«تسلا» تراهن على الصين لتطوير نظام القيادة الذاتية

الشركة تخطط لإنشاء مركز بيانات في بكين

سيارة كهربائية من طراز «تسلا موديل 3» معروضة في صالة عرض «تسلا» في بكين (رويترز)
سيارة كهربائية من طراز «تسلا موديل 3» معروضة في صالة عرض «تسلا» في بكين (رويترز)
TT

«تسلا» تراهن على الصين لتطوير نظام القيادة الذاتية

سيارة كهربائية من طراز «تسلا موديل 3» معروضة في صالة عرض «تسلا» في بكين (رويترز)
سيارة كهربائية من طراز «تسلا موديل 3» معروضة في صالة عرض «تسلا» في بكين (رويترز)

تمضي شركة «تسلا» قدماً في خططها لدعم التطوير العالمي لنظام القيادة الذاتية الخاص بها ببيانات من الصين يمكن معالجتها داخل البلاد، وذلك في إطار تحول استراتيجي لإيلون ماسك، وفقاً لشركة «تسلا».

وكجزء من هذا الجهد، تعمل الشركة على تطوير خطط لإنشاء مركز بيانات في الصين لتدريب الخوارزمية اللازمة لمركبات ذاتية القيادة بشكل كامل، وفقاً لشخصين طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأن العمل لا يزال خاصاً، وفق «رويترز».

وحتى وقت قريب، ركزت «تسلا» على الجهود المبذولة للحصول على موافقة الجهات التنظيمية الصينية لنقل البيانات الناتجة عن سياراتها الكهربائية في الصين إلى خارج البلاد من أجل نظام «القيادة الذاتية الكاملة»، وفقاً لعدة مصادر مطلعة.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت «تسلا» ستمضي في خيارين لإدارة بيانات القيادة الذاتية من الصين - نقل البيانات وإنشاء مركز بيانات محلي - أم أنها تطور خططاً موازية تحسباً للتغييرات المستقبلية.

وتؤكد مساعي «تسلا» على سرعة تحول صانعة السيارات الكهربائية نحو تحقيق اختراق في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك في وقت يتباطأ فيه الطلب على السيارات الكهربائية ويزداد فيه التنافس.

ويأتي سعيها لتحقيق الاستخدام الكامل للبيانات من المركبات في الصين لتطوير الذكاء الاصطناعي لصناعة السيارات للقيادة في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة الأميركية تضييق الخناق على نقل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من الشركات الأميركية إلى الصين.

ولم تتمكن «تسلا» بعد من تقديم النسخة الكاملة من نظام القيادة الذاتية، والتي تبلغ تكلفتها ما يعادل نحو 9 آلاف دولار أميركي، في الصين.

ومن شأن توفير سوق أوسع لنظام القيادة الذاتية الكاملة في الصين أن يعزز إيرادات وأرباح الشركة في الوقت الذي تتعرض فيه لضغوط من منافسين صينيين مثل «بي واي دي».

ولإنشاء مركز بيانات في الصين لتطوير نظام القيادة الذاتية الكاملة، ستحتاج «تسلا» إلى العمل مع شريك صيني، وفقاً لاثنين من المصادر. وهناك أيضاً تحد محتمل في الحصول على المعدات اللازمة.

وتجري «تسلا» محادثات مع شركة «إنفيديا» لشراء وحدات معالجة الرسومات لمركز بيانات في الصين، وفقاً لأحد المصادر. لكن العقوبات الأمريكية تمنع «إنفيديا» وشركاءها من بيع رقائقها الأكثر تقدماً في الصين.

وحظيت حملة «تسلا» للاستفادة بشكل أكبر من البيانات الواردة من الصين بزخم كبير خلال زيارة خاطفة قام بها ماسك إلى بكين الشهر الماضي حيث التقى بمسؤولين بما في ذلك رئيس الوزراء لي تشيانغ.

وخلال اجتماعه مع لي، سعى ماسك إلى تسهيل الحصول على تصاريح لنقل بيانات «تسلا» خارج الصين، وفقاً لمصدرين. كما تم طرح إمكانية استثمار «تسلا» في مركز بيانات في الصين.

أهمية بيانات الصين

تحتل الصين، أكبر سوق للسيارات في العالم، الصدارة في امتلاك أكبر أسطول من السيارات المجهزة بأجهزة استشعار والتي لديها القدرة على جمع البيانات من المدن المزدحمة ذات أنماط المرور المعقدة، ما يجعل البيانات التي يتم جمعها هناك قيمة بالنسبة لشركات صناعة السيارات وموفري الذكاء الاصطناعي.

