بدأت بـ«نيوم» وأخواتها... كنوز استثمار رقمي في السعودية للشركات الناشئة

رئيس «تكامل» التنفيذي لـ«الشرق الأوسط»: أثر اقتصادي واعد

الدكتور أحمد اليماني لدى حديثه مع «الشرق الأوسط» في لندن (تكامل)
الدكتور أحمد اليماني لدى حديثه مع «الشرق الأوسط» في لندن (تكامل)
TT

بدأت بـ«نيوم» وأخواتها... كنوز استثمار رقمي في السعودية للشركات الناشئة

الدكتور أحمد اليماني لدى حديثه مع «الشرق الأوسط» في لندن (تكامل)
الدكتور أحمد اليماني لدى حديثه مع «الشرق الأوسط» في لندن (تكامل)

«إذا فهم المستثمر الذكي والمهتم والمتنبه - سواء المحلي أو الأجنبي - والتفت إلى قطاع البنية التحتية الرقمية فإنّه سيخلق قيمةً اقتصاديةً عاليةً، وسيكون له أثرٌ كبيرٌ على الاقتصاد الرقمي».

الحديث عن الكنز الرقمي المستقبلي في السعودية جاء على لسان الدكتور أحمد اليماني، رئيس «تكامل»، وهي شركة حكومية سعودية نابعة عن مبادرات وزارة الموارد البشرية، الذي أوضح في حوار مع «الشرق الأوسط» أن المشاريع الكبرى مثل «نيوم» وأخواتها من شركات ومشاريع تحول رقمي حكومية وخاصة «خلقت طلباً مرتفعاً على الخدمات الرقمية بشتَّى أشكالها، سواء على مستوى تقديم الخدمة ذاتها أو بنيتها التحتيَّة أو الرقمية... وهذا لفتَ أنظار جل شركات الخدمات السحابية في العالم».

جانب من فعاليات «مشاريع جيجا السعودية 2024» التي عقدت في الرياض خلال مايو 2024 (الشرق الأوسط)

يتحدث المسؤول السعودي عن «غوغل» و«أمازون» و«مايكروسوفت» و«أوراكل»، ويفيد بأن تلك الشركات لم تكن تستثمر في السعودية كما حصل منذ عامين، لكنها ضخت مليارات «كانت آخرها تلك التي أعلنتها (أمازون ويب سيرفس) في مؤتمر (ليب) في الرياض شهر مارس (آذار) 2024... بقيمة بلغت 5.3 مليار دولار في الخدمات السحابية».

تذهب المؤشرات السعودية إلى ارتفاع مضطرد في حجم الاستثمارات من الشركات الكبرى في مجالي البنى التحتية الرقمية والخدمات الرقمية. ويقدر تقريرٌ لشركة «أريزتون» العالمية للأبحاث والأسواق بلوغ حجم سوق مراكز البيانات في السعودية 1.78 مليار دولار في عام 2023، ومن المتوقع أن يصل إلى 3.18 مليار دولار بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 10.13 في المائة خلال المدة المتوقعة.

أثر اقتصادي

لن تقتصر الكعكة الرقمية على كبار الشركات، فرصيفاتها الناشئة لديها ما ينتظرها. ويصف المسؤول السعودي فرصة الشركات الناشئة الرقمية في البلاد بالواعدة، ويرى أنها ستكون «لاعباً مؤثراً»، ويقول: «هذا لم نغفله، ولم يغفله الاقتصاد السعودي خلال السنتين السابقتين؛ فمنذ ثلاث أو أربع سنوات كنا من أصغر الأسواق من ناحية الشركات الناشئة»، وبالنظر إلى أرقام الشركات الرقمية الناشئة في عام 2022 يقول: «تجاوزنا المليار دولار كاستثمارات، وفي 2023 تم تجاوز المليار وثلث المليار، أي 1.38 مليار دولار، وهي استثمارات في شركات تقنيّة ناشئة... لقد أصبحنا نشغل المركز الأول في الشرق الأوسط».

الدكتور أحمد اليماني لدى حضوره منتدى دولي في لندن (تكامل)

يؤمن اليماني بأن الشركات الناشئة التي ستستثمر في البنى التحتية الرقمية: «سترى أثراً اقتصادياً هائلاً... هذه هي البيئة التي نحاول ونطمح لاستحداثها وإيجادها في الشرق الأوسط، وفي السعودية بشكلٍ خاصٍ، وهي الآن وجِدَتْ، وتستطيع رؤيتها بالأرقام».

