الحرارة السياسية تعقّد قرارات محافظي البنوك المركزية خفض الفائدة

بينما يستعد الناخبون في أميركا والمملكة المتحدة للذهاب إلى صناديق الاقتراع

لا تزال الأسواق تتوقع أن يخفض «الفيدرالي» الأميركي الفائدة في سبتمبر وهو موعد اجتماعه الأخير قبل الانتخابات الرئاسية في 5 نوفمبر (الموقع الرسمي للمصرف المركزي)
لا تزال الأسواق تتوقع أن يخفض «الفيدرالي» الأميركي الفائدة في سبتمبر وهو موعد اجتماعه الأخير قبل الانتخابات الرئاسية في 5 نوفمبر (الموقع الرسمي للمصرف المركزي)
TT

الحرارة السياسية تعقّد قرارات محافظي البنوك المركزية خفض الفائدة

لا تزال الأسواق تتوقع أن يخفض «الفيدرالي» الأميركي الفائدة في سبتمبر وهو موعد اجتماعه الأخير قبل الانتخابات الرئاسية في 5 نوفمبر (الموقع الرسمي للمصرف المركزي)
لا تزال الأسواق تتوقع أن يخفض «الفيدرالي» الأميركي الفائدة في سبتمبر وهو موعد اجتماعه الأخير قبل الانتخابات الرئاسية في 5 نوفمبر (الموقع الرسمي للمصرف المركزي)

يعمل تصاعد الحرارة السياسية على تعقيد قرارات أسعار الفائدة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث تدرس المصارف المركزية ما إذا كانت ستخفض تكاليف الاقتراض بينما يستعد الناخبون للذهاب إلى صناديق الاقتراع.

وقال مسؤولون واقتصاديون سابقون إن «بنك إنجلترا» و«بنك الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي يريدان تجنب أي تصور بأنهما يخفضان أسعار الفائدة لمساعدة الحكومات الحالية، مما يزيد من احتمالية انحرافهما عن التحركات التي اقتربت كثيراً من يوم الاقتراع، وفق صحيفة «فاينانشيال تايمز».

الوضع صعب بشكل خاص بالنسبة إلى «بنك إنجلترا»؛ وفقاً لصانعي السياسة النقدية السابقين، نظراً إلى أن اجتماعه المقبل يعقد قبل أسبوعين فقط من الانتخابات العامة في 4 يوليو (تموز) المقبل. وأشار المحافظ آندرو بيلي إلى أن خفض سعر الفائدة قريب.

وقال تشارلز غودهارت، العضو السابق في لجنة السياسة النقدية في «بنك إنجلترا»: «المصارف المركزية لا تريد أن تبدو كأنها تمارس السياسة على الإطلاق، لذا فإن أسهل شيء هو عدم فعل أي شيء... لكن إذا لم تحرك أسعار الفائدة هذا الشهر، فيمكن فعل ذلك في الشهر المقبل».

بعد رفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات عدة في الاستجابة لأسوأ ارتفاع للتضخم منذ جيل كامل، أصبحت المصارف المركزية الغربية الآن تحت ضغط شديد لعكس الاتجاه. و«بنك كندا» و«البنك المركزي الأوروبي» من بين البنوك التي اتخذت بالفعل خطوتها الأولى نحو سياسة نقدية أكثر مرونة، فقد نفذت أول تخفيضاتها الأسبوع الماضي.

لكن «بنك الاحتياطي الفيدرالي» و«بنك إنجلترا» يتخلفان عن الركب في الوقت الذي يدرسان فيه تأثيرات تضخم الخدمات الثابتة.

وفي الولايات المتحدة، يواجه «بنك الاحتياطي الفيدرالي» حملة انتخابية أطول كثيراً من تلك التي تواجهها العملية المتسارعة في المملكة المتحدة. ولا تزال الأسواق تتوقع أن يخفض «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة في منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل، وهو موعد اجتماعه الأخير قبل الانتخابات الرئاسية في 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من تقرير الوظائف القوي يوم الجمعة.

لكن البعض يعتقد أن هذا قد يكون صعباً على صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة. وقال آدم بوسن، مدير «معهد بيترسون للاقتصاد الدولي» والعضو السابق في لجنة السياسة النقدية، إن الاقتصاد الأميركي القوي يعني أنه من غير المرجح أن يضع «الاحتياطي الفيدرالي» نفسه في دائرة الضوء من خلال خفض أسعار الفائدة قبل الانتخابات.

وأضاف: «لا يمكن لـ(بنك الاحتياطي الفيدرالي) أن يضع نفسه في حالة تعليق إلى أجل غير مسمى، وينبغي له ألا يشير إلى أنه سيظل معلقاً». لكنه أضاف أن تخفيضات أسعار الفائدة غير محتملة حتى سبتمبر المقبل، و«إذا سمحت البيانات بذلك، فسيحاولون جاهدين تحاشي فعل أي شيء حتى نوفمبر» المقبل.

وبينما يواجه الرئيس الأميركي جو بايدن ضغوطاً سياسية من بعض الديمقراطيين، فقد كان هو ووزيرة خزانته، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» السابقة، جانيت يلين، عازمَين على أنهما لا يريدان المساس باستقلال البنك المركزي.

ويمكن لهذه البيانات أن تشتري الوقت لـ«بنك الاحتياطي الفيدرالي». ولا يزال تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي، عند 2.7 في المائة، أعلى بكثير من هدفه البالغ اثنين في المائة. فيما سوق العمل تتباطأ أكثر مما كان متوقعاً.