وفي السابق، أعرب ماسك عن معارضته لإنشاء مركز بيانات مقره الصين، بحجة أن نقل البيانات إلى الولايات المتحدة هو الخيار الأكثر كفاءة، وفقاً لمصدرين.

ومنذ عام 2021، تخزن «تسلا» البيانات التي تم جمعها من سياراتها الكهربائية الصينية في شنغهاي. وخلال تلك الفترة، كان فريق «تسلا» الصيني يسعى للحصول على موافقات من الجهات التنظيمية الصينية لنقل البيانات خارج البلاد.

وبموجب مشروع تجريبي لمدة عام واحد، سيُسمح للشركات في منطقة لينغانغ في شنغهاي، حيث يقع مصنع «تسلا»، بنقل بيانات معينة دون الحاجة إلى إجراء مزيد من تقييمات الأمن، حسبما ذكرت «رويترز» يوم الجمعة.

ويرى بعض المحللين أن ماسك يحاول جعل الصين منطلقاً للقيادة الذاتية بنفس الطريقة التي سمح بها رهان «تسلا» عام 2019 على مصنعها العملاق في شنغهاي باختراق سوق السيارات الكهربائية واسعة النطاق.

وقال المدير العام لشركة الاستشارات «أونومايتف فورسايت»، ييل تشانغ، ومقرها شنغهاي: «سيكون إنجازاً كبيراً بالنسبة لـ(تسلا) إذا قامت بطرح نظام القيادة الذاتية الكاملة في الصين والاستفادة من بيانات الصين لتدريب الخوارزميات».

وأضاف: «لعبت الصين دوراً رئيسياً في توسيع إنتاج السيارات الكهربائية لشركة (تسلا) مع مصنع شنغهاي. وستلعب دوراً مهماً مرة أخرى في توسيع نطاق اعتماد تكنولوجيا القيادة الذاتية».

وتعد ميزات مساعدة السائق المتوفرة الآن في الصين أنظمة من «المستوى الثاني»، ما يعني أنها تتطلب وجود سائق جاهز للتدخل. كما أن نظام القيادة الذاتية الكاملة من «تسلا» وخياراته الأقل تقدماً مثل «أوتو بايلوت»، هي أيضاً أنظمة من المستوى الثاني تتطلب سائقين يقظين.

وتعمل أساطيل المركبات ذاتية التشغيل جزئياً التي تديرها شركة «بايدو»، أكبر محرك بحث صيني، وشركة «بوني دوت إيه آي»، وهي شركة ناشئة في مجال القيادة الذاتية، في مناطق اختبار محدودة.

لكن شركات صناعة السيارات الكهربائية الصينية، بما في ذلك «بي واي دي»، تضع القيادة الذاتية وأنظمة مساعدة السائق المتقدمة على رأس أولوياتها. وقد حصلت «مرسيدس» و«بي إم دبليو» على تراخيص لاختبار أنظمة المستوى الثالث التي تسمح للسائقين برفع أيديهم عن عجلة القيادة وإبعاد نظرهم عن الطريق على مساحات أوسع من الطرق في الصين.

وحصل ما لا يقل عن خمسة مصنعين للسيارات - «هيونداي» و«مازدا» و«تويوتا» و«فولكس فاغن» و«نيسان» - على موافقة لنقل بعض بياناتهم خارج الصين، ولكن وفقاً للمحامين وتقارير وسائل الإعلام الحكومية والمحللين، لم يكن أي من هذه الموافقات لاستخدام البيانات في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وتعد العقوبات المفروضة على انتهاك قوانين خصوصية البيانات التي دخلت حيز التنفيذ في الصين عام 2021 عامل خطر رئيسيا على عمليات البيانات، وفقاً لما تقوله مجموعات تمثل الشركات الأجنبية في الصين.

وعندما سئل ماسك عن المنافسة من شركات صناعة السيارات الكهربائية الصينية خلال مكالمة مع المستثمرين بعد أرباح «تسلا» الفصلية الشهر الماضي، قال إن «تسلا» يجب أن يُنظر إليها أكثر على أنها شركة ذكاء اصطناعي.