ويقول سلمان فقيه، وهو مدير «سيسكو» السعودية لـ«الشرق الأوسط»، إن التزام الحكومة (السعودية) بإنشاء اقتصاد رقمي قوي «أدى إلى ضخ استثمارات كبيرة في التكنولوجيا».

ويستدل على تلك الاستثمارات بنشر شبكات الجيل الخامس، وتطوير مدن معرفية ذكية (cognitive city) مثل «نيوم». وباختصار، يرى فقيه أن هذه الجهود تهدف إلى «تعزيز الاتصال وتحسين تقديم الخدمات وجذب الاستثمارات الأجنبية».

أربعة تحديات

من أبرز التحديات التي تواجه القطاع في السعودية، وفقاً لمدير «سيسكو» السعودية، 4 عناصر، وهي «معالجة قضايا الاتصال، والأمن السيبراني، وتكامل الذكاء الاصطناعي، وتحديات العمل الهجين»، ويقول إنها «تظل أمراً بالغ الأهمية لتحقيق الإمكانات الكاملة لهذه السوق الواعدة».

أمام ذلك يرى فقيه أن السوق السعودية تتيح فرصاً سانحة في مجال البنى التحتية الرقمية. «حجر الزاوية في هذا التحول هو (رؤية السعودية 2030) التي تركز على التحول الرقمي بصفته عنصراً رئيسياً لتجديد اقتصاد البلاد والبنية التحتية». وتركز كثيرٌ من المبادرات لتحقيق الرؤية على تعزيز التقدم التكنولوجي والبنى التحتية الرقمية في مختلف القطاعات، كالرعاية الصحية والتعليم والقطاع المالي، وفقاً لفقيه، الذي أضاف أن «نسبة انتشار الإنترنت التي تصل إلى 99 في المائة وفقاً لتقرير الإنترنت السعودي 2023 تعد مدعاة فخر، إذ إنها واحدةٌ من أعلى معدلات استخدام الإنترنت، ليس في المنطقة وحسب، بل على مستوى العالم».

عين محلية

قبل إعلان «رؤية 2030»، كانت عمليات شركة تجارة وتجزئة إلكترونية في السعودية تسجل 5 في المائة من مجمل العمليات. بعد سنوات أعقبت إطلاق الرؤية، والوثبة الاقتصادية التي سجلتها البلاد، باتت الشركة ذاتها تسجل عمليات إلكترونياً بنسبة 85 في المائة.

برز ذلك خلال حديث لـ«الشرق الأوسط» مع مازن الضراب، مؤسسة شركة «زد» السعودية للتجزئة الإلكترونية.

مازن الضراب (يسار) لدى توقيع شركته مذكرة تفاهم متعددة الأطراف (زد)

يعكس هذا الرقم تصاعداً غير معتاد في المنطقة لا يتوقف عن الاقتصاد الرقمي، بل لمفهومه، واستراتيجياته. يقول الضراب: «بعد انطلاق الرؤية تحوّلت الشركات من التخطيط وملاحقة المناقصات الحكومية إلى ملاحقة مستهدفات الرؤية، التي تخدمها من دون الاقتصار على 6 أشهر أو سنة، بل على توجه البلاد في 2030».

قطاع الأعمال يعتمد بشكل كبير على الإنفاق الحكومي، والمميز في نشر كل مستهدفات الرؤية ونشر الرؤية نفسها أنها «وضحت المستهدفات والتفاصيل، بحيث تستطيع الشركات أن توائم استراتيجياتها تبعاً لذلك، وتستفيد من الطلب الذي سيجري خلقه في كثير من القطاعات»، كما يضيف الضراب بالقول إن هناك قطاعات تعززت بعد إطلاق الرؤية «وكثير من الشركات نمت استراتيجياً لأنها استطاعت أن تضع استثماراتها قصيرة وطويلة الأمد مبكراً، وبدأت تجني ثمارها الآن».

نصائح «غوغل كلاود» للشركات الناشئة

بعد الحديث عن الشركات الناشئة مع الدكتور اليماني والضراب وفقيه، اتجهت «الشرق الأوسط» نحو عبد الرحمن الذهيبان، المدير العام لـ«غوغل كلاود» في الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، فأجاب عبر البريد الإلكتروني بالقول: تتولى «غوغل كلاود» إدارة برنامج صُمم خصيصاً لمعاونة الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة على النهوض والعمل في السحابة.