وقال إسوار براساد، الأستاذ في جامعة كورنيل، إن أرقام الوظائف في مايو (أيار) الماضي تستبعد بشكل شبه مؤكد خفض الوظائف في يوليو المقبل.

وأضاف: «إن أي إجراء من جانب (بنك الاحتياطي الفيدرالي)، الذي يبدو غير مرجح في الصيف، قد يجري دفعه الآن بشكل غير مريح بالقرب من انتخابات نوفمبر. الجمع بين التوظيف القوي ونمو الأجور، جنباً إلى جنب مع الضغوط التضخمية المستمرة، يسلط الضوء على زخم النمو المستدام».

لقد أجل «بنك الاحتياطي الفيدرالي» بالفعل اجتماعه في شهر نوفمبر بحيث يعقد بعد الانتخابات. وحدثت هذه الفجوة أيضاً في عام 2020.

ومع ذلك، يرى آخرون أن «بنك الاحتياطي الفيدرالي» من غير المرجح أن يسمح لتوقيت الانتخابات العامة بلعب دور. وقال نائب رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» السابق، دونالد كوهن، إن رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، «كان واضحاً للغاية في أن قراراتهم ليست مدفوعة بالسياسة؛ بل بالاقتصاد. أنا واثق بأنه سيلتزم بذلك».

وأضاف: «لذلك؛ إذا وصلنا إلى سبتمبر وضعفت سوق العمل وظل التضخم منخفضاً، فلا أرى سبباً لعدم خفض أسعار الفائدة».

وفي المملكة المتحدة، قال سوشيل وادواني، وهو عضو سابق آخر في لجنة السياسة النقدية، إنه لا يوجد سبب من حيث المبدأ يمنع «بنك إنجلترا» من التحرك قبل الانتخابات. لقد صوّت لخفض أسعار الفائدة قبل يوم واحد فقط من الانتخابات العامة في يونيو (حزيران) 2001، على الرغم من أن الأغلبية اختارت إبقاءها معلقة. لكنه أضاف: «الوضع الحالي أكثر صعوبة بالنسبة إلى البنك؛ لأنهم (السياسيون) كانوا يتحدثون أكثر (عن أسعار الفائدة)».

وقال بيلي الشهر الماضي إن أعضاء لجنة السياسة النقدية «لا يناقشون السياسة مطلقاً» في اجتماعاتهم، و«مهمتنا هي اتخاذ قرارات تتفق مع اختصاصاتنا».

لكن رئيس الوزراء البريطاني، ريشي سوناك، أشار الشهر الماضي إلى أن التصويت لمصلحة حزب المحافظين بدلاً من حزب العمال المعارض سيكون بمثابة تصويت لمصلحة تكاليف اقتراض أرخص، في تدخل بدا متجاهلاً استقلال «بنك إنجلترا».

وقال مارتن ويل، عضو لجنة السياسة النقدية من 2010 إلى 2016: «كانت هذه الحكومة الأخيرة أكثر استعداداً لتقديم وجهات نظر حول السياسة النقدية مقارنة بالحكومات السابقة؛ لا يبدو أنها تفهم حقاً مفهوم الاستقلال التشغيلي. لو كنت عضواً في لجنة السياسة النقدية؛ فأعتقد أنني كنت سأحتاج إلى سبب وجيه بشكل خاص لإجراء تغيير قبل وقت قصير من الانتخابات العامة».

وكانت أرقام التضخم في المملكة المتحدة لشهر أبريل (نيسان) الماضي أقوى من المتوقع، في حين انخفض نمو مؤشر أسعار المستهلكين في قطاع الخدمات بشكل هامشي فقط إلى 5.9 في المائة؛ وهو أعلى بكثير من مستوى 5.5 في المائة الذي توقعه «بنك إنجلترا».

ولكن إذا أظهرت أرقام التضخم لشهر مايو الماضي، التي من المقرر نشرها في 19 يونيو الحالي، تراجعاً ملحوظاً في أسعار المستهلكين، فإن الحجة المؤيدة لخفض فوري لسعر الفائدة من 5.25 في المائة في الاجتماع التالي لـ«بنك إنجلترا» قد تتفوق على أي حسابات سياسية.


مقالات ذات صلة

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

الاقتصاد باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد باول خلال مؤتمر صحافي بعد قرار «لجنة السياسة النقدية» في ديسمبر الماضي (رويترز)

«الفيدرالي» يتمترس خلف تثبيت الفائدة في وداع باول

وجد «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي نفسه، يوم الأربعاء، محاصراً بين مطرقة التضخم النفطي المشتعل، وسندان التحول السياسي الوشيك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو قرب ذروة أسابيع مع تصاعد مخاوف التضخم

تداول المستثمرون عوائد السندات السيادية في منطقة اليورو قرب أعلى مستوياتها في عدة أسابيع يوم الأربعاء مع استمرار الجمود في الجهود الرامية لإنهاء الحرب في إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد العلم السويدي في أحد شوارع استوكهولم (رويترز)

الاقتصاد السويدي ينكمش في بداية 2026 وسط مخاوف من تداعيات الحرب

أظهرت بيانات أولية صدرت يوم الأربعاء انكماش الاقتصاد السويدي في بداية عام 2026، مع تصاعد المخاوف من أن الصراع في الشرق الأوسط قد يزيد من حالة عدم اليقين.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي التايلاندي في بانكوك (رويترز)

«المركزي التايلاندي» يُبقي الفائدة ثابتة وسط ضغوط النفط وضعف الاستهلاك

أبقى البنك المركزي التايلاندي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، خلال اجتماعه يوم الأربعاء، كما كان متوقعاً، في ظل تقييم تأثير ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.