وأعرب عن ثقته بأن نظام القيادة الذاتية الكاملة من «تسلا» سيعمل «بشكل جيد جداً بدون تعديل في أي سوق تقريباً». وقال ماسك إن النظام سيعمل بشكل أفضل مع تدريب «خاص بالبلد».


مقالات ذات صلة

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

تكنولوجيا «أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» تنقل القيادة إلى جون تيرنوس مع احتفاظ تيم كوك بدور رئيس المجلس وسط ضغوط الذكاء الاصطناعي، واختبار المرحلة المقبلة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا تقدّم تعلّماً تفاعلياً للغات قائماً على المواقف اليومية بالذكاء الاصطناعي (مختبرات غوغل)

بعد عام على إطلاقها… كيف تعمل تجربة «غوغل» لتعلّم اللغات؟

بعد نحو عام على طرحها، تواصل شركة «غوغل» اختبار تجربة تعليم اللغات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحت اسم «Little Language Lessons»، ضمن منصتها «مختبرات غوغل».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

أكد خبير في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية؛ إذ نشهد انتقالاً عميقاً للحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة…

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» (أ.ف.ب)

الصين تتحرك لضبط ظاهرة «البشر الرقميين» المولدين بالذكاء الاصطناعي

انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» تسعى السلطات إلى وضع ضوابط تنظيمية لها.

«الشرق الأوسط» (بكين)

الأسهم الأوروبية ترتفع بشكل طفيف وسط تفاؤل حذر بمحادثات السلام

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية ترتفع بشكل طفيف وسط تفاؤل حذر بمحادثات السلام

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

سجلت الأسهم الأوروبية ارتفاعاً طفيفاً يوم الثلاثاء، بعد خسائر في الجلسة السابقة، وسط تفاؤل حذر لدى المستثمرين بشأن استمرار مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، مع اقتراب الموعد النهائي لاتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنسبة 0.1 في المائة، ليصل إلى 621.99 نقطة بحلول الساعة 07:13 بتوقيت غرينتش، وفق «رويترز».

كما سجلت المؤشرات الإقليمية الرئيسية مكاسب محدودة؛ إذ ارتفع مؤشر «داكس» بنسبة 0.6 في المائة، فيما صعد مؤشر «فوتسي 100» بنسبة 0.1 في المائة.

وتشير التطورات الدبلوماسية إلى بقاء قنوات التواصل مفتوحة، مع إبداء مسؤولين أميركيين تفاؤلهم باستمرار المحادثات، في حين أفاد مسؤول إيراني رفيع بأن طهران تدرس المشاركة رغم استمرار العقبات وعدم اليقين مع اقتراب انتهاء الهدنة.

وجاء أداء الأسواق مدفوعاً أيضاً بانتعاش من خسائر جلسة الاثنين، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط في بداية التداولات، مما عزز رهانات المستثمرين على إمكانية استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران خلال الأسبوع.

وتصدّر قطاع التكنولوجيا المكاسب بارتفاع بلغ 1 في المائة، في حين جاء قطاع الرعاية الصحية في ذيل القائمة متراجعاً بنسبة 0.6 في المائة.

وفي تحركات لافتة، هبطت أسهم شركة «رويال يونيبرو» بنسبة 13 في المائة، متجهة نحو أسوأ أداء يومي منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بعد إعلان الشركة إنهاء شراكتها مع موزعي «بيبسي» في شمال أوروبا.


تراجع واردات الهند من النفط الخام في مارس نتيجة حرب إيران

شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)
شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)
TT

تراجع واردات الهند من النفط الخام في مارس نتيجة حرب إيران

شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)
شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن أن واردات الهند من النفط الخام تراجعت بنسبة 13 في المائة خلال مارس (آذار)، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب في فبراير (شباط)، في ظل تحوّل حاد في مصادر الإمداد لصالح روسيا، التي رفعت حصتها إلى مستويات قياسية، بعد اضطرابات في تدفقات النفط من الشرق الأوسط نتيجة الصراع الأميركي-الإسرائيلي مع إيران وتوقف الشحنات عبر مضيق هرمز.

وحسب بيانات من مصادر في قطاع النفط، استوردت الهند، ثالث أكبر مستهلك ومستورِد للنفط في العالم، نحو 4.5 مليون برميل يومياً من الخام في مارس.

