الاتحاد الأوروبي يصف السياسات الصناعية الصينية بـ«المشوَّهة»

بكين تخطط لتنميةٍ تركِّز على التكنولوجيا والأمن لإنعاش الاقتصاد

مشاة يسيرون أمام موقع إنشاءات وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
مشاة يسيرون أمام موقع إنشاءات وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يصف السياسات الصناعية الصينية بـ«المشوَّهة»

مشاة يسيرون أمام موقع إنشاءات وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
مشاة يسيرون أمام موقع إنشاءات وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)

دعا الاتحاد الأوروبي، الصين، يوم الأربعاء، إلى إجراء إصلاحات لإنهاء السياسات «المشوَّهة»، مثل الدعم الحكومي لقطاع التصنيع، الذي قال إنه يمنح بكين ميزة غير عادلة على حساب دول أخرى.

وقال مبعوث الاتحاد الأوروبي، في كلمة أرسلها إلى «رويترز» وأُلقيت في إطار مراجعة مغلقة لمنظمة التجارة العالمية للسياسات التجارية الصينية: «من الضروري فحص وتنفيذ سياستها التجارية وكذلك سياساتها المحلية، خصوصاً سياستها الصناعية، بهدف تقليل مثل هذه التداعيات السلبية».

وفي نفس الكلمة طلب المندوب من بكين -التي تصنفها منظمة التجارة العالمية رسمياً دولة «نامية»- أن تمتنع عن استخدام هذا الوضع للحصول على معاملة تفضيلية مخصصة للدول الأكثر فقراً.

وبالتزامن، وفي عام من الانتخابات الكبرى التي ستحدد مصائر عديد من البلدان، يعقد الحزب الشيوعي الحاكم في الصين اجتماعات مغلقة رفيعة المستوى في بكين لوضع استراتيجيات لإحياء اقتصادها المتباطئ، حسب تقرير لـ«أسوشييتد برس» يوم الأربعاء.

وشبَّهت وسائل الإعلام الرسمية الاجتماعات التي تنتهي يوم الخميس، بالإصلاحات التي بدأت في أواخر سبعينات القرن العشرين، التي فتحت اقتصاد الصين أمام الاستثمار الأجنبي والمؤسسات الخاصة. وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية إن جدول أعمال اجتماعات هذا العام هو دراسة وتأييد «الإصلاحات الشاملة المتعمقة».

وبعد ما يقرب من نصف قرن من إطلاق الزعيم الراحل دينغ شياوبينغ لصعود الصين كقوة تصنيعية، يضاعف الحزب جهوده في تنفيذ مخطط الزعيم شي جينبينغ للتنمية التي تركز على التكنولوجيا والأمن القومي. ويقول خبراء الاقتصاد إنه من غير الواضح ما إذا كان هذا من شأنه أن يحل المشكلات المزمنة التي تُثقل كاهل الاقتصاد، بما في ذلك سوق العمل الضعيفة، والديون الضخمة للحكومة المحلية، والركود المطوّل في صناعة العقارات.

في حين أن هذه المشكلات هي في الغالب صداع محلي، فإن صحة ثاني أكبر اقتصاد في العالم لها تأثير يتجاوز حدودها بكثير، مما يؤثر على النشاط التجاري والأسواق المالية وفرص العمل في جميع أنحاء العالم.

ولا يزال اقتصاد الصين يتباطأ، ويوم الاثنين أفادت الحكومة بأن الاقتصاد نما بمعدل سنوي بلغ 4.7 في المائة فقط في الربع الأخير، بانخفاض من 5.3 في المائة في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار). وعلى أساس ربع سنوي، تباطأ إلى 0.7 في المائة من 1.5 في المائة.

وانخفضت مبيعات العقارات بنحو 27 في المائة خلال العام حتى يونيو (حزيران) مقارنةً بالعام السابق، وزادت مبيعات التجزئة بنسبة 2 في المائة فقط في يونيو، وهو أدنى مستوى منذ جائحة فيروس كورونا.

وعلى الرغم من برنامج النقد مقابل السيارات القديمة والمبادرات الأخرى التي أُطلقت هذا الربيع لإقناع الناس باستبدال السيارات والأجهزة القديمة، انخفضت مبيعات المركبات بنسبة 6.2 في المائة عن العام السابق في يونيو، بينما انخفضت مبيعات الأجهزة والإلكترونيات بنسبة 7.6 في المائة.

ونظراً إلى الدور الحيوي الذي يلعبه الإسكان في ثروة الأسر، توقع تقرير لـ«إيه إن زد للأبحاث» أن تظل مبيعات التجزئة ضعيفة دون تحسن أساسي في قطاع العقارات.

