق واسع أن يظهر ارتفاع أسعار المستهلكين الشهر الماضي بأسرع وتيرة منذ قرابة أربع سنوات.

وقالت دالي: «أعتقد أن هذا بدأ يظهر بالفعل في الاقتصاد، ولن يفاجئ صدور رقم مرتفع لمؤشر أسعار المستهلكين أحداً». وأشارت إلى أن الناس يدفعون أسعاراً أعلى للبنزين، والمزارعين قلقون من قفزة أسعار الأسمدة، كما تراجعت حركة السفر والسياحة بسبب قلق الناس من تكاليف القيادة أو الطيران.

وختمت قائلة: «الخبر الجيد هو أن الصراع يبدو في طريقه للاستقرار، وأن ممرات الشحن قد تُفتح، ما قد يسمح لنا بالبدء في العودة إلى وضع يبدو أكثر منطقية للناس، لكن كما تعلمون، هذا هو الجزء غير المؤكد في الأمر».