وزير الاتصالات السعودي عبد الله السواحة مع عبد الرحمن الذهيبان وفريق «غوغل كلاود» خلال فعاليات مؤتمر «ليب» في الرياض خلال مارس 2024 (إكس)

يكمل الذهيبان بالقول: يطلق على ذلك برنامج «Google for Startups»، ويقدم مزيجاً من الاعتمادات الحسابية، والإرشاد، وبرامج الإسراع، علاوة على مزايا أخرى عادة ما يجري «التمهيد» لها عبر سلسلة من الشركات الناشئة من الفئة «أ».

وفيما يلي مجموعة من النصائح للشركات الرقمية الناشئة التي أرسلها مسؤول «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»:

  • ابدأ على نطاق صغير، ثم توسع حسب الحاجة، مثلاً، يمكنك أن تبدأ بالخدمات السحابية التي تلبي احتياجاتك العاجلة بشكل مباشر، واحرص على تعزيز مرونة السحابة لتوسيع نطاق مواردك مع نمو شركتك الناشئة. وتتضمن هذه الجهود ضرورة تجنب الإفراط في الإنفاق على الخدمات غير الضرورية، وتتيح لك التكيف بسرعة مع المتطلبات المتغيرة.
  • عليك الاستفادة من الأدوات المتنوعة لحساب التكلفة المثلى التي يقدمها بعض موفري الخدمات السحابية، مثل خصومات الاستخدام الملتزم، وخصومات الاستخدام المستدام، والأجهزة الافتراضية ذات الحجم المناسب. فكر في استخدام الحالات الوقائية لأحمال العمل التي يمكنها تحمل الانقطاعات.
  • ركز على تطوير منتجك الأساسي عبر تعزيز الاستفادة من الخدمات المُدارة، واستخدام بنى الحوسبة عديمة الخادم. وتسمح لك الحوسبة عديمة الخادم بتشغيل التعليمات البرمجية دون توفير الخوادم أو إدارتها. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى توفير كبير في التكاليف وتبسيط العمليات.
  • عليك الاستفادة من البرامج السحابية المخصصة للشركات الناشئة، مثل «Google for Startups»، الذي يوفر خدمات قيمة للشركات الناشئة المؤهلة، بما في ذلك الاعتمادات السحابية والدعم الفني وموارد التدريب.
  • من المهم إعطاء الأولوية لأمن البيانات: يجب أن يكون الأمن أولويةً قصوى منذ البداية.
  • تذكر أن المفتاح يكمن في اختيار الحلول السحابية التي تتوافق على النحو الأمثل مع احتياجات وميزانية شركتك الناشئة، ما يسمح لك بالتركيز على الابتكار والنمو.

مقالات ذات صلة

مدرب نيوم: خسارتنا من القادسية ليست نهاية الطريق... سأغير التشكيلة أمام الرياض

رياضة سعودية غالتييه خلال المؤتمر الصحافي (الشرق الأوسط)

مدرب نيوم: خسارتنا من القادسية ليست نهاية الطريق... سأغير التشكيلة أمام الرياض

أكد الفرنسي كريستوف غالتييه، مدرب فريق نيوم، أن خسارة فريقه أمام القادسية لن تكون نهاية الطريق.

حامد القرني (تبوك)
بيئة إعادة توطين أربعة أفراد من النوع في محمية نيوم الطبيعية (المركز)

محميّة نيوم الطبيعية تشهد أولى ولادات الضبع المخطّط

وثّق المركز السعودي لتنمية الحياة الفطرية بالتعاون مع «نيوم» أولى ولادات الضبع المخطط بعد إعادة توطين أربعة أفراد من النوع بمحمية نيوم الطبيعية.

رياضة سعودية غادرت بعثة «الفيحاء» إلى مدينة تبوك لملاقاة فريق «نيوم» في أولى جولات «الدوري السعودي» (نادي الفيحاء)

ساكالا: مواجهة «نيوم» صعبة... نتطلع لانطلاقة مثالية لـ«الفيحاء»

غادرت بعثة «الفيحاء»، ظهر اليوم، إلى مدينة تبوك، لملاقاة فريق «نيوم» في أولى جولات الدوري السعودي للمحترفين لكرة القدم، وسيكون تمرين الفريق مساء الليلة في تبوك.