ويفرض الشعب الصيني قيوداً صارمة على الإنفاق، ويخشى من فقدان الوظائف، ويشكو من شبكة الأمان الاجتماعي الضئيلة، وتكاليف التعليم والمخاطر الأخرى. ويقول خبراء الاقتصاد إنه من دون إصلاحات جوهرية تسمح للعمال بالاحتفاظ بمزيد من ثروة الأمة، من المرجح أن يظل الطلب الاستهلاكي ضعيفاً.

وفي إطار خطة للحزب الشيوعي منذ تولي شي السلطة في عام 2012، سعى الرئيس الصيني إلى تعزيز ضوابط الحزب على الأعمال والمجتمع، وشن حملات صارمة على الفساد، وقطاع التكنولوجيا السريع النمو، والاقتراض المفرط من مطوري العقارات، وتعزيز رؤيته للنمط الصيني للتنمية «عالية الجودة» مع الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة.

يأتي ذلك في أعقاب مبادرة «صُنع في الصين 2025» التي بدأت في عام 2015 وتهدف إلى تحويل البلاد من صانع للألعاب والأثاث وغيرها من المنتجات كثيفة العمالة، إلى أكبر منتج للسلع عالية التقنية.

وفي حين لا تزال الصين متأخرة عن الولايات المتحدة في عديد من المجالات الحاسمة، فقد قطعت خطوات هائلة للحاق بها. وأصبح بوسع الصينيين الآن الحصول على مركبات كهربائية محلية الصنع وأجهزة منزلية ومعدات رياضية متطورة. وأشادت وكالة أنباء «شينخوا» التي تديرها الدولة في تقرير مطوَّل بدور شي كمُصلح، مشيرةً إلى أن الصين تصنع الآن طائراتها وأجهزتها الإلكترونية ورقائق الكومبيوتر المتقدمة.

ووعد شي بـ«إصلاحات استراتيجية ومبتكرة ورائدة»، حسبما ذكرت وكالة أنباء «شينخوا»، «لتحقيق اختراقات جديدة في مجالات مهمة وقطاعات رئيسية».

لكنَّ النمو المزدوج الرقم في إنتاج المركبات الكهربائية والألواح الشمسية وعديد من المنتجات الأخرى يزيد من المخاوف من أن الصين تغمر الأسواق الأجنبية بمنتجات لا يمكن بيعها في الداخل. وفي الوقت نفسه، ارتفعت الصادرات، حيث نمت بنحو 9 في المائة في يونيو من حيث القيمة السنوية.

وتقدر مجموعة «روديوم» أن فائض تجارة التصنيع في الصين زاد بمقدار 775 مليار دولار في الفترة 2019 – 2023، وكان التأثير الأكبر على الاقتصادات المتقدمة، مثل الولايات المتحدة. لكن الاقتصادات النامية الأصغر حجماً تعاني أيضاً من وضع غير مواتٍ، كما قالت في تقرير، لأن «الموقف المهيمن للصين عبر عديد من فئات المنتجات يحدّ بشكل كبير من المساحة المتاحة للوافدين الجدد للظهور كقوى تصنيع جديدة».


مقالات ذات صلة

الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

شمال افريقيا الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)

الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن رغبته في تكثيف التعاون مع المغرب في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد محافظ «بنك كندا» تيف ماكليم يسير خارج المبنى في أوتاوا (رويترز)

«بنك كندا المركزي» يثبّت الفائدة... ويلمح لتغييرات طفيفة

أبقى «بنك كندا المركزي» على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في اجتماعه يوم الأربعاء، تماشياً وتوقعات الأسواق...

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
الاقتصاد سيارات معدة للتصدير في ميناء ليانيينغانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين تُعلّق تراخيص المركبات ذاتية القيادة بعد عطل في خدمة «بايدو»

علقت الصين إصدار تراخيص جديدة للمركبات ذاتية القيادة بعد توقف مفاجئ لسيارات الأجرة الآلية «أبولو جو» التابعة لشركة «بايدو» في ووهان الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شعار شركة «ديب سيك» على شاشة أحد الهواتف الذكية (رويترز)

شركات التكنولوجيا الصينية تتسابق للحصول على رقائق «هواوي»

ارتفع الطلب على رقائق «أسند 950» من شركة «هواوي» الصينية بشكل كبير، بعد إطلاق نموذج الذكاء الاصطناعي «في 4» من «ديب سيك».

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس) p-circle 00:47

شهباز شريف: سددنا 3.5 مليار دولار من الديون بفضل دعم السعودية «المحوري»

أعرب رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، عن امتنانه العميق وتقديره البالغ للسعودية، قيادةً وحكومةً، لدورها الحاسم في مساندة بلاده.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.