وسجلت واردات النفط الروسي قفزة لافتة لتتضاعف تقريباً مقارنة بفبراير، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 2.25 مليون برميل يومياً، مما رفع حصتها من إجمالي واردات الهند إلى مستوى غير مسبوق بلغ 50 في المائة، وفق «رويترز».

في المقابل، تراجعت واردات الهند من نفط الشرق الأوسط بنسبة 61 في المائة لتصل إلى 1.18 مليون برميل يومياً، مما أدى إلى انخفاض حصتها إلى أدنى مستوى تاريخي بلغ 26.3 في المائة خلال مارس، مع هبوط شحنات كل من العراق والإمارات العربية المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.

وتوقفت حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، بعد منع إيران والولايات المتحدة مرور السفن، مما أدى إلى اضطراب كبير في تدفقات الخام.

كما تعرضت سفينتان ترفعان العلم الهندي لهجمات في أثناء محاولتهما عبور المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، في مؤشر على تصاعد المخاطر في مسارات الشحن.

وأوضحت البيانات أن الهند لجأت إلى تعويض النقص عبر زيادة مشترياتها من النفط الروسي المنقول بحراً، مستفيدة من ترتيبات استثنائية تسمح باستيراد الخام الخاضع للعقوبات.

وتوقعت المصادر استمرار قوة الإمدادات الروسية، خصوصاً بعد تجديد استثناء يسمح بشراء النفط الروسي المنقول بحراً لفترة إضافية قصيرة.

وفي التوزيع الشهري للموردين، واصلت روسيا تصدر قائمة موردي النفط للهند في مارس، تلتها السعودية التي حلت محل العراق بوصفها ثاني أكبر مورد، ثم أنغولا التي عززت صادراتها لتعويض تراجع الإمدادات من الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الإمارات والعراق.

وبفعل هذا التحول، تراجعت حصة نفط منظمة «أوبك» في إجمالي واردات الهند إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 29 في المائة.

أما على مستوى السنة المالية المنتهية في مارس 2026 فقد انخفضت واردات الهند من النفط الروسي بنسبة 6.2 في المائة على أساس سنوي، نتيجة تقليص بعض المصافي مشترياتها في إطار اعتبارات تجارية وسياسية مرتبطة بالعلاقات مع الولايات المتحدة، مما أدى إلى تغيّر في توزيع الحصص بين الموردين، مع تراجع نسبي لروسيا وارتفاع محدود في حصة الشرق الأوسط.


«قبلة الموت» الأميركية تنهي أسطورة بنك «إم بائير» السويسري

يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)
يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)
TT

«قبلة الموت» الأميركية تنهي أسطورة بنك «إم بائير» السويسري

يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)
يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)

لطالما ردّد مايكل بائير، سليل العائلة المصرفية العريقة وجسد الجيل الرابع لمؤسس بنك «جوليوس بائير» السويسري، أن العمل المصرفي يسري في جيناته. نشأ «إم بائير» (MBaer) في العصر الذهبي للسرية المصرفية السويسرية، لكن طموحه لإنشاء «بنك ذي روح» انتهى بنهاية مأساوية تحت مقصلة العقوبات الأميركية، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

سقوط تحت المادة «311»

لم يستمر البنك الذي أطلقه بائير في عام 2018 بديلاً للحرس القديم طويلاً؛ ففي فبراير (شباط) الماضي، استخدمت وزارة الخزانة الأميركية المادة «311»، وهي سلطة قانونية نادراً ما تُستخدم، ولكنها تُعرف في الأوساط المالية بـ«قبلة الموت». وبموجبها، صُنف البنك السويسري بوصفه «مخاطرة رئيسية لغسل الأموال»، مما أدى فعلياً إلى قطعه عن النظام المالي العالمي المعتمد على الدولار.

و«المادة 311» ليست مجرد غرامة مالية أو عقوبة إدارية، بل هي «إعدام مالي» خارج الحدود؛ إذ تمنح وزارة الخزانة الأميركية سلطة عزل أي مصرف أجنبي عن النظام المالي العالمي بشكل فوري. وبالتالي، وبمجرد صدور هذا التصنيف، يُحظر على جميع المصارف الأميركية التعامل مع البنك المستهدف أو فتح «حسابات مراسلة» له، مما يعني فعلياً «قطع الأكسجين الدولاري» عنه. وبما أن الدولار هو لغة التجارة العالمية، فإن البنك الذي يُصنّف تحت هذه المادة يفقد قدرته على إجراء أي تحويلات دولية، وتتجنّبه المصارف الأخرى حول العالم مثل «المصاب بالعدوى» خوفاً من ملاحقة واشنطن، مما يؤدي إلى انهياره حتماً مهما بلغت متانة أصوله أو عراقة اسم عائلته المؤسسة.

وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، كان حاسماً في تصريحه حين قال: «لقد ضخ بنك (إم بائير) أكثر من 100 مليون دولار عبر النظام المالي الأميركي لصالح جهات غير مشروعة مرتبطة بإيران وروسيا».

تحدي «الحرس القديم»

عندما طرح مايكل بائير مصرفه بوصفه «بديلاً للحرس القديم» كان يهدف إلى استغلال الفجوة التي تركتها عمالقة المصارف السويسرية، مثل: «يو بي إس» و«جوليوس بائير» التي تحولت تحت وطأة الملاحقات الأميركية إلى مؤسسات شديدة الحذر ومثقلة بالبيروقراطية. ففي حين كان هذا «الحرس القديم» ينسحب من الأسواق الرمادية ويغلق حسابات العملاء في دول تعاني من العقوبات أو الاضطرابات السياسية لتجنب «وجع الرأس» القانوني، قدم بائير مصرفه بوصفه منصة مرنة تتبنى روحاً ريادية؛ حيث كان يطمح لخدمة هؤلاء العملاء «المرفوضين» من قِبل البنوك الكبرى، مراهناً على قدرته على تقديم خدمات شخصية وسريعة تتجاوز جمود الأنظمة الرقابية الآلية للمصارف التقليدية، وهي المقامرة الجريئة التي جعلت بنكه في نهاية المطاف هدفاً مباشراً للمجهر الأميركي.

لكن تقارير شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية (FinCen) رسمت صورة مغايرة؛ إذ عدّت البنك «نقطة وصول حرجة» للدولار لصالح شبكات غسل أموال مرتبطة بمسؤولين روس (بمن فيهم الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف)، وشبكات تهريب نفط تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، بالإضافة إلى قضايا فساد مرتبطة بشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA).

إخفاق الرقابة السويسرية

أثار سقوط البنك تساؤلات قاسية حول كفاءة هيئة الرقابة المالية السويسرية (Finma). ففي حين كانت الشائعات تدور في أروقة زيوريخ حول أنشطة البنك المشبوهة، استغرق المنظم السويسري عامين للتحقيق وإصدار قرار تصفية، وهو القرار الذي تمكن البنك من تجميده عبر الاستئناف القضائي.

يصف أستاذ القانون المتخصص في الجرائم المالية، مارك بيث، تعامل السلطات السويسرية مع القضية بأنه «إحراج»، وفق ما نقلت عنه «فاينانشال تايمز»، مضيفاً: «بينما (فينما) لديها إرث من البطء، تصرفت واشنطن بوحشية وسرعة».

وفي دفاعها، أكدت «فينما» أنها سحبت الترخيص قبل التحرك الأميركي، لكن القانون السويسري منعها من التنفيذ الفوري بسبب إجراءات التقاضي.

أرقام صادمة من داخل التحقيقات

كشفت التحقيقات عن تفاصيل مذهلة داخل البنك؛ إذ تبيّن أن:

  • 80 في المائة من علاقات عملاء البنك كانت مصنّفة بوصفها «عالية المخاطر».
  • 98 في المائة من الأصول الواردة للبنك جاءت من هؤلاء العملاء.
  • استمر البنك في قبول عملاء مشبوهين حتى بعد تحذيرات داخلية من فرق الامتثال.

أضواء مطفأة وأموال مجمّدة

اليوم، يقبع مقر البنك في زيوريخ تحت إشراف المصفين القضائيين. ورغم محاولات الإدارة السابقة رد أموال العملاء، فإن الموقع الإلكتروني للبنك أعلن مؤخراً توقف جميع عمليات السداد بعد قطعه عن نظام المدفوعات بين البنوك السويسرية.

رحلة مايكل بائير، الذي أراد أن يثبت أن المصارف الصغيرة يمكنها تحدي البيروقراطية، انتهت بدرس قاسٍ للقطاع المالي السويسري: في عصر العقوبات العالمية، لا توجد مساحة للرمادية، و«قبلة الموت» الأميركية لا تخطئ هدفها حين يتعلق الأمر بالأمن القومي المالي.