ماجد عبد الله (المجمعة)
رياضة سعودية كريستوف غالتييه (الشرق الأوسط)

غالتييه مدرب نيوم: نسعى لمركز متقدم في الدوري السعودي

أكد الفرنسي كريستوف غالتييه، مدرب فريق نيوم، جاهزية فريقه لانطلاقة الموسم الجديد، مشيراً إلى أن المعسكر الإعدادي في إسبانيا حقق أهدافه.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية فيصل الغامدي (الاتحاد)

نيوم يطلب من الاتحاد استعارة فيصل الغامدي لموسم واحد

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن إدارة نادي نيوم تقدمت بعرض رسمي إلى نظيرتها في نادي الاتحاد، لطلب خدمات لاعب الوسط الدولي فيصل الغامدي.

«الشرق الأوسط» (تبوك)

تصاعد مخاطر الطاقة يعزز توجه «المركزي الأوروبي» لمزيد من رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تصاعد مخاطر الطاقة يعزز توجه «المركزي الأوروبي» لمزيد من رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مهد اثنان من صناع السياسة في البنك المركزي الأوروبي يوم الجمعة الطريق أمام مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة، في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، وما قد يترتب عليه من ارتفاع في أسعار سلع أخرى في منطقة اليورو.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع تكاليف الاقتراض يوم الخميس للمرة الثانية هذا العام، بمقدار 25 نقطة أساس، بما يتماشى مع التوقعات، ليصل به إلى الحد الأعلى للنطاق المحايد المقدر، وهو النطاق الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يبطئه، فيما أفادت مصادر لـ«رويترز» بأن صناع السياسة يتوقعون مزيداً من تشديد السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال اتخاذ إجراء بهذا الصدد في وقت مبكر قد يكون في أكتوبر (تشرين الأول).

وأقر مسؤولون في البنكين المركزيين الألماني والإستوني بهذا الاحتمال يوم الجمعة، مع تأكيدهما أن أي خطوة ستعتمد على تطورات أسعار النفط والغاز.

وقال يواخيم ناجل، رئيس البنك المركزي الألماني، إن البنك المركزي الأوروبي قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة إلى مستوى من شأنه أن يؤدي إلى كبح الاقتصاد بشكل طفيف.

وصرح لشبكة «سي إن بي سي» في مقابلة قائلاً: «لن أستبعد احتمال اضطرارنا للدخول في نطاق تقييدي طفيف، ولكن كما قلت، يعتمد الأمر بشكل كبير على كيفية تطور أسعار الطاقة، وكيفية تطور مشهد الأسعار خلال الشهر المقبل ربما».

وبدأت أسواق المال في تسعير احتمال إجراء ثلاث زيادات أخرى على الأقل في أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي خلال العام المقبل، فيما تتوقع مؤسسات «غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» و«باركليز» أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مجدداً في ديسمبر (كانون الأول)، بينما يتوقع «سيتي» رفعاً إضافياً في مارس (آذار) 2027.

وقال أولو كاسيك، محافظ البنك المركزي الإستوني، إن هذه التوقعات «مفهومة» في ضوء الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، وخطر ارتفاع أسعار المواد الغذائية أيضاً.

وذكر في تدوينة له أن «التطورات الأخيرة في أسواق الطاقة، على سبيل المثال، تشير إلى احتمال أن تكون الزيادة في أسعار الغاز والوقود أكبر بكثير ولمدة أطول مما كان متوقعاً في التقديرات».

كما حذر بريموز دولينك، محافظ البنك المركزي السلوفيني، في تدوينة له من «ارتفاع تكاليف الطاقة والكهرباء خلال أشهر الخريف والشتاء».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع قليلاً يوم الخميس توقعاته للنمو والتضخم، لكن هذه التوقعات لم تأخذ في الحسبان التحركات الأخيرة في أسعار الطاقة. وأدى الصراع المستمر منذ ستة أشهر في الشرق الأوسط إلى تدهور آفاق التضخم والنمو في منطقة اليورو، فيما دفعت تجدد الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط الخام إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، ما يهدد بمزيد من الضغوط الصعودية على أسعار المستهلكين.

ويتوقع البنك المركزي الأوروبي بقاء التضخم أعلى من مستهدفه البالغ 2 في المائة لفترة ممتدة، فيما قال «باركليز» إن قرار رفع الفائدة، الذي وصفه بأنه «لا يحتاج إلى تفكير»، يعكس استمرار تركيز صناع السياسة على كبح التضخم، الذي لا يتوقع البنك المركزي الأوروبي عودته إلى مستهدفه قبل أواخر عام 2027.

وقال «غولدمان ساكس» إن رفع الفائدة في ديسمبر سيدفع أسعار الفائدة إلى «منطقة تقييدية بشكل طفيف».

وقال اقتصاديون في «سيتي»: «كلما طال أمد بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، زادت مخاطر تحوله إلى ظاهرة متأصلة في الاقتصاد».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع تكاليف الاقتراض بقوة خلال السنوات الماضية في مسعى لكبح التضخم، إلا أن المسؤولين شددوا بصورة متزايدة على أن قرارات السياسة النقدية ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية.

وحسب بيانات «إل إس إي جي»، تسعّر الأسواق حالياً احتمالاً يبلغ 93.9 في المائة لرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر.

ومن المقرر أن يعقد البنك اجتماعه المقبل في 29 أكتوبر. وتتجه الأنظار أيضاً إلى اجتماعَي «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي وبنك اليابان المرتقبين الأسبوع المقبل، واللذين قد يعززان اتجاه التشديد النقدي عالمياً إذا ألمح صناع السياسة إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.


الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
TT

الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)

تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ، في تطور يهدِّد برفع تكاليف النقل والشحن وسلاسل الإمداد، وإضافة موجة جديدة من الضغوط التضخمية على أكبر اقتصاد في العالم، بعدما اجتمعت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع النفط مع الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية.

وبلغ متوسط سعر الغالون الأميركي، الذي يعادل نحو 3.785 لتر، مستوى قياسياً عند 6.06 دولار الجمعة، وفق بيانات «الجمعية الأميركية للسيارات». ويعادل ذلك نحو 1.60 دولار للتر، ويضع السعر فوق الذروة التاريخية التي سجَّلها الديزل خلال أزمة الطاقة العالمية في 2022.

حاجز تاريخي

ويكتسب تجاوز مستوى 6 دولارات أهمية أكبر بالنسبة للاقتصاد الأميركي، لأن الديزل يمثل الوقود الأساسي للشاحنات التي تنقل السلع بين الولايات والموانئ والمخازن والمتاجر، فضلاً عن استخدامه في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة والنقل بالسكك الحديدية.

وبالتالي، فإن ارتفاع سعره لا يبقى محصوراً في محطات الوقود، وإنما ينتقل تدريجياً إلى تكاليف المنتجات والغذاء والخدمات اللوجيستية.

وجاءت القفزة الأخيرة بالتزامن مع عودة النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل. وبلغ خام برنت 105.62 دولار للبرميل خلال تعاملات الجمعة، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 101.10 دولار. ورغم تراجعهما خلال الجلسة، ظل الخامان مرتفعين بنحو 13 في المائة خلال الأسبوع، في أكبر مكاسب أسبوعية، منذ منتصف يوليو (تموز).

وتصاعدت المخاوف مع استمرار القيود على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، وتزايد الهجمات على السفن، فضلاً عن اتساع التهديدات إلى البحر الأحمر. كما ساهمت الهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية في زيادة الضغوط على أسواق المنتجات النفطية.

ذروة 2022

وتعيد الأسعار الحالية إلى الذاكرة أزمة 2022، عندما أحدثت الحرب الروسية - الأوكرانية اضطراباً واسعاً في تجارة الطاقة العالمية.

ووفق البيانات التاريخية لـ«إدارة معلومات الطاقة الأميركية»، ارتفع متوسط سعر الديزل الأسبوعي في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي سابق بلغ نحو 5.81 دولار للغالون، في يونيو (حزيران) 2022.

وقبل ذلك، كانت الأزمة المالية العالمية وطفرة أسعار السلع في 2008 قد دفعت الديزل إلى مستويات غير مسبوقة آنذاك، عندما تجاوز متوسطه 4.7 دولار للغالون في يوليو، بالتزامن مع اقتراب النفط الخام من 150 دولاراً للبرميل.

وبذلك، مرَّت سوق الديزل الأميركية بثلاث موجات تاريخية رئيسية خلال أقل من عقدين، هي صدمة النفط في 2008، ثم أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا عام 2022، وصولاً إلى أزمة 2026 التي دفعت السعر للمرة الأولى فوق 6 دولارات.

لكن المقارنة بين هذه الفترات تتطلب الأخذ في الاعتبار التضخم، فالدولار في 2008 كان يتمتع بقوة شرائية أكبر من اليوم؛ ما يجعل التكلفة الاقتصادية الحقيقية لبعض الذرى السابقة أعلى مما توحي به المقارنة الاسمية وحدها. ومع ذلك، يظل مستوى 6.06 دولار أعلى سعر اسمي مسجَّل للديزل الأميركي.

لماذا الديزل أكثر حساسية؟

لا يتحرك سعر الديزل بالتوازي التام مع النفط الخام؛ فإلى جانب تكلفة الخام، يعتمد السعر على قدرة مصافي التكرير والمخزونات والطلب الموسمي وتكلفة النقل وهوامش التكرير.

ولهذا يمكن أن ترتفع أسعار الديزل حتى بوتيرة أسرع من النفط عندما تتعرض المصافي أو إمدادات المنتجات المكررة للاضطراب. وهذا ما يجعل الهجمات على المصافي الروسية عاملاً إضافياً إلى جانب أزمة حرب إيران.

كما أن الولايات المتحدة ليست معزولة عن سوق الديزل العالمية، حتى مع كونها منتجاً رئيسياً للنفط. فالمنتجات المكررة تتدفق بين الأسواق وفق الأسعار والطلب، وبالتالي تؤدي الاختناقات العالمية إلى رفع قيمة الوقود الأميركي أيضاً.

واقتصادياً، يمثل ارتفاع الديزل ما يشبه ضريبة غير مباشرة على الشركات والمستهلكين. فشركات النقل البري تواجه زيادة فورية في فاتورة الوقود، بينما تحاول تمرير جانب منها إلى العملاء من خلال رسوم الشحن. وتواجه المزارع تكلفة أعلى لتشغيل المعدات ونقل المحاصيل، في حين ترتفع نفقات شركات البناء والتوزيع.

يأتي ذلك في توقيت حساس للسياسة النقدية الأميركية؛ إذ دفعت قفزة النفط المستثمرين بالفعل إلى زيادة رهاناتهم على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.

أما المسار المقبل للأسعار، فسيتوقف بدرجة كبيرة على مدة اضطراب الإمدادات. فإذا تحسَّنت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز وتراجعت أسعار النفط، يمكن أن تنحسر الضغوط سريعاً. لكن استمرار الخام فوق 100 دولار، بالتزامن مع اضطرابات التكرير قد يبقي الديزل فوق مستوياته التاريخية.

وبعد أن كانت ذروة 2022 تمثل المعيار الذي تقاس إليه أزمات الوقود الأميركية، رسم تجاوز 6 دولارات للغالون خطاً جديداً. والخطر الأكبر لا يكمن في الرقم القياسي ذاته، بل في المدة التي سيظل خلالها وقود الاقتصاد الأميركي عند هذه المستويات، ومدى انتقال تكلفته من خزانات الشاحنات إلى أسعار السلع وفواتير المستهلكين.


سندات اليورو تتجه لأسوأ موجة بيع أسبوعية منذ مارس

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

سندات اليورو تتجه لأسوأ موجة بيع أسبوعية منذ مارس

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجعت أسعار السندات الحكومية في منطقة اليورو يوم الجمعة، فيما اتجه سوق الديون العالمي نحو تسجيل أسوأ موجة بيع أسبوعية منذ اندلاع الحرب الإيرانية، متأثراً بارتفاع أسعار الطاقة الذي يدفع البنوك المركزية إلى التحرك بسرعة لمكافحة التضخم.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو بمقدار ربع نقطة مئوية يوم الخميس، كما كان متوقعاً، مع رفع توقعاته للتضخم وخفض توقعاته للنمو الاقتصادي، وفق «رويترز».

وقد تؤدي بيانات تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة، المقرر صدورها في وقت لاحق يوم الجمعة، إلى تعزيز التوقعات بأن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة خلال اجتماعه الأسبوع المقبل. كما يعقد بنك اليابان اجتماعاً الأسبوع المقبل، وسط توقعات واسعة النطاق بأن يرفع هو الآخر تكاليف الاقتراض.

وشهدت عائدات السندات في أكبر سبعة اقتصادات في العالم (مجموعة السبع) أكبر ارتفاع لها هذا الأسبوع منذ بدء الحرب في أواخر فبراير (شباط). وتأثرت العائدات لأجل عامين بشكل خاص، إذ سارع المستثمرون إلى أخذ الاحتمالات المتزايدة لرفع صناع السياسات تكاليف الاقتراض، من طوكيو إلى واشنطن وأوتاوا، في الحسبان، بهدف مواجهة الارتفاع الضار في معدلات التضخم.

وارتفعت عائدات السندات الألمانية لأجل عامين بمقدار 3 نقاط أساس إضافية يوم الجمعة لتصل إلى 3.208 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مسجلة زيادة إجمالية تقارب 23 نقطة أساس هذا الأسبوع، وهي أكبر زيادة منذ الأسبوع الأول للحرب في أوائل مارس (آذار).

وفي المتوسط، ارتفعت عائدات السندات لأجل عامين في دول مجموعة السبع بنحو ربع نقطة مئوية هذا الأسبوع، وهي أكبر زيادة منذ ذلك الأسبوع نفسه، بينما ارتفعت عائدات السندات لأجل 10 سنوات بنحو 20 نقطة أساس، مدفوعة بزيادة قدرها 25 نقطة أساس في عائدات السندات الفرنسية. وفي غضون ذلك، تقترب عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكتوبر 2023، وهو مستوى مرتفع سُجل سابقاً في عام 2007.

وقد تضررت السندات قصيرة الأجل بشدة هذا الأسبوع، إلا أن صناع السياسات والمستثمرين يراقبون عن كثب عوائد السندات طويلة الأجل، التي تعكس ثقة المستثمرين في الأوضاع المالية طويلة الأمد للحكومات.

وقال موهيت كومار، المحلل الاستراتيجي في بنك «جيفريز»: «لقد ابتعدنا عن الاستثمار في السندات طويلة الأجل، التي تتأثر بشدة بتغيرات أسعار الفائدة، منذ شهر يوليو. وما زلنا لا نميل إلى شراء السندات طويلة الأجل. ومع ذلك، قد تشهد أسعار الفائدة انفراجة مؤقتة إذا جاءت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين اليوم عند مستويات معتدلة».

وأضاف: «تتموضع السوق حالياً في مراكز بيع، أي مراهنة على ارتفاع العوائد وانخفاض الأسعار، فيما يتعلق بأسعار الفائدة. لكن هذه المراكز تحتاج إلى محفز، ولا تزال رؤيتنا تشير إلى أن بيانات مؤشر أسعار المستهلكين اليوم واجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع المقبل قد يشكلان هذا المحفز».

وسجلت عوائد السندات الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات، التي ارتفعت بمقدار 17 نقطة أساس هذا الأسبوع، ارتفاعاً طفيفاً بمقدار نقطة أساس واحدة خلال اليوم لتصل إلى 3.5087 في المائة.

وصرحت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، بأن قرار رفع أسعار الفائدة يوم الخميس كان «خطوة بديهية لا تقبل الجدل»، وحذرت من أن عودة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2 في المائة، والتي يُتوقع الآن أن تحدث بحلول نهاية عام 2027، قد تتأخر أكثر من ذلك.

وذكرت مصادر مطلعة على المناقشات أن توقعات التضخم قد تدهورت إلى درجة تجعل من المرجح اتخاذ المزيد من إجراءات التشديد النقدي، وهو خيار قد يُطرح للنقاش في أقرب وقت ممكن بحلول 29 أكتوبر.

وتشير بيانات أسواق المال إلى أن المتداولين يتوقعون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة ثلاث مرات إضافية بحلول مارس المقبل، مع احتمال رفعها للمرة الرابعة بحلول يونيو.

وعلى صعيد منطقة اليورو، ارتفعت العوائد بشكل واسع النطاق؛ إذ بلغ عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات 4.383 في المائة، بزيادة نقطة أساس واحدة، بينما سجلت السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات عائداً قدره 4.429 في المائة، لتظل مستقرة خلال اليوم، لكنها سجلت ارتفاعاً إجمالياً قدره 24 نقطة أساس هذا الأسبوع، وهي أكبر زيادة أسبوعية منذ منتصف مايو (أيار).